انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير القرطبيالآيات 33–51

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىٓ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٣٣ فَٱسْتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٤

قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ} أي دخول السجن، فحذف المضاف؛ قاله الزّجاج والنّحاس. «أَحَبُّ إِلَيَّ» أي أسهل عليّ وأهون من الوقوع في المعصية؛ لا أنّ دخول السجن مما يُحَبّ على التحقيق. وحُكي أن يوسف عليه السلام لما قال: «السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» أوحى الله إليه «يا يوسف! أنت حبست نفسك حيث قلت السجن أحبّ إليّ، ولو قلت العافية أحبّ إليّ لعوفيت». وحكى أبو حاتم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قرأ: «السَّجْن» بفتح السين وحكي أن ذلك قراءة ٱبن أبي إسحق وعبد الرحمن الأعرج ويعقوب؛ وهو مصدر سَجَنه سَجْناً. {وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي كيد النّسوان. وقيل: كيد النّسوة اللاتي رأينه؟ فإنهنّ أمرنه بمطاوعة ٱمرأة العزيز، وقلن له: هي مظلومة وقد ظلمتها. وقيل: طلبت كل واحدة أن تخلو به للنصيحة في ٱمرأة العزيز؛ والقصد بذلك أن تَعذِله في حقها، وتأمره بمساعدتها، فلعله يجيب؛ فصارت كل واحدة تخلو به على حدة فتقول له: يا يوسف! ٱقض لي حاجتي فأنا خير لك من سيدتك؛ تدعوه كل واحدة لنفسها وتراوده؛ فقال: يا رب كانت واحدة فصرن جماعة. وقيل: كيد ٱمرأة العزيز فيما دعته إليه من الفاحشة؛ وكنى عنها بخطاب الجمع إما لتعظيم شأنها في الخطاب، وإما ليعدل عن التصريح إلى التعريض. والكيد الاحتيال والاجتهاد؛ ولهذا سميت الحرب كيداً لاحتيال الناس فيها؛ قال عمر بن لَجَأ:

تَراءتْ كَيْ تكيدَكَ أمُّ بِشْرٍوكيدٌ بالتَّبَرُّجِ مَا تَكِيدُ

{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} جواب الشرط، أي أَمِلْ إليهن؛ من صبا يصبو ـ إذا مال وٱشتاق ـ صُبُوًّا وصَبْوة؛ قال:

إِلَى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِيوهِنْدٌ مِثْلُها يُصْبِي

أي إن لم تَلطُف بي في ٱجتناب المعصية وقعت فيها. {وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ} أي ممن يرتكب الإثم ويستحق الذم، أو ممن يعمل عمل الجهال؛ ودلّ هذا على أن أحداً لا يمتنع عن معصية الله إلا بعون الله؛ ودلّ أيضاً على قبح الجهل والذم لصاحبه.

قوله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} لِمَا قال. «وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ» تعرّض للدعاء، وكأنه قال: اللهم ٱصرف عني كيدهنّ؛ فاستجاب له دعاءه، ولطف به وعصمه عن الوقوع في الزنى. «كَيْدَهُنَّ» قيل: لأنهن جمع قد راودنه عن نفسه. وقيل: يعني كيد النساء. وقيل: يعني كيد ٱمرأة العزيز، على ما ذكر في الآية قبل؛ والعموم أولى.

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا رَأَوُا۟ ٱلْـَٔايَٰتِ لَيَسْجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٍ ۝٣٥

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} أي ظهر للعزيز وأهل مشورته «مِن بَعْدِ أن رأوا الآيات» أي علامات براءة يوسف ـ من قدّ القميص من دبر، وشهادة الشاهد، وحَزِّ الأيدي، وقلة صبرهنّ عن لقاء يوسف ـ أن يسجنوه كتماناً للقصة ألاّ تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها. وقيل: هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم؛ والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ٱبن عباس في قوله: «ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ» قال: القميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات. وقيل: ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب، لتشتفي إذا مُنعت من نظره؛ قال:

وما صَبابةُ مشتاقٍ على أملٍمِن اللِّقاء كمشتاقٍ بلا أَمَل

أو كادته رجاء أن يَمَل حبسه فيبذل نفسه.

الثانية: قوله تعالى: {لَيَسْجُنُنَّهُ} «يَسْجُنُنَّهُ» في موضع الفاعل؛ أي ظهر لهم أن يسجنوه؛ هذا قول سيبويه. قال المبرّد: وهذا غلط؛ لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ما دلّ عليه «بَدَا» وهو مصدر؛ أي بدا لهم بَدَاءٌ؛ فحذف لأن الفعل يدلّ عليه؛ كما قال الشاعر:

وحقَّ لمن أبو موسى أبوهُيُوَفِّقه الذي نَصَب الجبالاَ

أي وحقّ الحقُّ، فحذف. وقيل: المعنى ثم بدا لهم رأيٌ لم يكونوا يعرفونه؛ وحذف هذا لأن في الكلام دليلاً عليه، وحذف أيضاً القول؛ أي قالوا: ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر؛ قاله الفرّاء، وهو فعل مذكَّر لا فعل مؤنث؛ ولو كان فعلاً مؤنثاً لكان يَسْجُنّانِّه؛ ويدلّ على هذا قوله «لَهُمْ» ولم يقل لهنّ، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهنّ فغلب المذكر؛ قاله أبو عليّ. وقال السّديّ: كان سبب حبس يوسف أن ٱمرأة العزيز شكت إليه أنه شَهَّرها ونشر خبرها؛ فالضمير على هذا في «لَهُمْ» للملك.

الثالثة: قوله تعالى: {حَتَّىٰ حِينٍ} أي إلى مدّة غير معلومة؛ قاله كثير من المفسّرين. وقال ٱبن عباس: إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد بن جُبَيْر: إلى ستة أشهر. وحكى الكِيَا أنه عَنَى ثلاثة عشر شهراً. عِكْرمة: تسع سنين. الكَلْبيّ: خمس سنين. مقاتل: (سبع). وقد مضى في «البقرة» القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام. وقال وهب: أقام في السجن اثنتي عشرة سنة. و«حتى» بمعنى إلى؛ كقوله

« { حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }». وجعل الله الحبس تطهيراً ليوسف صلى الله عليه وسلم من هَمِّه بالمرأة. وكأن العزيز ـ وإن عرف براءة يوسف ـ أطاع المرأة في سجن يوسف. قال ٱبن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين هَمّ بها فسجن، وحين قال للفتى: «ٱذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال لإخوته: «إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ» فقالوا: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}.

الرابعة: أكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره؛ ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعاً. فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحاً فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحدّه. وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط عنه الحدّ، وهو ضعيف؛ فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين؛ فإنه من أعظم الحرج في الدين.

{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ }[الحج: 78]. وسيأتي بيان هذا في «النحل» إن شاء الله. وصبر يوسف، وٱستعاذ به من الكيد، فاستجاب له على ما تقدّم.

وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ ٱلْـَٔاخَرُ إِنِّىٓ أَرَىٰنِىٓ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِۦٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٣٦ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبِّىٓ إِنِّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝٣٧ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابَآءِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ۝٣٨

قوله تعالى: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ} «فتيان» تثنية فتى؛ وهو من ذوات الياء، وقولهم: الفُتُوّ شاذ. قال وهب وغيره: حمل يوسف إلى السجن مقيّداً على حمار، وطِيف به «هذا جزاء من يعصي سيدته» وهو يقول: هذا أيسر من مُقَطَّعات النِّيران، وسرابيل القَطِران، وشراب الحميم، وأكل الزّقوم. فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم؛ فجعل يقول لهم: ٱصبروا وأبشروا تؤجروا؛ فقالوا له: يا فتى! ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، من أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف ابن صفيّ الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحق، ابن خليل الله إبراهيم. وقال ٱبن عباس: لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني، وأنا أريد أن تسجنه، فسجنه في السجن؛ فكان يُعزّي فيه الحزين، ويعود فيه المريض، ويداوي فيه الجريح، ويصلي الليل كله، ويبكي حتى تبكي معه جُدُر البيوت وسقفها والأبواب، وطهر به السجن، واستأنس به أهل السجن؛ فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه، ثم قال (له): يا يوسف! لقد أحببتك حبًّا لم أحبّ شيئاً حبك؛ فقال: أعوذ بالله من حبك، قال: ولِمَ ذلك؟ فقال: أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى، فكان في حبسه حتى غضب الملك على خَبَّازه وصاحب شرابه، وذلك أن الملك عُمِّر فيهم فملّوه، فدسّوا إلى خَبّازه وصاحب شرابه أن يَسُمَّاه جميعاً، فأجاب الخبّاز وأبي صاحب الشَّراب، فانطلق صاحب الشّراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك بحبسهما، فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله: «وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ» وقد قيل: إن الخبّاز وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال السّاقي: أيها الملك! لا تأكل فإن الطعام مسموم. وقال الخبّاز: أيها الملك لا تشرب! فإن الشراب مسموم؛ فقال الملك للساقي: ٱشرب! فشرب فلم يضرّه، وقال للخباز: كُلْ؛ فأبى، فجرّب الطعام على حيوان فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف. وٱسم الساقي منجا، والآخر مجلث؛ ذكره الثعلبيّ عن كعب. وقال النقاش: اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم؛ الأوّل بالشين المعجمة، والآخر بالسين المهملة. وقال الطّبريّ: الذي رأى أنه يعصر خمراً هو نبو، قال السّهيليّ: وذكر ٱسم الآخر ولم أقيده. وقال «فتيان» لأنهما كانا عبدين، والعبد يسمّى فتى، صغيراً كان أو كبيراً؛ ذكره الماورديّ. وقال القُشَيريّ: ولعلّ الفتى كان اسماً للعبد في عرفهم؛ ولهذا قال: «تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ». ويحتمل أن يكون الفتى اسماً للخادم وإن لم يكن مملوكاً. ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه. «قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً» أي عنباً؛ كان يوسف قال لأهل السجن: إني أعبّر الأحلام؛ فقال أحد الفتيين لصاحبه: تعال حتى نجرّب هذا العبد العبراني؛ فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئاً؛ قاله ٱبن مسعود. وحكى الطّبريّ أنهما سألاه عن علمه فقال: إني أعبّر الرؤيا؛ فسألاه عن رؤياهما. قال ٱبن عباس ومجاهد: كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها؛ ولذلك صدق تأويلها. وفي الصحيح عن أبي هُريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً. وقيل: إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريباً؛ وهذا قول ٱبن مسعود والسّديّ. وقيل: إن المصلوب منهما كان كاذباً، والآخر صادقاً؛ قاله أبو مِجْلَز. وروى الترمذيّ عن ٱبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:من تَحَلَّم كاذباً كُلِّف يوم القيامة أن يَعقِد بين شَعِيرتين (ولن يَعقِد بينهما)قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وعن عليّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:من كذب في حُلُمه كُلِّف يوم القيامة عَقْد شَعِيرة. قال: حديث حسن. قال ٱبن عباس: لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين؛ فقال لهما يوسف: مالي أراكما مكروبين؟ قالا: يا سيدناٰ إنا رأينا ما كرهنا؛ قال: فقصّا عليّ، فقصّا عليه؛ قالا: نبئنا بتأويل ما رأينا؛ وهذا يدلّ على أنها كانت رؤيا منام. {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فإحسانه، أنه كان يعود المرضى ويداويهم، ويُعزِّي الحزانى؛ قال الضّحاك: كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ضاق وسّع له، وإذا احتاج جمع له، وسأل له. وقيل: «مِنَ الْمُحْسِنِينَ» أي العالمين الذين أحسنوا العلم، قاله الفراء. وقال ٱبن إسحق: «مِن الْمُحْسِنِينَ» لنا إن فَسَّرته، كما يقول: افعل كذا وأنت محسن. قال: فما رأيتما؟ قال الخبّاز: رأيت كأني اختبزت في ثلاثة تنانير، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منه. وقال الآخر: رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوان، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله: «إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً» أي عنباً، بلغة عُمان، قاله الضّحاك. وقرأ ٱبن مسعود: «إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ عِنَباً». وقال الأصمعي: أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابياً ومعه عنب فقال له: ما معك؟ قال: خمر. وقيل: معنى. «أَعْصِرُ خَمْراً» أي عنب خمر، فحذف المضاف. ويقال: خَمْرة وخَمْر وخُمُور، مثل تمرة وتمر وتُمور. «قال» لهما يوسف: {لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} يعني لا يجيئكما غداً طعام من منزلكما {إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} لتعلما أني أعلم تأويل رؤياكما، فقالا: ٱفعل! فقال لهما: يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال؛ وكان هذا من علم الغيب خُصّ به يوسف. وبيّن أن الله خصّه بهذا العلم لأنه ترك ملّة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك. ومعنى الكلام عندي: العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما والعلم بدين الله، فاسمعوا أوّلاً ما يتعلق بالدين لتهتدوا، ولهذا لم يعبّر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ} الآية كلها، على ما يأتي. وقيل: علم أن أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليَسْعَدا به. وقيل: إن يوسف كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره فقال: «لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ» في النوم «إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا» بتفسيره في اليقظة، قاله السُّديّ، فقالا له: هذا من فعل العَرّافين والكَهَنة، فقال لهما يوسف عليه السلام: ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علّمنيهِ ربّي، إني لا أخبركما به تَكهُّناً وتنجيماً، بل هو بوحي من الله عزّ وجلّ. وقال ٱبن جُرَيج: كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً معروفاً فأرسل به إليه، فالمعنى: لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا «تُرْزَقَانِه» أي يجري عليكما من جهة الملك أو غيره. ويحتمل يزرقكما الله. قال الحسن: كان يخبرهما بما غاب، كعيسى عليه السلام. وقيل: إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام، وجعل المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب.

قوله تعالى: {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} لأنهم أنبياء على الحق. {مَا كَانَ} أي ما ينبغي. {لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} «مِنْ» للتأكيد، كقولك: ما جاءني من أحد. وقوله تعالى: {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا} إشارة إلى عصمته من الزنى. {وَعَلَى ٱلنَّاسِ} أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك. وقيل: «ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَليْنَا» إذ جَعَلنا أنبياء، «وَعَلَى النَّاسِ» إذا جَعَلَنا الرسلَ إليهم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} على نعمة التوحيد والإيمان.

يَٰصَٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَٰحِدُ ٱلْقَهَّارُ ۝٣٩ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٤٠

قوله تعالى: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ} أي يا ساكني السجن؛ وذكر الصحبة لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار. {أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ} أي في الصغر والكبر والتوسط، أو متفرقون في العدد. {خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} وقيل: الخطاب لهما ولأهل السّجن، وكان بين أيديهم أصنام يعبدونها من دون الله تعالى، فقال ذلك إلزاماً للحجة؛ أي آلهة شَتَّى لا تضر ولا تنفع. «خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» الذي قهر كل شيء. نظيره:

« { آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ }». وقيل: أشار بالتفرق إلى أنه لو تعدّد الإله لتفرقوا في الإرادة ولعلا بعضهم على بعض، وبيّن أنها إذا تفرّقت لم تكن آلهة.

قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً} بيّن عجز الأصنام وضعفها فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} أي من دون الله إلا ذوات أسماء لا معاني لها. {سَمَّيْتُمُوهَآ} من تلقاء أنفسكم. وقيل: عنى بالأسماء المسميات؛ أي ما تعبدون إلا أصناماً ليس لها من الإلهية شيء إلا الاسم؛ لأنها جمادات. وقال: «مَا تَعْبُدونَ» وقد ابتدأ بخطاب الاثنين؛ لأنه قصد جميع من هو على مثل حالهما من الشّرك. {إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} فحذف المفعول الثاني للدلالة؛ والمعنى: سميتموها آلهةً من عند أنفسكم. {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} ذلك في كتاب. قال سعيد بن جُبير: {مِن سُلْطَانٍ} أي من حجة. {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} الذي هو خالق الكل. {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}. {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}. أي القويم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

يَٰصَٰحِبَىِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُۥ خَمْرًا وَأَمَّا ٱلْـَٔاخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِۦ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ ٱلَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ۝٤١

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً} أي قال للساقي: إنك تُردّ على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك بعد ثلاثة أيام، وقال للآخر: وأمّا أنت فتُدعَى إلى ثلاثة أيام فتصلب فتأكل الطير من رأسك، قال: والله ما رأيتُ شيئاً؛ قال: رأيت أوَ لم تَرَ {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}. وحكى أهل اللغة أن سقى وأسقى لغتان بمعنًى واحد، كما قال الشاعر:

سَقَى قومي بَنِي مَجْدٍ وأَسْقَىنُمَيْراً والقبائلَ من هِلال

قال النحاس: الذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه ناوله فشرب، أو صبّ الماء في حلقه ومعنى أَسْقاه جعل له سُقْيا؛ قال الله تعالى: { وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً }[المرسلات: 27].

الثانية: قال علماؤنا: إن قيل من كذب في رؤياه ففسرها العابر له أيلزمه حكمها؟ قلنا: لا يلزمه؛ وإنما كان ذلك في يوسف لأنه نبيّ، وتعبير النبيّ حكم، وقد قال: إنه يكون كذا وكذا فأوجد الله تعالى ما أخبر كما قال تحقيقاً لنبوّته؛ فإن قيل: فقد رَوى عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قَتَادة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني رأيتُ كأني أعْشَبْتُ ثم أجْدبتُ ثم أعْشبتُ ثم أجْدبتُ، فقال له عمر: أنت رجل تؤمن ثم تكفر، ثم تؤمن ثم تكفر، ثم تموت كافراً؛ فقال الرجل: ما رأيت شيئاً؛ فقال له عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف؛ قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان مُحَدَّثاً، (وكان إذا ظن ظناً كان) وإذا تكلم به وقع، على ما ورد في أخباره؛ وهي كثيرة؛ منها ـ أنه دخل عليه رجل فقال له: أظنك كاهناً فكان كما ظن؛ خرجه البخاريّ. ومنها ـ أنه سأل رجلاً عن ٱسمه فقال له فيه أسماء النار كلها، فقال له: أدرك أهلك فقد ٱحترقوا، فكان كما قال، خرجه الموطأ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «الحجر» إن شاء الله تعالى

وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ۝٤٢

فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ} «ظن» هنا بمعنى أيقن، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين؛ قال: إنما ظنّ يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنًّا وربك يخلق ما يشاء؛ والأوّل أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء، فإن حكمهم حق كيفما وقع.

الثانية: قوله تعالى: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} أي سيّدك، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسّيد ربّ؛ قال الأعشى:

رَبِّي كريمٌ لا يُكَدِّرُ نِعْمةًوإذا تُنُوشِدَ في المَهَارِقِ أنْشَدَا

أي ٱذكر ما رأيته، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك، وأخبره أنِّي مظلوم محبوسٌ بلا ذنب. وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يَقُلْ أحدُكم ٱسقِ ربَّك أطعمْ ربك وضِّىءْ ربَّك ولا يَقل أحدُكم ربِّي ولْيقل سيّدي مولاي ولا يقلْ أحدُكم عبدي أمَتي ولْيقلْ فَتايَ فَتَاتِي غلامي. وفي القرآن: «ٱذْكُرْنيِ عِندَ رَبِّكَ» «إِلَى رَبِّكَ» «إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ» أي صاحبي؛ يعني العزيز. ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد رَبَّهُ يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ له. قال العلماء قوله عليه السلام: «لا يَقُلْ أحدُكم» «ولْيقلْ» من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرّم؛ ولأنه قد جاء عنه عليه السلام: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا أي مالكها وسيّدها؛ وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ؛ فكان محل النهي في هذا الباب ألاّ نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. وقد قيل: إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين: أحدهما: أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى؛ ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه؛ وذلك غير جائز. والثاني: أن المملوك يدخله من ذلك شيء في ٱستصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن شعبان في «الزاهي»: «لا يقل السّيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربّي ولا ربّتي» وهذا محمول على ما ذكرناه. وقيل: إنما قال صلى الله عليه وسلم:لا يقل العبد ربّي وليقل سيّديلأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق؛ وٱختلف في السيّد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح؛ إذ لا التباس ولا إشكال، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرّب، فيحصل الفرق. وقال ابن العربي: يحتمل أن يكون ذلك جائزاً في شرع يوسف عليه السلام

الثالثة: قوله تعالى: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} الضمير في «فَأَنْسَاهُ» فيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى يوسف عليه السلام، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل؛ وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك ـ حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك ـ {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق؛ فعوقب باللّبث، قال عبد العزيز بن عُمير الكِنْديّ: دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف، فقال: يا أخا المنذرين! مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه السلام: يا طاهر (ابن) الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما استحيت إذ ٱستغثت بالآدميين؟! وعزّتي! لألبثنّك في السجن بضع سنين؛ فقال: يا جبريل! أهو عنّي راضٍ؟ قال: نعم! قال: لا أبالي الساعة. ورُوي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطوّل سجنه، وقال له: يا يوسف! من خلّصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى قال: فمن عَصَمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال: يا رب كلمة زلّت مني! أسألك يا إله إبراهيم وإسحق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني؛ فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. ورَوى أبو سلَمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ما لبث في السجن بضع سنين. وقال ٱبن عباس: عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لمّا قال للذي نجا منهما {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ولو ذكر يوسف ربه لخلّصه. وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا كلمة يوسف ـ يعني قوله: {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} ـ ما لبث في السجن ما لبث قال: ثم يبكي الحسن ويقول: نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس. وقيل: إن الهاء تعود على الناجي، فهو الناسي؛ أي أنسى الشيطانُ الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده؛ وفيه حذف، أي أنساه الشيطانُ ذكره لربه؛ وقد رجّح بعض العلماء هذا القول فقال: لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن؛ إذ الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأوّل بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب؛ ردّ عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} فدلّ على أن الناسي (هو) الساقي لا يوسف؛ مع قوله تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ }[الإسراء:65] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطنة؟! قيل: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلّغونه، فإنهم معصومون فيه؛ وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقاً، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: نسي آدم فنسيت ذريته. وقال: إنما أنا بشر أنسى كما تَنسون. وقد تقدم.

الرابعة: قوله تعالى: {فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} البِضع قطعة من الدّهر مختلف فيها؛ قال يعقوب عن أبي زيد: يقال بَضْع وبِضْع بفتح الباء وكسرها، قال أكثرهم: ولا يقال بضع ومائة، وإنما هو إلى التسعين. وقال الهَرَوِيّ: العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. والبضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من العدد. وحكى أبو عبيدة أنه قال: البضع ما دون نصف العِقْد، يريد ما بين الواحد إلى أربعة، وهذا ليس بشيء. وفي الحديث

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «وكم البضع» فقال: ما بين الثلاث إلى السبع، فقال: «ٱذهب فزائدْ في الخَطَر. وعلى هذا أكثر المفسرين، أن البضع سبع، حكاه الثعلبيّ. قال الماورديّ: وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقُطْرُب. وقال مجاهد: من ثلاث إلى تسع، وقاله الأصمعيّ. ٱبن عباس: من ثلاث إلى عشرة. وحكى الزّجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس. قال الفرّاء: والبضع لا يُذْكر إلا مع العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المائة. وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجوناً ثلاثة أقاويل: أحدها: سبع سنين، قاله ابن جُرَيج وقتادة ووهب بن مُنَبِّه، قال وهب: أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. الثاني: ٱثنتا عشرة سنة، قاله ابن عباس. الثالث: أربع عشرة سنة، قاله الضحاك. وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال: مكث يوسف في السجن خمساً وبضعاً. وٱشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته، فهو قطعة من العدد، فعاقب الله يوسف بأن حُبِس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. قال وهب بن مُنَبِّه: حبس يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذّب بُخْتُنَصَّر بالمسخ سبع سنين. وقال عبد الله بن راشد البصريّ عن سعيد بن أبي عَرُوبة: إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة.

الخامسة: في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلاً فإن الأمور بيد مُسبِّبها، ولكنه جعلها سلسلة، وركَّبَ بعضها على بعض، فتحريكها سنّة، والتعويل على المنتهى يقين. والذي يدلّ على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر؛ وهذا بيّن فتأمّلوه.

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّىٓ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَأُ أَفْتُونِى فِى رُءْيَٰىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} لما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى الملك رؤياه، فنزل جبريل فسلم على يوسف وبشّره بالفرج وقال: إن الله مخرجك من سجنك، ومُمكِّن لك في الأرض، يذل لك ملوكها، ويطيعك جبابرتها، ومعطيك الكلمة العليا على إخوتك، وذلك بسبب رؤيا رآها الملك، وهي كيت وكيت، وتأويلها كذا وكذا، فما لبث في السجن أكثر مما رأى الملك الرؤيا حتى خرج، فجعل الله الرؤيا أولاً ليوسف بلاء وشدّة، وجعلها آخراً بشرى ورحمة؛ وذلك أن الملك الأكبر الريّان بن الوليد رأى في نومه كأنما خرج من نهر يابس سبع بقراتٍ سِمان، في أثرهنّ سبع عِجاف ـ أي مهازيل ـ وقد أقبلت العِجَاف على السِّمان فأخذن بآذانهنّ فأكلنهنّ، إلا القرنين، ورأى سبع سنبلات خُضْرٍ قد أقبل عليهن سبع يابسات فأكلنهنّ حتى أتين عليهنّ فلم يبق منهنّ شيء وهنّ يابسات، وكذلك البقر كنّ عِجافاً فلم يزد فيهنّ شيء من أكلهنّ السِّمان، فهالته الرؤيا، فأرسل إلى الناس وأهل العلم منهم والبصر بالكَهَانة والنّجامة والعَرَافة والسِّحر، وأشراف قومه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} فقصّ عليهم، فقال القوم: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} قال ٱبن جريج قال لي عطاء: إن أضغاث الأحلام الكاذبة المخطئة من الرؤيا. وقال جُوَيبر عن الضّحاك عن ابن عباس قال: إن الرؤيا منها حق، ومنها أضغاث أحلام، يعني بها الكاذبة. وقال الهَرَويّ: قوله تعالى: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} أي أخلاط أحلام. والضِّغث في اللغة الحُزْمة من الشيء كالبقل والكلإ وما أشبههما، أي قالوا: ليست رؤياك ببيّنة، والأحلام الرؤيا المختلطة. وقال مجاهد: أضغاث الرؤيا أهاويلها. وقال أبو عبيدة: الأضغاث ما لا تأويل له من الرؤيا.

قوله تعالى: {سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} حذفت الهاء من «سبع» فرقاً بين المذكر والمؤنث «سِمَانٍ» من نعت البقرات، ويجوز في غير القرآن سبعَ بقراتٍ سِماناً، نعت للسبع، وكذا خُضراً، قال الفراء: ومثله.

{ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً }[الملك: 3]. وقد مضى في سورة «البقرة» اشتقاقها ومعناها. وقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: المَعِز والبقر إذا دخلت المدينة فإن كانت سماناً فهي سِنيّ رخاء، وإن كانت عجافاً كانت شداداً، وإن كانت المدينة مدينة بحر وإبّان سفر قدمت سفن على عددها وحالها، وإلا كانت فِتَناً مترادفة، كأنها وجوه البقر، كما في الخبر «يشبه بعضها بعضاً». وفي خبر آخر في الفتن: «كأنها صياصي البقر» يريد لتشابهها، إلا أن تكون صُفْراً كلها فإنها أمراض تدخل على الناس، وإن كانت مختلفة الألوان، شنيعة القرون وكان الناس ينفرون منها، أو كأن النار والدخان يخرج من أفواهها فإنه عسكر أو غارة، أو عدوّ يضرب عليهم، وينزل بساحتهم. وقد تدلّ البقرة على الزوجة والخادم والغلّة والسّنَة؛ لما يكون فيها من الولد والغلّة والنبات. {يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} من عَجُف يَعجُف، على وزن عَظُم يَعظُم، وروي عَجِف يَعجَف على وزن حَمِد يَحمَد.

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ} جمع الرؤيا رُؤىً: أي أخبروني بحكم هذه الرؤيا. {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} العبارة مشتقة من عبور النهر، فمعنى عَبَرت النهر، بلغت شاطئه، فعابر، الرؤيا يعبر بما يؤول إليه أمرها. واللام في «للرؤيا» للتَّبيِين، أي إن كنتم تَعبُرون، ثم بَيّن فقال: للرؤيا، قاله الزجاج.

قَالُوٓا۟ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلْأَحْلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ۝٤٤

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} قال الفراء: ويجوز «أضغاثَ أحلام» قال النحاس: النصب بعيد، لأن المعنى: لم تر شيئاً له تأويل، إنما هي أضغاث أحلام، أي أخلاط. وواحد الأضغاث ضِغث، يقال لكل مختلط من بقل أوحشيش أو غيرهما ضِغث؛ قال الشاعر:

كضِـغث حُـلْم غُـرَّ منـه حالِمُـه

{وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ } قال الزجاج: المعنى بتأويل الأحلام المختلطة، نَفَوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، لا أنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل. وقيل: نفوا عن أنفسهم علم التعبير. والأضغاث على هذا الجماعات من الرؤيا التي منها صحيحة ومنها باطلة، ولهذا قال الساقي: «أَنا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأَوِيلِهِ» فعلم أن القوم عجزوا عن التأويل، لا أنهم ٱدّعوا ألاّ تأويل لها. وقيل: إنهم لم يقصدوا تفسيراً، وإنما أرادوا محوها من صدر الملك حتى لا تشغل باله، وعلى هذا أيضاً فعندهم علم. و«الأَحْلاَمِ» جمع حُلْم، والحُلْم بالضم مايراه النائم، تقول منه: حَلَم بالفتح وٱحتلم، وتقول: حَلَمتُ بكذا وحَلَمته، قال:

فَحَلَمتُها وبَنُو رُفَيْدَةَ دُونَهالا يَبْعَدَنَّ خَيَالُها المَحْلُومُ

أصله الأناة، ومنه الحِلْم ضد الطَّيش؛ فقيل لما يُرى في النوم حُلْم لأن النوم حالة أناة وسكون وَدَعة.

الثانية: في الآية دليل على بطلان قول من يقول: إن الرؤيا على أوّل ما تعبّر، لأن القوم قالوا: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ} ولم تقع كذلك؛ فإن يوسف فسّرها على سنِيّ الجدب والخِصب، فكان كما عبّر؛ وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبّرت وقعت.

وَقَالَ ٱلَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِۦ فَأَرْسِلُونِ ۝٤٥ يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَٰتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٍ لَّعَلِّىٓ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} يعني ساقي الملك. «وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أمَّةٍ» أي بعد حين، عن ٱبن عباس وغيره؛ ومنه

{ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ }[هود: 8] وأصله الجملة من الحين. وقال ٱبن دُرُسْتَويه: والأُمّة لا تكون الحين إلا على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه قال ـ والله أعلم ـ: وادّكر بعد حين أمَّةٍ، أو بعد زمن أمّة، وما أشبه ذلك؛ والأمّة الجماعة الكثيرة من الناس. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع؛ وكل جنس من الحيوان أمّة؛ وفي الحديث: لولا أن الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها».

قوله تعالى: {وَٱدَّكَرَ} أي تذكر حاجة يوسف، وهي قوله: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ» وقرأ ٱبن عباس ـ فيما روى عفّان عن همّام عن قَتادة عن عِكرمة عنه ـ «وَادَّكَرَ بَعْدَ أَمَةٍ». النحاس: والمعروف من قراءة ٱبن عباس وعِكرمة والضّحاك {وَٱدّكَرَبَعْدَ أُمَةٍ}، بفتح الهمزة وتخفيف الميم؛ أي بعد نسيان؛ قال الشاعر:

أَمِهْتُ وكنتُ لاَ أَنْسَى حديثاًكذاكَ الدهرُ يُودِي بالعقولِ

وعن شُبَيل بن عَزْرة الضُّبَعي: «بعد أَمْهٍ» بفتح الألف وإسكان الميم وهاء خالصة؛ وهو مثل الأَمَه، وهما لغتان، ومعناهما النّسيان؛ ويقال: أَمِهَ يأمَهُ أَمَهاً إذا نَسيَ، فعلى هذا «وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أَمَه»؛ ذكره النحاس؛ ورجل أمِهٌ ذاهب العقل. قال الجوهريّ: وأما ما في حديث الزهريّ «أمِه» بمعنى أقرّ وٱعترف فهي لغة غير مشهورة. وقرأ الأَشهب العُقَيْلي ـ «بَعْدَ إِمَّةٍ» أي بعد نعمة؛ أي بعد أن أنعم الله عليه بالنجاة. ثم قيل: نسي الفتى يوسف لقضاء الله تعالى في بقائه في السجن مدة. وقيل: ما نسي، ولكنه خاف أن يذكر الملك الذنب الذي بسببه حبس هو والخبّاز؛ فقوله: «وَٱدَّكَرَ» أي ذكر وأخبر. قال النحاس: أصل ٱدَّكَرَ اذْتَكَر؛ والذال قريبة المخرج من التاء؛ ولم يجز إدغامها فيها لأن الذال مجهورة، والتاء مهموسة، فلو أدغموا ذهب الجهر، فأبدلوا من موضع التاء حرفاً مجهوراً وهو الدال وكان أولى من الطاء لأن الطاء مطبقة؛ فصار ٱذْدَكَر، فأدغموا الذال في الدال لرخاوة الدال ولينها؛ ثم قال: {أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ} أي أنا أخبركم. وقرأ الحسن «أَنَا آتِيكُمْ بِتَأْوِيلِهِ» وقال: كيف ينبئهم العِلج؟ٰ قال النحاس: ومعنى: «أنَبِّئُكُمْ» صحيح حسن؛ أي أنا أخبركم إذا سَأَلتُ. {فَأَرْسِلُونِ} خاطب الملك ولكن بلفظ التعظيم، أو خاطب الملك وأهل مجلسه. {يُوسُفُ} نداء مفرد، وكذا {ٱلصِّدِّيقُ} أي الكثير الصدق. {أَفْتِنَا} أي فأرسلوه، فجاء إلى يوسف فقال: أيها الصديق! وسأله عن رؤيا الملك. {لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ} أي إلى الملك وأصحابه. {لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} التعبير، أو «لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ» مكانك من الفضل والعلم فتخرج. ويحتمل أن يريد بالناس الملك وحده تعظيماً له.

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ ۝٤٧

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {قَالَ تَزْرَعُونَ} لما أعلمه بالرؤيا جعل يفسّرها له، فقال: السبع من البقرات السّمان والسّنبلات الخضر سبع سنين مخصِبات؛ وأما البقرات العِجاف والسّنبلات اليابسات فسبع سنين مجدِبات؛ فذلك قوله: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً} أي متوالية متتابعة؛ وهو مصدر على غير المصدر، لأن معنى «تَزْرَعُونَ» تدأبون كعادتكم في الزراعة سبع سنين. وقيل: هو حال؛ أي دائبين. وقيل: صفة لسبع سنين، أي دائبة. وحكى أبو حاتم عن يعقوب «دَأَباً» بتحريك الهمزة، وكذا روى حفص عن عاصم، وهما لغتان، وفيه قولان، قول أبي حاتم: إنه من دَئِب. قال النحاس: ولا يعرف أهل اللغة إلا دَأَبَ. والقول الآخر: إنه حُرِّكَ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق؛ قاله الفراء، قال: وكذلك كل حرف فتح أوله وسكن ثانيه فتثقيله جائز إذا كان ثانيه همزة، أو هاء، أو عيناً، أو غيناً، أو حاء، أو خاء؛ وأصله العادة؛ قال:

كدَأْبِكَ مِنْ أمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا

وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. {فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ} قيل: لئلا يتسوّس، وليكون أبقى؛ وهكذا الأمر في ديار مصر. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ} أي ٱستخرجوا ما تحتاجون إليه بقدر الحاجة؛ وهذا القول منه أمر، والأول خبر. ويحتمل أن يكون الأول أيضاً أمراً، وإن كان الأظهر منه الخبر؛ فيكون معنى «تَزْرَعُونَ» أي ٱزرعوا.

الثانية: هذه الآية أصل في القول بالمصالح الشرعية التي هي حفظ الأديان والنفوس والعقول والأنساب والأموال؛ فكل ما تضمن تحصيل شيء من هذه الأمور فهو مصلحة، وكل ما يُفوّت شيئاً منها فهو مفسدة، ودفعه مصلحة؛ ولا خلاف أن مقصود الشرائع إرشاد الناس إلى مصالحهم الدنيوية؛ ليحصل لهم التمكن من معرفة الله تعالى وعبادته الموصلتين إلى السعادة الأخروية، ومراعاة ذلك فضل من الله عز وجل ورحمة رحم بها عباده، من غير وجوب عليه، ولا ٱستحقاق؛ هذا مذهب كافة المحقِّقين من أهل السنّة أجمعين؛ وبسطه في أصول الفقه.

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ۝٤٨

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {سَبْعٌ شِدَادٌ} يعني السّنين المجدِبات. {يَأْكُلْنَ} مجاز، والمعنى يأكل أهلهنّ. {مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أي ما ادّخرتم لأجلهن؛ ونحوه قول القائل:

نهارُك يا مغرورُ سَهْوٌ وغَفْلَةٌولَيلُكَ نَوْمٌ والرَّدَى لَكَ لازمُ

والنهار لا يَسهو، والليل لا ينام؛ وإنما يُسهى في النهار، ويُنام في الليل. وحكى زيد بن أسلم عن أبيه: أن يوسف كان يضع طعام الاثنين فيقرِّبه إلى رجل واحد فيأكل بعضه، حتى إذا كان يومٌ قَرَّبه له فأكله كلَّه؛ فقال يوسف: هذا أوّل يوم من السّبع الشداد. {إِلاَّ قَلِيلاً} نصب على الاستثناء. {مِّمَّا تُحْصِنُونَ} أي مما تحبسون لتزرعوا؛ لأن في استبقاء البذر تحصين الأقوات. وقال أبو عبيدة: تحرزون. وقال قتادة: «تُحْصِنُونَ» تدّخرون، والمعنى واحد؛ وهو يدلّ على جواز احتكار الطعام إلى وقت الحاجة.

الثانية: هذه الآية أصل في صحة رؤيا الكافر، وأنها تُخرّج على حسب ما رأى، لاسيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف إذا كانت آية لنبيّ، ومعجزة لرسول، وتصديقاً لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة بين الله ـ جل جلاله ـ و(بين) عبادِه.

ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ۝٤٩

قوله تعالى: {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ} هذا خبر من يوسف عليه السلام عما لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله. قال قَتَادة: زاده الله عِلم سَنَة لم يسألوه عنها إظهاراً لفضله، وإعلاماً لمكانه من العلم وبمعرفته. {فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ} من الإغاثة أو الغوث؛ غَوَّثَ الرجل قال واغوثاه، والاسم الغَوْث والغُوَاث والغَوَاث، واستغاثني فلان فأغثته، والاسم الغِياث؛ صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. والغيث المطر؛ وقد غاث الغيث الأرضَ أي أصابها؛ وغاث الله البلاَد يَغِيثها غَيْثاً، وغِيثَت الأرضُ تُغاث غَيْثاً، فهي أرض مَغِيثَة ومَغْيوثة؛ فمعنى «يُغَاث النَّاسُ» يُمطَرون. {وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} قال ٱبن عباس: يعصرون الأعناب والدُّهن؛ ذكره البخاريّ. وروى حجّاج عن ابن جُرَيج قال: يعصرون العنب خمراً والسّمسم دُهناً، والزيتون زيتاً. وقيل: أراد حلب الألبان لكثرتها؛ ويدلّ ذلك على كثرة النبات. وقيل: «يَعْصِرُونَ» أي يَنجُون؛ وهو من العُصْرة، وهي المَنْجَاة. قال أبو عبيدة: والعَصَر بالتحريك المَلْجأ والمَنْجاة، وكذلك العُصْرة؛ قال أبو زُبَيد:

صادِياً يَستغِيثُ غَير مُغَاثٍولقد كَانَ عُصْرَةَ المَنْجُودِ

والمَنجُودِ الفَزِع. واعتصرتُ بفلان وتَعصرتُ أي التجأت إليه. قال أبو الغوث: «يَعْصِرُونَ» يَسْتَغِلُّون؛ وهو من عصر العنب. واعتصرت ماله أي استخرجته من يده. وقرأ عيسى «تُعْصَرُونَ» بضم التاء وفتح الصاد، ومعناه: تُمطَرون؛ من قول (الله): { وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً }[النبأ: 14] وكذلك معنى «تُعصِرون» بضم التاء وكسر الصاد، فيمن قرأه كذلك.

وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِى بِهِۦ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ۝٥٠ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٥١

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} أي فذهب الرسول فأخبر الملك، فقال: ٱئتوني به {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ} أي يأمره بالخروج قال: {ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} أي حال النسوة. {ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} فأبى أن يخرج إلا أن تصحّ براءته (عند) الملك مما قُذِف به، وأنه حبس بلا جرم. وروى الترمذيّ عن أبي هُريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم (ابن الكريم) يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ـ قال ـ ولو لبِثتُ في السجن ما لَبِث ثم جاءني الرسول أجبت ـ ثم قرأ ـ {فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ـ قال ـ ورحمةُ الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد (إذ قال {لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِىۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}) فما بعث الله من بعده نبياً إلا في ذروة من قومه». وروى البخاريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له: { أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي }[البقرة: 260] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يرحم الله أخي يوسف لقد كان صابراً حليماً ولو لبثت في السجن ما لبثه أجبت الداعيَ ولم ألتمس العُذْر». وروي نحو هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك، في كتاب التفسير من صحيح البخاري، وليس لابن القاسم في الديوان غيره. وفي رواية الطّبريّ:يرحم الله يوسف لو كنت أنا المحبوس ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً أَنْ كان لحليماً ذا أناة». وقال صلى الله عليه وسلم: لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات لو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب». قال ٱبن عطية: كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناة وصبراً، وطلباً لبراءة الساحة؛ وذلك أنه ـ فيما روي ـ خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحاً فيراه الناس بتلك العين أبداً ويقولون: هذا الذي راود ٱمرأة مولاه؛ فأراد يوسف عليه السلام أن يبيّن براءته، ويحقّق منزلته من العفّة والخير؛ وحينئذ يخرج للإحْظَاءِ والمنزلة؛ فلهذا قال للرسول: ٱرجع إلى ربك وقل له ما بال النسوة، ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان: وقل له يستقصي عن ذنبي، وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم؛ ونَكَب عن ٱمرأة العزيز حُسن عشرة، ورعاية لذِمام الملك العزيز له. فإن قيل: كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج، ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره؟ فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجهاً آخر من الرأي، له جهة أيضاً من الجودة؛ يقول: لو كنت أنا لبادرت بالخروج، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك؛ وذلك أن هذه القصص والنوازل هي معرّضة لأن يقتدي الناس بها إلى يوم القيامة؛ فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور؛ وذلك أن ترك الحزم في مثل هذه النازلة، التاركَ فرصة الخروج من مثل ذلك السجن، ربما نَتَجَ له البقاء في سجنه، وانصرفت نفس مخرجه عنه، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله، فغيره من الناس لا يأمن ذلك؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلَدٌ.

قوله تعالى: {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ} ذكر النّساء جملة ليدخل فيهنّ امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح؛ وذلك حُسن عشرة وأدب؛ وفي الكلام محذوف، أي فاسأله أن يتعرّف ما بال النّسوة. قال ٱبن عباس: فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز ـ وكان قد مات العزيز ـ فدعاهنّ فَـ{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} أي ما شأنكنّ. {إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ} وذلك أن كل واحدة منهنّ كلمت يوسف في حق نفسها، على ما تقدّم، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت ٱمرأة العزيز، فكان ذلك مراودة منهنّ. {قُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله. {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ} أي زِنًى. {قَالَتِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ} لما رأت إقرارهنّ ببراءة يوسف، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرّت هي أيضاً؛ وكان ذلك لطفاً من الله بيوسف. و«حَصْحَصَ الْحَقُّ» أي تبيّن وظهر؛ وأصله حَصَصَ، فقيل: حَصْحَصَ؛ كما قال: كُبْكِبُوا في كببوا، وكفكف في كفف؛ قاله الزجاج وغيره. وأصل الحَصّ ٱستئصال الشيء؛ يقال: حصَّ شعره إذا ٱستأصله جَزًّا؛ قال أبو القيس بن الأسْلَت:

قد حَصّتِ البيْضَةُ رأسِي فَمَاأطْعَمُ نوماً غيرَ تَهْجاعِ

وسَنَةٌ حصّاء أي جرداء لا خير فيها، قال جَرير:

يأوِي إليكم بلاَ مَنٍّ ولا جَحَدٍمَن ساقه السَّنةُ الحَصَّاءُ والذِّيبُ

كأنه أراد أن يقول: والضّبع، وهي السنة المجدبة؛ فوضع الذئب موضعه لأجل القافية؛ فمعنى «حَصْحَص الْحَقُّ» أي ٱنقطع عن الباطل بظهوره وثباته؛ قال:

أَلاَ مُبْلِغٌ عنِّي خِدَاشاً فإنَّهُكذوبٌ إذا ما حَصْحَصَ الحقُّ ظالمُ

وقيل: هو مشتق من الحِصّة؛ فالمعنى بانت حِصّة الحق من حصّة الباطل. وقال مجاهد وقتَادة: وأصله مأخوذ من قولهم؛ حَصَّ شَعْره إذا استأصل قطعه؛ ومنه الحصَّة من الأرض إذا قطعت منها. والحِصْحِص بالكسر التراب والحجارة؛ ذكره الجوهري. {أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} وهذا القول منها ـ وإن لم يكن سأل عنه ـ إظهار لتوبتها وتحقيق لصدق يوسف وكرامته؛ لأن إقرار المقرّ على نفسه أقوى من الشهادة عليه؛ فجمع الله تعالى ليوسف لإظهار صدقه الشهادة والإقرار، حتى لا يخامر نفساً ظنٌّ، ولا يخالطها شك. وشدّدت النون في «خَطْبُكُنَّ» و«رَاوَدْتُنَّ» لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكر.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ