انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 134–159

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٣٤

{ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ}، أي: في اليُسر والعُسر، فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكرَ السَّخَاوَة وقد جاء في الحديث.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا أبو عمرو الفراتي أخبرنا أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري أخبرنا أبو عبد الله بن حازم البغوي بمكة أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي أخبرنا إبراهيم بن سعد أخبرنا سعيد بن محمد عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

السخي قريبٌ منَ الله قريبٌ منَ الجنةِ قريبٌ من النّاس، بعيدٌ منَ النّار، والبخيلُ بعيدٌ من الله بعيدٌ منَ الجنةِ بعيدٌ منَ الناسِ قريبٌ منَ النّار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل.»

{وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ} أي: الجارعين الغيظَ عند امتلاء نفوسهم منه، والكظم: حبس الشيء عند امتلائه، وكظم الغيظ أن يمتلىء غيظاً فيردّه في جوفه ولا يُظهره. ومنه قوله تعالى:

{ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ } [غافر: 18].

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا أبو عمرو الفراتي أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الإسفرايني أخبرنا أبو عبد الله بن محمد زكريا العلاني أخبرنا رَوح بن عبد المؤمن أخبرنا أبو عبد الرحمن المُقْرِي أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

مَنْ كظمَ غيظاً وهو يقدرُ على أن ينفذَه دعاهُ الله يومَ القيامةِ على رُؤوسِ الخلائقِ حتى يخيّره من أيّ الحُورِ شاء.»

{وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ}، قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمّن ظلمهم وأساءَ إليهم. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝١٣٥

{وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الآية قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهمْ إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبةٌ في عَتَبةِ بابهِ، اجدعْ أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال عطاء: نزلت في نبهان التمار، وكنيته أبو معبد، أتته أمرأة حسناء، تبتاع منه تمراً فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه، فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبَّلها، فقالتْ له: اتقِ الله، فتركها وندم على ذلك، فأتى النبي صلّى الله عليه وسلم، وذكر ذلك، فنزلتْ هذه الآية.

وقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاريَّ على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثَرِها وقبّل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله، فقالت: لا أكثر الله في الإِخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائباً مستغفراً، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجاً. فقال الأنصاري: هلكتُ: وذكر له القصة، فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي مالا يغار للمقيم، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك، فأتيا النبيَّ صلّى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً} يعني: قبيحة خارجة عما أذن الله تعالى له فيه، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحدّ، قال جابر: الفاحشة الزنا. {أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ}، ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس. وقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية. وقيل: فعلوا فاحشة الكبائر، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر. وقيل: فعلوا فاحشة فعلاً أو ظلموا أنفسهم قولاً. {ذَكَرُواْ ٱللَّهَ} أي: ذكروا وعيد الله، وأن الله سائلهم، وقال مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب. {فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} أي: وهل يغفر الذنوب إلا الله. {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ} أي: لم يُقيموا ولم يثبتوا عليه، ولكن تابوا وأنابوا واستغفروا، وأصل الإِصرار: الثبات على الشيء، قال الحسن: إتيان العبد ذنباً عمداً إصرارٌ حتى يتوب. وقال السدي: الإِصرار: السكوت وترك الاستغفار.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرَّياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا يحيى بن يحيى أنا عبد الحميد بن عبد الرحمن عن عثمان بن واقد العمري عن أبي نصيرة قال: لقيت مولىً لأبي بكر رضي الله عنه فقلتُ له: أسَمِعْتَ من أبي بكر شيئاً؟ قال: نعم سمعتُه يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

ما أصرَّ مَنِ استغفر، وإنْ عاد في اليوم سبعين مرّة».

{وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: وهم يعلمون أنها معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإِصرار ضار، وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن لهم ربّاً يغفر الذنوب، وقيل: وهم يعلمون أنّ الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثُرت، وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفرُوا غَفَرَ لهم.

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝١٣٦

{أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ}، ثوابُ المطيعين.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الريّاني أنا حميد بن زنجويه أنا عفان بن مسلم أنا أبو عُوانة أنا عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة الأسدي عن أسماء بن الحكم الفزاري قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلاً إذا سمعتُ من رسول الله صلّى الله عليه وسلم حديثاً ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول:

مَا مِنْ عبدٍ مُؤمنٍ يُذنبُ ذنباً فيُحسنُ الطّهورَ ثم يقومُ فيصلي ثم يستغفرُ الله إلا غَفَرَ الله له، ورواه أبو عيسى عن قتيبة عن أبي عُوانة وزاد: ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} الآية.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الريَّاني أنا حميد بن زنجويه أنا هشام بن عبد الملك أخبرنا همام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال: كان قاضٍ بالمدينة يقال له عبد الرحمن بن أبي عَمْرة فسمعتُه يقول:

سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

إنّ عبداً أذنب ذنباً فقال: أيْ ربِّ أذنبتُ ذنباً فاغفرْهُ لي، قال: فقال ربُّه عزَّ وجلّ: عَلِمَ عَبدي أنّ له رباً يَغْفِرُ الذنبَ ويأخذُ به، فغفر له، فمكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنباً آخر فقال: ربِّ أذنبتُ ذنباً فاغفرْهُ لي، فقال ربه عزّ وجلّ: عَلِمَ عَبدي أنّ له رباً يَغْفِرُ الذنبَ ويأخذُ بهِ قدْ غَفَرْتُ لعبدي فليفعلْ ما شاء.»

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الريَّاني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا النعمان السدوسي، أخبرنا المهدي بن ميمون أخبرنا غيلان بن جرير عن شهر بن حَوْشَب عن مَعْدِي كرب عن أبي ذرٍ رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال:

قال يا بن آدمَ إنّكَ ما دعوتَني ورَجَوْتَني غفرتُ لكَ على ما كان فيك، ابنَ آدمَ إنّك إنْ تلقاني بقُرَابِ الأرضِ خَطايَا لقيتُكَ بقُرَابِهَا مغفرةً بعد أنْ لا تُشْرِكْ بي شيئاً، ابنَ آدمَ إنّك إن تُذْنِبْ حتى تبلغَ ذنوبكَ عنانَ السماء ثم تستغفرني أغفرُ لك.»

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني الشرفي أنا أبو الأزهر أحمد ابن الأزهر أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى:

مَنْ علمَ أني ذُو قُدْرَةٍ على مغفرةِ الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يُشركْ بي شيئاً.»

قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية {وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} إلى آخرها.

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝١٣٧ هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ۝١٣٨

قوله تعالى: {قدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم سُنَنٌ}، قال عطاء: شرائع، وقال الكلبي: مضتْ لكل أمة سُنّة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم، وقال مجاهد: قد خلت من قبلكم سُننٌ بالهَلاكِ فيمن كذّب قبلكم، وقيل: سُنَنٌ أي: أُمَمٌ، والسّنّةُ: الأمّةُ، قال الشاعر:

ما عاينَ الناسُ من فضلٍ كفضلِكم ولا رأوا مثلكم في سالف السّنَنِ

وقيل معناه: أهل السنن، والسنة هي: الطريقة المتبعة في الخير والشر، يقال: سنَّ فلانٌ سُنّةً حسنةً، وسُنَّةً سيئةً إذا عمل عملاً اقْتُدِي بهِ مِنْ خيرٍ وشر. ومعنى الآية: قد مضتْ وسلفتْ مني سننٌ فيمن كان قبلكم من الأُممِ الماضيةِ الكافرة، بإمهالي واستدراجي إيَّاهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلتُه لإِهلاكهم، وإدَالةُ أنبيائي عليهم. {فَسِيرُواْ فِى ٱلأرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}، أي: آخر أمر المكذبين، وهذا في حرب أُحد، يقول الله عزّ وجلّ: فأنا أُمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلّى الله عليه وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه.

{هَـٰذَا} أي: هذا القرآن، {بَيَانٌ لِّلنَّاسِ}، عامة، {وَهُدًى}، من الضلالة، {وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}، خاصة.

وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٣٩ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُۥ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٤٠

قوله تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَتَحْزَنُوا}، هذا حثُّ لأصحاب النبي صلـّى الله عليه وسلم على الجهاد، زيادةً على ما أصابهم من القتل والجراح يوم أُحد، يقول الله تعالى: ولا تهِنُوا أي: لا تضْعُفوا ولا تجبُنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قُتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزةُ بن عبد المطلب ومصعبُ بن عُمير، وقُتل من الأنصار سبعون رجلاً. {وَلاَ تَحْزَنُوا} فإنكم {أَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي تكون لكم العاقبةُ بالنصرة والظفر، {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يعني: إذْ كنتم مؤمنين: أي: لأنكم مؤمنون.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الشّعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم

اللّهمّ لا يعلون علينا، اللّهمّ لا قوّةَ لنا إلاّ بك وثاب نفرٌ من المسلمين رماةٌ فصعدُوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم فذلك قوله تعالى: {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ}.

وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أُحد حين أمر النبي صلّى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح، فاشتدّ ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، دليله قوله تعالى:

{ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ }[النساء: 104].

{إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر {قرح} بضم القاف حيث جاء، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهدُ والجَهد، وقال الفراء القرح بالفتح: الجراحة، وبالضم: ألمُ الجراحة، هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أُحد مع الكآبة والحزن، يقول الله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} يوم أُحد، {فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}، يوم بدر، {وَتِلْكَ ٱلأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}، فيومٌ لهم ويومٌ عليهم، أُديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسَرُوا سبعين، وأُديل المشركون من المسلمين يوم أُحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أنا زهير أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلّى الله عليه وسلم على الرّجّالة يوم أُحد وكانوا خمسين رجلاً عبدَ الله بن جُبير، فقال:

إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانَكُم هذا حتى أُرسلَ إليكم وإنْ رأيتُمونَا هزمنا القومَ وأوطأناهم فلا تبرحُوا حتى أُرسل إليكم، فهزمُوهم، قال: فإنا والله رأيتُ النساءَ يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جُبير: الغنيمة، أيْ قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله ابن جُبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتينّ الناسَ فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صُرفتْ وجُوهُهم فأقبلوا منهزمين. فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخْراهُم، فلم يبقَ مع النبي صلّى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين. وكان النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلّى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أمَا هؤلاء فقد قُتلوا، فما مَلَك عمرُ نفسَه، فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءُك، قال: يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، إنكم ستجدون في القوم مُثلةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعل هُبَلُ اعل هُبَلُ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم:ألاَ تُجيبوه؟ قالوا: يارسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجلُّ، قال: إن لنا العُزَى ولا عُزَى لكم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ألاَ تُجيبوه؟ قالوا: يارسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم

ورُوي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه قال أبو سفيان: يومٌ بيوم وإن الأيام دُول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سَواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار».

قال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، لقوله تعالى: (وإن جندَنا لَهُمُ الغالِبُون)، وكانت يوم أُحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} يعني: إنما كانت هذه المُداولة ليعلم الله (أي: ليرى الله) الذين آمنوا فيمِيز المؤمن من المنافق، {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}، يُكرِّم أقواماً بالشهادة، {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٤١ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٤٢ وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ۝١٤٣ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٤

{وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: يُطهرهم من الذنوب، {وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، يُفنيهم ويُهلكهم، معناه: أنهم إن قتلوكم فهو تطهيرٌ لكم، وإن قتلتموهم فهو محقُهم واستئصالُهم.

{أَم حَسِبْتُمْ} أحسبتم؟ {أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ} [أي: ولم يعلم الله]، {ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ}.

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ}، وذلك أن قوماً منَ المسلمين تمنَّوا يوماً كيوم بدر ليقاتُلوا ويستشهدُوا فأراهم الله يوم أُحد، وقوله {تمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ} أي: سببَ الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه، {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ}؟ يعني: أسبابه. فإن قيل: ما معنى قوله {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}، بعد قوله: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ}؟ قيل: ذكره تأكيداً، وقيل: الرؤية قد تكون بمعنى العلم، فقال: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ليعلم، أن المراد بالرؤية النظر، وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلّى الله عليه وسلم.

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} قال أصحاب المغازي:

خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم حتى نزل بالشّعب من أُحد في سبعمائة رجل، وجعل عبدالله بن جُبير وهو أخو خَوات ابن جبير على الرّجالة، وكانوا خمسين رجلاً، وقال: أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنّا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أُرسل إليكم فإنّا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب

فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلم سيفاً فقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يُثخن» فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري، فلما أخذه اعتمّ بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إنّها لَمشيةٌ يبغضها الله تعالى إلاّ في هذا الموضع»، ففلق به هام المشركين، وحمل النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم

وروينا عن البراء بن عازب قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خَلاخِلهنَّ وأسوقهن رافعاتٍ ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمةَ والله لنأتينّ الناس فلَنُصيبنّ من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم.

وقال الزبير بن العوام: فرأيت هنداً وصواحباتها هارباتٍ مصعدات في الجبل، باديات خدامهن ما دون أخذهنّ شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلّى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورُباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ونهض رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر بين درعين، فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

أوْجَبَ طلحةُووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يجدعن الآذانَ والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتْها وحشياً وبقرتْ عن كبدة حمزة ولاكَتْها فلم تستطع أن تُسيغها فلفظتها، وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبي صلّى الله عليه وسلم، فَذَبَّ مُصعب بن عمير ــ وهو صاحب راية رسول الله صلّى الله عليه وسلم ــ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فرجع إلى المشركين وقال: إني قتلت محمداً وصاح صارخٌ ألا إنّ محمداً قد قُتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس، فانكفأ الناس، وجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يدعو الناس:إليَّ عبادَ الله (إليَّ عبادَ الله)، فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فَحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقتْ سية قوسه، ونثل له رسول الله صلّى الله عليه وسلم كنانته، وقال له: ارم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديداً النّزع كسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثاً، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول: انثْرها لأبي طلحة، وكان إذا رمى أشرف النبي صلّى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله، وأُصيبت يَدُ طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقََى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأُصيبت عينُ قتادة بن النعمان يومئذٍ حتى وقعت على وجنته، فردّها رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم أدركه أُبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يارسول الله ألا يعطف عليه رجل منّا؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: دعوهحتى إذا دَنَا منه، وكان أُبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فَرْقَ ذُرة أقتُلُكَ عليها، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: بل أنا أقتُلك إن شاء الله، فلما دنا منه تناول رسول الله صلّى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه، فخدشه خدشةً فتدهدأ عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فأخذه أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس، قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومُضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوماً حتى مات بموضع يقال له سَرِف.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن علي أنا أبو عاصم عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتدّ غضبُ الله على من قتله نبي واشتدّ غضبُ الله على من دَمَّى وجه رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

قالوا: وفشا في الناس أن محمداً قد قُتل فقال بعض المسلمين: ليتَ لنا رسولاً إلى عبد الله بن أُبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمداً قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عمُّ أنس بن مالك: ياقوم إن كان قُتل محمد فإن ربَّ محمد لم يُقتل وما تصعنون بالحياة بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومُوتُوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين، ثم شدّ بسفيه فقاتل حتى قُتل. ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم كعب ابن مالك، قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأشار إليّ أنِ اسكتْ، فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي صلّى الله عليه وسلم على الفِرار، فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائِنَا وأُمهاتِنا، أتَانَا الخبرُ بأنك قد قُتلت، فرُعبت قلوبُنا فولّينا مدبرين، فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}.

ومحمدٌ هو المستغرق لجميع المحامد، لأنّ الحمد لا يستوجبه إلا الكامل، والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم الله نبيَّه وصفيَّه باسمين مشتقين من اسمه جلّ جلاله (محمد وأحمد)، وفيه يقول حسان بن ثابت:

ألمْ ترَ أن الله أرسل عبدَهببرهانه والله أعلى وأمجدُوشقّ له من اسمه لِيُجلَّهفذو العرشِ محمودٌ وهذا محمد

قوله تعالى: {أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ} رَجعتُم إلى دينكم الأول، {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}، فيرتدّ عن دينه، {فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً}، بارتدادِه وإنّما يضرُّ نفسه، {وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ}.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ كِتَٰبًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَسَنَجْزِى ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٥

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ}، قال الأخفش: اللام في {لِنَفْسٍ} منقولة تقديره: وما كانت نفس لتموت، {إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ}، بقضائه الله وقدره، وقيل: بعلمه، وقيل: بأمره، {كِتَـٰباً مُّؤَجَّلاً} أي: كتَبَ لكل نفس أجلاً لا يقدر أحدٌ على تغييره وتأخيره، ونصب الكتاب على المصدر، أي: كتب كتاباً، {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} يعني: من يُرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له، كما قال:

{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ } [الإسراء: 18]، نزلتْ في الذين تركوا المركزَ يومَ أُحد طلباً للغنيمة، {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}، أي أراد بعمله الآخرة، قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قُتلوا. {وَسَنَجْزِى ٱلشَّـٰكِرِينَ}، أي: المؤمنين المطيعين.

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي أنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن المقرىء أنا أبي أنا الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

من كانت نيتُه طلبَ الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقرَ بين عينيه وشتّتَ عليه أمرَه، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له.»

أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن توبة الزرّاد أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجاني وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي قالا أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية ابن أسماء قال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرىءٍ ما نوى، فمن كانتْ هجرتُه إلى الله ورسولهِ فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانتْ هجرتُه إلى دنيا يُصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه».

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ۝١٤٦

قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}، قرأ ابن كثير {وكائن}، بالمد والهمزة على وزن فاعل، وتليين الهمزة أبو جعفر، وقرأ الآخرون {وَكَأَيِّن} بالهمز والتشديد على وزن كعين، ومعناه: وكم، وهي كاف التشبيه ضُمت إلى أي الاستفهامية، ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط إلاّ في هذا الحرف خاصة، ويقف بعض القراء على {وكأيّ} بلا نون، والأكثرون على الوقف بالنون، قوله {قَاتَلَ} قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف، وقرأ الآخرون {قَاتَلَ} فمن قرأ {قَاتَلَ} فلقوله: {فَمَا وَهَنُواْ} ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا، لقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبياً قُتل في القتال، ولأنّ {قَاتَلَ} أعم. قال أبو عبيدة: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قُتل داخلاً فيه، وإذا حمد من قُتل لم يدخل فيه غيرهم، فكان {قَاتَلَ} أعم. ومن قرأ {قُتل} فله ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون القتل راجعاً إلى النبي وحده، فيكون تمام الكلام عند قوله {قتل}، ويكون في الآية إضمار معناه: ومعه ربيون كثير، كما يقال: قتل فلان معه جيش كثير، أي: ومعه. والوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين، ويكون المراد: بعض من معه، تقول العرب قتلنا بني فلان، وإنما قتلوا بعضَهم، ويكون قوله {فَمَا وَهَنُواْ} راجعاً إلى الباقين. والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير. وقوله {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: جموع كثيرة، وقال ابن مسعود: الربيون الألوف، وقال الكلبي الرَّبِّيةُ الواحدة: عشرة آلاف، وقال الضحاك: الربية الواحدة: ألف، وقال الحسن: فقهاء علماء وقيل: هم الأتباع، والربانيون الولاة، والربيون الرعية، وقيل: منسوب إلى الرب وهم الذين يعبدون الرب، {فَمَا وَهَنُواْ} أي: فما جَبُنُوا، {لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ}، عن الجهاد بما نالهم من ألمِ الجراح، وقَتْلِ الأصحاب.{وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} قال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم، وقال السدي: وما ذلوا، قال عطاء وما تضرعوا، وقال أبو العالية: وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمرِ رَبّهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ}.

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٤٧ فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٤٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَٰسِرِينَ ۝١٤٩ بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ۝١٥٠

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ }، نصب على خبر كان، والاسم في أن قالوا، ومعناه: وما كان قولهم عند قتل نبيهم، {إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أي: الصغائر، {وَإِسْرَافَنَا فِىۤ أَمْرِنَا}، أي: الكبائر، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا}، كي لا تزول، {وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، يقول فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك بأصحاب محمد. {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا}، النصرة والغنيمة، {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ}، الأجر والجنة، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}.

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: اليهود والنصارى، وقال علي رضي الله عنه، يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم. {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ}، يُرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله، {فَتَنقَلِبُواْ خَـٰسِرِينَ}، مغبونين.

ثم قال: {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ}، ناصرُكم وحافظُكم على دينكم، {وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـٰصِرِينَ}

سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٥١ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥٓ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنۢ بَعْدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٥٢

{سنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كفرُوا ٱلرُّعْبَ} وذلك أنّ أبا سفيان والمشركين لمّا ارتحلوا يوم أُحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق، ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاسْتَأصِلُوهم، فلمّا عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرُّعب، حتى رجعوا عمّا همُّوا به. سنُلقي أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب، الخوف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب {ٱلرُّعْبَ} بضم العين، وقرأ الآخرون بسكونها، {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً} حُجةً وبُرهاناً، {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، مقام الكافرين.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} قال محمد بن كعب القرظي: لمّا رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أُحد، وقد أصابهم ما أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر، فأنزل الله تعالى:

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} بالنصر والظفر، وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، وذلك

"أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم جعل أُحداً خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين، وهو جبل، عن يساره وأقام عليه الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جُبير، وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غَنِمْنَا فلا تُشْرِكُونا وإن رأيتمونا نُقتل فلا تَنْصُرونا، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل، والمسلمون يضربونهم بالسيوف، حتى ولّوا هاربين".

فذلك قوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أي تقتلونهم قتلاً ذريعاً بقضاء الله. قال أبو عبيدة: الحسُّ: هو الاستئصال بالقتل. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} أي: إن جَبنتُم، وقيل: معناه فلما فشلتم، {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ}، والواو زائدة في {وَتَنَـٰزَعْتُمْ} يعني: حتى إذا فشلتم تنازعتم، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فَشِلْتُم.

ومعنى التنازع الاختلاف. وكان اختلافهم أنّ الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون، فقال بعضهم: انهزم القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة، وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمرَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وثبت عبد الله بن جُبير في نفر يسير دون العشرة. فلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دَبُوراً بعد ما كانتْ صَبَاً، وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضاً ما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس أن محمداً قد قُتل، وكان ذلك سبب الهزيمة المسلمين.

قوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ} يعني: الرسول صلّى الله عليه وسلم وخالفتُم أمره، {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ}، الله {مَّا تُحِبُّونَ} يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة، {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}، يعني: الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}، يعني: الذين ثبتُوا مع عبد الله بن جُبير حتى قُتلوا، قال عبد الله بن مسعود: ما شعرتُ أن أحداً من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم يُريد الدنيا حتى كان يوم أُحد، ونزلت هذه الآية {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ}، أي: ردّكم عنهم بالهزيمة، {لِيَبْتَلِيَكُمْ}، ليمتحنكم، وقيل: ليُنزل البلاء عليكم {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}، فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ۝١٥٣

{إِذْ تُصْعِدُونَ} يعني: ولقد عفا عنكم إذ تُصْعِدُون هاربين، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمي والحسن وقتادة {تَصعَدون} بفتح التاء والعين، والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين. والإِصعاد: السيرُ في مستوى الأرض، والصُّعود: الارتفاع على الجبال والسطوح، قال أبو حاتم: يقال أصعدتَ إذا مضيت حيال وجهك، وصعدتَ إذا ارتقيتَ في جبل أو غيره، وقال المبرد: أصعد إذ أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من المنهزمين مُصعد وصاعد، وقال المفضل: صعد وأصعد وصعَّد بمعنى واحد. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} أي: لا تعرجون ولا تقيمون على أحد، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىۤ أُخْرَاكُمْ} أي: في آخركم ومن ورائكم إليَّ عبادَ الله فأنا رسول الله من يكرُّ فله الجنة، {فَأَثَـٰبَكُمْ}، فجازاكم، جعل الإِثابة بمعنى العقاب، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب، كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} جعل البشارة في العذاب، ومعناه: جعل مكان الثواب الذين كنتم ترجون {غَمّاً بِغَمٍّ}، وقيل: الباء بمعنى على، أي: غماً على غمٍّ، وقيل: غماً متصلاً بغمٍّ، فالغمُّ الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني: ما سمعوا أن محمداً صلّى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغمَّ الأول. وقيل: الغم الأول: إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم الثاني: حين أشرف عليهم أبو سفيان،"وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه وأراد أن يرميه، فقال: أنا رسول الله، ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وفرح النبي صلّى الله عليه وسلم حين رأى أنّ في أصحابه من يمتنع، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قُتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه، حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم أهمّهمْ ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا اللّهم إن تقتل هذه العصابة لا تُعبد في الأرض، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم".

وقيل: إنهم غَمّوا الرسولَ بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغمِّ غمَّ القتل والهزيمة. قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ}، من الفتح والغنيمة، {وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} أي: ولاَ على ما أصابكم من القتل والهزيمة، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنۢ بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلْأَمْرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِىٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١٥٤

{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ}، يا معشر المسلمين، {مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} يعني: أمناً، والأمْنُ والأَمَنَةُ بمعنى واحد، وقيل: الأمْنُ يكون مع زوال سبب الخوف، والأَمَنَةُ مع بقاء سبب الخوف، وكان سبب الخوف هنا قائماً، {نُّعَاساً}، بدل من الأَمَنة {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} قرأ حمزة والكسائي {تَغْشَى} بالتاء ردّاً إلى الأَمَنَة، وقرأ الآخرون بالياء ردّاً إلى النُّعاس. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمّنهم يومئذ بنُعاس يغشاهم، وإنّما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أنا حسين بن محمد أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال:

غَشَيَنَا النّعاسُ ونحن في مصافّنا يوم أُحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط وآخذه.

وقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أُحد فجعلتُ ما أرى أحداً من القوم إلاّ وهو يميل تحت جُحفتِه من النّعاس.

وقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين اشتدّ علينا الحرب، أرسل الله علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلاّ كالحلم، يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

فذلك قوله تعالى: {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} يعني: المؤمنين، {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}، يعني: المنافقين: قيل: أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين، فأوقع النّعاسَ على المؤمنين حتى أمِنُوا، ولم يُوقع على المنافقين، فبقوا في الخوف وقد أهمّتْهم أنفسُهم، أي: حملتهم على الهَمِّ يقال: أمرٌ مهمٌّ. {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أي: لا ينصر محمداً، وقيل: ظنوا أن محمداً صلّى الله عليه وسلم قد قُتل، {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} أي: كظنّ أهل الجاهلية والشرك، {يَقُولُونَ هَل لَّنَا}: ما لنا، لفظهُ استفهام ومعناه: حَجْدٌ، {مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْءٍ} يعني: النصر، {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في {لله} وقرأ الآخرون بالنصب على البدل، وقيل: على النعت. {يُخْفُونَ فِىۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا}، وذلك أن المنافقين، قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمدٍ إلى قتال أهل مكة ولم يُقتل رؤساؤُنا، وقيل: لو كنّا على الحق ما قُتلنا هاهنا. قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: يظنون بالله غيرَ الحق ظنَّ الجاهلية، يعني: التكذيب بالقدر، وهو قولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا}، {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ}، قُضِيَ، {عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ}، مصارعهم، {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ}، وليمتحن الله، {مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ}، يُخرج ويُظهر {مَا فِى قُلُوبِكُمْ، وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، بما في القلوب من خير وشر.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ۝١٥٥

{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ} أي انهزموا، {مِنكُمْ}، يامعشرَ المسلمين، {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ}، جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أُحد، وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبقَ مع النبي صلّى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلاً ستة من المهاجرين: وهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي: طلب زلّتهم، كما يقال: استعجلت فلاناً إذا طلبت عجلته، وقيل: حملهم على الزّلّةَ وهي الخطيئة، وقيل: أزلَّ واستزلَّ بمعنى واحد، {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}، أي: بشُؤْم ذُنوبهم، قال بعضهم: بتركهم المركز، وقال الحسن: ما كسبوا هو قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة، {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُوا۟ غُزًّى لَّوْ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١٥٦ وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ۝١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ ۝١٥٨ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ۝١٥٩

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: المنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه، {وَقَالُواْ لإِخْوَٰنِهِمْ}، في النفاق والكفر، وقيل: في النسب، {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: سافروا فيها لتجارةٍ أو غيرها، {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أي: غُزاةً جمعُ غازٍ فَقُتلُوا، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ} يعني: قولهم وظنهم، {حَسْرَةً} غمّاً {فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {يعملون} بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء.

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} قرأ نافع وحمزة والكسائي {مُتُّمْ} بكسر الميم، وقرأ الآخرون بالضم، فمن ضمه فهو من مات يموت، كقولك: من قال يقول قلت، بضم القاف، ومن كسره فهو من مات يمات، كقولك من خاف يخاف: خِفتُ، {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ}، في العاقبة، {وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}، من الغنائم، قراءة العامة {تجمعون} بالتاء، لقوله {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} وقرأ حفص عن عاصم {يجمعون} بالياء، يعني: خير مما يجمع الناس.

{وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ}، في العاقبة.

قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي: فبرحمةٍ من الله، و{ما} صلة، كقوله (فَبِمَا نَقْضِهِمْ) {لِنْتَ لهُم} أي: سَهُلت لهم أخلاقُك، وكثرةُ احتمالك، ولم تُسرعْ إليهم فيما كان منهم يوم أُحد، {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً} يعني: جافياً سيِّء الخُلُق قليل الاحتمال، {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ}، قال الكلبي: فظَّاً في القول غليظ القلب في الفعل، {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}، أي: لنفرُوا وتفرقُوا عنك، يقال: فضضتُهم فانفضُّوا، أي فرقتُهم فتفرقُوا {فَٱعْفُ عَنْهُمْ}، تجاوزْ عنهم ما أتوا يوم أُحد، {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} حتى أشفّعكَ فيهم، {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أي: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم، من قول العرب: شُرتُ الدابة، وشَورتُها، إذا استخرجتُ جريَها، وشرتُ العسلَ وأشرتُه إذا أخذتُه من موضعه، واستخرجتُه. واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلّى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه، ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبٌّوا وكرِهُوا. فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى عهد، قال الكلبي: يعني ناظرْهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو. وقال مقاتل وقتادة: أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييباً لقلوبهم، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم. وقال الحسن: قد علم الله عزّ وجلّ أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستنّ به مَن بعده.

أخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي: أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ما هان أخبرني أبي أخبرنا طلحة بن زيد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت:

ما رأيتُ رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلّى الله عليه وسلم».

قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} لا على مشاورتهم، أي: قُمْ بأمر الله وثقْ به واستعنه، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ}.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ