انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 25–49

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝٢٥

قوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} أي فكيف حالهم أو كيف يصنعون إذا جمعناهم {لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} [وهو يوم القيامة] {وَوُفِّيَتْ} [وفِّرَتْ] {كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي جزاء ما كسبت من خير أو شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.

قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ}

قال قتادة ذكر لنا أن النبي صلّى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه لما افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد صلّى الله عليه وسلم ملك فارس والروم؟ وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمداً مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله هذه الآية {قُلِ ٱللَّهُمَّ} قيل: معناه يا الله فلما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره، وقال قوم: للميم فيه معنى، ومعناها يا الله أُمَّنا بخير أي: اقصدنا، حذف منه حرف النداء كقولهم: هلم إلينا، كان أصله هل أُمَّ إلينا، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة استخفافاً وربما خففوا أيضاً فقالوا: لا هُمَّ، قوله: {مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ} [يعني يا مالك الملك] أي مالك العباد وما ملكوا، وقيل يا مالك السموات والأرض، وقال الله تعالى في بعض الكتب: «أنا الله ملك الملوك، ومالك الملوك وقُلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمةً وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم».

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٦

قوله تعالى: {تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ} قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ملك النبوة، وقال الكلبي: تؤتي الملك من تشاء محمداً وأصحابه {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ} أبي جهل وصناديد قريش وقيل: تؤتي الملك من تشاء: العرب وتنزع الملك ممن تشاء: فارس والروم، وقال السدي، تؤتي الملك من تشاء، آتى الله الأنبياء عليهم السلام وأمر العباد بطاعتهم {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ} نزعه من الجبارين وأمر العباد بخلافهم، وقيل تؤتي من تشاء: آدم وولده وتنزع الملك ممن تشاء إبليس وجنوده. وقوله تعالى: {وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ} قال عطاء تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار وتذل من تشاء: فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمداً صلّى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء: أبا جهل وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من تشاء، بالإِيمان والهداية، وتذل من تشاء بالكفر والضلالة، وقيل تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء بالقهر، وقيل تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل تعز من تشاء بالقناعة والرضى، وتذل من تشاء بالحرص والطمع {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ} أي بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر أحدهما قال تعالى: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ }[النحل: 81] أي الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما {إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

تُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٢٧

قوله تعالى: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ} أي تدخل الليل في النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعاتٍ {وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ} حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر {وَتُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ} قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم «الميِّت» بتشديد الياء هاهنا وفي الأنعام ويونس والروم وفي الأعراف «لبلد ميت»، وفي فاطر: {إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} زاد نافع

{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ }[الأنعام: 122]، و { لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً }[الحجرات: 12] و { ٱلأرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا } [يس: 33] فشددها، والآخرون يخففونها، وشدد يعقوب {تُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} و{لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً}، قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: معنى الآية: يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الحيوان. وقال عكرمة والكلبي: يخرج الحي من الميت أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير، وقال الحسن وعطاء. يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن، فالمؤمن حي الفؤاد والكافر ميت الفؤاد، قال الله تعالى: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ }[الأنعام: 122] وقال الزجاج: يخرج النبات الغضَّ الطري من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} من غير تضييق [ولا تقتير].

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، أنا محمد بن أبي الأزهر أنا الحارث بن عمير، أنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران (شَهِدَ ٱللَّهُ - إلى قوله - إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ -و- قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ - إلى قوله - بِغَيْرِ حِسَابٍ) معلقات، ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب، قلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله عز وجل: بي حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه ولأسكنته في حظيرة القدس ولنظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعذته من كل عدو وحاسد ونصرته منهم رواه الحارث عن عمرو وهو ضعيف.

لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ۝٢٨ قُلْ إِن تُخْفُوا۟ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٢٩

قوله عز وجل: {لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحجاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد (يظنون) بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة.

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل [فعلهم]. قوله تعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ} أي موالاة الكفارِ في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين {فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَىْءٍ} [أي ليس من دين الله في شيء] ثم استثنى فقال {إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً} يعني: إلا أن تخافوا منهم مخافة، قرأ مجاهد ويعقوب «تَقِيَّة» على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف، مثل حصاة ونواة، وهي مصدر يقال تقيته تقاة وتقى تقية وتقوى فإذا قلت اتقيت كان المصدر الاتقاء، وإنما قال تتقوا من الاتقاء ثم قال: تقاة ولم يقل اتقاء لأن معنى اللفظين إذا كان واحداً يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر كقوله تعالى:

{ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً }[المزمل: 8] ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالاً حراماً، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ }[النحل: 106] ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم، وأنكر قوم التقية [اليوم] قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في [بُدُوِّ] الإِسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإِسلام فليس ينبغي لأهل الإِسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم التقية باللسان والقلب مطمئن بالإِيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإِسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}.

{قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ} أي قلوبكم من مودة الكفار {أَوْ تُبْدُوهُ} من موالاتهم قولاً وفعلاً {يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلّى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه، بحربه وقتاله، يعلمه الله ويحفظه عليكم، حتى يجازيكم، به ثم قال: {وَيَعْلَمُ} رفع على الاستئناف {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} يعني إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟ {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُۥٓ أَمَدًۢا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ وَٱللَّهُ رَءُوفٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝٣٠

قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} نصب يوماً بنزع حرف الصفة أي في يوم، وقيل: بإضمار فعل أي: اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس {مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا} لم يبخس منه شيء، كما قال الله تعالى: { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا }[الكهف: 49] {وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ} جعله بعضهم خبراً في موضع النصب، أي تجد محضراً ما عملت من الخير [والشر فتسر بما عملت من الخير] وجعله بعضهم خبراً مستأنفاً، دليل هذا التأويل: قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما {وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً}. قوله تعالى: {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا} أي بين النفس {وَبَيْنَهُ} يعني وبين السوء {أَمَدَاً بَعِيداً} قال السدي: مكاناً بعيداً، وقال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب، والأمد الأجل والغاية التي ينتهي إليها، وقال الحسن: يَسُرّ أحدهم أن لا يلقى عمله أبداً، وقيل يود أنه لم يعمله {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ وَٱللَّهُ رَءُوفُ بِٱلْعِبَادِ }.

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٣١ قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٣٢

قوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف النبي صلّى الله عليه وسلم على قريش، وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في أذانها (الشُّنُوف) وهم يسجدون لها، فقال:

يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل فقالت له قريش إنما نعبدها حباً لله ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام ليقربوكم إليه فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

وقيل لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أُبَيِّ لأصحابه إن محمداً يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم فنزل قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن طاعتهما {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَـٰفِرِينَ} لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أنا فليح، أنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

"«كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا ومن يأبى؟ قال «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»".

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن عبادة، أنا يزيد، نا سُليم بن حيان [وأثنى عليه]، أنا سعيد بن ميناء قال: حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول:

جاءت ملائكة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وهو نائم. فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوِّلوها له يفقهها، فقالوا: أما الدار الجنة والداعي محمد صلّى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد صلّى الله عليه وسلم فرق بين الناس».

إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٣٣ ذُرِّيَّةًۢ بَعْضُهَا مِنۢ بَعْضٍ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝٣٤

وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. يعني: إِن الله اصطفى هؤلاء بالإِسلام وأنتم على غير دين الإِسلام{ٱصْطَفَىٰ} اختار، افتعل من الصفوة وهي الخالص من كل شيء {آدَمَ} أبو البشر {وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ} قيل: أراد بآل إبراهيم وآل عمران إبراهيم عليه السلام وعمران أنفسهما، كقوله تعالى: { وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَـٰرُونَ } [البقرة: 248] يعني: موسى وهارون. وقال آخرون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وكان محمد صلّى الله عليه وسلم من آل إبراهيم عليه السلام، وأما آل عمران فقد قال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام (والد) موسى وهارون. وقال الحسن ووهب: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن داود عليهما السلام [والد] مريم وعيسى. وقيل: عمران بن ماثان، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً} اشتقاقها من ذرأ بمعنى خلق، وقيل: من الذر لأنه استخرجهم من صلب آدم كالذر، ويسمى الأولاد والآباء ذرية، فالأبناء ذُرية لأنه ذرأهم، والآباء ذُرية لأنه ذرأ الأبناء منهم، قال الله تعالى: { وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ }[يس: 41] أي آباءهم (ذرية) نصب على معنى واصطفى ذرية {بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} أي بعضها من ولد بعض، [وقيل بعضها من بعض في التناصر] وقيل: بعضها على دين بعض {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٣٥

قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ} وهي حنة بنت قافوذا أم مريم، وعمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام، وبينهما ألف وثمانون سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، وقيل: عمران بن أشهم. قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} أي جعلت الذي في بطني محرراً نذراً مني لك {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} والنذر: ما يوجبه الإِنسان على نفسه {مُحَرَّرًا} أي عتيقاً خالصاً لله مفرغاً لعبادة الله ولخدمة الكنيسة، لا أشغله بشيء من الدنيا، وكل ما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق. قال الكلبي ومحمد بن إسحاق وغيرهما: كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير إن أحب أقام، وإن أحب ذهب حيث شاء، وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محرراً لبيت المقدس، ولم يكن محرراً إلا الغلمان، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى، فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك، أن زكريا وعمران تزوجا أختين، وكانت أشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم عند عمران، وكان قد أُمسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخاً فتحركت بذلك نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولداً وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه، فحملت بمريم فحررت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت، أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك؟ فوقعا جميعاً في همٍّ من ذلك، فهلك عمران، وحنة حامل بمريم.

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ۝٣٦

{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أي ولدتها إذا هي جارية، والهاء في قوله: «وضعتها» راجعة إلى النذير لا إلى ما ولد لذلك أنث {قَالَتْ} حنة وكانت ترجو أن يكون غلاماً {رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ} اعتذاراً إلى الله عز وجل {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} بجزم التاء إخباراً عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ويعقوب وضعت برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم {وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنثَىٰ} في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس {وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} ومريم بلغتهم العابدة والخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن {وِإِنِّى أُعِيذُهَا} أمنعها وأُجيرها {بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أولادها {مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ} فالشيطان الطريد اللعين، والرجيم المرمي بالشهب.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهلّ الصبي صارخاً من الشيطان، غير مريم وابنها، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم».

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب».

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ۝٣٧

قوله {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أي تقبل الله مريم من حنة مكان المحرر، وتقبل بمعنى قَبِل ورضي، والقبول مصدر قَبِل يقبل قبولاً مثل الولوع والوزوع، ولم يأت غير هذه الثلاثة. وقيل: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} معناه: وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً، وقيل هذا مصدر على غير [اللفظ] وكذلك قوله {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [ومثله شائع كقولك تكلمت كلاماً، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ}] أي سلك بها طريق السعداء {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} يعني سوَّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قال أهل الأخبار: أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار، أبناء هارون، وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافس فيها الأَحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، عندي خالتها، فقالت له الأحبار: لا نفعل ذلك، فإنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، لكنَّا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا [تسعة وعشرين] رجلاً إلى نهر جار، قال السدي: هو نهر الأردن فألقوا أقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها. وقيل: كان على كل قلم اسم واحد منهم. وقيل: كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء [فارتز] قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر، قاله محمد بن إسحاق وجماعة. وقيل: جرى قلم زكريا مصعداً إلى أعلى الماء وجرت أقلامهم بجري الماء. وقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء، فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق، من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: زكريا مقصوراً، والآخرون يمدونه. فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتاً واسترضع لها، وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محراباً في المسجد، وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ} وأراد بالمحراب الغرفة، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك هو من المسجد، ويقال للمسجد أيضاً محراب، قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة، وقال الربيع ابن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها غرفتها {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} أي فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف {قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} قال أبو عبيدة معناه: من أين لك هذا؟ وأنكر بعضهم عليه، وقال: معناه من أي جهة لك هذا؟ لأن «أنّى» للسؤال عن الجهة وأين للسؤال عن المكان {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي من قطف الجنة، قال الحسن: حين ولدت مريم لم تلقم ثدياً قط، كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة {إنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وقال محمد بن إسحاق: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل: تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي؟ فقالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بداً، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب، وكان ابن عم مريم فحملها، فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه، فقالت له: يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلاً من الرزق، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف، فيقول: يا مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. قال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولداً في غير حينه على الكبر فطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وآيس من الولد.

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ۝٣٨ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٣٩

قال الله تعالى: {هُنَالِكَ} أي عند ذلك {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} فدخل المحراب [وأغلق الباب] وناجى ربه {قَالَ رَبِّ} أي يا رب {هَبْ لِى} أعطني {مِن لَّدُنْكَ} أي من عندك {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أي ولداً مباركاً تقياً صالحاً رضياً، والذرية تكون واحداً وجمعاً، ذكراً وأنثى، وهو هاهنا واحد، بدليل قوله عز وجل:

{ فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً }[مريم: 5] وإنما قال: طيبة لتأنيث لفظ الذرية {إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} أي سامعه، وقيل مجيبه، كقوله تعالى: { إِنِّيۤ آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ } [يس: 25] أي فأجيبوني.

{فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء، والآخرون بالتاء، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيهم أحسن كقوله تعالى:

{ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ }[الحجرات: 14] وعن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يذكر الملائكة في القرآن. قال أبو عبيدة: إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافاً للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياءً وذكِّروا القرآن. وأراد بالملائكة هاهنا: جبريل عليه السلام وحده، كقوله تعالى في سورة النحل «ينزل الملائكة» يعني جبريل (بالروح) بالوحي، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: سمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمع من واحد، نظيره قوله تعالى: { ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ }[آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود «إن الناس» يعني أبا سفيان بن حرب، وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيساً يجوز الإِخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة وقلَّ ما يبعث إلا ومعه جمع، فجرى على ذلك. قوله تعالى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ} أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو قائم يصلي في المحراب، يعني في المسجد عند المذبح يصلي، والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه، وهو جبريل عليه السلام، يا زكريا {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ} قرأ ابن عامر وحمزة (إن الله) بكسر الألف على إضمار القول تقديره: فنادته الملائكة فقالت {أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ} وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عليه، كأنه قال: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، قرأ حمزة يبشرك وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله: { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } [الحجر: 54] فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان والكهف وعسق ووافق ابن كثير وأبو عمرو في «عسق» والباقون بالتشديد، فمن قرأ بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيراً، وهو أعرب اللغات وأفصحها. دليل التشديد قوله تعالى: { فَبَشِّرْ عِبَادِ } [الزمر: 17] و { وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ } [الصافات: 112] { قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِٱلْحَقِّ }[الحجر: 55] وغيرها من الآيات، ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة، وقرأه ابن مسعود رضي الله عنه {بِيَحْيَـىٰ} هو اسم لا يُجر لمعرفته وللزائد في أوله مثل يزيد ويعمر، وجمعه يحيون، مثل موسون وعيسون، واختلفوا في أنه لم سُمي يحيى؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن الله أحيا به عقر أمه، قال قتادة: لأن الله تعالى أحيا به قلبه بالإِيمان وقيل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية {مُصَدِّقاً} نصب على الحال {بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يعني عيسى عليه السلام، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى قال له: كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان، وقيل: سمي كلمة لأنه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله تعالى، وقيل: هي بشارة الله تعالى مريم بعيسى عليه السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام. وقيل: لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبياً بلا أب، فسماه كلمة لحصوله بذلك الوعد. وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه، وكان يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني الخالة، ثم قُتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام. وقال أبو عبيدة (بكلمة من الله) أي بكتاب من الله وآياته، تقول العرب: أنشدني كلمةَ فلان أي قصيدته. قوله تعالى: {وَسَيِّدًا} هو فعيل من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهى إلى قوله، قال المفضل: أراد سيداً في الدين. قال الضحاك: السيد الحسن الخلق. قال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه عز وجل. وقال سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال قتادة: سيد في العلم والعبادة والورع، وقيل: الحليم الذي لا يغضبه شيء. قال مجاهد: الكريم على الله تعالى، وقال الضحاك: السيد التقي، قال سفيان الثوري: الذي لا يحسد وقيل: الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير، وقيل: هو القانع بما قسم الله له. وقيل: السخي.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم

"«من سيّدكم يا بني سلمة»؟ قالوا: جد بن قيس على أنّا نبخِّله قال: «وأي داء أدوأ من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح»".

قوله تعالى: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} الحصور أصله من الحصر وهو الحبس. والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن: الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات [وقيل: هو الفقير الذي لا مال] له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء. قال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره. وفيه قول آخر: أن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه. واختار قوم هذا القول لوجهين (أحدهما): لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، و(الثاني): أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء.

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ۝٤٠

قوله تعالى: {قالَ رَبِّ} أي يا سيدي، قال لجبريل عليه السلام، هذا قول الكلبي وجماعة، وقيل: قاله لله عز وجل {أَنَّىٰ يَكُونُ} من أين يكون {لِي غُلَـٰمٌ} أي ابن {وَقَدْ بَلَغَنِيَ ٱلْكِبَرُ} هذا من المقلوب أي وقد بلغت الكبر وشخت كما يقال بلغني الجهد أي أنا في الجهد، وقيل: معناه وقد نالني الكبر وأدركني وأضعفني. قال الكلبي: كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن اثنتين وتسعين سنة، وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى: {وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ} أي عقيم لا تلد يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقراً وعقارة {قَالَ: كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} فإن قيل لم قال زكريا بعدما وعده الله تعالى: (أنى يكون لي غلام) أكان شاكاً في وعد الله وفي قدرته؟ قيل: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله، إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحى إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعاً للوسوسة، قاله عكرمة والسدي، وجواب آخر: وهو أنه لم يشك في وعد الله إنما شك في كيفيته، أي كيف ذلك؟

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ ۝٤١ وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٤٢

قوله تعالى: {قَالَ: رَبِّ ٱجْعَل لِّىۤ ءَايَةً} أي علامةً أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكراً لك {قَالَ: ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ} تكف عن الكلام {ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ} وتقبل بكليتك على عبادتي، لا أنه حبس لسانه عن الكلام، ولكنه نهي عن الكلام وهو صحيح سوي، كما قال في سورة مريم الآية (10) { أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } يدل عليه قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِبْكَـٰرِ} فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس. وقال أكثر المفسرين: عقل لسانه عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام، وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام، وقوله {إِلاَّ رَمْزًا} أي إشارة، والإشارة قد تكون باللسان وبالعين وباليد، وكانت إشارته بالإِصبع المسبحة، وقال الفراء: قد يكون الرمز باللسان من غير أن يبين، وهو الصوت الخفي أشبه الهمس، وقال عطاء: أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزاً {وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلإِبْكَـٰرِ} قيل: المراد بالتسبيح الصلاة والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سمّى صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي، والإِبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى.

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ} يعني جبريل {يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ} اختارك {وَطَهَّرَكِ} قيل من مسيس الرجال وقيل من الحيض والنفاس، قال السدي: كانت مريم لا تحيض، وقيل: من الذنوب {وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قيل: على عالمي زمانها، وقيل: على جميع نساء العالمين في أنها ولدت بلا أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء، وقيل: بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن رجاء، أخبرنا النضر عن هشام، أخبرنا أبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة رضي الله عنهما».

ورواه وكيع وأبو معاوية عن هشام بن عروة وأشار وكيع إلى السماء والأرض.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي موسى الأشعري قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. »

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الرحمن بن عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العُذافري، أخبرنا إسحاق الديري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنهما:

أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلّى الله عليه وسلم، وآسية امرأة فرعون

.

يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ۝٤٣

قوله تعالى: {يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ} قالت لها الملائكة شفاهاً أي: أطيعي ربك، وقال مجاهد أطيلي القيام في الصلاة لربك، [والقنوت الطاعة] وقيل: القنوت طول القيام قال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دماً وقيحاً {وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى} قيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم، وقيل: بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها، وليس الواو للترتيب بل للجمع، يجوز أن يقول الرجل: رأيت زيداً وعمراً، وإن كان قد رأى عمراً قبل زيد {مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ} ولم يقل مع الراكعات ليكون أعم وأشمل فإنه يدخل فيه الرجال والنساء، وقيل: معناه مع المصلين في الجماعة.

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ۝٤٤ إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝٤٦

قوله تعالى: {ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ} يقول لمحمد صلّى الله عليه وسلم (ذلك) الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى(من أنباء الغيب) أي من أخبار الغيب (نوحيه إليك) رد الكناية إلى ذلك فلذلك ذكره {وَمَا كُنتَ} يا محمد {لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَـٰمَهُمْ} سهامهم في الماء للاقتراع {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} يحضنها ويربيها {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} في كفالتها.

قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ} إنما قال: اسمه رد الكناية إلى عيسى، واختلفوا في أنه لم سمي مسيحاً، منهم من قال: هو فعيل بمعنى المفعول يعني أنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب، وقيل: لأنه مسح بالبركة، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، وقيل: لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له، وسمى الدجال مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل، مثل عليم وعالم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما سمي مسيحاً لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ، وقيل: سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان، وعلى هذا القول تكون الميم فيه زائدة. وقال إبراهيم النخعي: المسيح الصديق. ويكون المسيح بمعنى الكذاب وبه سمي الدجال والحرف من الأضداد {وَجِيهًا} أي شريفاً رفيعاً ذَا جاه وقدر {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} عند الله.

{وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ} صغيراً قبل أوان الكلام كما ذكره في سورة مريم قال:

{ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ }[مريم: 30] وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع قوله {وَكَهْلاً} قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء وقال الحسين بن الفضل: (وكهلاً) بعد نزوله من السماء. وقيل: أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل، وكلامه بعد الكهولة إخباره عن الأشياء المعجزة، وقيل: {وَكَهْلاً} نبياً بشرها بنبوة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة. وقال مجاهد: {وَكَهْلاً} أي حليماً. والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة الوسطى في احتناك السن واستحكام العقل وجودة الرأي والتجربة {وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي: هو من العباد الصالحين.

قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٤٧ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۝٤٨ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٤٩

{قَالَتْ: رَبِّ} يا سيدي تقوله لجبريل. وقيل: تقول لله عز وجل {أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ} ولم يصبني رجل، قالت ذلك تعجباً إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد لا أب له {قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ، إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا} أراد كون الشيء {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} كما يريد.

قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ} قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب بالياء لقوله تعالى: (كذلك الله يخلق ما يشاء)، وقيل: رده على قوله: (إن الله يبشرك) {وَيُعَلِّمُهُ} وقرأ الآخرون بالنون على التعظيم كقوله تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) قوله: {ٱلْكِتَابَ} أي الكتابة والخط {وَٱلْحِكْمَةَ} العلم والفقه {وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} علمه الله التوارة والإِنجيل

{وَرَسُولاً} أي ونجعله رسولاً {إِلَىٰ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} قيل: كان رسولاً في حال الصبا، وقيل: إنما كان رسولاً بعد البلوغ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام فلما بعث قال: {أَنِّى} قال الكسائي: إنما فتح لأنه أوقع الرسالة عليه، وقيل: معناه بأني {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} علامة {مِّن رَّبِّكُمْ} تصدق قولي وإنما قال: بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، قالوا: وما هي، قال: {أَنِىۤ} قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح على معنى بأني {أَخْلُقُ} أي أصور وأقدر {لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} قرأ أبو جعفر كهيئة الطير هاهنا وفي المائدة، والهيئة الصورة المهيأة من قولهم: هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته {فَأَنفُخُ فِيهِ} أي في الطير {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قراءة الأكثرين بالجمع لأنه خلق طيراً كثيراً، وقرأ أهل المدينة ويعقوب فيكون طائراً على الواحد هاهنا. وفي سورة المائدة ذهبوا إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يخلق غير الخفاش، وإنما خص الخفاش لأنه أكمل الطير خلقاً لأن له ثدياً وأسناناً وهي تحيض. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق، وليعلم أن الكمال لله عز وجل {وَأُبْرِىءُ ٱلأكْمَهَ وٱلأبْرَصَ} أي أشفيهما وأصححهما، واختلفوا في الأكمه، قال ابن عباس وقتادة: هو الذي ولد أعمى، وقال الحسن والسدي: هو الأعمى. وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال مجاهد: هو يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، {وٱلأبْرَصَ} الذي به وضح، وإنما خص هذين لأنهما داءان عياءان، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. قال وهب: ربما اجتمع عند عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق مشى إليه عيسى عليه السلام وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. قوله تعالى: {وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: قد أحيا أربعة أنفس، عازر وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، فأما عازر فكان صديقاً له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام: أن أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره، فدعا الله تعالى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له. وأما ابن العجوز فإنه مر به ميتاً على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره، ونزل على أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له. وأما ابنة العاشر كان [أبوها] رجلاً يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس، فدعا الله عز وجل [باسمه الأعظم] فأحياها [الله تعالى] وبقيت [بعد ذلك زمناً] وولد لها. وأما سام بن نوح عليه السلام، فإن عيسى عليه السلام جاء إلى قبره فدعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفاً من قيام الساعة، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل. قوله تعالى: {وَأُنَبِّئُكُم} وأخبركم {بِمَا تَأْكُلُونَ} مما لم أعاينه {وَمَا تَدَّخِرُونَ} ترفعونه {فِى بُيُوتِكُمْ} حتى تأكلوه، وقيل: كان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء.

وقال السدي: كان عيسى عليه السلام في الكتَّاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا، فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون: من أخبرك بهذا؟. فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا هاهنا، فقال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى، كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير ففشا ذلك في بني إسرائيل، فهمت به بنو إسرائيل فلما خافت عليه أمه حملته على [حُمير] لها، وخرجت (هاربة منهم) إلى أهل مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى، وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا للغد فخانوا وخبؤا فجعل عيسى يخبرهم بما اكلوا من المائدة وبما أدخروا منها فمسخهم الله خنازير. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ} الذي ذكرت {لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ