انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير القرطبيالآيات 71–88

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير القرطبي.

قَالُوا۟ وَأَقْبَلُوا۟ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ ۝٧١ قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٌ ۝٧٢

فيه سبع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ}. البعير هنا الجمل في قول أكثر المفسرين. وقيل: إنه الحمار، وهي لغة لبعض العرب؛ قاله مجاهد وٱختاره. وقال مجاهد: الزعيم هو المؤذن الذي قال: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ». والزعيم والكَفيل والحَمِيل والضّمين والقَبِيل سواء والزعيم الرئيس.

قال:

وإنِّي زَعيمٌ إنْ رَجعتُ مُمَلَّكابِسَيْرٍ تَرَى مِنهُ الفُرَانِق أَزوَرَا

وقالت ليلى الأخيلية تَرثي أخاها:

ومُخَرَّقٍ عنهُ القميصُ تَخَالُهُيومَ اللِّقاءِ من الحياءِ سَقِيمَاحَتَّى إذا رَفَعَ اللِّوَاءَ رأيتَهُ(تحتَ اللِّواءِ) على الخَمِيِس زَعِيَما

الثانية: إن قيل: كيف ضمن حمل البعير وهو مجهول، وضمان المجهول لا يصح؟ قيل له: حمل البعير كان معيناً معلوماً عندهم كالوَسْق؛ فصح ضمانه، غير أنه (كان) بدل مالٍ للسارق، ولا يحل للسارق ذلك، فلعله كان يصحّ في شرعهم أو كان هذا جعالة، وبذل مال لمن (كان) يفتّش ويطلب.

الثالثة: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما ـ جواز الجُعْل وقد أجيز للضرورة؛ فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره؛ فإذا قال الرجل: من فعل كذا فله كذا صح. وشأن الجُعْل أن يكون أحد الطرفين معلوماً والآخر مجهولاً للضرورة إليه؛ بخلاف الإجارة؛ فإنه يتقدّر فيها العوض والمعوض من الجهتين؛ وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه؛ إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده، إذا رضِي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل. ولا يشترط في عقد الجُعْل حضور المتعاقدين، كسائر العقود؛ لقوله: {وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} وبهذا كله قال الشافعي.

الرابعة: متى قال الإنسان، من جاء بعبدي الآبق فله دينار لزمه ما جعله فيه إذا جاء به؛ فلو جاء به من غير ضمان لزمه إذا جاء به على طلب الأجرة؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

من جاء بآبق فله أربعون درهماًولم يفصل بين من جاء به من عقد ضمان أو غير عقد. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد ولهذا قال أصحابنا: إن من فعل بالإنسان ما يجب عليه أن يفعله بنفسه من مصالحه لزمه ذلك، وكان له أجر مثله إن كان ممن يفعل ذلك بالأجر.

قلت: وخالفنا في هذا كله الشافعي.

الخامسة: ـ الدليل الثاني ـ جواز الكفالة على الرجل؛ لأن المؤذن الضامن هو غير يوسف عليه السلام، قال علماؤنا: إذا قال الرجل تحمّلت أو تكفّلت أو ضمنت أو وأنا حَميل لك أو زعيم أو كَفيل أو ضامن أو قَبيل، أو هو لك عندي أو عليّ أو إليّ أو قِبَلي فذلك كله حَمَالة لازمة، وقد ٱختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو بالوجه، هل يلزمه ضمان المال أم لا؟ فقال الكوفيون: من تكفّل بنفس رجل لم يلزمه الحق الذي على المطلوب إن مات؛ وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه. وقال مالك والليث والأوزاعي: إذا تكفّل بنفسه وعليه مال فإنه إن لم يأت به غرم المال، ويرجع به على المطلوب؛ فإن ٱشترط ضمان نفسه أو وجهه وقال: لا أضمن المال فلا شيء عليه من المال؛ والحجة لمن أوجب غرم المال أن الكفيل قد علم أن المضمون وجهه لا يطلب بدم، وإنما يطلب بمال؛ فإذا ضمنه له ولم يأته به فكأنه فوّته عليه، وعزه منه؛ فلذلك لزمه المال. وٱحتج الطحاوي للكوفيين فقال: أما ضمان المال بموت المكفول (به) فلا معنى له؛ لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يتكفل بالمال، فمحال أن يلزمه ما لم يتكفل به.

السادسة: وٱختلف العلماء إذا تكفل رجل عن رجل بمال؛ هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما؟ فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق: يأخذ من شاء حتى يستوفي حقه؛ وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال: لا يؤخذ الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب؛ لأن التبدية بالذي عليه الحق أولى، إلا أن يكون معدماً فإنه يؤخذ من الحميل، لأنه معذور في أخذه في هذه الحالة؛ وهذا قول حسن. والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء. وقال ٱبن أبي ليلى: إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالاً تحول على الكفيل وبرىء صاحب الأصل، إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء؛ وٱحتج ببراءة الميت من الدين بضمان أبي قتادة، وبنحوه قال أبو ثور.

السابعة: الزعامة لا تكون إلا في الحقوق التي تجوز النيابة فيها، مما يتعلق بالذمة من الأموال، وكان ثابتاً مستقراً؛ فلا تصح الحمالة بالكتابة لأنها ليست بدين ثابت مستقر؛ لأن العبد إن عجز رَقَّ وٱنفسخت الكتابة؛ وأما كل حق لا يقوم به أحد عن أحد كالحدود فلا كفالة فيه، ويسجن المدعى عليه الحد، حتى ينظر في أمره.

وشذّ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود والقصاص، وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعي القصاص بينتي حاضرة كفله ثلاثة أيام؛ وٱحتج لهم الطحاويّ بما رواه حمزة بن عمرو عن عمر وابن مسعود وجرير بن عبد الله والأشعث أنهم حكموا بالكفالة بالنفس بمحضر الصحابة.

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ۝٧٣ قَالُوا۟ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمْ كَٰذِبِينَ ۝٧٤ قَالُوا۟ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٧٥

قوله تعالى: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ} يروى أنهم كانوا لا ينزلون على أحد ظلماً، ولا يرعون زرع أحد، وأنهم جمعوا على أفواه إبلهم الأكِمَّة لئلا تعيث في زروع الناس. ثم قال: {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} يروى أنهم ردّوا البضاعة التي كانت في رِحالهم؛ أي فمن ردّ ما وجد فكيف يكون سارقاً؟ٰ

قوله تعالى: {قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ} المعنى: فما جزاء الفاعل إن بان كذبكم؟ فأجاب إخوة يوسف: {جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي يُسْتعبَد ويُسْتَرقّ. «فَجَزَاؤُهُ» مبتدأ، و «مَنْ وُجِدَ فيِ رَحْلِهِ» خبره؛ والتقدير: جزاؤه ٱستعباد من وُجِد في رحله؛ فهو كناية عن الاستعباد؛ وفي الجملة معنى التوكيد، كما تقول: جزاء من سرق القطع فهذا جزاؤه. {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} أي كذلك نفعل في الظالمين إذا سرقوا أن يُستَرقُّوا، وكان هذا من دين يعقوب عليه السلام وحكمه. وقولهم هذا قول من لم يَسْتَرب نفسه؛ لأنهم التزموا استرقاق من وجد في رحله، وكان حكم السارق عند أهل مصر أن يغرم ضعفي ما أخذ؛ قاله الحسن والسدّي وغيرهما.

مسألة: قد تقدّم في سورة «المائدة» أن القطع في السرقة ناسخ لما تقدّم من الشرائع، أو لما كان في شرع يعقوب من ٱسترقاق السارق، والله أعلم.

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ۝٧٦

قوله تعالى: {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ} إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والرّيبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه. والوِعاء يقال بضم الواو وكسرها، لغتان؛ وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه. {ثُمَّ ٱسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ} يعني بنيامين؛ أي ٱستخرج السِّقاية أو الصّواع عند من يؤنث، وقال: «وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ» فذكّر؛ فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رؤوسهم، وظنّوا الظنون كلها، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين! ما رأينا كاليوم قطُّ، ولدت أمك «راحيل» أخوين لِصّين! قال لهم أخوهم: والله ما سرقته، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي. ويروى أنهم قالوا له: يا بنيامين! أسرقت؟ قال: لا والله؛ قالوا: فمن جعل الصُّواع في رحلك؟ قال: الذي جعل البضاعة في رحالكم. ويقال: إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل ٱستغفر الله عزّ وجلّ تائباً من فعله ذلك؛ وظاهر كلام قَتَادة وغيره أن المستغفر كان يوسف؛ لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصّواع حتى فرغ منهم، وٱنتهى إلى رحل بنيامين فقال: ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئاً، فقال له إخوته: والله لا نبرح حتى تفتشه؛ فهو أطيب لنفسك ونفوسنا؛ ففتش فأخرج السّقاية؛ وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤَذّن سَرّقهم برأيه؛ فيقال: إن جميع ذلك كان بأمر من الله تعالى؛ ويقوّي ذلك قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}.

قوله تعالى: {كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {كِدْنَا} معناه صنعنا؛ عن ابن عباس. القُتَبِيّ: دبّرنا. ابن الأنباري: أردنا؛ قال الشاعر:

كادتْ وكِدتُّ وتِلك خيرُ إرادةٍلو عاد مِن عهد الصِّبَا ما قد مَضَى

وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحِيل إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلاً، خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول، وخرَمت التحليل.

الثانية: أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة؛ وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان، ولا أن يفرّق بين مجتمع، ولا أن يجمع بين متفرّق. وقال مالك: إذا فوّت من ماله شيئاً ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول، أخذاً منه بقوله عليه السلام:

خشية الصدقة. وقال أبو حنيفة: إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضرّه؛ لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول، ولا يتوجه إليه معنى قوله:خَشْيةَ الصَّدَقةإلا حينئذ. قال ابن العربي: سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفِهْري وغيره يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدّامَغَانيِ صاحب عشرات آلاف (دينار) من المال، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم: كبِرَت سِنّي، وضعفت قوّتي، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دورِ بنيه؛ فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا: يا أبانا إنما أملنا حياتك، وأما المال فأيّ رغبة لنا فيه ما دمت حيا؛ أنت ومالك لنا، فخذه إليك، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه، فيرده إلى موضعه؛ يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع، والجمع بين المتفرّق؛ وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاريّ رضي الله عنه في جامعه كتاباً مقصوداً فقال: «كتاب الحِيل».

قلت: وترجم فيه أبواباً منها: «باب الزكاة وألاّ يفرّق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرّق خشية الصدقة». وأدخل فيه حديث أنس بن مالك، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة؛ وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس. الحديث؛ وفي آخره:

أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صَدَقَ. وقال بعض الناس: في عشرين ومائة بعير حِقّتان؛ فإن أهلكها متعمداً أو وهبها أو احتال فيها فِراراً من الزكاة فلا شيء عليه؛ ثم أردف بحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يكون كنز أحدِكم يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبِيبتان ويقول أنا كنزك الحديث، قال المهلب: إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى، وفهم من قوله: «أفلح إن صدق» أن من رام أن ينقض شيئاً من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح، ولا يقوم بذلك عذرُه عند الله؛ وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة؛ ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط، والله حسيبه؛ وهو كمن فرّ من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم، واستعمل سفراً لا يحتاج إليه، رغبةً عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين؛ فالوعيد متوَجّه عليه؛ ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأيّ وجه متعمداً كيف تطؤه الإبل، ويمثل له ماله شجاعاً أقرعٰ؟ وهذا يدلّ على أن الفرار من الزكاة لا يحلّ، وهو مطالب بذلك في الآخرة.

الثالثة: قال ابن العربي: قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ}. دليل على وجه الحيلة إلى المباح، واستخراج الحقوق؛ وهذا وَهَم عظيم؛ وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ} قيل فيه: كما مكّنا ليوسف مِلك نفسه عن امرأة العزيز مكّنَّا له مِلْك الأرض عن العزيز، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره. قال الشفعوي: ومثله قوله عز وجل:

{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ }[صۤ: 44] وهذا ليس حيلة، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد. قال الشفعويّ: ومثله حديث أبي سعيد الخدريّ في عامل خيبر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ جَنِيب، الحديثَ؛ ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه عليه السلام أمره أن يبيع جمعاً ويبتاع جَنِيباً من الذي باع منه الجمع أو من غيره. وقالت المالكية: معناه من غيره؛ لئلا يكون جَنِيبا بجمع، والدراهم ربا؛ كما قال ابن عباس: جريرة بجريرة والدراهم ربا.

قوله تعالى: {فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} أي سلطانه، عن ابن عباس. ابن عيسى: عاداته، أي يظلم بلا حجة. مجاهد: في حكمه؛ وهو استرقاق السراق. {إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ} أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السّقاية في رحله تَعِلَّة وعذرا له. وقال قتادة: بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل، على ما تقدّم.

قوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} أي بالعلم والإيمان. وقرىء «نرفع درجاتِ من نشاء» بمعنى: نرفع من نشاء درجات؛ وقد مضى في «الأنعام» وقوله: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} روى إسرائيل عن سِمَاك عن عِكْرمة عن ابن عباس قال: يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا، والله فوق كل عالم. وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جُبير قال: كنا عند ابن عباس رحمه الله فتحدّث بحديث فتعجب منه رجل فقال: سبحان الله! وفوق كل ذي علم عليم؛ فقال ابن عباس: بئس ما قلت؛ الله العليم وهو فوق كل عالم.

قَالُوٓا۟ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُۥ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِۦ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ۝٧٧ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٧٨ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذًا لَّظَٰلِمُونَ ۝٧٩

قوله تعالى: {قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} المعنى: أي ٱقتدى بأخيه، ولو ٱقتدى بنا ما سرق؛ وإنما قالوا ذلك ليبرؤوا من فعله، لأنه ليس من أمهم؛ وأنه إن سرق فقد جذبه عِرْق أخيه السّارق؛ لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق. وقد ٱختلفوا في السرقة التي نسبوا إلى يوسف؛ فروي عن مجاهد وغيره أن عمة يوسف بنت إسحق كانت أكبر من يعقوب، وكانت صارت إليها مِنْطقة إسحق لسنِّها؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالسنّ، وهذا مما نسِخ حكمه بشرعنا، وكان من سَرَق ٱستُعبِد. وكانت عمة يوسف حَضَنَتْه وأحبّته حبًّا شديداً؛ فلما ترعرع وشَبَّ قال لها يعقوب: سلّمي يوسف إليّ، فلست أقدر أن يغيب عني ساعة؛ فولعتْ به، وأشفقت من فراقه؛ فقالت له: دعه عندي أياماً أنظر إليه فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى مِنطَقة إسحق، فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدتُ مِنْطقة إسحق، فانظروا مَن أخذها ومَن أصابها؛ فالتمست ثم قالت: اكشفوا أهل البيت فكشفوا؛ فوجدت مع يوسف. فقالت: إنه والله لي سلم أصنع فيه ما شئت؛ ثم أتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذلك، إن كان فعل ذلك فهو سلم لك؛ فأمسكته حتى ماتت؛ فبذلك عيّره إخوته في قولهم: «إنْ يَسْرِقْ فقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ». ومن هاهنا تعلّم يوسف وضع السقاية في رَحْلِ أخيه كما عملت به عمته. وقال سعيد بن جُبير: إنما أمرته أن يسرِق صنماً كان لجدّه أبي أمه، فسرقه وكسره وألقاه على الطريق، وكان ذلك منهما تغييراً للمنكر؛ فرموه بالسرقة وعيّروه بها؛ وقاله قتادة. وفي كتاب الزجّاج: أنه كان صنم ذهب. وقال عطية العَوْفي: إنه كان مع إخوته على طعام فنظر إلى عرق فخبأه فعيّروه بذلك. وقيل: إنه كان يسرِق من طعام المائدة للمساكين؛ حكاه ٱبن عيسى. وقيل: إنهم كذبوا عليه فيما نسبوه إليه؛ قاله الحسن.

قوله تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} أي أسرّ في نفسه قولهم: «إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» قاله ابن شجرة وابن عيسى. وقيل: إنه أسرّ في نفسه قوله: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً} ثم جهر فقال: {وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ}.

(قاله ابن عباس، أي أنتم شر مكاناً ممن نسبتموه إلى هذه السرقة. ومعنى قوله «والله أعلم بما تصفون») أي الله أعلم أنّ ما قلتم كذب، وإن كانت لله رضا. وقد قيل: إن إخوة يوسف في ذلك الوقت ما كانوا أنبياء.

قوله تعالى: {قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ} خاطبوه باسم العزيز إذ كان في تلك اللحظة بعزل الأول أو موته. وقولهم: «إنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً» أي كبير القدر، ولم يريدوا كبر السنّ؛ لأن ذلك معروف من حال الشيخ. «فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ» أي عبداً بَدَلَه؛ وقد قيل: إن هذا مجاز؛ لأنهم يعلمون أنه لا يصح أخذ حر يسترق بدل من قد أحكمت السنة عندهم رقّه؛ وإنما هذا كما تقول لمن تكره فعله: ٱقتلني ولا تفعل كذا وكذا، وأنت لا تريد أن يقتلك، ولكنك مبالغ في ٱستنزاله. ويحتمل أن يكون قولهم: «فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ» حقيقة؛ وبعيد عليهم وهم أنبياء أن يروا استرقاق حر، فلم يبق إلا أن يريدوا بذلك طريق الحمالة؛ أي خذ أحدنا مكانه حتى ينصرف إليك صاحبك؛ ومقصدهم بذلك أن يصل بنيامين إلى أبيه؛ ويعرف يعقوب جليّة الأمر؛ فمنع يوسف عليه السلام من ذلك، إذِ الحمالة في الحدود ونحوها ـ بمعنى إحضار المضمون فقط ـ جائزة مع التراضي، غير لازمة إذا أَبَى الطالب؛ وأما الحمالة في مثل هذا على أن يلزم الحميل ما كان يلزم المضمون من عقوبة، فلا يجوز إجماعاً. وفي «الواضحة»: إن الحمالة في الوجه فقط في (جميع) الحدود جائزة، إلا في النفس. وجمهور الفقهاء على جواز الكفالة في النفس. وٱختلف فيها عن الشافعي؛ فمرّة ضعّفها، ومرّة أجازها.

قوله تعالى: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يحتمل أن يريدوا وصفه بما رأوا من إحسانه في جميع أفعاله معهم، ويحتمل أن يريدوا: إنا نرى لك إحساناً علينا في هذه اليد إن أسديتها إلينا؛ وهذا تأويل ابن إسحق.

قوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} مصدر. {أَن نَّأْخُذَ} في موضع نصب؛ أي من أن نأخذ. {إِلاَّ مَن وَجَدْنَا} في موضع نصب بـ «ـنأخذ». {مَتَاعَنَا عِندَهُ} أي معاذ الله أن نأخذ البريء بالمجرم، ونخالف ما تعاقدنا عليه. {إِنَّـآ إِذاً لَّظَالِمُونَ} أي أن نأخذ غيره.

فَلَمَّا ٱسْتَيْـَٔسُوا۟ مِنْهُ خَلَصُوا۟ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِىٓ أَبِىٓ أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٨٠

قوله تعالى: {فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ} أي يَئِسوا؛ مثل عَجِب وٱستعجب، وسَخِر وٱستسخر. {خَلَصُواْ} أي ٱنفردوا وليس هو معهم. {نَجِيّاً} نصب على الحال من المضمر في «خَلَصُوا» وهو واحد يؤدّي عن جمع، كما في هذه الآية؛ ويقع على الواحد كقوله تعالى:

{ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً }[مريم: 52] وجمعه أَنْجِيَة؛ قال الشاعر:

إنِّي إذا ما القومُ كانوا أَنْجِيَهْوٱضْطَرَبَ القومُ ٱضطِرابَ الأَرْشِيَهْهُنَـاكَ أَوْصِـينِي وَلاَ تُوصِـي بِيَـهْ

وقرأ ابن كثير: «ٱسْتَايَسُوا» «وَلاَ تَايَسُوا» «إنه لاَ يَايَسُ» «أَفَلَمْ يَايَس» بألف من غير همز على القلب؛ قدَّمت الهمزة وأخَّرت الياء، ثم قلبت الهمزة ألفاً لأنها ساكنة قبلها فتحة؛ والأصل قراءة الجماعة؛ لأن المصدر ما جاء إلا على تقديم الياء ـ يأساً ـ والإياس ليس بمصدر أَيِسَ؛ بل هو مصدر أُسْتُهُ أَوْساً وَإيَاساً أي أعطيته. وقال قوم: أَيِس وَيئِس لغتان؛ أي فلما يئسوا من ردّ أخيهم إليهم تشاوروا فيما بينهم لا يخالطهم غيرهم من الناس، يتناجون فيما عَرَض لهم. والنَّجيّ فعيل بمعنى المناجي.

قوله تعالى: {قَالَ كَبِيرُهُمْ} قال قَتَادة: هو روبيل، كان أكبرهم في السِّن. مجاهد: هو شمعون، كان أكبرهم في الرأي. وقال الكلبي: يهوذا؛ وكان أعقلهم. وقال محمد بن كعب وابن إسحق: هو لاَوَى، وهو أبو الأنبياء. {أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ} أي عهداً من الله في حفظ ٱبنه، وردّه إليه. {وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ} «ما» في محل نصب عطفاً على «أن» والمعنى: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله، وتعلموا تفريطكم في يوسف؛ ذكره النحاس وغيره. و «من» في قوله: «وَمِنْ قَبْلُ» متعلقة بـ «ـتعلموا». ويجوز أن تكون «ما» زائدة؛ فيتعلق الظرفان اللذان هما «مِنْ قَبْلُ» و «فيِ يُوسُفَ» بالفعل وهو «فَرَّطْتُمْ». ويجوز أن تكون «ما» والفعل مصدراً، و «مِنْ قَبْلُ» متعلقاً بفعل مضمر؛ التقدير: تفريطكم في يوسف واقع من قبل؛ فما والفعل في موضع رفع بالابتداء، والخبر هو الفعل المضمر الذي يتعلق به «مِنْ قَبْلُ». {فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ} أي ألزمها، ولا أبرح مقيماً فيها؛ يقال: بَرِحَ بَرَاحاً وبُرُوحاً أي زال، فإذا دخل النفي صار مثبتاً. {حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ} بالرجوع فإنّي أستحي منه. {أَوْ يَحْكُمَ ٱللَّهُ لِي} بالممرّ مع أخي فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى أو يحكم الله لي بالسيف فأحارب وآخذ أخي، أو أعجز فأنصرف بعذر، وذلك أن يعقوب قال: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} ومن حارب وعَجَز فقد أحيط به؛ وقال ابن عباس: وكان يهوذا إذا غضب وأخذ السيف فلا يردّ وجهه مائة ألف؛ يقوم شعره في صدره مثل المَسَالّ فتنفذ من ثيابه. وجاء في الخبر أن يهوذا قال لإخوته ـ وكان أشدّهم غضباً ـ: إما أن تكفوني الملِك ومن معه أكفكم أهل مصر؛ وإما أن تكفوني أهل مصر أكفكم الملِك ومن معه؛ قالوا: بل ٱكفنا الملك ومن معه نكفِك أهل مصر؛ فبعث واحداً من إخوته فعدّوا أسواق مصر فوجدوا فيها تسعة أسواق، فأخذ كل واحد منهم سوقاً؛ ثم إنّ يهوذا دخل على يوسف وقال: أيها الملك! لئن لم تخلِّ معنا أخانا لأصيحن صيحة لا تبقي في مدينتك حاملاً إلا أسقطت ما في بطنها؛ وكان ذلك خاصة فيهم عند الغضب؛ فأغضبه يوسف وأسمعه كلمة، فغضب يهوذا وٱشتدّ غضبه، وٱنتفجت شعراته؛ وكذا كان كل واحد من بني يعقوب؛ كان إذا غضب، ٱقشعرّ جلده، وانتفخ جسده، وظهرت شعرات ظهره من تحت الثوب، حتى تقطر من كل شعرة قطرة دم؛ وإذا ضرب الأرض برجله تزلزلت وتهدّم البنيان، وإن صاح صيحة لم تسمعه حامل من النساء والبهائم والطير إلا وضعت ما في بطنها، تماماً أو غير تمام؛ فلا يهدأ غضبه إلا أن يسفك دماً، أو تمسكه يدٌ من نسل يعقوب؛ فلما علم يوسف أن غضب أخيه يهوذا قد تمّ وكمل كَلَّم ولداً له صغيراً بالقبطية، وأمره أن يضع يده بين كتفي يهوذا من حيث لا يراه؛ ففعل فسكن غضبه وألقى السيف فالتفت يميناً وشمالاً لعله يرى أحداً من إخوته فلم يره؛ فخرج مسرعاً إلى إخوته وقال: هل حضرني منكم أحد؟ قالوا: لاٰ قال: فأين ذهب شمعون؟ قالوا: ذهب إلى الجبل؛ فخرج فلقيه، وقد ٱحتمل صخرة عظيمة؛ قال: ما تصنع بهذه؟ قال أذهب إلى السوق الذي وقع في نصيبي أشدخ بها رؤوس كل من فيه؛ قال: فٱرجع فردّها، أو ألقها في البحر، ولا تحدثنّ حَدَثاً؛ فوالذي ٱتخذ إبراهيم خليلا لقد مَسَّني كَفٌّ من نَسْل يعقوب. ثم دخلوا على يوسف، وكان يوسف أشدّهم بطشاً، فقال: يا معشر العبرانيين! أتظنون أنه ليس أحد أشدّ منكم قوة، ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فَرَكَله برجله فَدَحا به من خلف الجدار ـ الرَّكْلُ الضرب بالرجل الواحدة؛ وقد رَكَله يَركُله؛ قاله الجوهري ـ ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه (لجنبه)، وقال: هات الحدادين أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم، ثم صعد على سريره، وجلس على فراشه، وأمر بصُواعِه فوضع بين يديه، ثم نقره نقرة فخرج طنينه، فالتفت إليهم وقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لاٰ قال: فإنه يقول: إنه ليس على قلب أبي هؤلاء همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم، ثم نقر نقرة ثانية وقال: إنه يخبرني أن هؤلاء أخذوا أخاً لهم صغيراً فحسدوه ونزعوه من أبيهم ثم أتلفوه؛ فقالوا: أيها العزيز! ٱستر علينا ستر الله عليك، وٱمنن علينا منّ الله عليك؛ فنقره نقرة ثالثة وقال إنه يقول: إن هؤلاء طرحوا صغيرهم في الجُبّ، ثم باعوه بيع العبيد بثمن بخس، وزعموا لأبيهم أن الذئب أكله؛ ثم نقره رابعة وقال: إنه يخبرني أنكم أذنبتم ذنباً منذ ثمانين سنة لم تستغفروا الله منه؛ ولم تتوبوا إليه، ثم نقره خامسة وقال إنه يقول: إن أخاهم الذي زعموا أنه هلك لن تذهب الأيام حتى يرجع فيخبر الناس بما صنعوا؛ ثم نقره سادسة وقال إنه يقول: لو كنتم أنبياء أو بني أنبياء ما كذبتم ولا عققتم والدكم؛ لأجعلنّكم نكالاً للعالمين. إيتوني بالحدّادين أقطع أيديهم وأرجلهم، فتضرعوا وبكوا وأظهروا التوبة وقالوا: لو قد أصبنا أخانا يوسف إذ هو حيّ لنكونن طوع يده، وتراباً يطأ علينا برجله؛ فلما رأى ذلك يوسف من إخوته بكى وقال لهم: ٱخرجوا عني! قد خلّيت سبيلكم إكراماً لأبيكم، ولولا هو لجعلتكم نكالاً.

ٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَبِيكُمْ فَقُولُوا۟ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَٰفِظِينَ ۝٨١

قوله تعالى: {ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ} قاله الذي قال: «فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ». {فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ} وقرأ ابن عباس والضّحاك وأبو رزِين «إنَّ ٱبْنَكَ سُرِّقَ». النحاس: وحدثني محمد بن أحمد بن عمر قال حدّثنا ابن شَاذَان قال حدّثنا أحمد بن أبي سُرَيج البغداديّ قال: سمعت الكسائيّ يقرأ: «يَا أَبَانَا إنَّ ٱبْنَكَ سُرِّقَ» بضم السين وتشديد الرّاء مكسورة؛ على ما لم يُسمّ فاعله؛ أي نُسب إلى السرقة ورُمي بها؛ مثل خوّنته وفسّقته وفجرّته إذا نسبته إلى هذه الخلال. وقال الزجاج: «سُرِّقَ» يحتمل معنيين: أحدهما ـ علم منه السَّرَق، والآخر ـ ٱتهم بالسَّرَق. قال الجوهري: والسَّرِق والسَّرِقة بكسر الراء فيهما هو اسم الشيء المسروق، والمصدر سَرَق يَسْرِق سَرَقاً بالفتح.

قوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا}.

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا} يريدون ما شهدنا قطّ إلا بما علمنا، وأما الآن فقد شهدنا بالظاهر وما نعلم الغيب؛ كأنهم وقعت لهم تهمة من قول بنيامين: دَسَّ هذا في رحلي مَن دَسَّ بضاعتكم في رحالكم؛ قال معناه ابن إسحق. وقيل المعنى: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يُسْتَرَقُّ إلا بما علمنا من دينك؛ قاله ابن زيد. {وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} أي لم نعلم وقت أخَذْناه منك أنه يَسْرِق فلا نأخذه. وقال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أن ٱبنك يُسترقّ ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا: نحفظ أخانا فيما نطيق. وقال ٱبن عباس: يعنون أنه سَرَق ليلاً وهم نيام، والغيب هو الليل بلغة حِمْير؛ وعنه: ما كنا نعلم ما يصنع في ليله ونهاره وذهابه وإيابه. وقيل: ما دام بمرأى منا لم يجر خَلَل، فلما غاب عنا خفيت عنا حالاته. وقيل معناه: قد أخِذت السّرِقة من رَحْله، ونحن أخرجناها وننظر إليها، ولا علم لنا بالغيب، فلعلهم سَرَّقوه ولم يَسرِق.

الثانية: تضمّنت هذه الآية جواز الشهادة بأي وجه حصل العلم بها؛ فإن الشهادة مرتبطة بالعلم عقلاً وشرعاً، فلا تسمع إلا ممن عَلِم، ولا تقبل إلا منهم، وهذا هو الأصل في الشهادات؛ ولهذا قال أصحابنا: شهادة الأعمى جائزة، وشهادة المستمع جائزة، وشهادة الأخرس إذا فهمت إشارته جائزة؛ وكذلك الشهادة على الخطّ ـ إذا تيقّن أنه خطّه أو خطّ فلان ـ صحيحة فكل من حصل له العلم بشيء جاز أن يشهد به وإن لم يُشهِده المشهود عليه؛ قال الله تعالى: {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أَلاَ أخبركم بخير الشهداء خيرُ الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألهاوقد مضى في «البقرة».

الثالثة: ٱختلف قول مالك في شهادة المرور؛ وهو أن يقول: مررت بفلان فسمعته يقول كذا فإن ٱستوعب القول شهِد في أحد قوليه، وفي القول الآخر لا يشهد حتى يُشهداه. والصحيح أداء الشهادة عند الاستيعاب؛ وبه قال جماعة العلماء، وهو الحق؛ لأنه (قد) حصل المطلوب، وتعيّن عليه أداء العلم؛ فكان خير الشهداء إذا أعلم المشهود له، وشر الشهداء إذا كتمها (والله أعلم).

الرابعة: إذا ٱدّعى رجل شهادة لا يحتملها عمره ردّت؛ لأنه ٱدّعى باطلاً فأكذبه العِيَان ظاهراً.

وَسْـَٔلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِى كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيرَ ٱلَّتِىٓ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ۝٨٢

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ} حَقَّقوا بها شهادتهم عنده، ورفعوا التهمة عن أنفسهم لئلا يتهمهم. فقولهم: «وٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ» أي أهلها؛ فحُذِف؛ ويريدون بالقرية مصر. وقيل: قرية من قراها نزلوا بها وٱمتاروا منها. وقيل المعنى: «وَٱسْأَلِ الْقَرْيَةَ» وإن كانت جماداً، فأنت نبيّ الله، وهو يُنطق الجماد لك؛ وعلى هذا فلا حاجة إلى إضمار؛ قال سيبويه: ولا يجوز كَلِّم هِنداً وأنت تريد غلام هند؛ لأن هذا يُشكل. والقول في العِير كالقول في القرية سواء. {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} في قولنا.

الثانية: في هذه الآية من الفقه أن كل من كان على حق، وعلِم أنه قد يُظنّ به أنه على خلاف ما هو عليه أو يتوهَّم أن يرفع التهمة وكلّ ريبة عن نفسه، ويصرّح بالحق الذي هو عليه، حتى لا يبقى لأحد مُتكلَّم؛ وقد فعل هذا نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم

بقوله للرجلين اللذين مرَّاً وهو قد خرج مع صفِية يَقْلِبُها من المسجد: «على رسلِكما إنما هي صفية بنت حُيَيّ» فقالا: سبحان الله! وكَبُر عليهما؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدّم وإني خَشِيت أن يَقذِف في قلوبكما شيئاًرواه البخاري ومسلم.

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ۝٨٣

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ} أي زَيَّنَتْ. {لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} أن ابني سَرَق وما سَرَق، وإنما ذلك لأمر يريده الله. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي فشأني صبر جميل؛ أو صبر جميل أولى بي، على ما تقدّم أوّل السورة.

الثانية: الواجب على كل مسلم إذا أصيب بمكروه في نفسه أو ولده أو ماله أن يتلقى ذلك بالصبر الجميل، والرضا والتسليم لمجرِيه عليه وهو العليم الحكيم، ويقتدي (بنبي الله) يعقوب وسائر النبيين، صلوات الله عليهم أجمعين. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة عن الحسن قال: ما من جرعتين يتجرّعهما العبد أحبّ إلى الله من جرعة مصيبة يتجرّعها العبد بحسن صبر وحسن عَزَاء، وجرعة غيظ يتجرّعها العبد بحلم وعفو. وقال ابن جُريج عن مجاهد في قوله تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي لا أشكو ذلك إلى أحد. وروى مقاتل بن سليمان عن عطاء بن أبي رَبَاح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ بَثَّ لم يَصْبِر». وقد تقدّم في «البقرة» أن الصبر عند أوّل الصَّدمة، وثواب من ذكر مصيبته وٱسترجع وإن تقادم عهدها. وقال جُوَيبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: إن يعقوب أُعطي على يوسف أجر مائة شهيد، وكذلك من ٱحتسب من هذه الأمة في مصيبته فله (مثل) أجر يعقوب عليه السلام

قوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً} لأنه كان عنده أن يوسف صلى الله عليه وسلم لم يمت، وإنما غاب عنه خبره؛ لأن يوسف حمِل وهو عبد لا يملك لنفسه شيئاً، ثم ٱشتراه الملك فكان في داره لا يظهر للناس، ثم حُبس، فلما تمكن ٱحتال في أن يعلم أبوه خبره؛ ولم يُوجّه برسول لأنه كرِه من إخوته أن يعرفوا ذلك: فلا يَدعوا الرسول يَصلُ إليه. وقال: «بهم» لأنهم ثلاثة؛ يوسف وأخوه، والمتخلّف من أجل أخيه، وهو القائل: «فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ». {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ} بحالي. {ٱلْحَكِيمُ} فيما يقضي.

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ۝٨٤

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} أي أعرض عنهم؛ وذلك أن يعقوب لما بلغه خبر بنيامين تَتَامَّ حزنه، وبلغ جهده، وجدّد الله مصيبته له في يوسف فقال: {يٰأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} ونَسيَ ٱبنه بنيامين فلم يذكره؛ عن ابن عباس. وقال سعيد بن جُبير: لم يكن عند يعقوب ما في كتابنا من الاسترجاع، ولو كان عنده لما قال: «يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ». قال قَتَادة والحسن: والمعنى يا حزناه! وقال مجاهد والضحّاك: يا جزعاه!؛ قال كُثَيِّر:

فيا أَسفا للقلب كيف ٱنصرافُهُوللنَّفْسِ لمّا سلِّيت فَتَسلَّتِ

والأسف شدّة الحزن على ما فات. والنداء على معنى: تعالَ يا أسف فإنه مَن أوقاتك. وقال الزجاج: الأصل يا أسفِي؛ فأبدل من الياء ألف لخفة الفتحة. {وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ} قيل: لم يبصر بهما ست سنين، وأنه عَمِيَ؛ قاله مقاتل. وقيل: قد تبيضّ العين ويبقى شيء من الرؤية، والله أعلم بحال يعقوب؛ وإنما ٱبيضّت عيناه من البكاء، ولكن سبب البكاء الحزن، فلهذا قال: {مِنَ ٱلْحُزْنِ}. وقيل: إن يعقوب كان يصلّي، ويوسف نائماً معترضاً بين يديه، فَغطَّ في نومه، فالتفت يعقوب إليه، ثم غَطّ ثانية فالتفت إليه، ثم غَطَّ ثالثة فالتفت إليه سروراً به وبغطيطه؛ فأوحى الله تعالى إلى ملائكته: «ٱنظروا إلى صفييّ وابن خليلي قائماً في مناجاتي يلتفت إلى غيري، وعِزّتي وجَلاَلي! لأنزعنّ الحدقتين اللتين التفت بهما، ولأفرقنّ بينه وبين من التفت إليه ثمانين سنة؛ ليعلم العاملون أن من قام بين يديّ يجب عليه مراقبة نظري».

الثانية: هذا يدلّ على أن الالتفات في الصلاة ـ وإن لم يُبطل ـ يدلّ على العقوبة عليها، والنقص فيها، وقد رَوى البخاري

عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو ٱختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد. وسيأتي ما للعلماء في هذا في أوّل سورة «المؤمنون» موعباً إن شاء الله تعالى

الثالثة: قال النحاس: فإن سأل قوم عن معنى شدّة حزن يعقوب ـ صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا ـ فللعلماء في هذا ثلاثة أجوبة: منها ـ أن يعقوب صلى الله عليه وسلم لما علم أن يوسف صلى الله عليه وسلم حَيٌّ خاف على دِينه، فاشتدّ حزنه لذلك. وقيل: إنما حزن لأنه سلّمه إليهم صغيراً، فندم على ذلك. والجواب الثالث ـ وهو أبْيَنُها ـ هو أن الحزن ليس بمحظور، وإنما المحظور الوَلْولة وشقّ الثياب، والكلام بما لا ينبغي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

تَدمع العين ويَحزن القلب ولا نقول ما يُسخط الربّ. وقد بيّن الله جلّ وعزّ ذلك بقوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ} أي مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبَثّه؛ ومنه كَظْم الغيظ وهو إخفاؤه؛ فالمكظوم المسدود عليه طريق حزنه؛ قال الله تعالى: { إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ }[القلم: 48] أي مملوء كرباً. ويجوز أن يكون المكظوم بمعنى الكاظم؛ وهو المشتمل على حزنه. وعن ٱبن عباس: كظيم مغموم؛ قال الشاعر:

فإنْ أَكُ كاظِماً لِمُصَابِ شَاسٍفإني اليومَ مُنطلقٌ لسانيِ

وقال ٱبن جُريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: ذهبت عيناه من الحزن «فَهُوَ كَظِيمٌ» قال: فهو مكروب. وقال مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {فَهُوَ كَظِيمٌ} قال: فهو كَمِد؛ يقول: يعلم أن يوسف حيّ، وأنه لا يدري أين هو؛ فهو كَمِد من ذلك. قال الجوهري: الكَمَد الحزن المكتوم؛ تقول منه كَمِد الرجلُ فهو كَمِدٌ وكَمِيدٌ. النحاس. يقال فلان كظِيم وكاظِم؛ أي حزين لا يشكو حزنه؛ قال الشاعر:

فَحَضضْتُ قَوْمي وٱحتسبتُ قِتالَهُموالقومُ من خوف المَنَايا كُظَّم

قَالُوا۟ تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا۟ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَٰلِكِينَ ۝٨٥ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨٦

قوله تعالى: {قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي قال له ولده: «تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ» قال الكسائي: فَتَأْتُ وفَتِئْتُ أفعل ذلك أي ما زلتُ. وزعم الفراء أن «لا» مضمرة؛ أي لا تفتأ، وأنشد:

فقلتُ يمينُ الله أبرحُ قاعِداًولو قَطعوا رأسِي لدَيكِ وأَوصَاليِ

أي لا أبرح؛ قال النحاس: والذي قال حسن صحيح. وزعم الخليل وسيبويه أن «لا» تضمر في القسم، لأنه ليس فيه إشكال؛ ولو كان واجباً لكان باللام والنون؛ وإنما قالوا له ذلك لأنهم علموا باليقين أنه يداوم على ذلك؛ يقال: ما زال يفعل كذا، وما فتىء وَفَتَأَ فهما لغتان، ولا يستعملان إلا مع الجحد قال الشاعر:

فما فَتِئتْ حتّى كأنّ غُبَارَهَاسُرَادِقُ يومٍ ذي رياحٍ تُرفَّعُ

أي ما برحت فتفتأ تبرح. وقال ٱبن عباس: تزال. {حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً} أي تالفاً. وقال ابن عباس ومجاهد: دَنفا من المرض، وهو ما دون الموت؛ قال الشاعر:

سَرَى هَمِّي فأمرضَنيوقِدْماً زادني مَرَضَاًكذاكَ الحبُّ قبلَ اليومِ ممَّا يُورِث الحَرَضَا

وقال قَتَادة: هرِماً. الضحّاك: بالِياً داثِراً. محمد بن إسحق: فاسداً لا عقل لك. الفراء: الحارض الفاسد الجسم والعقل؛ وكذا الحَرَض. ابن زيد: الحَرَض الذي قد رُدّ إلى أرذلِ العمر. الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم. المؤرِّج: ذائباً من الْهم. وقال الأخفش: ذاهباً. ابن الأنباريّ: هالكاً، وكلها متقاربة. وأصل الحَرَض الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهَرَم، عن أبي عُبيدة وغيره؛ وقال العَرْجِيّ:

إنى ٱمُرؤٌ لَجَّ بِي حُبٌّ فأحْرَضَنيِحتّى بَلِيتُ وحتّى شَفَّنيِ السَّقَمُ

قال النحاس: يقال حَرَض حَرَضاً وحَرُض حُرُوضاً وحُرُوضة إذا بليِ وسقم، ورجل حارِض وحَرَض، إلا أن حَرَضاً لا يثنّى ولا يجمع، ومثله قَمِن وحَرِيّ لا يثنيان ولا يجمعان. الثّعلبيّ: ومن العرب من يقول حارِض للمذكر، والمؤنثة حارِضة، فإذا وصف بهذا اللفظ ثَنّي وجمع وأنّث. ويقال: حَرِض يحَرَض حَرَاضةً فهو حَريض وحَرِضٌ. ويقال: رجل مُحْرَض، ويُنْشَد:

طَلَبَتْهُ الخيلُ يوماً كاملاًولَوْ ٱلْفَتْهُ لأَضْحَى مُحْرَضَا

وقال ٱمرؤ القيس:

أَرَى المرءَ ذا الأَذْوَاد يُصبِحُ مُحْرَضاًكإحْرَاضِ بِكْرٍ في الدّيارِ مَرِيض

قال النحاس: وحكى أهل اللغة أحرضه الهمّ إذا أسقمه، ورجل حارض أي أحمق. وقرأ أنس: «حُرْضاً» بضم الحاء وسكون الراء، أي مثل عود الأشْنان. وقرأ الحسن بضم الحاء والراء. قال الجوهري: الحَرَض والحُرُض الأَشْنَان. {أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ} أي الميّتين، وهو قول الجميع؛ وغرضهم منع يعقوب من البكاء والحزن شفقةً عليه، وإن كانوا السبب في ذلك.

قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي} حقيقة البثّ في اللغة ما يرد على الإنسان من الأشياء المهلكة التي لا يتهيأ له أن يخفيها؛ وهو من بثثته أي فرّقته، فسميت المصيبة بَثًّا مجازاً، قال ذو الرُّمّة:

وقَفْتُ على رَبْع لِميَّةَ نَاقَتيفما زِلْتُ أَبْكي عِندهُ وأُخَاطِبهْ وأَسْقِيه حتى كاد مما أُبِثُّهُتُكَلِّمُني أَحْجارُهُ ومَلاَعِبُهْ

وقال ابن عباس: «بَثّي» هَمِّي. الحسن: حاجتي. وقيل: أشد الحزن، وحقيقته ما ذكرناه. {وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ} معطوف عليه، أعاده بغير لفظه. {وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سأسجد له. قاله ابن عباس. قتادة: إني أعلم من إحسان الله تعالى إليّ ما يوجب حسن ظنِّي به. وقيل: قال يعقوب لملَك الموت هل قبضت رُوح يوسف؟ قال: لا، فأكّد هذا رجاءه. وقال السدّي: أعلم أن يوسف حيّ، وذلك أنه لما أخبره ولده بسيرة الملك وعدله وخُلُقه وقوله أحسّت نَفْس يعقوب أنه ولده فطمع، وقال: لعله يوسف. (وقال: لا يكون في الأرض صديق إلا نبىء. وقيل: أعلم من إجابة دعاء المضطرين ما لا تعلمون.

يَٰبَنِىَّ ٱذْهَبُوا۟ فَتَحَسَّسُوا۟ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَا۟يْـَٔسُوا۟ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَا يَا۟يْـَٔسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٧

قوله تعالى: {يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ} هذا يدلّ على أنه تيقن حياته؛ إما بالرؤيا، وإما بإنطاق الله تعالى الذئب كما في أوّل القصة، وإما بإخبار ملك الموت إياه بأنه لم يقبض رُوحه؛ وهو أظهر. والتَّحسُّس طلب الشيء بالحواسّ؛ فهو تفعّل من الحِّس، أي ٱذهبوا إلى هذا الذي طلب منكم أخاكم، وٱحتال عليكم في أخذه فاسألوا عنه وعن مذهبه. ويروى أن ملَك الموت قال له: ٱطلبه من هاهناٰ وأشار إلى ناحية مصر. وقيل: إن يعقوب تنبه على يوسف بردّ البضاعة، وٱحتباس أخيه، وإظهار الكرامة؛ فلذلك وجّههم إلى جهة مصر دون غيرها. {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ} أي لا تقنطوا من فرج الله؛ قاله ابن زيد؛ يريد: أن المؤمن يرجو فرج الله، والكافر يقنط في الشدّة. وقال قَتَادة والضحاك: من رحمة الله. {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} دليل على أن القنوط من الكبائر، وهو اليأس، وسيأتي في «الزُّمَر» بيانه إن شاء الله تعالى

فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ قَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَٰعَةٍ مُّزْجَىٰةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِى ٱلْمُتَصَدِّقِينَ ۝٨٨

قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} أي الممتنع. {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} هذه المرة الثالثة من عودهم إلى مصر؛ وفي الكلام حذف، أي فخرجوا إلى مصر، فلما دخلوا على يوسف قالوا: «مَسَّنَا» أي أصابنا «وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» أي الجوع والحاجة؛ وفي هذا دليل على جواز الشكوى عند الضُّر، أي الجوع؛ بل واجب عليه إذا خاف على نفسه الضّر من الفقر وغيره أن يبدي حالته إلى من يرجو منه النفع؛ كما هو واجب عليه أن يشكو ما به من الألم إلى الطبيب ليعالجه؛ ولا يكون ذلك قدحاً في التوكل، وهذا ما لم يكن التشكِّي على سبيل التّسخط؛ والصبر والتّجلد في النّوائب أحسن، والتّعفف عن المسألة أفضل؛ وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال البلوى؛ وذلك قول يعقوب: «إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنيِ إلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» أي من جميل صنعه، وغريب لطفه، وعائدته على عباده؛ فأما الشكوى على غير مُشْكٍ فهو السّفه، إلا أن يكون على وجه البثّ والتّسلّي؛ كما قال ٱبن دُرَيْد:

لاَ تَحْسَبَنْ يا دهرُ أنّي ضارِعٌلِنَكْبةٍ تَعْرِقُنيِ عَرْقَ الْمُدَىمَارَسْت مَنْ لَوْ هوتِ الأفلاكُ مِنْجَوَانِبِ الجوِّ عليه ما شَكَالكنّها نَفْثَةُ مَصْدورٍ إذاجَاشَ لُغَامٌ مِن نَوَاحِيَها غَمَا

قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ} البضاعة القطعة من المال يقصد بها شراء شيء؛ تقول: أبضعت الشيء وٱستبضعته أي جعلته بضاعة؛ وفي المثل: كمستبضع التمر إلى هَجَر.

قوله تعالى: {مُّزْجَاةٍ} صفة لبضاعة؛ والإزجاء السَّوْق بدفع؛ ومنه قوله تعالى:

{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً }[النور: 43] والمعنى أنها بضاعة تدفع؛ ولا يقبلها كل أحد. قال ثعلب: البضاعة المزجاة الناقصة غير التامة. ٱختلف في تعيينها هنا؛ فقيل: كانت قدِيداً وحيساً؛ ذكره الواقديّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل: خَلَقُ الغَرَائر والحبِال؛ روي عن ابن عباس. وقيل: متاع الأعراب صوف وسمن؛ قاله عبد الله بن الحارث. وقيل: الحبة الخضراء والصَّنَوبر وهو البُطْم، حبّ شجرٍ بالشام، يؤكل ويعصر الزيت منه لعمل الصابون، قاله أبو صالح؛ فباعوها بدراهم لا تَنفُق في الطعام، وتَنْفق فيما بين الناس؛ فقالوا: خذها منا بحساب جيادٍ تَنفُق في الطعام. وقيل: دراهم رديئة؛ قاله ابن عباس أيضاً. وقيل: ليس عليها صورة يوسف، وكانت دراهم مصر عليها صورة يوسف. وقال الضحاك: النعال والأدم؛ وعنه: كانت سوِيقا منخلاً. والله أعلم.

قوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ}.

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} يريدون كما تبيع بالدراهم الجياد لا تنقصنا بمكان دراهمنا؛ هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن جريج: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» يريدون الكيل الذي كان قد كاله لأخيهم. {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ} أي تفضل علينا بما بين سعر الجياد والرديئة. قاله سعيد بن جُبير والسدي والحسن: لأن الصدقة تحرم على الأنبياء. وقيل المعنى: «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» بالزيادة على حقّنا؛ قاله سفيان بن عُيَيْنة. قال مجاهد: ولم تحرم الصدقة إلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جُريج: المعنى «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» بردّ أخينا إلينا. وقال ابن شجرة: «تَصَدَّقْ عَلَيْنَا» تَجوَّز عنا؛ وٱستشهد بقول الشاعر:

تَصدّقْ علينا يا ٱبن عَفَّان وٱحْتَسِبْوأَمِّرْ علينا الأشعريّ لَيَالِيَا

{إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} يعني في الآخرة؛ يقال: هذا من مَعَاريض الكلام؛ لأنه لم يكن عندهم أنه على دينهم، فلذلك لم يقولوا: إن الله يجزيك بصدقتك، فقالوا لفظاً يوهمه أنهم أرادوه، وهم يصح لهم إخراجه بالتأويل؛ قاله النقاش وفي الحديث: إن في المَعَاريض لمندوحةً عن الكذب».

الثانية: ٱستدلّ مالك وغيره من العلماء على أن أجرة الكيال على البائع؛ قال ٱبن القاسم وابن نافع قال مالك: قالوا ليوسف «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» فكان يوسف هو الذي يكيل، وكذلك الوزَّان والعدّاد وغيرهم، لأن الرجل إذا باع عِدّة معلومة من طعامه، وأوجب العقد عليه، وجب عليه أن يبرزها ويميّز حق المشتري من حقه، إلا أن يبيع منه مُعيَّناً ـ صُبْرة أو مالا حقّ توفية فيه ـ فخلّى (ما) بينه وبينه، فما جرى على المبيع فهو على المبتاع؛ وليس كذلك ما فيه حق توفية من كيل أو وزن، ألا ترى أنه لا يستحق البائع الثمن إلا بعد التوفية، وإن تلف فهو منه قبل التوفية.

الثالثة: وأما أجرة النقد فعلى البائع أيضاً؛ لأن المبتاع الدافع لدراهمه يقول: إنها طَيِّبة، فأنت الذي تدّعي الرداءة فٱنظر لنفسك؛ وأيضاً فإن النفع يقع له فصار الأجر عليه، وكذلك لا يجب على الذي (يجب) عليه القصاص؛ لأنه لا يجب عليه أن يقطع يد نفسه، إلا أن يمكن من ذلك طائعاً؛ ألا ترى أن فرضاً عليه أن يفدي يده، ويصالح عليه إذا طلب المقتص ذلك منه؛ فأجر القطاع على المقتص. وقال الشافعي في المشهور عنه: إنها على المقتص منه كالبائع.

الرابعة: يكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم تصدّق عليّ؛ لأن الصدقة إنما تكون ممن يبتغي الثواب، والله تعالى متفضل بالثواب بجميع النعم لا ربّ غيره؛ وسمع الحسن رجلاً يقول: اللهم تصدّق عليّ؛ فقال الحسن: يا هذا! إن الله لا يتصدّق إنما يتصدّق من يبتغي الثواب؛ أما سمعت قول الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} قل: اللهم أعطني وتفضّلّ عليّ.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ