انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة يوسف

تفسير القرطبيالآيات 22–32

تفسير سورة يوسف آية آية، من تفسير القرطبي.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيْنَٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٢٢

قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} «أَشُدَّهُ» عند سيبويه جمع، واحده شِدّة. وقال الكسائي: واحده شَدٌّ؛ كما قال الشاعر:

عَهْدِي به شَدَّ النَّهارِ كأنَّمَاخُضِبَ اللَّبانُ ورأسُه بالعِظْلِمِ

وزعم أبو عبيد أنه لا واحد له من لفظه عند العرب؛ ومعناه ٱستكمال القوّة ثم يكون النقصان بعد. وقال مجاهد وقَتادة: الأَشُدّ ثلاث وثلاثون سنة. وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأَشُدّ بلوغ الحُلُم؛ وقد مضى ما للعلماء في هذا في «النساء» و «الأنعام» مستوفى. {آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً} قيل: جعلناه المستولي على الحُكْم، فكان يحكم في سلطان الملك؛ أي وآتيناه عِلماً بالحُكْم. وقال مجاهد: العقل والفهم والنبوة. وقيل: الحُكْم النبوّة، والعِلم عِلم الدين؛ وقيل: علم الرؤيا؛ ومن قال: أوتي النبوّة صبِياً قال: لما بلغ أشدّه زدناه فهماً وعلماً. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} يعني المؤمنين. وقيل: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف؛ قاله الضحاك. وقال الطبريّ: هذا وإن كان مخرجه ظاهراً على كل محسِن فالمراد به محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول الله تعالى: كما فعلت هذا بيوسف بعد أن قاسى ما قاسى ثم أعطيته ما أعطيته، كذلك أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكّن لك في الأرض.

وَرَٰوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلْأَبْوَٰبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُۥ رَبِّىٓ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٢٣ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِۦ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَن رَّءَا بُرْهَٰنَ رَبِّهِۦ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُۥ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٢٤

قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ} وهي ٱمرأة العزيز، طلبت منه أن يواقعها. وأصل المراودة الإرادة والطلب برفق ولين. والرَّوْد والرِّياد طلب الكلأ؛ وقيل: هي من رويد؛ يقال: فلان يمشي رُوَيْداً، أي برفق؛ فالمراودة الرفق في الطلب؛ يقال في الرجل: راودها عن نفسها، وفي المرأة راودته عن نفسه. والرّود التأنِّي؛ يقال: أرْوَدَني أمهلني. {وَغَلَّقَتِ ٱلأَبْوَابَ} غلّق للكثير، ولا يقال: غَلَق البابَ؛ وأَغلقَ يقع للكثير والقليل؛ كما قال الفَرَزْدق في أبي عمرو بن العلاء:

ما زلتُ أُغلق أبواباً وأفتحُهَاحتى أتيتُ أبا عمرو بن عمّارِ

يقال: إنها كانت سبعة أبواب غلّقتها ثم دعته إلى نفسها. {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي هَلُمَّ وأقْبِلْ وتَعالَ؛ ولا مصدر له ولا تصريف. قال النحاس: فيها سبع قراءات؛ فمن أجلّ ما فيها وأصحّه إسناداً ما رواه الأعمش عن أبي وائِل قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقرأ «هَيْتَ لَكَ» قال فقلت: إن قوماً يقرؤونها «هِيتَ لك» فقال: إنما أقرأ كما عُلّمت. قال أبو جعفر: وبعضهم يقول عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا يبعد ذلك؛ لأن قوله: إنما أقرأ كما علّمت يدلّ على أنه مرفوع، وهذه القراءة بفتح التاء والهاء هي الصحيحة من قراءة ٱبن عباس وسعيد بن جُبير والحسن ومجاهد وعكرمة؛ وبها قرأ أبو عمرو بن العلاء وعاصم والأعمش وحمزة والكسائيّ. قال عبد الله بن مسعود: لا تقطعوا في القرآن؛ فإنما هو مثل قول أحدكم: هَلمّ وتَعالَ. وقرأ ٱبن أبي إسحق النحوي «قَالَتْ هَيْتِ لَكَ» بفتح الهاء وكسر التاء. وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلَميّ وٱبن كثير «هَيْتُ لَكَ» بفتح الهاء وضم التاء؛ قال طَرَفة:

ليس قوميِ بالأبْعَدِين إذا ماقال داعٍ من العَشيرة هَيْتُ

فهذه ثلاث قراءات الهاء فيهنّ مفتوحة. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع «وَقَالَتْ هِيتَ لَكَ» بكسر الهاء وفتح التاء. وقرأ يحيـى بن وثّاب «وَقَالَت هِيْتُ لَكَ» بكسر الهاء وبعدها ياء ساكنة والتاء مضمومة. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس ومجاهد وعكرمة: «وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ» بكسر الهاء وبعدها همزة ساكنة والتاء مضمومة. وعن ابن عامر وأهل الشام: «وَقَالَتْ هِئْتَ» بكسر الهاء وبالهمزة وبفتح التاء؛ قال أبو جعفر: «هئْتَ لَكَ» بفتح التاء لالتقاء الساكنين، لأنه صوت نحو مَهْ وصَهْ يجب ألاّ يعرب، والفتح خفيف؛ لأن قبل التاء ياء مثل أيْنَ وكيفَ؛ ومَن كسر التاء فإنما كسرها لأن الأصل الكسر؛ لأن الساكن إذا حرّك حرّك إلى الكسر، ومن ضم فلأن فيه معنى الغاية؛ أي قالت: دعائي لك، فلما حذفت الإضافة بني على الضم؛ مثل حيثُ وبعدُ. وقراءة أهل المدينة فيها قولان: أحدهما ـ أن يكون الفتح لالتقاء الساكنين كما مرّ. والآخر ـ أن يكون فعلاً من هَاءَ يَهِيء مثل جاء يجيء؛ فيكون المعنى في «هِئْتَ» أي حسنت هيئتك، ويكون «لَكَ» من كلام آخر، كما تقول: لكَ أعني. ومن همز وضم التاء فهو فعل بمعنى تهيأتُ لك؛ وكذلك من قرأ «هِيتُ لَكَ». وأنكر أبو عمرو هذه القراءة؛ قال أبو عبيدة ـ مُعْمَر بن المُثَنَّى: سئل أبو عمرو عن قراءة من قرأ بكسر الهاء وضم التاء مهموزاً فقال أبو عمرو: باطل؛ جعلها من تهيأت! ٱذهب فاستعرِضِ العربَ حتى تنتهي إلى اليمن هل تعرف أحداً يقول هذا؟ٰ وقال الكسائي أيضاً: لم تُحكَ «هِئتُ» عن العرب. قال عِكرمة: «هِئتُ لَكَ» أي تهيأت لك وتزينت وتحسنت، وهي قراءة غير مرضية، لأنها لم تسمع في العربية. قال النحاس: وهي جيِّدة عند البصريين؛ لأنه يقال: هَاءَ الرجلُ يَهاء ويَهِيىء هيأةً فهاء يَهيء مثل جاء يجيء وهِئتُ مثل جئت. وكسر الهاء في «هيت» لغة لقوم يؤثرون كسر الهاء على فتحها. قال الزجاج: أجود القراءات «هَيْتَ» بفتح الهاء والتاء؛ قال طَرَفة:

ليس قومي بالأبعدين إذا ماقال داعٍ من العشيرة هَيْتَ

بفتح الهاء والتاء.

وقال الشاعر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

أَبلغْ أمير المؤمـ ـنينَ أخا العراقِ إذا أَتيتَا إنّ العراقَ وأهلُه سِلْمٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتَا

قال ابن عباس والحسن: «هيت» كلمة بالسريانية تدعوه إلى نفسها. وقال السُّديّ: معناها بالقبطية هلمّ لك. قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حَوْران وقعت إلى أهل الحجاز معناه تعالَ؛ قال أبو عبيد: فسألت شيخاً عالماً من حَوْرَان فذكر أنها لغتهم؛ وبه قال عِكْرمة. وقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها، وهي كلمة حثّ وإقبال على الأشياء؛ قال الجوهريّ: يقال هَوَّتَ به وهَيَّتَ به إذا صاح به ودعاه؛ قال:

قد رَابَنِي أَنَّ الْكَريَّ أَسْكَتَالو كان مَعْنِيًّا بها لَهَيَّتَا

أي صاح؛ وقال آخر:

يَحْـدو بهـا كـلُّ فتًـى هَيَّـاتِ

قوله تعالى: {قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ} أي أعوذ بالله وأستجير به مما دعوتني إليه؛ وهو مصدر، أي أعوذ بالله مَعاذا؛ فيحذف المفعول وينتصب المصدر بالفعل المحذوف، ويضاف المصدر إلى ٱسم الله كما يضاف المصدر إلى المفعول، كما تقول: مررت بزيد مرورَ عمرو أي كمروري بعمرو. {إِنَّهُ رَبِّيۤ} يعني زوجها، أي هو سيّدي أكرمني فلا أخونه؛ قاله مجاهد وابن إسحق والسدّي. وقال الزجاج: أي إن الله ربي تولاني بلطفه، فلا أركب ما حرّمه. {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} وفي الخبر أنها قالت له: يا يوسف! ما أحسن صورة وجهك! قال: في الرَّحِم صوّرني رَبِّي؛ قالت: يا يوسف ما أحسن شَعْرك! قال: هو أول شيء يَبْلَى منّي في قبري؛ قالت: يا يوسف! ما أحسن عينيك؟ قال: بهما أنظر إلى ربيّ. قالت: يا يوسف! ٱرفع بصرك فٱنظر في وجهي، قال: إني أخاف العمى في آخرتي. قالت يا يوسف! أدنو منك وتتباعد مني؟ قال: أريد بذلك القرب من ربيّ. قالت: يا يوسف القَيْطون (فرشته لك) فٱدخل معي، قال: القَيْطُون لا يسترني من ربيّ. قالت: يا يوسف فراش الحرير قد فرشته لك، قم فاقض حاجتي، قال: إذًا يذهب من الجنة نصيبي؛ إلى غير ذلك من كلامها وهو يراجعها؛ إلى أن همّ بها. وقد ذكر بعضهم ما زال النساء يَمِلْن إلى يوسف مَيْل شهوة حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبة النبوّة؛ فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه. وٱختلف العلماء في همّه؛ ولا خلاف أن همّها كان المعصية، وأما يوسف فهمّ بها {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ولكن لما رأى البرهان ما همّ؛ وهذا لوجوب العصمة للأنبياء؛ قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} فإذًا في الكلام تقديم وتأخير؛ أي لولا أن رأى برهان ربه همّ بها. قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} الآية، قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه أراد ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها. وقال أحمد بن يحيـى: أي همت زليخاء بالمعصية وكانت مصِرّة، وهمّ يوسف ولم يواقع ما همّ به؛ فبين الهمتين فرق، ذكر هذين القولين الهرويّ في كتابه. قال جميل:

هَمَمْتُ بِهَمٍّ من بُثَينةَ لو بَدَاشَفيتُ غَليلاتِ الهوَى من فُؤاديَا

آخر:

هَمَمْتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتنيتَركتُ على عثمان تبكي حلائلهُ

فهذا كله حديث نفس من غير عزم. وقيل: همّ بها تمنى زوجيتها. وقيل: همّ بها أي بضربها ودفعها عن نفسه، والبرهان كفه عن الضرب؛ إذ لو ضربها لأوهم أنه قصدها بالحرام فامتنعت فضربها. وقيل: إن همّ يوسف كان معصية، وأنه جلس منها مجلس الرجل من امرأته؛ وإلى هذا القول ذهب معظم المفسرين وعامتهم، فيما ذكر القُشيريّ أبو نصر، وٱبن الأنباريّ والنحاس والماورديّ وغيرهم. قال ٱبن عباس: حلّ الهِمْيان وجلس منها مجلس الخاتن، وعنه: ٱستلقت على قفاها وقعد بين رجليها ينزع ثيابه. وقال سعيد بن جُبير: أطلق تِكَّة سراويله. وقال مجاهد: حلّ السراويل حتى بلغ الأليتين، وجلس منها مجلس الرجل من ٱمرأته. قال ٱبن عباس: ولما قال: { ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ }[يوسف: 52] قال له جبريل: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ٰ فقال عند ذلك: { وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ }[يوسف: 53]. قالوا: والانكفاف في مثل هذه الحالة دالٌّ على الإخلاص، وأعظم للثواب.

قلت: وهذا كان سبب ثناء الله تعالى على ذي الكِفل حسب ما يأتي بيانه في «صۤ» إن شاء الله تعالى. وجواب «لولا» على هذا محذوف؛ أي لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما همّ به؛ ومثله

{ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ }[التكاثر: 5] وجوابه لم تتنافسوا؛ قال ٱبن عطية: روي هذا القول عن ابن عباس وجماعة من السلف، وقالوا: الحكمة في ذلك أن يكون مثلاً للمذنبين ليروا أن توبتهم ترجع إلى عفو الله تعالى كما رجعت ممن هو خير منهم، ولم يوبقه القرب من الذنب، وهذا كله على أن همّ يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخاء وأخذ في حلّ ثيابه وتِكَّته ونحو ذلك، وهي قد ٱستلقت له؛ حكاه الطبريّ. وقال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: وٱبن عباس ومن دونه لا يختلفون في أنه همّ بها، وهم أعلم بالله وبتأويل كتابه، وأشدّ تعظيماً للأنبياء من أن يتكلموا فيهم بغير علم. وقال الحسن: إن الله عز وجل لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيرهم بها؛ ولكنه ذكرها لكيلا تيأسوا من التوبة. قال الغزنويّ: مع أن لزلة الأنبياء حِكَماً: زيادة الوجل، وشدّة الحياء بالخجل، والتخلّي عن عجب العمل، والتلذذ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونهم أئمة رجاء أهل الزلل. قال القُشيريّ أبو نصر: وقال قوم جرى من يوسف همّ، وكان ذلك (الهم) حركة طبع من غير تصميم للعقد على الفعل؛ وما كان من هذا القبيل لا يؤخذ به العبد، وقد يخطر بقلب المرء وهو صائم شرب الماء البارد، وتناول الطعام اللذيذ، فإذا لم يأكل ولم يشرب، ولم يصمم عزمه على الأكل والشرب لا يؤاخذ بما هجس في النفس؛ والبرهان صرفه عن هذا الهمّ حتى لم يصر عزماً مصمماً.

قلت: هذا قول حسن؛ وممن قال به الحسن. قال ٱبن عطية: الذي أقول به في هذه الآية إن كون يوسف نبياً في وقت هذه النازلة لم يصح، ولا تظاهرت به رواية؛ وإذا كان كذلك فهو مؤمن قد أوتي حُكماً وعلماً، ويجوز عليه الهمّ الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة؛ وإن فرضناه نبياً في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهمّ الذي هو خاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حلّ تِكّته ونحوه؛ لأن العصمة مع النبوّة. وما روي من أنه قيل له: «تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء» فإنما معناه العِدَة بالنبوّة فيما بعد.

قلت: ما ذكره من (هذا) التفصيل صحيح؛ لكن قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ} يدلّ على أنه كان نبيًّا على ما ذكرناه، وهو قول جماعة من العلماء؛ وإذا كان نبيّا فلم يبق إلاّ أن يكون الهمّ الذي همّ به ما يخطر في النفس ولا يثبت في الصدر؛ وهو الذي رفع الله فيه المؤاخذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلَّف على دفعه؛ ويكون قوله: {وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} ـ إن كان من قول يوسف ـ أي من هذا الهمّ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف، لمخالفة النفس لما زكّي به قبل وبريء؛ وقد أخبر الله تعالى عن حال يوسف من حين بلوغه فقال: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً» على ما تقدّم بيانه، وخبر الله تعالى صدق، ووصفه صحيح، وكلامه حق؛ فقد عمل يوسف بما علمه الله من تحريم الزّنى ومقدماته، وخيانة السيد والجار والأجنبي في أهله؛ فما تعرّض لامرأة العزيز، ولا أجاب إلى المراودة، بل أدبر عنها وفرّ منها؛ حكمة خص بها، وعملاً بمقتضى ما علّمه الله. وفي صحيح مسلم عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ٱرقبوه فإن عملها فٱكتبوها له بمثلها وإن تركها فٱكتبوها له حسنة إنما تركها من جَرَّاي.وقال عليه السلام مخبراً عن ربه:إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت حسنةفإن كان ما يهم به العبد من السيئة يكتب له بتركها حسنة فلا ذنب؛ وفي الصحيح:إن الله تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تَكلّم بهوقد تقدّم. قال ٱبن العربي: كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية، ـ وأيّ إمام ـ يعرف بابن عطاء! تكلمّ يوماً على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته مما نسب إليه من مكروه؛ فقام رجل من آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كل طائفة فقال: يا شيخ! يا سيدنا فإذًا يوسف همّ وما تَمَّ؟ قال: نعم! لأن العناية من ثَمَّ. فانظر إلى حلاوة العالم والمتعلم، وٱنظر إلى فطنة العامي في سؤاله، وجواب العالم في ٱختصاره وٱستيفائه؛ ولذلك قال علماء الصوفية: إن فائدة قوله: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلماً» إنما أعطاه ذلك إبان غلبة الشهوة لتكون له سبباً للعصمة.

قلت: وإذا تقررت عصمته وبراءته بثناء الله تعالى عليه فلا يصح ما قال مُصْعَب بن عثمان: إن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجهاً، فاشتاقته امرأة فسامته نفسها فامتنع عليها وذكّرها، فقالت: إن لم تفعل لأشهرنك؛ فخرج وتركها، فرأى في منامه يوسف الصديق عليه السلام جالساً فقال: أنت يوسف؟ فقال: أنا يوسف الذي هممتُ، وأنت سليمان الذي لم تهمّ؟ فإن هذا يقتضي أن تكون درجة الولاية أرفع من درجة النبوّة وهو محال؛ ولو قدّرنا يوسف غير نبي فدرجته الولاية، فيكون محفوظاً كهو؛ ولو غلقت على سليمان الأبواب، وروجع في المقال والخطاب، والكلام والجواب مع طول الصحبة لخيف عليه الفتنة، وعظيم المحنة، والله أعلم.

قوله تعالى: {لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} («أن» في موضع رفع أي لولا رؤية برهان ربه) والجواب محذوف لعلم السامع؛ أي لكان ما كان. وهذا البرهان غير مذكور في القرآن؛ فرُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن زليخاء قامت إلى صنم مكلّل بالدرّ والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني في هذه الصورة؛ فقال يوسف: أنا أولى أن أستحي من الله؛ وهذا أحسن ما قيل فيه، لأن فيه إقامة الدليل. وقيل: رأى مكتوباً في سقف البيت

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً }[الإسراء: 32]. وقال ابن عباس: بدت كفّ مكتوب عليها { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ }[الانفطار:10] وقال قوم: تذكر عهد الله وميثاقه. وقيل: نودي يا يوسف أنت مكتوب في (ديوان) الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟! وقيل: رأى صورة يعقوب على الجدران عاضاً على أنملته يتوعده فسكن، وخرجت شهوته من أنامله؛ قاله قَتادة ومجاهد والحسن والضّحاك وأبو صالح وسعيد بن جُبير. وروى الأعمش عن مجاهد قال: حلّ سراويله فتمثل له يعقوب، وقال له: يا يوسف! فولّى هارباً. وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جُبير قال: مثل له يعقوب فضرب صدره فخرجت شهوته من أنامله؛ قال مجاهد: فولد لكل واحد من أولاد يعقوب ٱثنا عشر ذكراً إلا يوسف لم يولد له إلا غلامان، ونقص بتلك الشهوة ولده؛ وقيل غير هذا. وبالجملة: فذلك البرهان آية من آيات الله أراها الله يوسف حتى قوي إيمانه، وٱمتنع عن المعصية.

قوله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ} الكاف من «كَذَلِكَ» يجوز أن تكون رفعاً، بأن يكون خبر ٱبتداء محذوف، التقدير: البراهين كذلك، ويكون نعتاً لمصدر محذوف؛ أي أريناه البراهين رؤية كذلك. والسوء الشهوة، والفحشاء المباشرة. وقيل: السوء الثناء القبيح، والفحشاء الزنى. وقيل: السوء خيانة صاحبه، والفحشاء ركوب الفاحشة. وقيل: السوء عقوبة الملك العزيز. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو وٱبن عامر «المخلِصين» بكسر اللام؛ وتأويلها الذين أخلصوا طاعة الله. وقرأ الباقون بفتح اللام، وتأويلها: الذين أخلصهم الله لرسالته؛ وقد كان يوسف صلى الله عليه وسلم بهاتين الصفتين؛ لأنه كان مخلِصاً في طاعة الله تعالى، مستخلَصاً لرسالة الله تعالى

وَٱسْتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٢٥

قوله تعالى: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ}.

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ} قالت العلماء: وهذا من ٱختصار القرآن المعجز الذي يجتمع فيه المعاني؛ وذلك أنه لما رأى برهان ربه هرب منها فتعاديا، هي لتردّه إلى نفسها، وهو ليهرب عنها، فأدركته قبل أن يخرج. {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} أي من خَلْفه؛ قبضت في أعلى قميصه فتخرّق القميص عند طوقه، ونزل التخريق إلى أسفل القميص. والاستباق طلب السّبق إلى الشيء؛ ومنه السّباق. والقدّ القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً؛ قال النابغة:

تَقُدُّ السَّلُوقِيَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُوتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُبَاحِبِ

والقَطُّ بالطاء يستعمل فيما كان عَرْضاً. وقال المفضّل بن حرب: قرأت في مصحف «فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ عُطَّ مِنْ دُبُرٍ» أي شُقّ. قال يعقوب: العَطّ الشّق في الجلد الصحيح والثوب الصحيح. وحذفت الألف من «ٱسْتَبَقَا» في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها؛ كما يقال: جاءني عبدَ الله في التثنية؛ ومن العرب من يقول: جاءني عبدا الله بإثبات الألف بغير همز، يجمع بين ساكنين؛ لأن الثاني مدغم، والأوّل حرف مدّ ولين. ومنهم من يقول: عبدا الله بإثبات الألف والهمز، كما تقول في الوقف.

الثانية: في الآية دليل على القياس والاعتبار، والعمل بالعرف والعادة؛ لما ذكر من قدّ القميص مقبلاً ومدبراً، وهذا أمر ٱنفرد به المالكية في كتبهم؛ وذلك أن القميص إذا جُبِذ من خلف تمزّق من تلك الجهة، وإذا جُبِذ من قدّام تمزق من تلك الجهة، وهذا هو الأغلب.

قوله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ} أي وجدا العزيز عند الباب، وعُنِيَ بالسيّد الزوج؛ والقبط يسّمون الزوج سيّداً. يقال: ألفاه وصادفه ووارطه ووالطه ولاطه كله بمعنى واحد؛ فلما رأت زوجها طلبت وجهاً للحيلة وكادت فـ {قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا} أي زنًى. {إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} تقول: يُضرب ضرباً وجيعاً. و «مَا جَزَاءُ» ابتداء، وخبره «أَنْ يُسْجَنَ». «أَوْ عَذَابٌ» عطف على موضع «أَنْ يُسْجَنَ» لأن المعنى: إلا السّجن. ويجوز أو عذاباً أليماً بمعنى: أو يعذّب عذاباً أليماً؛ قاله الكسائي.

قَالَ هِىَ رَٰوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٢٦ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٢٧ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ۝٢٨ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ۝٢٩

قوله تعالى: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قال العلماء: لما برّأت نفسها؛ ولم تكن صادقة في حبه ـ لأن من شأن المحبّ إيثار المحبوب ـ قال: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي} نطق يوسف بالحق في مقابلة بهتها وكذبها عليه. قال نُوفٌ الشاميّ وغيره: كأنّ يوسف عليه السلام لم يَبِن عن كشف القضية، فلما بَغَت به غضب فقال الحق.

الثانية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} لأنهما لما تعارضا في القول ٱحتاج الملك إلى شاهد ليعلم الصادق من الكاذب، فشهد شاهد من أهلها، أي حكم حاكم من أهلها؛ لأنه حكم منه وليس بشهادة. وقد ٱختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة: الأوّل ـ أنه طفل في المهد تكلم؛ قال السّهيلي: وهو الصحيح؛ للحديث الوارد فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قوله:

لم يتكلم في المهد إلا ثلاثةوذكر فيهم شاهد يوسف. وقال القُشيريّ أبو نصر: قيل (فيه): كان صبياً في المهد في الدار وهو ٱبن خالتها؛ وروى سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تكلم أربعة وهم صغارفذكر منهم شاهد يوسف؛ فهذا قول. الثاني ـ أن الشاهد قَدُّ القميص؛ رواه ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد، وهو مجاز صحيح من جهة اللغة؛ فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات، وذلك كثير في أشعارها وكلامها؛ ومن أحلاه قول بعضهم: قال الحائط للوتد لِمَ تَشقُّني؟ قال له: سَلْ من يَدقُّني. إلا أن قول الله تعالى بعد «مِنْ أَهْلِهَا» يبطل أن يكون القميص. الثالث ـ أنه خَلْق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا بجنّيّ؛ قاله مجاهد أيضاً، وهذا يرده قوله تعالى: «مِنْ أَهْلِهَا». الرابع ـ أنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره، وكان من جملة أهل المرأة، وكان مع زوجها فقال: قد سمعت الاستدبار والجَلَبة من وراء الباب، وشق القميص، فلا يدرى أيكما كان قدّام صاحبه؛ فإن كان شقّ القميص من قدّامه فأنتِ صادقة، وإن كان من خلفه فهو صادق؛ فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوق من خلف؛ هذا قول الحسن وعِكرمة وقتادة والضّحاك ومجاهد أيضاً والسدّي. قال السدّي: كان ابن عمها؛ وروي عن ابن عباس، وهو الصحيح في الباب، والله أعلم. وروي عن ابن عباس ـ رواه (عنه) إسرائيل عن سِماك عن عِكرمة ـ قال: كان رجلاً ذا لحية. وقال سفيان عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: كان من خاصة الملك. وقال عكرمة: لم يكن بصبيّ، ولكن كان رجلاً حكيماً. وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: كان رجلاً. قال أبو جعفر النحاس: والأشبه بالمعنى ـ والله أعلم ـ أن يكون رجلاً عاقلاً حكيماً شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة؛ ولو كان طفلاً لكانت شهادته ليوسف صلى الله عليه وسلم تغني عن أن يأتي بدليل من العادة؛ لأن كلام الطفل آية معجزة، فكانت أوضح من الاستدلال بالعادة؛ وليس هذا بمخالف للحديث «تكلم أربعة وهم صغار» منهم صاحب يوسف؛ يكون المعنى: صغيراً ليس بشيخ؛ وفي هذا دليل آخر وهو: أن ابن عباس رضي الله عنهما روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تواترت الرواية عنه أن صاحب يوسف ليس بصبيّ.

قلت: قد رُوي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن جُبير وهلال بن يِسَاف والضّحاك أنه كان صبياً في المهد؛ إلا أنه لو كان صبياً تكلم لكان الدليل نفس كلامه، دون أن يحتاج إلى استدلال بالقميص، وكان يكون ذلك خرق عادة، ونوع معجزة؛ والله أعلم. وسيأتي من تكلم في المهد من الصبيان في سورة «البروج» إن شاء الله.

الثالثة: إذا تنزلنا على أن يكون الشاهد طفلاً صغيراً فلا يكون فيه دلالة على العمل بالأمارات كما ذكرنا؛ وإذا كان رجلاً فيصح أن يكون حجة بالحكم بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع؛ حتى قال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها، وليست لهم بيّنة فإن السلطان يَتَلَوَّم لهم في ذلك؛ فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم. وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت فيه المرأة والرجل: إن ما كان للرجال فهو للرجل، وما كان للنساء فهو للمرأة، وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل. وكان شُرَيح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في الحكومات؛ وأصل ذلك هذه الآية، والله أعلم.

قوله تعالى: {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} كان في موضع جزم بالشرط، وفيه من النحو ما يشكل، لأن حروف الشرط تردّ الماضي إلى المستقبل، وليس هذا في كان؛ فقال المبرد محمد بن يزيد: هذا لقوّة كان، وأنه يعبر بها عن جميع الأفعال. وقال الزجاج: المعنى إن يكن؛ أي إن يُعلَم، والعلم لم يقع، وكذا الكون لأنه يؤدي عن العلم. «قُدَّ مِنْ قُبُلٍ» فخبّر عن «كان» بالفعل الماضي؛ كما قال زهير:

وكان طَوَى كَشْحاً على مُسْتَكِنَّةٍفلا هو أبداهَا ولم يَتقدَّمِ

وقرأ يحيـى بن يعمر وٱبن أبي إسحق «مِن قُبُلُ» بضم القاف والباء واللام، وكذا «دُبُرُ» قال الزجاج: يجعلهما غايتين كقبلُ وبعدُ؛ كأنه قال: من قُبُلِه ومن دُبُرِه، فلما حذف المضاف إليه ـ وهو مراد ـ صار المضاف غاية نفسه بعد أن كان المضاف إليه غاية له. ويجوز «من قُبُلَ» «ومن دُبُرَ» بفتح الراء واللام تشبيهاً بما لا ينصرف؛ لأنه معرفة ومزال عن بابه. وروى محبوب عن أبي عمرو «من قُبْلٍ» «ومن دُبْرٍ» مخفّفان مجروران.

قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ} قيل: قال لها ذلك العزيز عند قولها: «مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً». وقيل: قاله لها الشاهد. والكيد: المكر والحيلة، وقد تقدّم في «الأنفال». {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} وإنما قال «عَظِيمٌ» لعظم فتنتهنّ وٱحتيالهنّ في التخلّص من ورطتهنّ. وقال مقاتل عن يحيـى بن أبي كثير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] وقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ».

قوله تعالى: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} القائل هذا هو الشاهد. و«يوسف» نداء مفرد، أي يا يوسف، فحذف. «أَعْرِضْ عَنْ هَذَا» أي لا تذكره لأحد وٱكتمه. ثم أقبل عليها فقال: وأنتِ {وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} يقول: استغفري زوجك من ذنبك لا يعاقبك. {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِئِينَ} ولم يقل من الخاطئات لأنه قصد الإخبار عن المذكر والمؤنث، فغلّب المذكر؛ والمعنى: من الناس الخاطئين، أو من القوم الخاطئين؛ مثل:

{ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ }[النمل: 43] { وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ }[التحريم: 12]. وقيل: إن القائل ليوسف ٱعرض ولها ٱستغفري زوجُها الملك؛ وفيه قولان: أحدهما: أنه لم يكن غيوراً؛ فلذلك كان ساكناً. وعدم الغيرة في كثير من أهل مصر موجود. الثاني: أن الله تعالى سلبه الغيرة وكان فيه لطف بيوسف حتى كُفي بادرته وعفا عنها.

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفْسِهِۦ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٣٠ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَـًٔا وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ۝٣١ قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ۝٣٢

قوله تعالى: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ} ويقال: «نُسوة» بضم النون، وهي قراءة الأعمش والمفضّل والسُّلَميّ، والجمع الكثير نساء. ويجوز: وقالت نسوة، وقال نسوة، مثل قالت الأعراب وقال الأعراب؛ وذلك أن القصة ٱنتشرت في أهل مصر فتحدّث النساء. قيل: ٱمرأة ساقي العزيز، وٱمرأة خبازه، وٱمرأة صاحب دوابه، وٱمرأة صاحب سجنه. وقيل: ٱمرأة الحاجب؛ عن ٱبن عباس وغيره. {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ} الفتى في كلام العرب الشاب، والمرأة فتاة. {قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً} قيل: شغفها غلبها. وقيل: دخل حبه في شغافها؛ عن مجاهد وغيره. وروى عمرو بن دينار عن عِكرمة عن ٱبن عباس قال: دخل تحت شَغافها. وقال الحسن: الشّغف باطن القلب. السديّ وأبو عبيد: شغاف القلب غلافه، وهو جلدة عليه. وقيل: هو وسط القلب؛ والمعنى في هذه الأقوال متقارب، والمعنى: وصل حبه إلى شَغافها فغلب عليه؛ قال النابغة:

وقد حال هَمٌّ دون ذلك داخلٌدخولَ الشّغافِ تبتغيه الأصابعُ

وقد قيل: إن الشّغاف داء؛ وأنشد الأصمعي للراجز:

يتبعـها وهي له شَغـافُ

وقرأ أبو جعفر بن محمد وٱبن محيصن والحسن «شَعَفَها» بالعين غير معجمة؛ قال ٱبن الأعرابي: معناه أحرق حبه قلبها؛ قال: وعلى الأوّل العمل. قال الجوهريّ: وشَعفه الحب أحرق قلبه. وقال أبو زيد: أمرضه. وقد شُعِف بكذا فهو مشعوف. وقرأ الحسن «قَدْ شَعَفَهَا» قال: بَطَنها حبًّا. قال النحاس: معناه عند أكثر أهل اللغة قد ذهب بها كل مذهب؛ لأن شِعَاف الجبال: أعاليها؛ وقد شُغِف بذلك شُغْفاً بإسكان الغين إذا أُولِع به؛ إلا أن أبا عبيدة أنشد بيت ٱمرىء القيس:

لتقتلني وقد شَعَفْتُ فؤادَهاكَمَا شَعَفَ الْمَهْنُوءَةَ الرّجُل الطَّالِي

قال: فشبهت لوعةُ الحبّ وجَوَاه بذلك. ورُوي عن الشَّعْبي أنه قال: الشّغف بالغين المعجمة حُبّ، والشّعف بالعين غير المعجمة جنونٌ. قال النحاس: وحكي «قد شَغِفَها» بكسر الغين، ولا يعرف في كلام العرب إلا «شَغَفها» بفتح الغين، وكذا «شَعَفها» أي تركها مشعوفة. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن الحسن: الشَّغاف حجاب القلب، والشَّعاف سويداء القلب، فلو وصل الحبّ إلى الشّعاف لماتت؛ وقال الحسن: ويقال إن الشَّغاف الجلدة اللاصقة بالقلب التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فلصق حبُّه بقلبها كلصوق الجلدة بالقلب.

قوله تعالى: {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي في هذا الفعل. وقال قَتَادَة: «فَتَاهَا» وهو فتى زوجها، لأن يوسف كان عندهم في حكم المماليك، وكان ينفذ أمرُها فيه. وقال مقاتل عن أبي عثمان النَّهْديّ عن سلمان الفارسيّ قال: إن ٱمرأة العزيز ٱستوهبت زوجها يوسف فوهبه لها، وقال: ما تصنعين به؟ قالت: أتخذه ولداً؛ قال: هو لك؛ فربته حتى أَيْفع وفي نفسها منه ما في نفسها، فكانت تنكشف له وتتزيّن وتدعوه من وجه اللطف فعصمه الله.

قوله تعالى: {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي بغيبتهنّ إياها، وٱحتيالهنّ في ذمها. وقيل: إنها أطلعتهنّ وٱستأمنتهنّ فأفشين سرها، فسمى ذلك مكراً. وقوله: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} في الكلام حذف؛ أي أرسلت إليهن تدعوهنّ إلى وَليمة لتُوقِعهنّ فيما وقعت فيه؛ فقال مجاهد عن ٱبن عباس: إن ٱمرأة العزيز قالت لزوجها إني أريد أن أتخذ طعاماً فأدعو هؤلاء النّسوة؛ فقال لها: افعلي؛ فاتخذت طعاماً، ثم نَجَّدت لهن البيوت؛؛ نَجَّدت أي زيَّنت؛ والنَّجْد ما يُنْجَد به البيت من المتاع أي يُزيَّن، والجمع نُجُود عن أبي عُبيد؛ والتّنجيد التزيين؛ وأرسلت إليهنّ أن يحضُرن طعامها، ولا تتخلف منكنّ ٱمرأة ممن سميتُ. قال وهب بن مُنبِّه: إنهنّ كنّ أربعين ٱمرأة فجئن على كَرْه منهنّ، وقد قال فيهنّ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:

حتى إذا جئنها قسراًومهدت لهن أنضاداً وكبابا

ويُروى: أنماطاً. قال وهب بن (مُنَبِّه): فجئن وأخذن مجالسهنّ. {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} أي هيأت لهنّ مجالس يتكئن عليها. قال ٱبن جُبير: في كل مجلس جَامٌ فيه عسل وأُتْرُجّ وسكِّين حاد. وقرأ مجاهد وسعيد بن جُبير: «مُتْكاً» مخففاً غير مهموز، والمُتْك هو الأُتْرُجّ بلغة القبط، وكذلك فسره مجاهد. روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: المُتَّكأ مثقّلاً (هو) الطعام، والمُتْك مخفّفاً (هو) الأتْرُجّ؛ وقال الشاعر:

نَشْربُ الإثْمَ بالصُّواعِ جِهَاراًوتَرَى المُتْك بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا

وقد تقول أَزْدُ شَنُوءَة: الأُترجّة المُتْكَة؛ قال الجوهريّ: المُتْك ما تُبقيه الخاتنة. وأصل المُتْك الزُّماوَرْد. والمَتْكَاء من النّساء التي لم تُخْفَض. قال الفرّاء: حدثني شيخ من ثقات أهل البصرة أن المُتْك مخففاً الزُّماوَرْد. وقال بعضهم: إنه الأترجّ؛ حكاه الأخفش. ٱبن زيد: أترجًّا وعسلاً يؤكل به؛ قال الشاعر:

فَظِلْنا بنعمة وٱتَّكَأْنَاوشَرِبْنا الحلالَ من قُللِه

أي أكلنا.

النحاس: قوله تعالى: «وَأَعْتَدَتْ» من العَتَاد؛ وهو كل ما جعلته عُدّة لشيء. «مُتَّكَأً» أصح ما قيل فيه ما رواه عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: مجلساً، وأما قول جماعة من أهل التفسير إنه الطعام فيجوز على تقدير: طعام متكأ، مثل:

{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَة }َ} [يوسف: 82]؛ ودلّ على هذا الحذف «وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً» لأن حضور النساء معهن سكاكين إنما هو لطعام يُقطع بالسكاكين؛ كذا قال في كتاب «إعراب القرآن» له. وقال في كتاب «معاني القرآن» (له): وروى مَعْمَر عن قَتَادة قال: «المتكأ» الطعام. وقيل: «المتكأ» كل ما ٱتكىء عليه عند طعام أو شراب أو حديث؛ وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، إلا أن الروايات قد صحت بذلك. وحكى القُتبيّ أنه يقال: ٱتكأنا عند فلان أي أكلنا، والأصل في «متكأ» موتكأ، ومثله مُتَّزن ومُتَّعد؛ لأنه من وزنت ووعدت ووكأت، ويقال: ٱتَّكأَ يَتَّكىء ٱتِّكاء. {كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً} مفعولان؛ وحكى الكسائي والفراء أن السِّكين يذكر ويؤنث، وأنشد الفراء:

فَعَيّثَ فِي السَّنَامِ غَدَاةَ قُرٍّبسكِّينٍ مُوَثَّقةَ النِّصَاب

الجوهريّ: والغالب عليه التذكير، وقال:

يُرى ناصحاً فيما بَدَا فإذا خَلاَفذلك سكِّينٌ على الحَلْقِ حَاذِقُ

الأصمعي: لا يعرف في السكين إلا التذكير.

قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} بضم التاء لالتقاء الساكنين؛ لأن الكسرة تَثْقل إذا كان بعدها ضمة، وكسرت التاء على الأصل. قيل: إنها قالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت لخادمها: إذا قلت لك ٱدع لي إيلا فٱدع يوسف؛ وإيل: صنم كانوا يعبدونه، وكان يوسف عليه السلام يعمل في الطين، وقد شدّ مِئزره، وحسَرَ عن ذراعيه؛ فقالت للخادم: ٱدع لي إيلاً؛ أي ٱدع لي الربّ؛ وإيل بالعبرانية الربّ؛ قال: فتعجب النسوة وقلن: كيف يجيء! فصعدت الخادم فدعت يوسف، فلما ٱنحدر قالت لهن: ٱقطعن ما معكن. {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} بالمُدَى حتى بلغت السكاكين إلى العظم؛ قاله وهب بن مُنَبِّه. سعيد بن جُبير: لم يخرج عليهن حتى زينته، فخرج عليهن فجأة فدهشن فيه، وتحيّرن لحسن وجهه وزينته وما عليه، فجعلن يقطعن أيديهن، ويحسبن أنهن يقطعن الأتْرجّ؛ وٱختلف في معنى «أَكْبَرْنَهُ» فروى جُوَيبر عن الضّحاك عن ٱبن عباس: أعظمنه وهِبْنه؛ وعنه أيضاً أَمْنَين وَأَمْذَين من الدَّهش؛ وقال الشاعر:

إذا ما رأين الفحلَ من فوق قَارةٍصَهَلْنَ وأَكْبَرْنَ المنيَّ المدفقَا

وقال ٱبن سمعان عن عدة من أصحابه: إنهم قالوا أمذين عشقاً؛ وهب بن مُنبّه: عشقنه حتى مات منهن عشرة في ذلك المجلس دَهَشا وحيرة ووَجْداً بيوسف. وقيل: معناه حضْن من الدَّهش؛ قَاله قتادة ومقاتل والسُّديّ؛ قال الشاعر:

نأتي النساءَ على أطهارهنّ ولانأتي النّساءَ إذا أَكْبَرَن إِكْبَارَا

وأنكر ذلك أبو عبيدة وغيره وقالوا: ليس ذلك في كلام العرب، ولكنه يجوز أن يكنّ حضن من شدّة إعظامهن له، وقد تفزع المرأة فتسقط ولدها أو تحيض. قال الزجاج: يقال أكبرنه، ولا يقال حِضْنه، فليس الإكبار بمعنى الحيض؛ وأجاب الأزهري فقال: يجوز أَكْبرت بمعنى حاضت؛ لأن المرأة إذا حاضت في الابتداء خرجت من حَيِّز الصغر إلى الكبر؛ قال: والهاء في «أَكْبَرَنْهُ» يجوز أن تكون هاء الوقف لا هاء الكناية؛ وهذا مزيَّف، لأن هاء الوقف تسقط في الوصل، وأمثل منه قول ٱبن الأنباري: إن الهاء كناية عن مصدر الفعل، أي أكبرن إكباراً، بمعنى حِضْن حَيْضاً. وعلى قول ٱبن عباس الأول تعود الهاء إلى يوسف؛ أي أعظمن يوسف وأجْلَلْنه.

قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} قال مجاهد: قطّعنها حتى ألقينها. وقيل: خَدشْنها. وروى ٱبن أبي نجيح (عن مجاهد) قال: حَزًّا بالسكّين، قال النحاس: يريد مجاهد أنه ليس قطعاً تَبِينِ منه اليد، إنما هو خَدْش وحزّ، وذلك معروف في اللغة أن يقال إذا خدش الإنسان يد صاحبه قطع يده. وقال عِكرمة: «أَيْدِيهُنّ» أكمامهنّ، وفيه بُعْد. وقيل: أناملهنّ؛ أي ما وجدن ألَماً في القطع والجرح، أي لشغل قلوبهن بيوسف، والتقطيع يشير إلى الكثرة، فيمكن أن ترجع الكثرة إلى واحدة جرحت يدها في مواضع، ويمكن أن يرجع إلى عددهنّ.

قوله تعالى: {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} أي معاذ الله. وروى الأصمعيّ عن نافع أنه قرأ كما قرأ أبو عمرو بن العلاء. «وَقُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ» بإثبات الألف وهو الأصل، ومن حذفها جعل اللام في «لله» عوضاً منها. وفيها أربع لغات؛ يقال: حَاشَاكَ وحَاشَا لَكَ وحاشَ لَكَ وحَشَا لَكَ. ويقال: حَاشَا زيدٍ وحاشا زيداً؛ قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول سمعت محمد بن يزيد يقول: النصب أولى؛ لأنه قد صحّ أنها فعلٌ لقولهم حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه؛ وقد قال النابغة:

وَلاَ أحاشِي مـن الأقـوام مـن أَحَـدِ

وقال بعضهم: حاشَ حرف، وأُحاشي فعل. ويدلّ على كون حاشا فعلاً وقوع حرف الجر بعدها. وحكى أبو زيد عن أعرابيّ: اللهم ٱغفر لي ولمن يَسمع، حاشَا الشيطانَ وأبا الأصبغ؛ فنصب بها. وقرأ الحسن «وَقُلْنَ حَاشْ لِلَّهِ» بإسكان الشين، وعنه أيضاً «حاش الإله». ابن مسعود وأُبَيّ: «حَاشَ اللَّهِ» بغير لام، ومنه قول الشاعر:

حاشا أبي ثَوْبَانَ إنّ بهِضَنًّا عنِ الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ

قال الزجاج: وأصل الكلمة من الحاشية، والحَشَا بمعنى الناحية، تقول: كنت في حَشَا فلانٍ أي في ناحيته؛ فقولك: حاشا لزيدٍ أي تَنحَّى زيدٌ من هذا وتباعد عنه، والاستثناء إخراج وتنحية عن جملة المذكورين. وقال أبو علي: هو فاعل من المحاشاة؛ أي حاشا يوسف وصار في حاشية وناحية مما قُرِف به، أو من أن يكون بشراً؛ فحاشا وحاش في الاستثناء حرف جرّ عند سيبويه، وعلى ما قال المبرّد وأبو عليّ فعل.

قوله تعالى: {مَا هَـٰذَا بَشَراً} قال الخليل وسيبويه: «ما» بمنزلة ليس؛ تقول: ليس زيد قائماً، و«ما هذا بشراً» و

{ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ }[المجادلة:2] وقال الكوفيون: لما حذفت الباء نصبت؛ وشرح هذا ـ فيما قاله أحمد بن يحيـى ـ أنك إذا قلت: ما زيد بمنطلق، فموضع الباء موضع نصب، وهكذا سائر حروف الخفض؛ فلما حذفت الباء نصبت لتدلّ على محلها، قال: وهذا قول الفرّاء، قال: ولم تعمل «ما» شيئاً؛ فألزمهم البصريون أن يقولوا: زيد القمرَ؛ لأن المعنى كالقمر! فردّ أحمد بن يحيـى بأن قال: الباء أدخل في حروف الخفض من الكاف؛ لأن الكاف تكون ٱسماً. قال النحاس: لا يصح إلا قول البصريين؛ وهذا القول يتناقض؛ لأن الفرّاء أجاز نصًّا ما بمنطلق زيدٌ، وأنشد:

أَمَا واللَّهِ أَنْ لو كنتَ حُرًّاوما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيق

ومنع نصًّا النصب؛ ولا نعلم بين النحويين اختلافاً أنه جائز: ما فيك براغب زيدٌ، وما إليك بقاصدٍ عمرٌو، ثم يحذفون الباء ويرفعون. وحكى البصريون والكوفيون ما زيدٌ منطلقٌ بالرفع، وحكى البصريون أنها لغةُ تميم، وأنشدوا:

أَتيماً تَجعلون إليّ نِدًّاوما تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدٌ

النِّد والنَّديد والنَّدِيدةُ المِثْل والنَّظير. وحكى الكسائي أنها لغة تِهامة ونَجْد. وزعم الفراء أن الرفع أقوى الوجهين: قال أبو إسحاق: وهذا غلط؛ كتاب الله عز وجلّ ولغة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى وأولى.

قلت: وفي مصحف حَفْصة رضي الله عنها «مَا هَذَا بِبَشَرٍ» ذكره الغَزْنويّ. قال القُشَيْريّ أبو نصر: وذكرت النّسوة أن (صورة) يوسف أحسن من صورة البشر، بل هو في صورة مَلَك؛ وقال الله تعالى:

{ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }[التين: 4] والجمع بين الآيتين أن قولهن: «حَاشَ لِلَّهِ» تبرئة ليوسف عمَّا رمته به ٱمرأة العزيز من المراودة، أي بعد يوسف عن هذا؛ وقولهنّ: «لله» أي لخوفه، أي براءة لله من هذا؛ أي قد نجا يوسف من ذلك، فليس هذا من الصورة في شيء؛ والمعنى: أنه في التبرئة عن المعاصي كالملائكة؛ فعلى هذا لا تناقض. وقيل: المراد تنزيهه عن مشابهة البشر في الصورة، لفرط جماله. وقوله: «لله» تأكيد لهذا المعنى؛ فعلى هذا المعنى قالت النسوة ذلك ظناً منهن أن صورة المَلَك أحسن، وما بلغهنّ قوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }[التين: 4] فإنه من كتابنا. وقد ظنّ بعض الضَّعفة أن هذا القول لو كان ظناً باطلاً منهنّ لوجب على الله أن يردّ عليهنّ، ويبيّن كذبهنّ، وهذا باطل؛ إذ لا وجوب على الله تعالى، وليس كل ما يخبر به الله سبحانه من كفر الكافرين وكذب الكاذبين يجب عليه أن يقرن به الردّ عليه؛ وأيضاً أهل العرف قد يقولون في القبيح كأنه شيطان، وفي الحسَن كأنه مَلَك؛ أي لم ير مثله، لأن الناس لا يرون الملائكة؛ فهو بناء على ظنّ في أن صورة الملَك أحسن، أو على الإخبار بطهارة أخلاقه وبعده عن التّهَم. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ} أي ما هذا إلا مَلَك؛ وقال الشاعر:

فلستَ لأِنْسِيٍّ ولكن لِمَلأَكٍتَنزَّلَ من جَوِّ السماءِ يَصُوبُ

وروي عن الحسن: «مَا هَذَا بِشِرًى» بكسر الباء والشين، أي ما هذا عبداً مُشترًى، أي ما ينبغي لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كما قال: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ} أي مصيده، وشبهه كثير. ويجوز أن يكون المعنى: ما هذا بثمن، أي مثله لا يثمن ولا يقوّم؛ فيراد بالشراء على هذا الثمن المشترى به: كقولك: ما هذا بألفٍ إذا نفيت قول القائل: هذا بألف. فالباء على هذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، كأنه قال: ما هذا مقدراً بشراء. وقراءة العامة أشبه؛ لأن بعده «إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَك كَرِيمٌ» مبالغة في تفضيله في جنس الملائكة تعظيماً لشأنه، ولأن مثل «بِشرًى» يكتب في المصحف بالياء.

قوله تعالى: {قَالَتْ فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} لما رأت ٱفتتانهن بيوسف أظهرت عذر نفسها بقولها: «لُمْتُنَّنِي فِيهِ» أي بحبه، و«ذلك» بمعنى «هذا» وهو اختيار الطَّبريّ. وقيل: الهاء للحب، و«ذلك» على بابه، والمعنى: ذلكن الحُب الذي لمتنني فيه، أي حبّ هذا هو ذلك الحب. واللوم الوصف بالقبيح. ثم أقرّت وقالت: {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسْتَعْصَمَ} أي ٱمتنع؛ وسميت العصمة عصمة لأنها تمنع من ارتكاب المعصية. وقيل: «ٱستعصم» أي ٱستعصى، والمعنى واحد. {وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ} عاودته المراودة بمحضر منهن، وهتكت جِلباب الحياء، ووعدت بالسجن إن لم يفعل، وإنما فعلت هذا حين لم تخش لَوْماً ولا مقالاً خلافَ أوّل أمرها إذ كان ذلك بينه وبينها. {وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ} أي الأذلاء. وخط المصحف «وليكوناً» بالألف وتقرأ بنون مخففة للتأكيد؛ ونون التأكيد تثقّل وتخفّف والوقف على قوله: «لَيُسْجَنَنَّ» بالنون لأنها مثقلة، وعلى «ليكوناً» بالألف لأنها مخففة، وهي تشبه نون الإعراب في قولك: رأيت رجلاً وزيداً وعمراً، ومثله قوله:

« { لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ }» ونحوها الوقف عليها بالألف، كقول الأعشى:

وَلاَ تَعبدِ الشيطان واللَّهَ فاعبدا

أي أراد فاعبداً، فلما وقف عليه كان الوَقف بالألف.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ