انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 182–200

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ۝١٨٢ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٨٣

{ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ}، فيُعذب بغير ذنب.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} الآية، قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله تعالى بعثك إلينا رسولاً وأنزل عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد إلينا في التوراة {أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ}، يزعم أنه جاء من عند الله، {حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ}، فإن جئتنا به صدقناك؛ قال فأنزل الله تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ} أي: سمع الله قول الذين قالوا، ومحل {ٱلَّذِينَ} خفض ردّاً على {ٱلَّذِينَ} الأول، {إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أي: أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول، أي: لا نصدق رسولاً يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فيكون دليلاً على صدقه، والقربان: كل ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى من نسيكةٍ وصدقةٍ وعملٍ صالح، فُعْلان من القربة، وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قرباناً أو غنمُوا غنيمة جاءت نارٌ بيضاء من السماء لا دخان لها، ولها دوي وحفيف، فتأكله وتحرق ذلك القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يُقبل بقيت على حالها.

وقال السدي: إنّ الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم، {قُلْ} يا محمد {قَدْ جَآءَكُمْ} يا معشر اليهود {رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِى قُلْتُمْ}، من القربان {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ}؟ يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، معناه تكذيبهم مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء، مع الإِتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزياً لنبيّه صلّى الله عليه وسلم: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ....}

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُو بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلْمُنِيرِ ۝١٨٤ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ ۝١٨٥

{فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآءُوا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ}، قرأ ابن عامر {وبالزبر} أي: بالكتب المزبورة، يعني: المكتوبة، واحدها زبور مثل: رسول ورُسل، {وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُنِيرِ}، الواضح المضيء.

قوله عزّ وجلّ: {كُلُّ نَفْسٍ}، منفوسة، {ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}،

وفي الحديث:

لمّا خلق الله تعالى آدم اشتكت الأرض إلى ربِّها لما أخذ منها، فوعدها أن يردّ فيها ما أخذ منها، فما من أحد إلا يدفن في التربة التي خُلق منها.»

{وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ}، توفون جزاء أعمالكم، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} إنْ خيراً فخير وإنْ شراً فشر، {فَمَن زُحْزِحَ}، نُجِّي وأزيل، {عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ظفر بالنجاة ونجا من الخوف، {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ}، يعني منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة، ثم تزول ولا تبقى. وقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له. قال قتادة: هي متاع متروكة يُوشك أن تضمحل بأهلها، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم، والغرور: الباطل.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

يقولُ الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أُذن سمعتْ ولا خطرَ على قلبِ بشر، واقرؤوا إن شئتم {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وإنّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30] ولموضعُ سَوطٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، واقرؤوا إن شئتم {فمنْ زُحزِحَ عن النارِ وأُدخلَ الجنّةَ فقدْ فازَ ومَا الحياة الدنيا إلا متاعُ الغُرور}».

لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ۝١٨٦

{لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الآية.

قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء، وذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمدّه، وكتب إليه كتاباً وقال لأبي بكر رضي الله عنه:

لا تفتاتَنَّّ عليّ بشيء حتى ترجع، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربُّك إلى أن نمده، فهمّ أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا تفتاتَنَّّ عليّ بشيء حتى ترجع»، فكف فنزلت هذه الآية.

وقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهُجو رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم ويسبّ المسلمين، ويحرض المشركين على النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، في شعره ويشبب بنساء المسلمين، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله»؟. فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله، قال: «فافعلْ إن قدرت على ذلك». فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثاً لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه، فذُكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم فدعاه، وقال له: لِمَ تركتَ الطعامَ والشراب؟ قال: يا رسول الله قلت قولاً ولا أدري هل أفي به أم لا، فقال: إنما عليك الجهد. فقال: يا رسول الله إنه لا بدّ لنا من أن نقول، قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حلٍ من ذلك، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسَلْكانُ بنُ سلام وأبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جُبير، فمشى معهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجّههم، وقال: «انطلقوا على اسم الله اللّهم أعنهم»، ثم رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وذلك في ليلة مقمرة. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدّموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا بن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتُمْ عليّ، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل بلادَنا بلاءً، عادتْنا العربُ ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب: أنا ابن الأشرف أمَا والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا، فقال أبو نائلة: إن معي أصحاباً أردنا أن تبيعنا طعامَك ونُرهنك ونوثّق لك وتحسن في ذلك، قال: أترهنوني أبناءكم، قال: إنا نستحي إن يُعيَّرَ أبناؤنا فيقال هذا رهينةُ وَسْقٍ، وهذا رهينة وَسْقَيْن، قال: ترهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنُكَ نساءَنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك، وأية امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك الحلقة، يعني: السلاح، وقد علمت حاجتنا إلى السلاح، قال: نعم، وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره. فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلاً، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس، فوثب من ملحفته، فقالت امرأته: أسمع صوتاً يقطر منه الدم، وإنك رجل محارب، وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلِّمْهم من فوق الحصن، فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليلٍ أجاب، فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا: يا بن الأشرف هلْ لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم؟ فخرجوا يتماشون، وكان أبو نائلة قال: لأصحابه إني فاتل شعره فأشمّه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، ثم إنه شَام يدَه في فودِ رَأسه ثم شمّ يدَه، فقال: ما رأيت كالليلةِ طيبَ عروس قط، قال: إنه طيب أم فلان يعني امرأته، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفودي رَأسه حتى استمكن ثم قال: اضربُوا عدوَّ الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً، قال محمد بن مسلمة فذكرتُ مغولاً في سيفي فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحةً لم يبق حَوْلَنا حصنٌ إلا أُوقدت عليه نار، قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغ عانته، ووقع عدو الله، وقد أُصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا، قال: فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارَنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه، وتفل على جُرح صاحبنا. فرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب مُحَيِّصَةُ بن مسعود على سُنَيْنَة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حُوَيِّصَة بن مسعود إذْ ذَاك لم يُسلمْ وكان أسنَّ من محيصة فلما قتله، جعل حويصة يضربه ويقول: أيْ عدو الله قتلته أمَا والله لرُبَّ شحمٍ في بطنك من ماله. قال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك، قال: لو أمركَ محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم، والله إنّ ديناً بلغ بك هذا لعجب؟! فأسلم حويصة،

وأنزل الله تعالى في شأن كعب: {لَتُبْلَوُنَّ} لتختبرنّ، اللام للتأكيد، وفيه معنى القسم، والنون لتأكيد القسم {فِىۤ أَمْوَٰلِكُمْ} بالجوائح والعاهات والخسران {وأَنفُسِكُمْ} بالأمراض، وقيل: بمصائب الأقارب والعشائر، قال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورِبَاعَهم وعذّبُوهم، وقال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة، {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني: اليهود والنصارى، {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ}، يعني: مشركي العرب، {أَذىً كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ} على أذاهم {وَتَتَّقُواْ}، الله، {فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}، من حق الأمور وخيرها، وقال عطاء: من حقيقة الإِيمان.

وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ۝١٨٧

{وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}، قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالياء فيهما، لقوله تعالى: {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}، وقرأ الآخرون بالتاء فيها على إضمار القول، {فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}، أي: طرحوه وضيّعوه وتركوا العمل به، {وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، يعني: المآكل والرِّشا، {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}، قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن عَلِمَ شيئاً فْليُعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم فإنه هلكة.

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} الآية. حدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن أخبرنا أبو بكر عمر ابن سهل بن إسماعيل الدينوري أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البِرْتيّ أخبرنا أبو حذيفة موسى بن مسعود أخبرنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

من سُئل عن علم يَعْلَمُه فكتمه أُلْجِمَ يومَ القيامة بلجام من نار.»

وقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه، فقلت: إن رأيتَ أن تحدثني؟ فقال: أمَا علمتَ أني قد تركتُ الحديث؟ فقلت: إمّا أن تحدثني وما أن أحدثك، فقال: حدثني، فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال: سمعتُ عليَ بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتَعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعلِّموا، قال: فحدثني أربعين حديثاً.

لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوا۟ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا۟ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا۟ فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٨٨

قوله: { لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} الآية، قرأ عاصم وحمزة والكسائي {لا تَحْسَبَنَّ} بالتاء، أي: لا تحسبن يا محمد الفارِحين، وقرأ الآخرون بالياء {لا يحسبن} الفارِحُون فرحَهم مُنجياً لَهم من العذاب (فلا يحسبنهم)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء وضم الباء خبراً عن الفارحين، أي فلا يحسبُنَّ أنفسهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتح الباء، أي: فلا تحسبنّهم يا محمد، وأعاد قوله {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ} تأكيداً، وفي حرف عبد الله بن مسعود {ولا يحسبنّ الذينَ يفرحون بما أَتوا ويُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلُوا بمفازةٍ من العذاب} من غير تكرار. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعيد بن أبي مريم أنا محمد بن جعفر حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري:

أن رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلّى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} الآية.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن موسى أنا هشام أن ابن جريج أخبرهم: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له: لئن كان كل امرىء فرح بما أُوتي وأحب أن يُحمد بما لم يفعل معذباً لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنّما دعا النبي صلّى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إيّاه فأخبروه بغيره فأروه أن قد استُحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} كذلك حتى قولِه: {يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ}.

قال عكرمة: نزلت في فنحاص وأُشيَع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس وبنسبة الناس إيّاهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم. وقال مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إيّاهم عليه. وقال سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ذلك.

وقال قتادة ومقاتل: أتت يهودُ خيبر نبي الله صلّى الله عليه وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في قلوبهم، فلما خرجوا قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه، فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا، فحمدوهم ودعوا لهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية،

وقال: {يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ} قال الفراء بما فعلوا، كما قال الله تعالى:

{ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً }[مريم: 27] أي: فعلت، {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ}، بمنجاة، {مِّنَ ٱلْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٨٩ إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَـَٔايَٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۝١٩٠

{وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، يصرّفها كيف يشاء، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

{إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ}، أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ أنا أحمد بن عبد الجبار أنا ابن فضيل عن حصين بن عبد الرحمن عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما

"أنه رَقَدَ عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوّك ثم توضأ وهو يقول: {إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاثَ مرات ست ركعات كل ذلك يستاك، ثم يتوضأ ثمّ يقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول:

«اللهم اجعلْ في بصري نوراً وفي سمعي نوراً وفي لساني نوراً واجعل خلفي نوراً وأمامي نوراً واجعل من فوقي نوراً ومن تحتي نوراً، اللهم أعطني نوراً»

" ورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما، وزاد: اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي بصري نوراً وفي سمعي نوراً وعن يميني نوراً وعن يساري نوراً قوله تعالى: {لآيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} ذوي العقول، ثم وصفهم، فقال: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً...}.

ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٩١ رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ۝١٩٢

{ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}، قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب.

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن عمران بن حصين قال

سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن صلاة المريض، فقال:

صلِ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب.»

وقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإِنسان قلّ ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث، نظيره في سورة النساء

{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلاَةَ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ } [النساء: 103]، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}، وما أبدع فيهما ليَدُلّهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعاً قادراً مدبراً حكيماً، قال ابن عون: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة، {رَبَّنَا} أي: ويقولون ربنا {مَا خَلَقْتَ هَذا} ردّه إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه، {بَـٰطِلاً}، أي: عبثاً وهزلاً بل خلقته لأمر عظيم، وانتصب الباطل بنزع الخافض، أي: بالباطل، {سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.

{رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}، أي: أهنته، وقيل: أهلكته، وقيل: فضحتَه، لقوله تعالى:

{ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي }[هود: 78] فإن قيل: قد قال الله تعالى: { يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ }[التحريم: 8]، ومن أهل الإِيمان من يدخل النار، وقد قال: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}، قيل: قال أنس وقتادة معناه: إنك من تخلد في النار فقد أخزيته، وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها.

فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم:

أن الله يدخل قوماً النارَ ثم يخرجُون منها.»

{وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنْصَـٰرٍ}.

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَٰنِ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِرَبِّكُمْ فَـَٔامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلْأَبْرَارِ ۝١٩٣ رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝١٩٤ فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ وَأُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأُوذُوا۟ فِى سَبِيلِى وَقَٰتَلُوا۟ وَقُتِلُوا۟ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ ۝١٩٥

{رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً} يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلم، قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر الناس، وقال القرظي: يعني القرآن، فليس كل أحد يلقى النبي صلّى الله عليه وسلم، {يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ}، أي: إلى الإِيمان، {أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَـآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ}، أي: في جملة الأبرار.

{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}، أي: على ألسِنَةِ رُسلك، {وَلاَ تُخْزِنَا}، ولا تُعذبنا ولا تفضحنا ولا تُهنا، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}. فإن قيل: ما وجه قولهم: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ}، وقد علموا أن الله لا يُخلف الميعاد؟ قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر، أي: لتؤتينا ما وعدتنا على رُسلك، تقديره: {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَـٰتِنَا} {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لِتُؤتِينَا ما وعدتَنا على رُسلك من الفضلِ والرحمة، وقيل: معناه ربّنا واجعلنا ممن يستحقون ثوابَك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألسِنَةِ رُسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، وقيل: إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، قالوا: قد عَلِمنَا أنك لا تخلف، ولكن لا صبرَ لنا على حِلمك فعجِّل خزيهم وانصرنا عليهم.

قوله تعالى: {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي} أي: بأني: {لاَ أُضِيعُ}، لا أُحبط، {عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ}، أيها المؤمنون {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ}.

قال مجاهد: قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل صلّى الله عليه وسلم تعالى هذه الآية، {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}.

قال الكلبي: في الدين والنصرة والموالاة، وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، كما قال:

{ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } [التوبة: 71]. {فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى}، أي: في طاعتي وديني، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ}.

قرأ ابن عامر وابن كثير {قتلوا}، بالتشديد، وقال الحسن: يعني أنهم قطعوا في المعركة، والآخرون بالتخفيف، وقرأ أكثر القراء: {وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ} يريد أنهم قاتلوا العدو ثم انهم قُتلوا، وقرأ حمزة والكسائي {قتلوا وقاتلوا} وله وجهان، أحدهما: معناه وقاتل من بقي منهم، ومعنى قوله {وَقُتِلُواْ} أي: قُتل بعضهم، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم، والوجه الآخر {وَقُتِلُواْ} وقد قاتلوا، {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَـٰتِهِمْ وَلأًدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ}، نصب على القطع قاله الكسائي، وقال المبرد: مصدر، أي: لأثيبنهم ثواباً، {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ}.

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى ٱلْبِلَٰدِ ۝١٩٦ مَتَٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٩٧ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ۝١٩٨

قوله عزّ وجل: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ}، نزلت في المشركين، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمُون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نَرى من الخير، ونحن في الجهد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ}، وضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب، فالخطاب للنبي صلّى الله عليه وسلم والمراد منه غيره.

{مَتَاعٌ قَلِيلٌ}، أي: هو متاع قليل، وبُلْغَةٌ فانية ومُتْعَةٌ زائلة، {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ}، مصيرُهم، {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}، الفِراش.

{لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً}، جزاءً وثواباً، {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}، نصب على التفسير، وقيل: جعل ذلك نُزلاً، {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}، من متاع الدنيا.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن عُبيد بن حُنَيْن أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

جئت فإذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في مَشْرُبَةٍ وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أُدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظاً مصبوراً وعند رأسه أُهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيتُ فقال: ما يُبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إنّ كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟ فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة»؟

".

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ۝١٩٩

قوله عزّ وجلّ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} الآية.

قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة:

"نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية، وذلك أنه لمّا مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلّى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأصحابه: «اخرجوا فصلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم، النجاشي» فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سريرَ النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات، واستغفر له، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على عِلْجٍ حبشي نصراني لم يره قط، وليس على دينه"، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال عطاء: نزلت في أهل نجران أربعين رجلاً [من بني حارث بن كعب]، اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم، كانوا على دين عيسى عليه السلام، فآمنوا بالنبي صلّى الله عليه وسلم، وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه. وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ}، {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ}، يعني: القرآن، {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ}، يعني: التوراة والإِنجيل، {خَـٰشِعِينَ للَّهِ} خاضعينَ مُتَواضعينَ لله، {لاَ يَشْتَرُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}، يعني: لا يُحرفون كُتبَهم ولا يكتُمون صفة محمد صلّى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة، كفعل غيرهم من رؤساء اليهود، {أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٢٠٠

قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ}، قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تَدَعُوه لشدّةٍ ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله. وقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر الله. وقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد. وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني: الكفارَ، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو عبيدة، أي داوموا واثبتوا، والربطُ الشدُّ، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: ذلك لكل مقيم في ثغرٍ يدفعُ عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن منير سمع أبا النضر أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبي حازم عن سهل ابن سعد الساعدي:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

رِباطُ يومٍ في سبيلِ الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سَوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها.»

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجُورْبَذيّ أنا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة بن عقبة عن شرحبيل بن السِّمط عن سلمان الخير:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

من رابط يوماً وليلة في سبيلِ الله كان له أجرُ صيام شهرٍ مقيمٍ، ومن مات مرابطاً جرَى له مثل ذلك الأجر، وأُجْرِي عليه الرزق، وأُمن من الفتّان. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم غزوٌ يُرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد الفقيه أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

أَلاَ أُخبركم بما يمحو الله الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغُ الوضوء على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، قال بعض أرباب اللسان: اصبُروا على النعماء وصابرُوا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تُفلحون في دار البقاء.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ