انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 50–77

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝٥٠ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ ۝٥١ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۝٥٢

{وَمُصَدِّقًا} عطف على قوله ورسولاً {لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأِحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} من اللحوم والشحوم، وقال أبو عبيدة: أراد بالبعض الكل يعني: كل الذي حرم عليكم، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لَبِيْد:

تَرَّاكُ أَمْكِنةٍ إذا لم أَرْضَهَاأو تَرْتَبِطْ بعضَ النُّفُوسِ حِمامُها

يعني: كل النفوس.

قوله تعالى: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني ما ذكر من الآيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.

قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} أي وجد قاله الفراء، وقال أبو عبيدة: عرف، وقال مقاتل: رأى {مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ} وأرادوا قتله استنصر عليهم و{قَالَ مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ} قال السدي: كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة، نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فنزلا في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما، وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوماً مهتماً حزيناً، فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيباً، قالت: لا تسأليني، قالت: أخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكاً يجعل على كل رجل منا يوماً أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه، واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له لا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفي ذلك، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك، فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر، قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، قال عيسى عليه السلام، فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماءً ثم أعلمني ففعل ذلك، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام، فتحول ماء القدور مرقاً ولحماً، وماء الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر، قال: من أين هذا الخمر، قال: من أرض كذا، قال [الملك]: فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه، قال: هي من أرض أخرى، فلما خلط على الملك واشتد عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمراً، وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى جعل الماء خمراً [ليستجاب له] حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر، فقال الملك: لا أبالي أليس أراه، قال عيسى: إن أحييته تتركوني وأمي نذهب حيث نشاء، قال: نعم، فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس، قالوا: ومن أنت، قال: أنا عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله من أنصاري إلى الله، فآمنوا وانطلقوا معه.

قوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِىۤ إِلَى ٱللَّهِ} قال السدي وابن جريج: مع الله تعالى تقول العرب: الذود إلى الذود إبل أي مع الذود، وكما قال الله تعالى:

{ وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَٰلِكُمْ } [النساء: 2] أي مع أموالكم. وقال الحسن وأبو عبيدة: إلى بمعنى في أي من أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله، وقيل إلى في موضعه معناه من يضم نصرته إلى نصرة الله لي، واختلفوا في الحواريين قال مجاهد والسدي: كانوا صيادين يصطادون السمك سموا حواريين لبياض ثيابهم، وقيل: كانوا ملاحين. وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر، فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان، وقد أعلمت كل واحد بخيط على اللون الذي يصبغ به، فيجب أن تكون فارغاً منها وقت قدومي، وخرج فطبخ عيسى جباً واحداً على لون واحد وأدخل جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك، فقدم الحواري والثياب كلها في الجب، فقال: ما فعلت؟ فقال: فرغت منها، قال: أين هي؟ قال: في الجب، قال: كلها، قال: قال: لقد أفسدت تلك الثياب، فقال: قم فانظر، فأخرج عيسى ثوباً أحمر، وثوباً أصفر وثوباً أخضر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ذلك من الله، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون، وقال الضحاك: سموا حواريين لصفاء [قلوبهم] وقال ابن المبارك: سموا به لما عليهم من أثر العبادة ونورها، وأصل الحور عند العرب شدة البياض، يقال: رجل أحور وامرأة حوراء أي شديدة بياض العين، وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون هم الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى عليه السلام، وكانوا اثني عشر رجلاً، قال روح بن القاسم: سألت قتادة عن الحواريين قال: هم الذين يصلح لهم الخلافة، وعنه أنه قال: الحواريون هم الوزراء، وقال الحسن: الحواريون الأنصار، والحواري الناصر، والحواري في كلام العرب خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينويه.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا محمد بن المنكدر قال: سمعت جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما يقول:

ندب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال النبي:

إن لكل نبي حوارياً وحواريي الزبير.»

قال سفيان: الحواري الناصر،

قال معمر: قال قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين. {قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ} أعوان دين الله ورسوله {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ} يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلْتَ وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٥٣

{رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أنْزَلْتَ} من كتابك {وَٱتَّبَعْنَا ٱلرَّسُولَ} عيسى {فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق. وقال عطاء: مع النبيين لأن كل نبي شاهد أمته. قال ابن عباس رضي الله عنهما مع محمد صلّى الله عليه وسلم وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ.

وَمَكَرُوا۟ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ ۝٥٤

قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ} يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم، قال الله تعالى: {وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: { سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ }[الأعراف: 182] وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى: { ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } [البقرة: 15]، { وَهُوَ خَادِعُهُمْ }[النساء: 142] ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى استقبل رهطاً من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير. فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه إلى السماء من تلك الروزنة، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له: ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله، فلما دخل لم ير عيسى، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فلما خرج ظنوا أنه عيسى عليه السلام فقتلوه وصلبوه، قال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً فأخذها ودلهم عليه. ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه عيسى، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم عليه فقال: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنون أنه عيسى، فلما صلب شبه عيسى، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما: علام تبكيان؟ إن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل، فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدَّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ}. وقال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم رجل منهم فألقى الله عليه شبهه، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل من القوم: أنا يا نبي الله، فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه وكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش، وكان إنسياً ملكياً سمائياً أرضياً، قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض بابل فأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين.

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ۝٥٥

{إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} اختلفوا في معنى التوفي هاهنا، قال الحسن والكلبي، وابن جريج: إني قابضك ورافعك من الدنيا إليَّ من غير موت، يدل عليه قوله تعالى: { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى }[المائدة: 117] أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته، فعلى هذا للتوفي تأويلان، أحدهما: إني رافعك إلي وافياً لم ينالوا منك شيئاً، من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا أخذته تاماً، والآخر: إني [متسلمك] من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته، وقال الربيع بن أنس: المراد بالتوفي النوم [وكل ذي عين نائم] وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائماً إلى السماء، معناه: إني منومك ورافعك إلي كما قال الله تعالى: { وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ } [الأنعام: 60] أي ينيمكم. وقال بعضهم: المراد بالتوفي الموت، وروى [عن] علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: أني مميتك يدل عليه قوله تعالى: { قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ }[السجدة: 11] فعلى هذا له تأويلان: أحدهما ما قاله وهب: توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه الله إليه، وقال محمد بن إسحاق: إن النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه، والآخر ما قاله الضحاك وجماعة: إن في هذه الآية تقديماً وتأخيراً معناه أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عادلاً يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد».

ويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال:

وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام، ويهلك الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون».

وقيل للحسين بن الفضل هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال نعم: (وكهلاً) ولم يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلاً بعد نزوله من السماء. قوله تعالى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ} قال قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإِسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم فهم فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والمنعة والحجة، وقال الضحاك: يعني الحواريين فوق الذين كفروا، وقيل: هم أهل الروم، وقيل: أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، فإن اليهود قد ذهب ملكهم، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} في الآخرة {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين وأمر عيسى.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٥٦ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٥٧ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ۝٥٨ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٥٩ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ۝٦٠

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا} بالقتل والسبي والجزية والذلة {وَٱلآخِرَةِ} أي وفي الآخرة بالنار {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ}.

{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} قرأ الحسن وحفص بالياء، والباقون بالنون أي نوفي أجور أعمالهم {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل.

قوله تعالى: {ذَٰلِكَ} أي هذا الذي ذكرته لك من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} [نخبرك به بتلاوة جبريل عليك] {مِنَ الآيَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ} يعني القرآن والذكر ذي الحكمة، وقال مقاتل: الذكر الحكيم أي المحكم الممنوع من الباطل وقيل: الذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ، وهو معلق بالعرش من درة بيضاء. وقيل من الآيات أي العلامات الدالة على نبوتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء كتاب أو من يوحي إليه وأنت أمي لا تقرأ.

قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} الآية

"نزلت في وفد نجران وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: ما لك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول، قالوا: تقول إنه عبد الله قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟" فأنزل الله تعالى (إن مثل عيسى عند الله) في كونه خلقاً من غير أب وأم {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ} يعني لعيسى عليه السلام {كُن فَيَكُونُ} يعني فكان فإن قيل ما معنى قوله (خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) ولا تكوين بعد الخلق؟ قيل معناه خلقه ثم أخبركم أني قلت له: كن فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة وهو مثل قول الرجل: أعطيتك اليوم درهماً ثم أعطيتك أمس درهماً، أي ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهماً. وفيما سبق من التمثيل دليل على جواز القياس، لأن القياس هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه، وقد رد الله تعالى خلق عيسى إلى آدم عليهم السلام بنوع شبه.

قوله تعالى: {ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي هو الحق وقيل جاءك الحق من ربك {فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} الشاكِّين، الخطاب مع النبي صلّى الله عليه وسلم والمراد أمته.

فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٦١

قوله عز وجل: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} أي جادلك في أمر عيسى أو في الحق {مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} بأن عيسى عبد الله ورسوله {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} وأصله تعاليوا تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، قال الفراء: بمعنى تعال كأنه يقول: ارتفع. قوله {نَدْعُ} جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم سقوط الواو {أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} قيل: أبناءنا أراد الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة. وأنفسنا عنى نفسه وعلياً رضي الله عنه والعرب تسمي ابن عم الرجل نفسه، كما قال الله تعالى: { وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ }[الحجرات: 11] يريد إخوانكم وقيل هو على العموم الجماعة أهل الدين {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي نتضرع في الدعاء، وقال الكلبي: نجتهد ونبالغ في الدعاء، وقال الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن والابتهال، الالتعان يقال: عليه بهلة الله أي لعنته: {فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ} منا ومنكم في أمر عيسى، "فلما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غداً، فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، والله ما لاعن قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن فإن أبيتم إلا الإِقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وقد غدا رسول الله صلّى الله عليه وسلم محتضناً للحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم: «إذا أنا دعوت فأمِّنوا» فقال أُسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض منكم نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا يا أبا القاسم: قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم» فأبوا فقال: «فإني أنابذكم» فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب، فصالحهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ذلك وقال: «والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا

.

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦٢ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ۝٦٣ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ۝٦٤

قال الله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ} النبأ الحق {وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ} و«مِنْ» صلة تقديره وما إله إلا الله {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

{فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الإِيمان {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِٱلْمُفْسِدِينَ} الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله.

قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الآية

قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم عليه السلام، فزعمت النصارى أنه كان نصرانياً وهم على دينه وأولى الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهودياً وهم على دينه وأولى الناس به، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفاً مسلماً وأنا على دينه فاتبعوا دينه دين الإِسلام"، فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك رباً كما اتّخذت النصارى عيسى رباً، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى: {قُلْ: يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ}

والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة {سَوَآءٍ} عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قوله تعالى:

{ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ }[الصافات: 55] وإنما قيل للنصف سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها وسواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت كقوله تعالى: { مَكَاناً سُوًى } [طه: 58] ثم فسر الكلمة فقال: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ} ومحل أن رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصفة معناه بأن لا نعبد إلا الله وقيل: محله خفض بدلا من الكلمة أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ} كما فعلت اليهود والنصارى، قال الله تعالى: { ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ }[التوبة: 31] وقال عكرمة: هو سجود بعضهم لبعض، أي لا تسجدوا لغير الله، وقيل: معناه لا نطيع أحداً في معصية الله {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ} فقولوا أنتم لهم اشهدوا {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} مخلصون بالتوحيد.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره

أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجاراً بالشام في المدة التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ودعا بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية بن خليفة الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا هو:

بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الإِريسيين {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٦٥ هَٰٓأَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٦

قوله تعالى: {يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} تزعمون أنه كان على دينكم، وإنما دينكم اليهودية والنصرانية، وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإِنجيل، وإنما أنزلت التوراة والإِنجيل من بعد إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} بطلان قولكم؟

قوله تعالى: {هٰأَنتُمْ} بتليين الهمزة حيث كان مدني، وأبو عمرو والباقون بالهمز، واختلفوا في أصله فقال بعضهم: أصله: أنتم وها تنبيه، وقال الأخفش: أصله أأنتم، فقلبت الهمزة الأولى هاء، كقولهم هرقت الماء وأرقت {هَـٰؤُلاۤءِ} أصله أولاء دخلت عليه هاء التنبيه وهي في موضع النداء، يعني: يا هؤلاء أنتم {حَـٰجَجْتُمْ} جادلتم {فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ} يعني في أمر موسى وعيسى وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت التوراة والانجيل عليكم {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} وليس في كتابكم أنه كان يهودياً أو نصرانياً، وقيل حاججتم فيما لكم به علم يعني في أمر محمد صلّى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا نعته في كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل، فَلِمَ تحاجّون في إبراهيم، وليس في كتابكم، ولا علم لكم به؟ {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ثم برَّأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا: فقال: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}

مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٦٧ إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝٦٨

{مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} والحنيف المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم، وقيل: الحنيف: الذي يوحِّد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة. وهو أسهل الأديان وأحبُّها إلى الله عز وجل.

قوله تعالى: {إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} أي: من اتبعه في زمانه، {وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ} يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلم {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} معه، يعني من هذه الأمة {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناده، حديث هجرة الحبشة، لما هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأناس من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر النبي صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان من أمر بدر ما كان فاجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم ثأراً ممن قتل منكم ببدر، فاجمعوا مالاً وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا الأدم وغيره، فركبا البحر، وأتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وإنهم بعثونا إليك لنحذِّرك هؤلاء الذين قدموا عليك، لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا، يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وإنا كنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم، وقالا: وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يُحَيّونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك، قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا، صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه، ففعل جعفر، فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته، فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي، فساءهما ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك، فقال لهم النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملَّكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبياً صادقاً فأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإِنجيل، قال: أيكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا، قال: فتكلم، قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلم، فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيداً أبَقْنَا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال عمرو: بل أحرار كرام، فقال النجاشي: نجوا من العبودية. ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دماً بغير حق فيقتص منا؟، قال النجاشي: إن كان قنطاراً فعلي قضاؤه، فقال عمرو: لا ولا قيراطاً، قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتغوا غيره فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه، اصدقني، قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان، كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحوَّلنا إليه فدين الله الإِسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب عيسى بن مريم موافقاً له، فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإِنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبياً مرسلاً، فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي، فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له، فقال: اقرأ علي مما يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فأراد عمرو أن يُغضب النجاشي، فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى جعفر على ذكر مريم وعيسى عليهما السلام رفع النجاشي نُفثَهُ من سواكه قدر ما تُقْذَى العين فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا، ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سُيومٌ بأرضي [يقول]: آمنون، من سبكم أو آذاكم غرم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دَهْوَرة اليوم على حزب إبراهيم، قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن تبعهم. فأنكر ذلك المشركون وادعوا في دين إبراهيم، ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم لي رشوة فاقبضوها فإن الله ملكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر: فانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله تعالى ذلك اليوم على رسول الله صلّى الله عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو بالمدينة قوله عز وجل (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين).

وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝٦٩ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ۝٧٠ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝٧١ وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ءَامِنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوٓا۟ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝٧٢

قوله عز وجل: {وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار ابن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت (ودت طائفة) [تمنت جماعة من أهل الكتاب] يعني اليهود {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} عن دينكم ويردونكم إلى الكفر {وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}.

{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} يعني القرآن وبيان نعت محمد صلّى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أن نعته في التوراة والإِنجيل مذكور.

{يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} تخلطون الإِسلام باليهودية والنصرانية، وقيل: لم تخلطون الإِيمان بعيسى عليه السلام وهو الحق بالكفر بمحمد صلّى الله عليه وسلم وهو الباطل؟ وقيل: التوراة التي أنزلت على موسى بالباطل الذي حرفتموه وكتبتموه بأيديكم {وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أن محمداً صلّى الله عليه وسلم ودينه حق.

قوله تعالى {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ} الآية. قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عيينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد ثم اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم واتهموه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم منَّا به فيرجعون عن دينهم.

وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا، فأطلع الله تعالى رسوله على سرهم وأنزل {وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ} {بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ} أوله سمي وجهاً لأنه أحسنه وأول ما يواجه الناظر فيراه {وَٱكْفُرُوۤاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فيشكون ويرجعون عن دينهم.

وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ۝٧٣

قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} هذا متصل بالأول من قول اليهود بعضهم لبعض {وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ} أي لا تصدقوا {إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} وافق ملتكم، واللام في «لمن» صلة، أي لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى:

{ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم }[النحل: 72] أي: ردفكم. {قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} هذا خبر من الله عز وجل أن البيان بيانه، ثم اختلفوا: فمنهم من قال: هذا كلام معترض بين كلامين، وما بعده متصل بالكلام الأول، إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض، ومعناه: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدكم مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المنِّ والسلوى وفَلْق البحر، وغيرها من الكرامات. ولا تؤمنوا أن يحاجّوكم عند ربكم لأنكم أصح ديناً منهم. وهذا معنى قول مجاهد. وقيل: إن اليهود قالت لسفلتهم «ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم» {أَن يُؤْتَىٰۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} من العلم، أي: لئلا يؤتى أحد، و«لا» فيه مضمرة، كقوله تعالى: { يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }[النساء: 176] أي: لئلا تضلوا، يقول: لا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم، ولئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا: عرفتم أن ديننا حق، وهذا معنى قول ابن جريج. وقرأ الحسن والأعمش (إن يؤتى) بكسر الألف، فيكون قول اليهود تاماً عند قوله: (إلا لمن تبع دينكم) وما بعده من قول الله تعالى يقول: قل يا محمد (إن الهدى هدى الله إن يؤتى) إن بمعنى الجحد، أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلّى الله عليه وسلم {أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ} يعني: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم، فقوله عز وجل (عند ربكم) أي عند فضل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل. وقال الفراء: ويجوز أن يكون أو بمعنى حتى كما يقال: تعلق به أو يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك، ومعنى الآية: ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم. وقرأ ابن كثير (آن يؤتى) بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ولا تؤمنون به، هذا قول قتادة والربيع وقالا: هذا من قول الله تعالى يقول: قل لهم يا محمد (إن الهدى هدى الله) بأن أنزل كتاباً مثل كتابكم وبعث نبياً حسدتموه وكفرتم به. {قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ}، قوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون «أو» بمعنى أن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضح أحدهما موضع الآخر، أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم فقل يا محمد: إن الهدى هدى الله ونحن عليه، ويجوز أن يكون الجميع خطاباً للمؤمنين، ويكون نظم الآية: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين حسدوكم فقل (إن الفضل بيد الله) وإن حاجوكم (فقل إن الهدى هدى الله). ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قدْ تم عند قوله (لعلهم يرجعون)، وقوله تعالى: (ولا تؤمنوا) من كلام الله يثبِّت به قلوب المؤمنين لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله، و(إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم) فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا.

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ۝٧٤ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٧٥

قوله تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} أي بنبوته {مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.

قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} الآية، نزلت في اليهود أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل، يقول: منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرتْ، ومنهم من لا يؤديها وإن قلّتْ، قال مقاتل: (ومِنْ أهل الكتابَ مَنْ إن تأمنه بقنطار يؤدِّهِ إليك) هم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، {وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يعني: كفار اليهود، ككعب بن الأشرف وأصحابه، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك) يعني: عبد الله بن سلام، أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدّاها إليه، (ومنهم مَنْ إنْ تأمنه بدينارٍ لا يؤدِّهِ إليك) يعني: فنحاص بن عازُورَاء، استودعه رجل من قريش ديناراً فخانه، قوله {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة (يُؤدهْ) و(لا يُؤدهْ) و(نُصْلهْ) و(نُؤتِهْ) و(نُولِّهْ) ساكنة الهاء، وقرأ أبو جعفر وقالون ويعقوب بالاختلاس كسراً، والباقون بالإِشباع كسراً، فمن سكّن الهاءَ قال لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة، ومن اختلس فاكتفى بالكسرة عن الياء، ومن أشبع فعلى الأصل، لأن الأصل في الهاء الإِشباع، {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا}، قال ابن عباس مُلِحّاً، يريد يقوم عليه يطالبه بالإِلحاح، وقال الضحاك: مواظباً أي تْواظب عليه بالاقتضاء، وقيل: أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه ردّه إليك، فإن فارقته وأخرته أنكره ولم يؤدهِ {ذَٰلِكَ} أي: ذلك الاستحلال والخيانة، {بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلأُمِّيِِّينَ سَبِيلٌ} أي: في مال العرب إثم وحَرجَ، كقوله تعالى: (ما على المحسنين من سبيل) وذلك أن اليهود قالوا: أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حُرمة لهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. وقال الكلبي: قالت اليهود إن الأموال كلها كانتْ لنا فما في يد العرب منها فهو لنا، وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم. وقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالاً من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق، ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم، فكذّبهم الله عزّ وجلّ، وقال عزّ من قائل: {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، ثم قال ردّاً عليهم: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ....}

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٧٦

{بَلَىٰ} أي: ليس كما قالوا بل عليهم سبيل، ثم ابتدأ فقال {مَنْ أَوْفَىٰ} أي: ولكن من أوفى {بِعَهْدِهِ} أي: بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإِيمان بمحمد صلّى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة، وقيل: الهاء في عهده راجعة إلى الموفي {وَٱتَّقَى} الكفرَ والخيانةَ ونقض العهد، {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قبيصة بن عقبة أنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مُرّة عن مسروق عن عبد الله بن عمر.

أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانتْ فيه خَصْلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٧

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} قال عكرمة: نزلت في رؤوس اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلّى الله عليه وسلم وبدّلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل والرِّشا التي كانت لهم من أتْباعهم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا موسى بن إسماعيل أنا أبو عُوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

من حلف علي يمينٍ صَبْرٍ يقتطع بها مالَ امْرِىءٍ مسلمٍ لقيَ الله يومَ القيامة وهو عليه غضبان، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك (إنّ الذي يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً) إلى آخر الآية، فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: فيّ أنزلتْ "كانتْ لي بئرٌ في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فحدثتُه، فقال: «هاتِ بينتَكَ أو يمينه»، قلت: إذاً يحلِفُ عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صَبْرٍ وهو فيها فاجرٌ يقتطع بها مالَ امْرىءٍ مسلم لقيَ الله يوم القيامة وهو عليه غضبان»".

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه قال:

"جاء رجل من حضرموت ورجل من كِنْدة إلى النبي، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرضٍ لي كانتْ لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم للحضرمي: «ألك بينة»؟ قال: لا، قال: «فلك يمينه» قال: يا رسول الله إن الرجل فاجرٌ لا يُبالي على ما يحلف عليه، قال: «ليس لك منه إلا ذلك»، فانطلق ليحلف له، فلما أدبر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أما لئِن حلفَ على مالهِ ليأكله ظلماً ليَلْقَيَنَّ الله وهو عنه مُعْرِض»."

ورواه عبد الملك بن عمير عن علقمة، وقال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان. وروي لمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف، وأقرَّ لخصمه بحقه ودفعه إليه.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن سعيد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

"«من اقتطع حقَّ امرىءٍ مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة وأوجب له النار» قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: «وإن كان قضيباً من أراك»" قالها ثلاث مرات.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن محمد أنا هشيم بن محمد أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى:

أنّ رجلاً أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أُعطي بها ما لم يعط، ليُوقع فيها رجلاً من المسلمين، فنزلت:(إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً).

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} أي: يستبدلون {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} وأراد الأمانة، {وَأَيْمَـٰنِهِمْ} الكاذبة {ثَمَنًا قَلِيًلا} أي: شيئاً قليلاً من حطام الدنيا، {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ}، لا نصيب لهم {فِى ٱلآخِرَةِ}، ونعيمها، {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} كلاماً ينفعهم ويُسرهم، وقيل: هو بمعنى الغضب، كما يقول الرجل: إني لا أكلم فلاناً إذا كان غضب عليه، {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} أي: لا يرحمهم ولا يُحسن إليهم ولا يُنيلهم خيراً، {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أي: لا يُثني عليهم بالجميل ولا يُطهرهم من الذنوب، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

أخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد أنا سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا محمد بن جعفر عن شعبة عن علي بن مُدرك عن أبي زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

"«ثلاثة لا يُكلمهم الله يومَ القيامة ولا ينظر إليهم ولا يُزكيهم ولهم عذابٌ أليم» قال: قرأها رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاثَ مرات، فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: «المُسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحَلِفِ الكاذب»"، في رواية: "المسبل إزاره. "

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أسيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يُزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل حلف يميناً على مال فاقتطعه، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد صلاة العصر أنه أُعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل مالِه، فإن الله تعالى يقول: اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك".

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ