انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 78–103

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝٧٨ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۝٧٩

قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا} يعني: من أهل الكتاب لفريقاً، أي: طائفة، وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحييّ بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمر الشاعر، {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَـٰبِ} أي: يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير، وهو ما غيّروا من صفة النبي صلّى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، يُقال: لوَى لسانه على كذا أي: غيّره، {لِتَحْسَبُوهُ} أي: لتظنوا ما حرفوا {مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، الذي أنزله الله تعالى، {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَـٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ} عمداً، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، أنهم كاذبون، وقال الضحاك عن ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعاً وذلك أنهم حرَّفوا التوراة والإِنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه.

قوله تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَابَ} الآية، قال مقاتل والضحاك: ما كان لبشرٍ يعني: عيسى عليه السلام، وذلك أن نصارى نجران كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربّاً فقال تعالى: (ما كان لبشر) يعني: عيسى (أن يُؤتيَه الله الكتاب) الإِنجيل. وقال ابن عباس وعطاء: (ما كان لبشر) يعني محمداً (أن يُؤتيَه الله الكتاب) أي القرآن،

"وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود، والرئيس من نصارى أهل نجران قالا: يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربّاً فقال: معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك أمرني الله، ولا بذلك أمرني"، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (ما كان لبشر) أي ما ينبغي لبشر، كقوله تعالى: { مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا }[النور: 16] أي ما ينبغي لنا، والبشر: جميع بني آدمَ لا واحد له من لفظه، كالقوم والجيش، يوضع موضع الواحد والجمع، {أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ}، الفهم والعلم، وقيل: إمضاء الحكم عن الله عزّ وجلّ، {وَٱلنُّبُوَّةَ}، المنزلة الرفيعة بالأنبياء، {يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُواْ} أي: ولكن يقول كونُوا، {رَبَّـٰنِيِّينَ}. واختلفوا فيه، قال علي وابن عباس والحسن: كونوا فقهاء علماء، وقال قتادة: حكماء علماء، وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: فقهاء مُعلّمين. وقيل: الرباني الذي يُربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه، قال أبو عبيدة: سمعت رجلاً عالماً يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: الربانيون فوق الأحبار، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرّج:

كونوا ربانيين تدينون لربكم.

من الربوبية، كان في الأصل رَبيٌ، فأدخلت الألف للتفخيم، ثم أُدخلت النون لسكون الألف، كما قيل: صنعانيُّ وبهراني. وقال المبرد: هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها، وكل من قام بإصلاح الشيء وإتمامه فقد ربَّه يربه، واحدها: «ربان»(كما قالوا: ريان) وعطشان وشبعان وعُريان، ثم ضُمت إليه ياء النسبة، كما قالوا: لحياني ورقباني. وحُكي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو الذي يَربَّ علمه بعمله، قال محمد بن الحنفية لما مات ابن عباس: اليوم مات ربانيّ هذه الأمة. {بِمَا كُنتُمْ}، أي: بما أنتم، كقوله تعالى:

{ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً }[مريم: 29]، أي: من هو في المهد {تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي (تعلِّمُون) بالتشديد من التعليم، وقرأ الآخرون (تعلَمُون) بالتخفيف من العلم، كقوله: {وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} أي: تقرؤن.

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝٨٠ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوٓا۟ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ۝٨١

قوله: {وَلاَ يَأْمُرَكُمْ}، قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بنصب الراء عطفاً على قوله: ثم يقول، فيكون مردوداً على البشر، أي: ولا يأمرَ ذلك البشر، وقيل: على إضمار «أن» أي: ولا أن يأمرَكم ذلك البشر، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف، معناه: ولا يأمرُكم الله، وقال ابن جريج وجماعة: ولا يأمرُكم محمد، {أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا}، كفعل قريش والصابئين حيث قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح وعُزير ما قالوا، {أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ}، قاله على طريق التعجب والإِنكار، يعني: لا يقول هذا.

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} قرأ حمزة {لَمَآ} بكسر اللام، وقرأ الآخرون بفتحها، فمن كسر اللام فهي لام الإِضافة دخلت على ما، ومعناه الذي يريد للذي آتيتكم، أي: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتاهم من الكتاب والحكمة يعني، أنهم أصحاب الشرائع، ومَنْ فتح اللام فمعناه: للذي آتيتكم، بمعنى الخبر، وقيل: بمعنى الجزاء، أي: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم، وجواب الجزاء قوله {لَتُؤْمِنُنَّ}. قوله: {لَمَآ ءَاتَيْتُكُم} قرأ نافع وأهل المدينة (آتيناكم) على التعظيم كما قال:

{ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً }[النساء: 163] { وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً }[مريم: 12] وقرأ الآخرون بالتاء لموافقة الخط، ولقوله: {وَأَنَاْ مَعَكُمْ}. واختلفوا في المَعْنِيِّ بهده الآية: فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصةً أن يُبلِّغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، وأن يُصدّق بعضهم بعضاً وأخذ العهد على كل نبي أن يُؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء، وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه أن يأمر قومَه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلّى الله عليه وسلم. (وقال الآخرون: بما أخذ الله الميثاق منهم في أمر محمد صلّى الله عليه وسلم)، فعلى هذا اختلفوا: فمنهم من قال: إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسَل منهم النبيين، وهذا قول مجاهد والربيع، ألا ترى إلى قوله {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}، وإنما كان محمد صلّى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى أهل الكتاب دون النبيين، يدل عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب {وإذْ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب}، وأما القراءة المعروفة (وإذْ أخذ الله ميثاق النبيين) فأراد: أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يُؤمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلم ويُصدّقوه وينصروه، إن أدركوه. وقال بعضهم: أراد أخذ الله الميثاق على النبيين، وأممهم جميعاً في أمر محمد صلّى الله عليه وسلم، فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد على الأَتباع، وهذا معنى قول ابن عباس، وقال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبياً، آدمَ ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد، وأخذ العهد على قومه ليؤمِنُنَّ به، ولئن بُعث وهم أحياء لَيَنْصُرنَّه. قوله: {ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ}، يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلم، {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ}، يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج، وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلّى الله عليه وسلم، قال {ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِى}، أي: قبلتم على ذلكم عهدي، والإِصر: العهد الثقيل، {قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ}، الله تعالى: {فَٱشْهَدُواْ} أي: فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم،{وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ}، عليكم وعليهم، وقال ابن عباس: فاشهدوا، أي: فاعلموا، وقال سعيد بن المسيب قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم، كنايةً عن غير مذكور.

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝٨٢

قوله تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ}، الإقرار، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ}، العاصون الخارجون عن الإِيمان.

أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُۥٓ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ۝٨٣ قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ۝٨٤ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٨٥ كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ وَشَهِدُوٓا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٨٦ أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ۝٨٧ خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝٨٨ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٨٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْدَ إِيمَٰنِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ۝٩٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٩١

قوله عزّ وجلّ: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ}، وذلك أنّ أهل الكتاب اختلفوا فادّعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقضى النبي صلّى الله عليه وسلم:

كِلاَ الفريقين بريء من دين إبراهيم عليه السلام، فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ}، قرأ أبو جعفر وأهل البصرة وحفص عن عاصم {يَبْغُونَ} بالياء لقوله تعالى {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى {لَمَآ ءَاتَيْتُكُم}، {وَلَهُ أَسْلَمَ}، خضع وانقاد، {مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}، فالطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقة وإباءٍ من النفس.

واختلفوا في قوله: «طوعاً وكرهاً» قال الحسن: أسلم أهل السموات طوعاً وأسلم من في الأرض بعضهم طوعاً وبعضهم كرهاً، خوفاً من السيف والسبي، وقال مجاهد: طوعاً المؤمن، وكرهاً ذلك الكافر، بدليل:

{ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ } [الرعد: 15] وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال لهم: { أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، فقال بعضهم: طوعاً وبعضهم: كرهاً، وقال قتادة: المؤمن أسلم طوعاً فنفعه، والكافر أسلم كرهاً في وقت اليأس فلم ينفعه، قال الله تعالى: { فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا }[غافر: 85] وقال الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم، كما قال الله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ }[العنكبوت: 65].

وقال الكلبي: طوعاً الذي (وُلد) في الإِسلام، وكرهاً الذين أُجبروا على الإِسلام ممن يُسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}، قرأ بالياء حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ {يَبْغُونَ} بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما إلا أبو عمرو فإنه قرأ {يبغون} بالياء و{ترجعون} بالتاء، قال: لأن الأول خاص والثاني عام، لأن مرجع جميع الخلق إلى الله عزّ وجلّ.

قوله تعالى: {قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها، ثم أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقول: «آمنا بالله» الآية.

قوله: {ومَنْ يَبْتَغِ غيرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، نزلت في اثني عشر رجلاً ارتدّوا عن الإِسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً، منهم الحارث بن سويد الأنصاري، فنزل فيهم {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.

{كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} لفظة استفهام ومعناه جحد، أي: لا يهدي الله، وقيل معناه: كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب {وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

{أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}.

{خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} وذلك: أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم: هل لي من توبة ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى:

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لما كان منه، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه فقال الحارث: إنك - والله - ما علمت لصدوق وإن رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عزّ وجلّ لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة فأسلم وحسن إسلامه.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً} قال قتادة والحسن: نزلت في اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإِنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد صلّى الله عليه وسلم والقرآن. وقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلّى الله عليه وسلم لمّا رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادُوا كفراً، يعني: ذنوباً في حال كفرهم. قال مجاهد: نزلت في جميع الكفار أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ثم ازدادُوا كفراً أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. قال الحسن: ازدادُوا كفراً كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادُوا كفراً وقيل: ازدادُوا كفراً بقولهم: نتربص بمحمد ريبَ المنون. قال الكلبي: نزلت في الأحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد، لما رجع الحارث إلى الإِسلام أقاموا هم على الكفر بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدَا لنَا فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتح رسول الله صلّى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإِسلام قُبلت توبتُه، ونزل فيمن مات منهم كافراً {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} الآية.

فإن قيل: قد وعد الله قبول توبة من تاب، فما معنى قوله: {لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ}؟ قيل: لن تُقبل توبتُهم إذا (رجعوا في حال المعاينة)، كما قال:

{ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ }[النساء: 18]. وقيل: هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أمسكوا عن الإِسلام، وقالوا: نتربص بمحمد فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، فلن يقبل منهم ذلك لأنهم متربصون غير محققين، وأولئك هم الضالون.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأرْضِ}، أي: قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها، {ذَهَبًا}، نصب على التفسير، كقولهم: عشرون درهماً. {وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}، قيل: معناه لو افتدى به، والواو زائدة مقحمة، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ}.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن بشار أخبرنا غندر أخبرنا شعبة عن أبي عمران قال: سمعتُ أنس بن مالك:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

يقول الله لأهونِ أهل النار عذاباً يوم القيامة: لو أنّ لكَ ما في الأرض من شيء أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردتُ منك أهونَ من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي».

لَن تَنَالُوا۟ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا۟ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ۝٩٢

قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} يعني: الجنة، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: التقوى، وقيل: الطاعة، وقيل: الخير، وقال الحسن: لن تكونوا أبراراً.

أخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

عليكم بالصدقِ، فإنّ الصدق يهدي إلى البِرَّ، وإنّ البرَ يهدي إلى الجنة، وما يزالُ الرجلُ يصدقُ ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتبَ عندَ الله صديقاً، وإياكم والكذبَ فإنّ الكذبَ يهدي إلى الفجورِ وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزالُ الرجلُ يكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتبَ عند الله كذّاباً.»

قوله تعالى: {حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} أي: من أحبِّ أموالِكم إليكم، روى الضحاك عن ابن عباس: أن المراد منه أداء الزكاة. وقال مجاهد والكلبي: هذه الآية نسختها آية الزكاة، وقال الحسن: كل إنفاق يبتغي به المسلمُ وجهَ الله حتى الثمرة ينال به هذا البِّر، وقال عطاء: لن تنالوا البِّر أي: شرفَ الدين والتقوى حتى تتصدقُوا وأنتم أصحاء أشحاء.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول:

"كان أبو طلحة الأنصاري أكثر أنصاريّ بالمدينة مالاً وكان أحب أمواله إليه بِيْرُحَاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طَيِّبٍ، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه: (لن تنالوا البِّر حتى تُنفقوا ممّا تُحبون) وإنّ أحب أموالي إليَّ بيرُحاء، وإنها صدقة أرجو بِرَّها وذُخرَها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: بخٍ بخٍ ذلك مالٌ رابح. أو قال: ذلك مال رابح وقد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة أفعلُ يا رسول الله فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه."

وروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فُتحتْ فدعا بها فأعجبته، فقال عمر: إن الله عزّ وجلّ يقول: {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} فأعتقها عمر.

وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: خطرتْ على قلب عبد الله بن عمر هذه الآية {لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} قال ابن عمر: فذكرتُ ما أعطاني الله عزّ وجلّ، فما كان شيء أعجب إليّ من فلانة، هي حرّةٌ لوجه الله تعالى، ولولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها.

{وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}، أي: يعلمه ويجازي به.

كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝٩٣

قوله تعالى: {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَٰءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاةُ} سبب نزول هذه الآية:

"أن اليهود قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: تزعم أنك على مِلّة إبراهيم؟ وكان إبراهيم لا يأكل لحُوم الإِبل وألبانها وأنت تأكلها، فلستَ على مِلّته!، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كان ذلك حلالاً لإِبراهيم عليه السلام»، فقالوا: كلُّ ما نحرمُه اليومَ كان ذلك حراماً على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا"، فأنزل الله تعالى هذه الآية {كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} يريد: سِوَى الميتة والدم، فإنه لم يكن حلالاً قط. {إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} وهو يعقوب عليه السلام {مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَاة}، يعني: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإِبل وألبانها على إبراهيم، بل كان الكلُّ حلالاً له ولبني إسرائيل، وإنما حرّمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة، يعني: ليست في التوراة حرمتُها.

واختلفوا في الطعام الذي حرّمه يعقوب على نفسه وفي سببه، قال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام: لحمان الإِبل وألبانها،

ورُوي أن يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سُقْمُه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإِبل وأحب الشراب إليه ألبانها، فحرّمهما. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: هي العروق. وكان السبب في ذلك أنه اشتكى عرق النَّسا وكان أصل وجعه، فيما روي جُويبر ومقاتل عن الضحاك: أن يعقوب كان نذر إن وهبه الله اثني عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم، فتلقاه ملَك [من الملائكة]، فقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع، فعالجه فلم يصرعْ واحدٌ منهما صاحبَه، فغمزه الملَك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك، ثم قال له: أمَا إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبحت آخر ولدك، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجاً، فلما قدمها يعقوب أراد ذبح ولده ونسي قول الملك، فأتاه الملَكُ وقال: إنما غمزتك للمخرج وقد وُفي نذرُك فلا سبيل لك إلى ولدك.

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو: وكان رجلاً بطيشاً قوياً فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه، فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ويعقوب عليه السلام ينظر إليه، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاءً وشدةً، وكان لا ينام بالليل من الوجع، ويبيت وله زقاء، أي: صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق، فحرمه على نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق، يخرجونها من اللحم.

وروى جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس: لمّا أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإِبل فحرمها يعقوب على نفسه.

وقال الحسن: حرّم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبداً لله تعالى: فسأل ربَّه أن يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده.

ثم اختلفوا في هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة، وقال السدي: حرّم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها، وقال عطية: إنما كان محرّماً عليهم بتحريم إسرائيل فإنه كان قد قال: لئن عافاني الله لا يأكله لي ولدٌ، ولم يكن محرّماً عليهم في التوراة، وقال الكلبي: لم يحرمه الله (عليهم) في التوراة وإنما حُرم عليهم بعد التوراة بظلمهم، كما قال الله تعالى:

{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } [النساء: 160] وقال الله تعالى: {وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ}، إلى أن قال: { ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ }[الأنعام: 146]، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنباً عظيماً حرّم الله عليهم طعاماً طيباً أو صبّ عليهم رِجْزاً وهو الموت.

وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حراماً عليهم ولا حرمه الله في التوراة، وإنما حرموه على أنفسهم اتّباعاً لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله، فكذّبهم الله عزّ وجلّ، فقال: {قُلْ} يا محمد {فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا}، حتى يتبين أنه كما قلتم، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، فلم يأتوا.

فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٩٤ قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُوا۟ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٩٥ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَٰلَمِينَ ۝٩٦ فِيهِ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٩٧

فقال الله عزّ وجلّ: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}.

{قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}، وإنما دعاهم إلى اتباع ملةَِ إبراهيم لأن في اتباع ملة إبراهيم اتباعُه صلّى الله عليه وسلم.

قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}، سبب [نزول هذه الآية] أن اليهود قالوا للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة، وأقدم وهو مَهاجر الأنبياء، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ}.

{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}، وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس. واختلف العلماء في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ}، فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق [السماء] والأرض، خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زَبْدَةً بيضاءَ على الماء فدُحيت الأرض من تحته، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقال بعضهم: هو أول بيت بني في الأرض، روي عن علي بن الحسين: أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتاً على مثاله وقدره، فبنوه واسمه الضراح، وأمر مَنْ في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. ورُوي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم قالت الملائكة: بِرَّ حجك يا آدم، حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، ويُروى عن ابن عباس أنه قال: أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، وقيل: هو أول بيت مبارك وضع [في الأرض] هدىً للناس، يروى ذلك عن علي بن أبي طالب، قال الضحاك: أول بيت وُضع فيه البركة، وقيل: أول بيت وضع للناس يُحجّ إليه. وقيل: أول بيت جعل قبلةً للناس. وقال الحسن والكلبي: معناه: أول مسجدٍ ومتعَبّدٍ وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى: (في بيوت أذِنَ الله أن تُرفع) يعني المساجد.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد أنا الأعمش أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال سمعتُ أبا ذرٍ يقول:

قلت: يا رسول الله أيُّ مسجد وُضع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتْكَ الصلاةُ بعدُ فصلِّ فإن الفضل فيه.»

قوله تعالى: {لَلَّذِى بِبَكَّةَ} قال جماعة: هي مكة نفسها، وهو قول الضحاك، والعرب تعاقب بين الباء والميم، فتقول: سَبَّدَ رأسه وسمَّده، وضربة لازبٍ ولازم، وقال الآخرون: بكة موضع البيت ومكة اسم للبلد كله. وقيل: بكة موضع البيت والمطاف، سميت بكة: لأن الناس يتباكون فيها، أي يزدحمون يبك بعضُهم بعضاً ويصلي بعضهم بين يدي بعض ويمر بعضهم بين يدي بعض. وقال عبد الله بن الزبير: سُميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله. وأما مكة سميت بذلك لقلة مائها، من قول العرب: مَكَّ الفصيل ضِرْعَ أمه وأمتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بها. {مُبَارَكاً} نصب على الحال، أي: ذا بركة {وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ} لأنه قبلة للمؤمنين {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ} قرأ ابن عباس {آية بينة} على الوحدان، وأراد مقام إبراهيم وحده، وقرأ الآخرون {آيات بينات} بالجمع، فذكر منها مقام إبراهيم [وهو الحجر] الذي قام عليه إبراهيم، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، ومن تلك الآيات: الحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها، وقيل: مقام إبراهيم جميع الحرم، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه، وأن الجارحة إذا قصدت صيداً فإذا دخل الصيدُ الحرم كفتْ عنه، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار، وإن الطاعة والصدقة فيها تُضاعف بمائة ألف.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري أنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الأغرّ عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة، فيما سواه إلا المسجد الحرام.»

قوله عزّ وجلّ: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً} من أن يحاج فيه، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: رب اجعلْ هذا بلداً آمناً، وكانت العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة، وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى:

{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }[العنكبوت: 67]، وقيل: المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان آمناً، كما قال تعالى: { لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ }[الفتح: 27] وقيل: هو خبر بمعنى الأمر تقديره: ومن دخله فأمّنُوه، كقوله تعالى: { فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ } [البقرة: 197]، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه القتل قصاصاً أو حداً فالْتجأ إلى الحرم فلا يُستوفَى منه فيه، ولكنّه [لا يُطعم] ولا يُبايع ولا يُشارى حتى يخرج منه، فيقتل، قاله ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع يُستوفى فيه أما إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفي فيه عقوبته بالاتفاق. وقيل: معناه من دخله معظّماً له متقرّباً إلى الله عزّ وجلّ كان آمناً يوم القيامة من العذاب. قوله عزّ وجلّ: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، أي: ولله فرضٌ واجبٌ على الناسِ حجُّ البيت، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص {حِجُّ ٱلْبَيْتِ} بكسر الحاء في هذا الحرف خاصةً، وقرأ الآخرون بفتح الحاء، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد. والحج أحد أركان الإِسلام.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن موسى أنا حنظلة بن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحج، وصومِ رمضانَ.»

قال أهل العلم: ولِوُجوب الحج خمسُ شرائط: الإِسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون، ولو حجا بأنفسهما لا يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم [لفعل] المجنون، ولا يجب على الصبي ولا على العبد، ولو حج صبي يعقل، أو عبد يصح حجهما تطوعاً لا يسقط به فرض الإِسلام عنهما فلو بلغ الصبي، أو عُتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه شرائط [وجوب] الحج، وجب عليه أن يحج ثانياً، ولا يجب على غير المستطيع، لقوله تعالى: {مَنِ ٱسْتَطَـٰعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض الإِسلام. والاستطاعة نوعان، أحدهما: أن يكون قادراً مستطيعاً [بنفسه]، والآخر: أن يكون مستطيعاً بغيره، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادراً بنفسه على الذهاب ووَجَد الزادَ والراحلة،

أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال: قعدنا إلى عبد الله ابن عمر فسمعته يقول:

" سأل رجل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: ما الحاج؟ قال: «الشعث التفل»، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله، أيّ الحِج أفضل؟ قال: «العجُّ والثج»، فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: «زادٌ وراحلة»."

وتفصيله: أن يجدَ راحلةً تصلح لمثله، ووجدَ الزادَ للذهاب والرجوع، فاضلاً عن نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وعن دَيْنٍ يكون عليه، ووجد رفقة يخرجُون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج في ذلك الوقت، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن يقطعوا كل يوم أكثر من مرحلة لا يلزمهم الخروج [في ذلك الوقت]، ويشترط أن يكون الطريق آمناً، فإن كان فيه خوف من عدوٍ مسلمٍ أو كافرٍ أو رَصْدِيّ يطلب شيئاً لا يلزمه، ويُشترط أن تكون المنازل المأهولة معمورة يجد فيها الزاد والماء، فإن كان زمانَ جُدوبةٍ تُفرّق أهلها أو غارتْ مياهها، فلا يلزمه ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على المشي، أو لم يجد الزاد ولكن يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج، ويستحب لو فعل، وعند مالك يلزمه. أما الاستطاعة بالغير هو: أن يكون الرجل عاجزاً بنفسه، بأن كان زَمِناً أو به مرض غير مرجو الزوال، لكن له مال يمكِّنه أن يستأجر من يحج عنه، يجب عليه أن يستأجر، أو لم يكن له مال لكن بذلَ له ولدهُ أو أجنبيٌ الطاعةَ في أن يحج عنه، يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمدُ صِدقَه، لأن وجوب الحج [يتعلق] بالاستطاعة، ويقال في العرف: فلان مستطيع لبناء دار وإن كان لا يفعله بنفسه، إنما يفعله بماله أو بأعوانه. وعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة، وعند مالك لا يجب على المغصوب في المال. وحُجّةُ من أوجبه ما

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس أنه قال:

كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلّى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خَثْعَم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم».

قوله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ}، قال ابن عباس والحسن وعطاء: جَحَدَ فَرْضَ الحج، وقال مجاهد: من كفر بالله واليوم الآخر. وقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب. وقال السدي: هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفرٌ به،

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن الكَلَمَاتي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر، أخبرنا سهل بن عمار أخبرنا يزيد بن هرون أخبرنا شريك عن ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أُمامة:

أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

من لم تَحْبِسْه حاجةٌ ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر، ولم يحجَّ فليمتْ إنْ شاء يهودياً وإنْ شاء نصرانياً».

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ۝٩٨ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۝٩٩

قوله تعالى: {قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ}.

{قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: لم تصرفون عن دين الله، {مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا} تطلبونها، {عِوَجاً} زيغاً وميلاً، يعني: لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجاً؟ قال أبو عبيدة: العِوج ـ بالكسر ـ في الدينِ والقولِ والعملِ، والعَوَجُ ـ بالفتح ـ في الجدار، وكل شخص قائم، {وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [أن في التوراة مكتوباً] نعت محمد صلّى الله عليه وسلم وإن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ ۝١٠٠

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}،

قال زيد بن أسلم: إن شاسَ بنَ قيسٍ اليهودي ـ وكان شيخاً عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين ـ مرَّ على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإِسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، قال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شاباً من اليهود كان معه فقال: اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بُعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل وتكلم فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين على الرُّكَب، أوسُ بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاحَ السلاحَ موعدكم الظاهرة، وهي حرة فخرجوا إليها، وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم فخرج إليهم فمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال صلّى الله عليه وسلم: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذْ أكرمكم الله بالإِسلام، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، وألّف بينكم؟ ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً، الله الله!! فعرف القوم أنها نزغةٌ من الشيطان وكيدٌ من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية {يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ} قال جابر: فما رأيت قط يوماً أقبح أولاً، وأحسن آخراً من ذلك اليوم.

ثم قال الله تعالى على وجه التعجب: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ}.

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُۥ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝١٠١

{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} يعني: ولِمَ تكفرون؟ {وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ}، القرآن، {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ}، محمد صلّى الله عليه وسلم. قال قتادة: في هذه الآية علمان بيِّنان: كتابُ الله ونبيُّ الله، أمّا نبي الله فقد مضَى، وأمّا كتاب الله فأبقاه بين أظهركم رحمةً من الله ونعمة.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبدي أنا أبو جعفر بن عوف أخبرنا أبو حيان يحيى بن سعيد بن حيان [عن يزيد بن حيان] قال: سمعت زيد ابن أرقم قال: «قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذات يوم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:

"أمّا بعد أيها الناس إنما أنا بشر يُوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما: كتابُ الله فيه الهدى والنور، فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به، فحثّ عليه ورغّب فيه، ثم قال: وأهلُ بيتي، أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي."

قوله تعالى: {وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ}، أي: يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته، {فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، طريق واضح، وقال ابن جريج ومن يعتصم بالله أي: يُؤمن بالله، وأصل العصمة: المنع، فكل مانع شيئاً فهو عاصم له.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٠٢

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}،

قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حميُّ الدبر، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز [لموته] عرش الرحمن له ورضي الله بحُكمه في بني قريظة. وقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما فغضبَا وأنشدا الأشعار وتفاخرا، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح، فأتاهم النبي صلّى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}.

وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس: هو أن يُطاعَ فلا يُعصى، قال مجاهد: أن تُجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لائم، وتقومُوا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. وعن أنس أنه قال: لا يتقي الله عبدٌ حقَّ تقاته حتى يخزن لسانه. قال أهل التفسير: لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله ومَنْ يقوَى على هذا؟ فأنزل الله تعالى:

{ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ } [التغابن: 16]، فنَسختْ هذه الآية، وقال مقاتل: ليس في آل عمران من المنسوخ إلاّ هذا. {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} أي: مؤمنون، وقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عزّ وجلّ، وقال الفضيل: مُحسنون الظنَّ بالله.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو بكر العبدوسي أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد أخبرنا سليمان بن سيف أخبرنا وهب بن جرير أنا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

أيها الناس اتقوا الله حقَّ تقاتِه فلو أنّ قطرةً من الزَّقُومِ قُطرتْ على الأرض لأمرَّتْ على أهل الدنيا معيشتَهم، فكيفَ بمنْ هو طعامُه وليسَ له طعامٌ غيره؟».

وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٠٣

قوله عزّ وجلّ: {وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً}، الحبل: السبب الذي [يُتوصّل] به إلى البُغية، وسُمي الإِيمان حبلاً لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف. واختلفوا في معناه هاهنا، قال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خيرٌ ممّا تُحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن.

ورُوي عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

إنّ هذا القرآن هو حبلُ الله، وهوالنورُ المبين، والشفاءُ النافع، وعصمةٌ لمن تمسّك به، ونجاةٌ لمن تبعه.»

وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته، {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} كما [افترقت] اليهود والنصارى.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

إنّ الله تعالى يرضَى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضَى لكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تُناصِحُوا من وَلَّى اللّهُ أمرَكم، ويسخط لكم: قِيْلَ وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال.»

قوله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}.

قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار: كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعتْ بينهما عداوةٌ بسبب قتيل، فتطاولت تلك العداوة والحربُ بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عزّ وجلّ ذلك بالإِسلام، وألّف [بينهم] برسوله محمد صلّى الله عليه وسلم، وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفاً يسميه قومه الكامل لجلَدِهِ ونسبه قدم مكة حاجاً أو معتمراً، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قد بُعث وأُمر بالدعوة، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإِسلام، فقال له سويد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: [وما الذي معك قال: مجلّة لقمان، يعني: حكمته، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم]. اعرضها عليّ فعرضها، فقال: إنَّ هذا لَكَلامٌ حسن، معي أفضل من هذا، قرآنٌ أنزله الله عليّ نوراً وهدىً، فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإِسلام، فلم [يَبْعُدْ] منه وقال: إن هذا [لقول] حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بُعاث، فإنَّ قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم. ثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع، ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحِلْفَ من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم، فقال: هل لكم إلى خيرٍ ممّا جِئْتمْ له؟ فقالوا: وما ذلك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أنْ لا يُشركوا بالله شيئاً، وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً: أيْ قومِ هذا والله خيرٌ ممّا جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال: دعْنَا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. فلما أراد الله عزّ وجلّ إظهار دينه وإعزازَ نبيّه خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، وهم ستة نفر: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم: منْ أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم: قال: أفلا تجلسون حتى أكلّمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعرضَ عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن. قالوا: وكان مما صنع الله لهم به في الإِسلام أن يهوداً كان معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبياً الآن مبعوثٌ قد أظل زمانه، نتّبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرَم، فلمّا كلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عزّ وجلّ قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي تَوَعَّدَكُم به يهود، فلا يسبِقُنَّكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك. ثم انصرفوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به صلّى الله عليه وسلم، فلما قدموا المدينة ذَكَرُوا لهم رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإِسلام، حتى فشا فيهم فلم يبقَ دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً وهم: أسعد بن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء خزرجيّون، وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على بيعة النساء، على أن لا يُشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا، إلى آخر الآية، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئاً من ذلك فأُخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارةٌ له، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يُفرض عليهم الحرب. قال: فلمّا انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمرَهُ أن يقرئهم القرآن ويُعلّمهم الإسلام ويُفقهَهم في الدين، وكان مُصعب يُسمى بالمدينة المقرىء، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر، فجلسا في الحائط فاجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حُضير: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيَا دارَنا ليسفها ضعفاءَنا فازجرهما، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأُسَيْد بن حَضِيْر سَيِّدَيْ قومهِما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه، قال مصعب: إنْ يجلسْ أكلمْهُ، قال: فوقف عليهما متشتّماً، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره، قال: أنصفتَ، ثم ركّز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإِسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا: والله لَعَرفنَا في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسلُ وتُطهرُ ثوبَيك ثم تشهد شهادة الحق، [ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهَّر ثوبيه، وشهد شهادة الحق] ثم قام وركع ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمتُ الرجلين فوالله ما رأيتُ بهما بأساً وقد نهيتُهما، فقالا: فافعل ما أحببت، وقد حُدثتُ أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زُرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [مغضباً] مبادراً للذي ذكره له من بني حارثة، فأخذ الحربة، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيداً إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما متشتماً، ثم قال لأسعد بن زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد قومه، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع فإن رضيتَ أمراً ورغبتَ فيه قبلتَه، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركّزَ الحربة فجلس، فعرض عليه الإِسلام وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام: قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم [تصلي] ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أُسَيْد بن حَضِيْر، فلما رآه قومه مقبلاً قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبةً قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلم أو مسلمة، ورجع أسعد ابن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإِسلام حتى هاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومضى بدرٌ وأُحد والخندق. قالوا: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلاً مع حجاجِ قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدُوا رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية. قال كعب بن مالك - وكان قد شهد ذلك - فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عمّا أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ودعوناه إلى الإِسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة، وكان نقيباً، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلّى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئِذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له.

فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها - إن محمداً صلّى الله عليه وسلم منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وأنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزٍ ومنعةٍ. قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت: فتكلمْ يا رسول الله وخذْ لنفسك ولربِّك ما شئت. قال: فتكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله تعالى ورغب في الإِسلام، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه [أنفسكم ونساءكم] وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن مَعْرُور بِيَدِهِ ثم قال: والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعك مما نمنع منه أُزُرَنَا فبايعْنَا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر. قال: [فاعترض] القولَ - والبراءُ يكلم رسول الله صلّى الله عليه وسلم - أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالاً يعني العهود، وإنا قاطعوها فهل عسيتَ إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسّم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلم، ثم قال: الدمَ الدمَ والهدمَ الهدمَ، أنتم مني وأنا منكم أحاربُ من حاربتم وأسالم من سالمتم. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

أخرِجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم بما فيهم، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، فأخرجوا اثني عشر نقيباً تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس.

قال عاصم بن عمر بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال العباس بن عُبادة بن نَضْلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علاما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة واشرافكم قتلىً أسلمتموه، فمِنَ الآن، فهو والله إن فعلتم خِزْيٌ في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دَعوتُموه إليه على تهلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوهُ فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا؟ قال: «الجنة»، قال: ابسطْ يدَكَ فبسطَ يده فبايعوه، وأول من ضرب على يده البراء بن مَعْرُور، ثم تتابع القوم، فلما بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعتُه قط: يا أهل الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّباة قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: هذا عدو الله، هذا أزبّ العقبة، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغنّ لك، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم. فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت [لنميلن] غداً على أهل منىً بأسيافنا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لم نُؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جِلّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم [منكم]. قال: فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه. وصدقوا، ولم يعلموا، وبعضُنا ينظر إلى بعض، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة [المخزومي] وعليه نعلان جديدان، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال: والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه: مَهْ، والله أَحْفَظْتَ الفتى فارددْ إليه نعليه، قال: لا أردهما، فألٌ - والله - صالحٌ، والله لئن صدق الفأل [لأسلبنه]. قال: ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدّدوا العقد، فلما قدموها أظهروا الإِسلام بها وبلغ ذلك قريشاً فآذوا أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأصحابه:

إن الله تعالى قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيهافأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار. فأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أرْسالاً إلى المدينة فجمع الله أهلَ المدينة أوسَها وخزرَجَها بالإِسلام وأصلح ذات بينهم بنبيّه محمد صلّى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} يا معشر الأنصار {إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً} قبل الإِسلام {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بالإِسلام، {فَأَصْبَحْتُم}، أي فصرتم، {بِنِعْمَتِهِ} برحمته وبدينه الإِسلام، {إِخْوَاناً} في الدِّين والولاية بينكم. {وَكُنتُمْ} يا معشر الأوس والخزرج {عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ}، أي على طرف حفرة مثل شفا البئر، معناه: كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على كفركم، {فَأَنقَذَكُمْ} الله {مِّنْهَا} بالإِيمان، {كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.
السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ