انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير القرطبيالآيات 52–70

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير القرطبي.

ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّى لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ ٱلْخَآئِنِينَ ۝٥٢ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٥٣

قوله تعالى: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ} ٱختلف فيمن قاله، فقيل: هو من قول ٱمرأة العزيز، وهو متصل بقولها: {ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} أي أقررتُ بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت وحدت عن الخيانة؛ ثم قالت: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} بل أنا راودته؛ وعلى هذا هي كانت مقرّة بالصانع، ولهذا قالت: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وقيل: هو من قول يوسف؛ أي قال يوسف: ذلك الأمر الذي فعلته، من رد الرسول «لِيَعْلَمَ» العزيز «أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» قاله الحسن وقَتَادة وغيرهما. ومعنى «بالغيب» وهو غائب. وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك، وقال: «لِيَعْلَمَ» على الغائب توقيراً للملك. وقيل: قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعدُ؛ قال ٱبن عباس: جاء الرسول إلى يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه يحدثه؛ فقال يوسف: {ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} أي لم أَخُنْ سيّدي بالغيب؛ فقال له جبريل عليه السلام: يا يوسف! ولا حين حَلَلْت الإزار، وجلست مجلس الرجل من المرأة؟ٰ فقال يوسف: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} الآية. وقال السّديّ: إنما قالت له ٱمرأة العزيز ولا حين حَلَلْتَ سراويلك يا يوسف؟ٰ فقال يوسف: «وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي». وقيل: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ» من قول العزيز؛ أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ} معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم.

قوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} قيل: هو من قول المرأة. وقال القُشَيْريّ: فالظاهر أن قوله: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ» وقوله: «وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي» من قول يوسف.

قلت: إذا ٱحتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرّىء يوسف من حَلّ الإزار والسّراويل؛ وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه، على ما قدّمناه من القول المختار في قوله: «وَهَمَّ بِهَا». قال أبو بكر الأنباريّ: من الناس من يقول: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» إلى قوله: «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» من كلام ٱمرأة العزيز؛ لأنه متصل بقولها: «أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ» وهذا مذهب الذين ينفون الهمّ عن يوسف عليه السلام؛ فمن بنى على قولهم قال: من قوله: «قَالَتِ آمْرَأَةُ الْعَزِيزِ» إلى قوله: «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ» كلام متصل بعضه ببعض، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة؛ ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه. وقال الحسن: لما قال يوسف: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» كره نبيّ الله أن يكون قد زكّى نفسه فقال: «وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي» لأنّ تزكية النفس مذمومة؛ قال الله تعالى:

{ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ }[النجم: 32] وقد بيّناه في «النساء». وقيل: هو من قول العزيز؛ أي وما أبرىء نفسي من سوء الظن بيوسف. {إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ} أي مشتهية له. {إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} في موضع نصب بالاستثناء؛ و«ما» بمعنى مَنْ؛ أي إلا مَن رحم ربي فعصمه؛ و«ما» بمعنى من كثير؛ قال الله تعالى: { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ }[النساء: 3] وهو ٱستثناء منقطع، لأنه ٱستثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء؛ وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شرّ غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية قالوا: يا رسول الله! هذا شرّ صاحب في الأرض. قال: «فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم»

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ۝٥٤

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} لما ثبت للملك براءته مما نُسب إليه؛ وتحقّق في القصة أمانته، وفهم أيضاً صبره وجَلَده عظمت منزلته عنده، وتيقّن حسن خلاله قال: «ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي» فانظر إلى قول الملك أولاً ـ حين تحقق علمه ـ «ٱئْتُونِي بِهِ» فقط، فلما فعل يوسف ما فعل ثانياً قال: {ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} ورُوي عن وهب بن منَبِّه قال: لما دُعي يوسف وقف بالباب فقال: حسبي ربّي من خلقه، عزَّ جاره وجلّ ثناؤه ولا إلٰه غيره. ثم دخل فلما نظر إليه الملك نزل عن سريره فخرّ له ساجداً؛ ثم أقعده الملك معه على سريره فقال: «إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ». «قَالَ» له يوسف: «اجْعَلْني عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ» للخزائن «عَلِيمٌ» بوجوه تصرفاتها. وقيل: حافظ للحساب، عليم بالألسن. وفي الخبر:

يرحم الله أخي يوسف لو لم يقل ٱجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخَّر ذلك سنة. وقيل: إنما تأخر تمليكه إلى سنة لأنه لم يقل إن شاء الله. وقد قيل في هذه القصة: إن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره؛ ثم سلّم على الملك بالعربية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: هذا لسان عَمِّي إسمعيل، ثم دعا (له) بالعبرانية فقال: ما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب؛ وكان الملك يتكلم بسبعين لساناً، فكلما (تكلم الملك) بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأعجب الملك أمره، وكان يوسف إذ ذاك ٱبن ثلاثين سنة؛ ثم أجلسه على سريره وقال: أحب أن أسمع منك رؤياي، قال يوسف: نعم أيها الملك! رأيتَ سبع بقرات سِمانٍ شُهْباً غُرًّا حساناً، كشف لك عنهن النِّيل فطلعن عليك من شاطئه تَشخُب أخلافها لبناً؛ فبينا أنت تنظر إليهنّ وتتعجب من حسنهنّ إذ نَضَب النِّيل فغار ماؤه، وبدا أُسُّه، فخرج من حَمَئه وَوَحَله سبع بقرات عِجاف شُعْث غُبْر مُقَلَّصات البطون، ليس لهنّ ضروع ولا أخلاف، لهنّ أنياب وأضراس، وأكفّ كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السّباع، فاختلطن بالسِّمان فافترسنهنّ ٱفتراس السّباع، فأكلن لحومهنّ، ومزّقن جلودهنّ، وحطّمن عظامهنّ، ومشمشن مخّهنّ؛ فبينا أنت تنظر وتتعجب كيف غلبنهنّ وهنّ مهازيل! ثم لم يظهر منهنّ سِمَن ولا زيادة بعد أكلهن إذا بسبع سنابل خضر طريات ناعمات ممتلئات حباً وماء، وإلى جانبهنّ سبع يابسات ليس فيهنّ ماء ولا خضرة في منبت واحد، عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أي شيء هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات، وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد، وأصولهن في الماء، إذ هبّت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهنّ؛ فصرن سوداً مغبرات؛ فانتبهتَ مذعوراً أيها الملك؛ فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كان عجباً بأعجب مما سمعتُ منك! فما ترى في رؤياي أيها الصدّيق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع زرعاً كثيراً في هذه السنين المخصبة؛ فإنك لو زرعت على حجر أو مَدَر لنبت، وأظهر الله فيه النّماء والبركة، ثم ترفع الزرع في قصبه وسنبله تبني له المخازن العظام؛ فيكون القصب والسّنبل عَلَفاً للدواب، وحبه للناس، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم إلى أهْرَائك الخُمْس؛ فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك؛ فقال الملك: ومن لي بتدبير هذه الأمور؟ ولو جمعت أهل مصر جميعاً ما أطاقوا، ولم يكونوا فيه أمناء؛ فقال يوسف عليه السلام (عند ذلك): «ٱجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ» أي على خزائن أرضك؛ وهي جمع خِزانة؛ ودخلت الألف واللام عوضاً من الإضافة، كقول النابغة:

لَهُمْ شِيمَةٌ لم يُعْطِهَا الله غَيْرَهُمْمِنَ الجُودِ والأَحْلاَمِ غَيْرُ كَوَاذِبِ

قوله تعالى: {أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} جزم لأنه جواب الأمر؛ وهذا يدلّ على أن قوله: «ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ» جَرَى في السّجن. ويحتمل أنه جرى عند الملك، ثم قال في مجلس آخر: «ٱئْتُونِي بِهِ» تأكيداً «أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي» أي أجعله خالصاً لنفسي، أفوّض إليه أمر مملكتي؛ فذهبوا فجاؤوا به؛ ودلّ على هذا {فَلَمَّا كَلَّمَهُ} أي كلّم الملك يوسف، وسأله عن الرؤيا فأجاب يوسف؛ فـ{قَالَ} الملك: {إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} أي متمكن نافذ القول، «أَمِينٌ» لا تخاف غدراً.

قَالَ ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ ۝٥٥

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ} قال سعيد بن منصور: سمعت مالك بن أنس يقول: مصر خِزَانة الأرض؛ أما سمعت إلى قوله: «ٱجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ» أي على حفظها، فحذف المضاف. {إِنِّي حَفِيظٌ} لما وُلّيْت {عَلِيمٌ} بأمره. وفي التفسير: إني حاسب كاتب؛ وأنه أوّل من كتب في القراطيس. وقيل: «حَفِيظٌ» لتقدير الأقوات «عَلِيمٌ» بسنيّ المجاعات. قال جُويبر عن الضّحّاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رحم الله أخي يوسف لو لم يقل ٱجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أَخَّر ذلك عنه سنة. قال ابن عباس: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتَوجَّه ورَدّاه بسيفه، ووضع له سريراً من ذهب، مكلّلاً بالدرّ والياقوت، وضرب عليه حُلّة من إِسْتَبرق؛ وكان طول السرير ثلاثين ذراعاً وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشاً وستون مِرْفَقة، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوّجاً، لونه كالثلج، ووجهه كالقمر؛ يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه، فجلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن زيد: كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلّم سلطانه كلّه إليه، وهلك قطفير تلك الليالي، فزوّج الملك يوسف راعيل ٱمرأة العزيز، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ٰ فقالت: أيها الصدّيق لا تلمني؛ فإني كنت ٱمرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك الله من الحسن فغلبتني نفسي. فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين: إفراثيم بن يوسف، ومنشا بن يوسف. وقال وهب بن منَبّه: إنما كان تزويجه زليخاء ٱمرأة العزيز بين دخلتي الإخوة، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف، فصارت تَتَكفّف الناس؛ فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زُهَاء مائة ألف من عظماء قومه، فقيل لها: لو تعرّضت له لعله يسعفك بشيء؛ ثم قيل لها: لا تفعلي، فربما ذكربعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء إليك، فقالت: أنا أعلم بخُلُق حبيبي منكم، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه، (قامت) فنادت بأعلى صوتها: سبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكاً بطاعتهم، فقال يوسف: ما هذه؟ فأتوا بها؛ فقالت: أنا التي كنت أخدمك على صدور قدميّ، وأُرَجِّل جُمَّتك بيديّ، وتربيت في بيتي، وأكرمت مثواك، لكن فرط ما فرط من جهلي وعُتوّي فذقت وبال أمري، فذهب مالي، وتضعضع ركني، وطال ذلّي، وعَمِي بصري، وبعد ما كنت مغبوطة أهل مصر صرت مرحومتهم، أتكفّف الناس، فمنهم من يرحمني، ومنهم من لا يرحمني، وهذا جزاء المفسدين؛ فبكى يوسف بكاء شديداً، ثم قال لها: هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئاً؟ فقالت: والله لنظرة إلى وجهك أحب إليّ من الدنيا بحذافيرها، لكن ناولني صدر سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، فوجد للسوط في يده ٱضطراباً وارتعاشاً من خفقان قلبها، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها رسولاً: إن كنتِ أَيِّماً تزوّجناك، وإن كنتِ ذات بعل أغنيناك، فقالت للرّسول: أعوذ بالله أن يستهزىء بي الملك! لم يُردْني أيام شبابي وغناي ومالي وعزّي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟ٰ فأعلمه الرسول بمقالتها، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرّضت له، فقال لها: ألم يبلّغك الرسول؟ فقالت: قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها؛ فأمر بها فأصلح من شأنها وهُيئت، ثم زُفّت إليه، فقام يوسف يصلّي ويدعو الله، وقامت وراءه، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها، فردّ الله عليها شبابها وجمالها وبصرها حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته، إكراماً ليوسف عليه السلام لمّا عَفَّ عن محارم الله، فأصابها فإذا هي عذراء، فسألها؛ فقالت: يا نبيّ الله إن زوجي كان عِنِّيناً لا يأتي النساء، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف؛ قال: فعاشا في خَفْض عيش، في كل يوم يجدّد الله لهما خيراً، وولدت له ولدين، إفراثيم ومنشا. وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في قلبها، فقال لها: ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أوّل مرة؟ فقالت (له): لما ذقت محبة الله تعالى شغلني ذلك عن كل شيء.

الثانية: قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوّض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليومَ غيرُ جائز؛ والأوّل أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماورديّ: فإن كان المولِّي ظالماً فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين: أحدهما: جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف وُلِّي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني: أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلّد أعمالهم؛ فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين: أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحاً، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال الماورديّ: والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصّل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرّد أربابه به قد أغنى عن التقليد. والقسم الثاني: ما لا يجوز أن يتفرّدوا به ويلزم الاجتهاد في مَصْرِفه كأموال الفيء، فلا يجوز تولّيه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث: ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذاً للحكم بين متراضيين، وتوسطاً بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز.

الثالثة: ودلّت الآية أيضاً على جواز أن يخطب الإنسان عملاً يكون له أهلاً؛ فإن قيل: فقد روى مسلم عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلْت إليها وإن أُعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. وعن أبي بُرْدة قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريّين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال:ما تقول يا أبا موسى ـ أو يا عبد الله بن قيس ـ» قال: قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال: وكأني أنظر إلى سِواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال: «لن ـ أو ـ لا نستعمل على عملنا من أرادهوذكر الحديث؛ خرجه مسلم أيضاً وغيره؛ فالجواب: أوّلاً: أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعيّن ذلك عليه، ووجب أن يتولاّها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألاّ يطلب؛ لقوله عليه السلام لعبد الرحمن: لا تسأل الإمارة(وأيضاً) فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك؛ وهذا معنى قوله عليه السلام: وكِل إليهاومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فَرّ منها، ثم إن ٱبتلى بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله:أعِينَ عليها. الثاني: أنه لم يَقل: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الكريم ابن الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيمولا قال: إني جميل مليح، إنما قال: «إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ» فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث: إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: «فَلاَ تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ». الرابع: أنه رأى ذلك فرضاً متعيناً عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم. (الرابعة) ودلّت الآية أيضاً على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل؛ قال الماورديّ: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما ٱقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله؛ فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظَّفر بأهله.

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى ٱلْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَآءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٦ وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ۝٥٧

قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ} أي ومثل هذا الإنعام الذي أنعمنا عليه في تقريبه إلى قلب الملك، وإنجائه من السجن مكنا له في الأرض؛ (أي) أقدرناه على ما يريد. وقال الكِيَا الطَّبَري قوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} دليل على إجازة الحيلة في التوصّل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قوله تعالى:

{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ }[صۤ: 44] وحديث أبي سعيد الخُدْرِيّ في عامل خَيْبَر، والذي أدّاه من التَّمْر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاله.

قلت: وهذا مردود على ما يأتي. يقال: مَكّناه ومكّنا له، قال الله تعالى:

{ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ }[الأنعام: 6]. قال الطَّبريّ: استخلف الملك الأكبر الوليد بن الريّان يوسف على عمل إطفير وعَزَله؛ قال مجاهد: وأسلم على يديه. قال ٱبن عباس: ملّكه بعد سنة ونصف. وروى مقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:لو أن يوسف قال إني حفيظ عليم إن شاء الله لَمُلِّك في وقته. ثم مات إطفير فزوّجه الوليد بزوجة إطفير راعيل، فدخل بها يوسف فوجدها عذراء، وولدت له ولدين: إفراثيم ومنشا، ٱبني يوسف، ومن زعم أنها زَلِيخَاء قال: لم يتزوّجها يوسف، وأنها لما رأته في موكبه بكت، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بالمعصية، والحمد لله الذي جعل العبيد بالطاعة ملوكاً، فضمّها إليه، فكانت من عياله حتى ماتت عنده، ولم يتزوّجها؛ ذكره الماورديّ؛ وهو خلاف ما تقدّم عن وهب، وذكره الثعلبيّ؛ فالله أعلم. ولما فوّض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطّف بالناس، وجعل يدعوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به، وأقام فيهم العدل، فأحبّه الرجال والنساء، قال وهب والسُّديّ وابن عباس وغيرهم: ثم دخلت السنون المخصبة، فأمر يوسف بإصلاح المزارع، وأمرهم أن يتوسعوا في الزراعة، فلما أدركت الغَلّة أمر بها فجمعت، ثم بنى لها الأَهْرَاءَ، فجمعت فيها في تلك السنة غَلّة ضاقت عنها المخازن لكثرتها، ثم جمع عليه غلّة كل سنة كذلك، حتى إذا انقضت السبع المخصبة وجاءت السنون المجدبة نزل جبريل وقال: يا أهل مصر جوعوا؛ فإن الله سلّط عليكم الجوع سبع سنين. وقال بعض أهل الحكمة: للجوع والقحط علامتان: إحداهما: أن النفس تحب الطعام أكثر من العادة، ويسرع إليها الجوع خلاف ما كانت عليه قبل ذلك، وتأخذ من الطعام فوق الكفاية. والثانية: أن يفقد الطعام فلا يوجد رأساً ويعزّ إلى الغاية، فٱجتمعت هاتان العلامتان في عهد يوسف، فانتبه الرجال والنساء والصبيان ينادون الجوع الجوع ويأكلون ولا يشبعون، وانتبه الملك، ينادي الجوع الجوع قال: فدعا له يوسف فأبرأه الله من ذلك، ثم أصبح فنادى يوسف في أرض مصر كلها؛ معاشر الناس! لا يزرع أحد زرعاً فيضيع البذر ولا يطلع شيء. وجاءت تلك السنون بهول عظيم لا يوصف؛ قال ٱبن عباس: لما كان ابتداء القحط بينا الملك في جوف الليل أصابه الجوع في نصف الليل، فهتف الملك يا يوسف! الجوع الجوع فقال يوسف: هذا أوان القحط؛ فلما دخلت أوّل سنة من سنيّ القحط هلك فيها كل شيء أعدّوه في السنين المخصِبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف؛ فباعهم أوّل سنة بالنقود، حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه؛ وباعهم في السنة الثانية بالحليّ والجواهر، حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء؛ وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب، حتى ٱحتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء، حتى ٱحتوى على الكل؛ وباعهم في السنة الخامسة بالعقار والضيّاع، حتى ملكها كلها؛ وباعهم في السنة السادسة بأولادهم ونسائهم فاسترقهم جميعاً وباعهم في السنة السابعة برقابهم، حتى لم يبق (في السنة السابعة) بمصر حر ولا عبد إلا صار عبداً له؛ فقال الناس: والله ما رأينا ملكاً أجلّ ولا أعظم من هذا؛ فقال يوسف لملك مصر: كيف رأيت صنع ربي فيما خَوّلني! والآن كل هذا لك، فما ترى فيه؟ فقال: فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت، وإنما نحن لك تبع؛ وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك، ولا أنا إلا من بعض مماليكك، وخَوَل من خَوَلك؛ فقال يوسف عليه السلام: إني لم أعتقهم من الجوع لأستعبدهم، ولم أُجرهم من البلاء لأكون عليهم بلاء؛ وإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم، ورددت عليك ملكك بشرط أن تستنّ بسنّتي. ويروى أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع من طعام في تلك السنين، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع؛ وأمر يوسف طباخ الملك أن يجعل غذاءه نصف النهار، حتى يذوق الملك طعم الجوع، فلا ينسى الجائعين؛ فمن ثَمَّ جعل الملوك غذاءهم نصف النهار.

قوله تعالى: {نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ} أي بإحساننا؛ والرحمة النعمة والإحسان. {وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي ثوابهم. وقال ٱبن عباس ووهب: يعني الصابرين؛ لصبره في الجبّ، وفي الرقّ، وفي السِّجن، وصبره عن محارم الله عما دعته إليه المرأة. وقال الماورديّ: وٱختلف فيما أوتيه يوسف من هذه الحال على قولين: أحدهما: أنه ثواب من الله تعالى على ما ٱبتلاه. الثاني: أنه أنعم الله عليه بذلك تفضلاً منه عليه، وثوابه باق على حاله في الآخرة.

قوله تعالى: {وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ خَيْرٌ} أي ما نعطيه في الآخرة خير وأكثر مما أعطيناه في الدنيا؛ لأن أجر الآخرة دائم، وأجر الدنيا ينقطع؛ وظاهر الآية العموم في كل مؤمن متّق؛ وأنشدوا:

أَمَا في رسول الله يوسف أُسْوَةٌلمثلك محبوساً على الظُّلَم والإِفْكِأقامَ جَميلَ الصّبر في الحبس بُرهةفآل به الصّبرُ الجميلُ إلى المُلْك

وكتب بعضهم إلى صديق له:

وراء مَضيقِ الخوف مُتَّسعُ الأَمْنِوأوّل مفروحٍ به آخرُ الحزنِفلا تَيْأَسَنْ فالله مَلَّكَ يوسفَاخزائنَه بعد الخلاصِ من السِّجنِ

وأنشد بعضهم:

إذا الحادثاتُ بَلَغْنَ النُّهَىوَكادت تَذُوبُ لَهُنَّ المُهَجْوحَلَّ البلاءُ وقَلَّ العَزَاءفعند التَّنَاهِي يكونُ الفَرَجْ

والشعر في هذا المعنى كثير.

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ ۝٥٨

قوله تعالى: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ} أي جاؤوا إلى مصر لما أصابهم القحط ليمتاروا؛ وهذا من ٱختصار القرآن المعجز. قال ٱبن عباس وغيره: لما أصاب الناس القحط والشدّة، ونزل ذلك بأرض كنعان بعث يعقوب عليه السلام ولده لِلْميرة، وذاع أمر يوسف عليه السلام في الآفاق، للينه وقربه ورحمته ورأفته وعدله وسيرته؛ وكان يوسف عليه السلام حين نزلت الشدّة بالناس يجلس (للناس) عند البيع بنفسه، فيعطيهم من الطعام على عدد رؤوسهم، لكل رأس وَسْقاً. {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ} يوسف {وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} لأنهم خلّفوه صبياً، ولم يتوهموا أنه بعد العبودية يبلغ إلى تلك الحال من المملكة، مع طول المدّة؛ وهي أربعون سنة. وقيل: أنكروه لأنهم اعتقدوا أنه ملك كافر: وقيل: رأوه لابس حرير، وفي عنقه طوق ذهب، وعلى رأسه تاج، وقد تزيّا بزيّ فرعون مصر؛ ويوسف رآهم على ما كان عهدهم في الملبس والحلية. ويحتمل أنهم رأوه وراء ستر فلم يعرفوه. وقيل: أنكروه لأمر خارق ٱمتحاناً ٱمتحن الله به يعقوب.

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّىٓ أُوفِى ٱلْكَيْلَ وَأَنَا۠ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ ۝٥٩ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِۦ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُونِ ۝٦٠ قَالُوا۟ سَنُرَٰوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ ۝٦١

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} يقال جَهَّزتُ القوم تَجهيزاً أي تكلّفت لهم بجَهازهم للسفر؛ وجهاز العروس ما يحتاج إليه عند الإهداء إلى الزّوج؛ وجوّز بعض الكوفيين الجهاز بكسر الجيم؛ والجهاز في هذه الآية الطعام الذي ٱمتاروه من عنده. قال السّديّ: وكان مع إخوة يوسف أحد عشر بعيراً، وهم عشرة، فقالوا ليوسف: إنّ لنا أخاً تخلّف عنا، وبعيره معنا؛ فسألهم لِمَ تخلف؟ فقالوا: لحبّ أبيه إياه، وذكروا له أنه كان له أخ أكبر منه فخرج إلى البريّة فهلَكَ؛ فقال لهم: أردت أن أرى أخاكم هذا الذي ذكرتم، لأعلم وجه محبة أبيكم إيّاه، وأعلم صدقكم؛ ويروى أنهم تركوا عنده شمعون رهينة، حتى يأتوا بأخيه بنيامين. وقال ابن عباس قال (يوسف) للترجمان قل لهم: لغتكم مخالفة للغتنا، وزيّكم مخالف لزيّنا، فلعلكم جواسيس؛ فقالوا: والله! ما نحن بجواسيس، بل نحن بَنُو أبٍ واحد، فهو شيخ صدّيق؛ قال: فكم عِدّتكم؟ قالوا: كنا ٱثني عشر فذهب أخ لنا إلى البرية فهلك فيها؛ قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا؛ قال: فمن يعلم صدقكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا أحد، وقد عرفناك أنسابنا، فبأي شيء تسكن نفسك إلينا؟ فقال يوسف: {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} إن كنتم صادقين؛ فأنا أرضى بذلك {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} أي أتمّه ولا أبخسه، وأزيدكم حمل بعير لأخيكم {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} توعدهم ألاّ يبيعهم الطعام إن لم يأتوا به.

قوله تعالى: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه رخّص لهم في السعر فصار زيادة في الكيل. والثاني: أنه كال لهم بمكيال واف. {وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه خير المضيفين، لأنه أحسن ضيافتهم؛ قاله مجاهد. الثاني: وهو محتمل؛ أي خير من نزلتم عليه من المأمونين؛ وهو على التأويل الأوّل مأخوذ من النُّزْل وهو الطعام، وعلى الثاني من المنزل وهو الدار.

قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي} أي فلا أبيعكم شيئاً فيما بعد، لأنه قد وفّاهم كيلهم في هذه الحال. {وَلاَ تَقْرَبُونِ} أي لا أنزلكم عندي منزلة القريب، ولم يرد أنهم يبعدون منه ولا يعودون إليه؛ لأنه على العَود حَثّهم. قال السُّديّ: وطلب منهم رهينة حتى يرجعوا؛ فارتهن شمعون عنده؛ قال الكَلْبِيّ: إنما اختار شمعون منهم لأنه كان يوم الجبّ أجملهم قولاً، وأحسنهم رأياً. و«تَقْرَبُونِ» في موضع جزم بالنهي، فلذلك حذفت منه (النون وحذفت) الياء؛ لأنه رأس آية؛ ولو كان خبراً لكان «تقربون» بفتح النون.

قوله تعالى: {قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ} أي سنطلبه منه، ونسأله أن يرسله معنا. {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} أي لضامنون المجيء به، ومحتالون في ذلك.

مسألة: إن قيل: كيف ٱستجاز يوسف إدخال الحزن على أبيه بطلب أخيه؟ قيل له: عن هذا أربعة أجوبة: أحدها: يجوز أن يكون الله عز وجل أمره بذلك ٱبتلاء ليعقوب، ليعظم له الثواب؛ فاتبع أمره فيه. الثاني: يجوز أن يكون أراد بذلك أن ينبه يعقوب على حال يوسف عليهما السلام. الثالث: لتتضاعف المسرّة ليعقوب برجوع ولديه عليه. الرابع: ليقدم سرور أخيه بالاجتماع معه قبل إخوته؛ لميل كان منه إليه؛ والأوّل أظهر، والله أعلم.

وَقَالَ لِفِتْيَٰنِهِ ٱجْعَلُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ فِى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٦٢

قوله تعالى: {وَقَالَ لِفِتْيَتِهِ} هذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم؛ وهي ٱختيار أبي حاتم والنحاس وغيرهما. وقرأ سائر الكوفيين «لِفِتْيَانِهِ» وهو ٱختيار أبي عبيد؛ وقال: هو في مصحف عبد الله كذلك. قال الثعلبي: وهما لغتان جيدتان؛ مثل الصبيان والصبية قال النحاس: «لِفِتْيَانِهِ» مخالف للسواد الأعظم؛ لأنه في السواد لا ألف فيه ولا نون، ولا يترك السواد المجتمع عليه لهذا الإسناد المنقطع؛ وأيضاً فإن فتية أشبه من فتيان؛ لأن فتية عند العرب لأقل العدد، والقليل بأن يجعلوا البضاعة في الرحال أشبه. وكان هؤلاء الفتية يسوّون جهازهم، ولهذا أمكنهم جعل بضاعتهم في رحالهم. ويجوز أن يكونوا أحراراً، وكانوا أعواناً له، وبضاعتهم أثمان ما ٱشتروه من الطعام. وقيل: كانت دراهم ودنانير. وقال ٱبن عباس: النعال والأدم ومتاع المسافر، ويسمى رَحْلاً؛ قال ٱبن الأنباريّ: يقال للوعاء رَحْل، وللبيت رَحْل. وقال: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ} لجواز ألاّ تسلم في الطريق. وقيل: إنما فعل ذلك ليرجعوا إذا وجدوا ذلك؛ لعلمه أنهم لا يقبلون الطعام إلا بثمنه. قيل: ليستعينوا بذلك على الرجوع لشراء الطعام. وقيل: ٱستقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام. وقيل: ليروا فضله، ويرغبوا في الرجوع إليه.

فَلَمَّا رَجَعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ۝٦٣ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَٰفِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝٦٤ وَلَمَّا فَتَحُوا۟ مَتَٰعَهُمْ وَجَدُوا۟ بِضَٰعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا۟ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبْغِى هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ۝٦٥

قوله تعالى: {فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُواْ يٰأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلْكَيْلُ} لأنه قال لهم: «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي» وأخبروه بما كان من أمرهم وإكرامهم إياه، وأن شمعون مرتهن حتى يعلم صدق قولهم. {فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ} أي قالوا عند ذلك: «فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ» والأصل نكتال؛ فحذفت الضمة من اللام للجزم، وحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وقراءة أهل الحرمين وأبي عمرو وعاصم «نَكْتَلْ» بالنون وقرأ سائر الكوفيين «يكتل» بالياء؛ والأوّل ٱختيار أبي عبيد، ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال؛ وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده. قال النحاس: وهذا لا يلزم؛ لأنه لا يخلو الكلام من أحد جهتين؛ أن يكون المعنى: فأرسل أخانا يكتل معنا؛ فيكون للجميع، أو يكون التقدير على غير التقديم والتأخير؛ فيكون في الكلام دليل على الجميع، لقوله: «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي». {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} من أن يناله سوء.

قوله تعالى: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ} أي قد فرطتم في يوسف فكيف آمنكم على أخيه!. {فَٱللَّهُ خَيْرٌ حَـٰفِظًا} نصب على البيان، وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وعاصم. وقرأ سائر الكوفيين «حَافِظاً» على الحال. وقال الزّجاج: على البيان؛ وفي هذا دليل على أنه أجابهم إلى إرساله معهم؛ ومعنى الآية: حفظ الله له خير من حفظكم إياه. قال كعب الأحبار: لما قال يعقوب: «فَاللَّهُ خَيْرُ حَافِظاً» قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأردّنّ عليك ٱبنيك كليهما بعدما توكّلت عليّ.

قوله تعالى: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ} الآية ليس فيها معنى يشكل. {مَا نَبْغِي} «ما» ٱستفهام في موضع نصب؛ والمعنى: أي شيء نطلب وراء هذا؟ٰ وفَّى لنا الكيل، وردّ علينا الثمن؛ أرادوا بذلك أن يُطيّبوا نفس أبيهم. وقيل: هي نافية؛ أي لا نبغي منك دراهم ولا بضاعة، بل تكفينا بضاعتنا هذه التي ردّت إلينا. ورُوي عن عَلْقَمة «رِدّتْ إِلَيْنَا» بكسر الراء؛ لأن الأصل ردِدت؛ فلما أدغم قلبت حركة الدال على الراء. وقوله: {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا} أي نجلب لهم الطعام؛ قال الشاعر:

بَعَثْتُكَ مائِراً فمكَثْتَ حَوْلاًمَتَى يأتِي غِيَاثُكَ مَن تُغِيثُ

وقرأ السُّلَميّ بضم النون، أي نعينهم على المِيرة. {وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ} أي حِمْل بعير لبنيامين.

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُۥ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأْتُنَّنِى بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ۝٦٦

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {تُؤْتُونِ} أي تعطوني. {مَوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي عهداً يوثق به قال السدّي: حلفوا بالله ليردّنه إليه ولا يُسلمونه؛ واللام في {لَتَأْتُنَّنِي} لام القسم. {إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} قال مجاهد: إلا أن تَهْلِكوا أو تموتوا. وقال قتادة: إلا أن تُغلبوا عليه. قال الزجاج: وهو في موضع نصب. {فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي حافظ للحلف. وقيل: حفيظ للعهد قائم بالتدبير والعدل.

الثانية: هذه الآية أصل في جواز الحَمَالة بالعين والوثيقة بالنفس؛ وقد ٱختلف العلماء في ذلك؛ فقال مالك وجميع أصحابه وأكثر العلماء: هي جائزة إذا كان المتحمَّل به مالاً. وقد ضعّف الشافعي الحَمَالة بالوجه في المال؛ وله قول كقول مالك. وقال عثمان البَتِّي: إذا تكفّل بنفس في قصاص أو جراح فإنه إن لم يجىء به لزمه الدية وأَرْش الجراح، وكانت له في مال الجاني، إذ لا قصاص على الكفيل؛ فهذه ثلاثة أقوال في الحمالة بالوجه. والصواب تفرقة مالك في ذلك، وأنها تكون في المال، ولا تكون في حدّ أو تعزير، على ما يأتي بيانه.

وَقَالَ يَٰبَنِىَّ لَا تَدْخُلُوا۟ مِنۢ بَابٍ وَٰحِدٍ وَٱدْخُلُوا۟ مِنْ أَبْوَٰبٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ۝٦٧

فيه سبع مسائل:

الأولى: لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين؛ فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب واحد، وكانت مصر لها أربعة أبواب؛ وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلاً لرَجُل واحد؛ وكانوا أهل جَمال وكمال وبَسْطة؛ قاله ابن عباس والضّحاك وقَتَادة وغيرهم.

الثانية: إذا كان هذا معنى الآية فيكون فيها دليل على التحرّز من العين، والعين حق؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن العين لتدخِل الرجل القبر والجمل القِدر». وفي تعوّذه عليه السلام: أعوذ بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامّة ومن كل عين لامَّةما يدلّ على ذلك. وروى مالك عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه سمع أباه يقول: اغتسل أبي سهل بن حُنيف بالخرّار فنزع جُبّة كانت عليه، وعامر بن ربيعة ينظر، قال: وكان سهل رجلاً أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة: ما رأيت كاليوم ولا جلد عَذْراء! فوُعك سهل مكانه واشتدّ وَعْكه، فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر أن سهلاً وُعِك، وأنه غير رائح معك يا رسول الله؛ فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:عَلاَمَ يقتل أحدكم أخاه أَلاَ بَرَّكْت إنّ العين حق تَوضأْ لهفتوضأ عامر، فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس؛ في رواية «ٱغتسلْ» فغسل له عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم صبّ عليه؛ فراح سهل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس به بأس. وركب سعد بن أبي وَقّاص يوماً فنظرت إليه ٱمرأة فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكَشْحين؛ فرجع إلى منزله فسقط، فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له؛ ففي هذين الحديثين أن العين حق، وأنها تقتل كما قال (النبيّ) صلى الله عليه وسلم؛ وهذا قول علماء الأمّة، ومذهب أهل السنة؛ وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالسنة وإجماع علماء هذه الأمّة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود؛ فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أدخلته القِدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }[البقرة: 102]. قال الأصمعي: رأيت رجلاً عَيُوناً سمع بقرة تحلب فأعجبه شَخْبها فقال: أيتهنّ هذه؟ فقالوا: الفلانية لبقرة أخرى يورون عنها، فهلكتا جميعاً، المورَى بها والمورَي عنها. قال الأصمعيّ. وسمعته يقول: إذا رأيتُ الشيء يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عينيّ.

الثالثة: واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يُبَرِّك؛ فإنه إذا دعا بالبركة صرف المحذور لا محالة؛ ألا ترى قوله عليه السلام لعامر:

ألا برّكتفدلّ على أن العين لا تضر ولا تعدو إذا بَرَّك العائن، وأنها إنما تعدو إذا لم يُبَرِّك. والتبريك أن يقول: تبارك الله أحسن الخالقين! اللهم بارك فيه.

الرابعة: العائن إذا أصاب بعينه ولم يُبَرِّك فإنه يؤمر بالاغتسال، ويُجبر على ذلك إنْ أباه؛ لأن الأمر على الوجوب، لا سيما هذا؛ فإنه قد يخاف على ٱلمَعِين الهلاك، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أخاه ما ينتفع به أخوه ولا يضره هو، ولا سيما إذا كان بسببه وكان الجاني عليه.

الخامسة: من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعاً لضرره؛ وقد قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته؛ وإن كان فقيراً رزقه ما يقوم به، ويكفّ أذاه عن الناس. وقد قيل: إنه يُنفى؛ وحديث مالك الذي ذكرناه يرد هذه الأقوال؛ فإنه عليه السلام لم يأمر في عامر بحبس ولا بنفي، بل قد يكون الرجل الصالح عائناً، وأنه لا يقدح فيه ولا يفسّق به؛ ومن قال: يحبس ويؤمر بلزوم بيته. فذلك ٱحتياط ودفع ضرر، والله أعلم.

السادسة: روى مالك عن حميد بن قيس المكّي أنه قال:

دُخِل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما: «ما لي أراهما ضَارِعَين» فقالت حاضنتهما: يا رسول الله! إنه تسرع إليهما العين، ولم يمنعنا أن نَسْتَرْقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٱسْتَرْقُوا لهما فإنه لو سبق شيء القدَر سبقته العين. وهذا الحديث منقطع، ولكنه محفوظ لأسماء بنت عُمَيس الْخَثْعمية عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة متصلة صحاح؛ وفيه أن الرُّقَى مما يُستَدفع به البلاء، وأن العين تؤثر في الإنسان وتَضْرَعه، أي تضعفه وتنحله؛ وذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ويقال: إن العين أسرع إلى الصغار منها إلى الكبار، والله أعلم.

السابعة: أمر صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أُمامة العائن بالاغتسال للمَعِين، وأمر هنا بالاسترقاء؛ قال علماؤنا: إنما يسترقي من العين إذا لم يعرف العائن؛ وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء على حديث أبي أمامة، والله أعلم.

قوله تعالى: {وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} أي من شيء أحذره عليكم؛ أي لا ينفع الحذر مع القدر. {إِنِ ٱلْحُكْمُ} أي الأمر والقضاء. {إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي ٱعتمدت ووثقت. {وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ}.]

وَلَمَّا دَخَلُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَىٰهَا وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٦٨ وَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّىٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٦٩ فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ ۝٧٠

قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم} أي من أبواب شتى. {مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} إن أراد إيقاع مكروه بهم. {إِلاَّ حَاجَةً} استثناء ليس من الأوّل. {فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} أي خاطر خطر بقلبه؛ وهو وصيته أن يتفرّقوا؛ قال مجاهد: خشية العين، وقد تقدّم القول فيه. وقيل: لئلا يرى الملك عددهم وقوّتهم فيبطش بهم حسداً أو حذراً؛ قاله بعض المتأخرين، واختاره النحاس، وقال: ولا معنى للعين ها هنا. ودلّت هذه الآية على أن المسلم يجب عليه أن يحذر أخاه مما يخاف عليه، ويرشده إلى ما فيه طريق السلامة والنجاة؛ فإن الدين النصيحة، والمسلم أخو المسلم.

قوله تعالى: {وَإِنَّهُ} يعني يعقوب. {لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ} أي بأمر دينه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ما يعلم يعقوب عليه السلام من أمر دينه. وقيل: «لَذُو عِلْمٍ» أي عمل؛ فإن العلم أوّل أسباب العمل، فسمي بما هو بسببه.

قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ} قال قتادة: ضمّه إليه، وأنزله معه. وقيل: أمر أن ينزل كل ٱثنين في منزل، فبقي أخوه منفرداً فضمّه إليه وقال: أشفقت عليه من الوحدة، وقال له سِرًّا من إخوته: {إِنِّيۤ أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ} أي لا تحزن {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

قوله تعالى: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} لما عرف بنيامين أنه يوسف قال له: لا تردّني إليهم، فقال: قد علمت اغتمام يعقوب بي فيزداد غمّه، فأبى بنيامين الخروج؛ فقال يوسف: لا يمكن حبسك إلا بعد أن أنسبك إلى ما لا يجمل بك: فقال: لا أبالي! فدس الصاع في رحله؛ إما بنفسه من حيث لم يطلع عليه أحد، أو أَمَر بعض خواصّه بذلك. والتّجهيز التسريح وتنجيز الأمر؛ ومنه جَهّز على الجريح أي قتله، ونجّز أمره. والسقاية والصواع شيء واحد؛ إناء له رأسان في وسطه مَقْبِض، كان الملك يشرب منه من الرأس الواحد، ويكال الطعام بالرأس الآخر؛ قاله النقاش عن ابن عباس، وكل شيء يشرب به فهو صواع؛ وأنشد:

_@_

نَشـربُ الخمـرَ بالصّـواع جِهَـارًا

واختلف في جنسه؛ فروى شعبة عن أبي بِشر عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس قال: كان صواع الملك شيء من فضة يشبه الْمَكُّوك، من فضة مرصع بالجوهر، يجعل على الرأس؛ وكان للعباس واحد في الجاهلية، وسأله نافع بن الأزرق ما الصواع؟ قال: الإناء؛ قال فيه الأعشى:

له دَرْمَكٌ في رأسه ومَشارِبٌ وقِدْرٌ وطَبَّاخٌ وصاعٌ ودَيسَقُ

وقال عِكرمة: كان من فضة. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان من ذهب؛ وبه كال طعامهم مبالغة في إكرامهم. وقيل: إنما كان يكال به لعزّة الطعام. والصاع يذكّر ويؤنّث؛ فمن أنّثه قال: أَصْوُع؛ مثل أَدْوُر، ومن ذكّره قال أَصْوَاع؛ مثل أثواب. وقال مجاهد وأبو صالح: الصاع الطِّرْجِهَالة بلغة حِمْير. وفيه قراءات: «صُوَاع» قراءة العامة؛ و «صُوْغ» بالغين المعجمة، وهي قراءة يحيـى بن يَعْمُر؛ قال: وكان إناء أصِيغ من ذهب. «وصُوع» بالعين غير المعجمة قراءة أبي رجا. «وصُوْع» بصاد مضمومة وواو ساكنة وعين غير معجمة قراءة أبيّ. «وصُيَاع» بياء بين الصاد والألف؛ قراءة سعيد بن جُبير. «وصاع» بألف بين الصاد والعين؛ وهي قراءة أبي هريرة.

قوله تعالى: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} أي نادى منادٍ وأعلم. «وَأَذَّنَ» للتكثير؛ فكأنه نادى مراراً «أَيَّتُهَا الْعِيرُ». والعير ما ٱمتير عليه من ٱلحمِير وٱلإبل والبغال. قال مجاهد: كان عِيرهم حميراً. قال أبو عبيدة: العِير الإبل المرحولة المركوبة؛ والمعنى: يا أصحاب العير، كقوله:

{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ } [يوسف: 82] ويا خيل الله اركبي: أي يا أصحاب خيل الله، وسيأتي. وهنا ٱعتراضان: الأوّل ـ إن قيل: كيف رضي بنيامين بالقعود طوعاً وفيه عقوق الأب بزيادة الحزن، ووافقه على ذلك يوسف؟ وكيف نسب يوسف السرقة إلى إخوته وهم بَرَاء وهو ـ الثاني ـ فالجواب عن الأوّل: أن الحزن كان قد غلب على يعقوب بحيث لا يؤثر فيه فقد بنيامين كل التأثير، أو لا تراه لما فقده قال: {يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} ولم يعرّج على بنيامين؛ ولعل يوسف إنما وافقه على القعود بوحي؛ فلا اعتراض. وأما نسبة يوسف السرقة إلى إخوته فالجواب: أن القوم كانوا قد سَرَقوه من أبيه فألقوه في الجبّ، ثم باعوه؛ فاستحقّوا هذا الاسم بذلك الفعل، فصدق إطلاق ذلك عليهم. جواب آخر ـ وهو أنه أراد أيتها العير حالكم حال السُّرّاق؛ والمعنى: إنّ شيئاً لغيركم صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. جواب آخر ـ وهو أن ذلك كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه، وفصله عنهم إليه، وهذا بناء على أن بنيامين لم يعلم بدسّ الصاع في رحله، ولا أخبره بنفسه. وقد قيل: إن معنى الكلام الاستفهام؛ أي أو إنكم لسارقون؟ كقوله: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ }[الشعراء: 22] أي أوَ تلك نعمة تمنها عليّ؟ والغرض ألاّ يعزى إلى يوسف صلى الله عليه وسلم الكذب.
الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026 23 جمادى الأولى 1448 هـ