انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 104–133

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٠٤

{وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ}، أي: كونوا أمةً، {مِنْ} صلة ليست للتبعيض، كقوله تعالى:

{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } [الحج: 30] لم يُردْ اجتناب بعضَ الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان، واللام في قوله {وَلْتَكُن} لام الأمر، {يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ}، إلى الإِسلام، {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

أخبرنا إسماعيل عبد القاهر قال أنا عبد الغافر بن محمد قال أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو بكر محمد بن أبي شيبة أخبرنا وكيع عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال قال أبو سعيد رضي الله عنهما:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

مَنْ رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فَبِلِسَانِهِ فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان.»

أخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي قال أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر أنا عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي عن حذيفة:

أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

والذي نفسي بيده لتأمُرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشِكَنّ الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده ثم لَتدعُنّه فلا يُستجاب لكم.»

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا علي بن الحسين الدراوردي أخبرنا أبو النعمان أخبرنا عبد العزيز بن مسلم القِسمليّ أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال:

سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ}، فإني سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

إن الناس إذا رأوا منكراً فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه.»

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن حفص بن غياث أخبرنا أبي أنا الأعمش حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول:

قال النبي صلّى الله عليه وسلم:

مثل المداهن في حدود الله تعالى والواقع فيها، كمثل قوم اسْتَهَمُوا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به فأخذ فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي ولا بدّ لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أَنْجَوْهُ ونَجَّوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم».

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا۟ وَٱخْتَلَفُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ وَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٠٥

قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: المبتدعة من هذه الأمة.

وقال أبو أمامة رضي الله عنه: هم الحرورية بالشام. قال عبد الله بن شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رأس الحرورية بالشام فقال: هم كلاب النار، كانوا مؤمنين فكفروا بعدَ إيمانهم، ثم قرأ {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ} إلى قوله تعالى {أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ}.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الزبير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

مَنْ سرّه بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذّ، وهو من الاثنين أبعد».

قوله تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ۝١٠٦

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}، {يومَ} نصبٌ على الظرف، أي: في يوم، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول، يريد: تبيض وجوه المؤمنين وتسودُّ وجوه الكافرين، وقيل: تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس إذا كان يوم القيامة رُفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه، فيسعَى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى:

{ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ } [النساء: 115] فإذا انتهوا إليه حزنوا فتسودُّ وجوههم من الحزن، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئاً مما رُفع لهم، فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعاً مؤمناً ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود، ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضاً والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنُوا حُزناً شديداً فاسودتْ وجوهُهم، فيقولون: ربنا ما لنا مسودة وجوهنا فوالله ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة: { ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } [الأنعام: 24]. قال أهل المعاني: ابيضاض الوجوه إشراقها واسْتِبْشارُها وسُرورها بعملِها وبثوابِ الله، واسْوِدَادُها: حُزنها وكآبتها وكُسوفها بعملها وبعذاب الله، يدل عليه قوله تعالى: { لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ }[يونس: 26] وقال تعالى: { وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ }[يونس: 27] وقال: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ }} [القيامة: 22 ـ 24] وقال { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ }[عبس: 38 ـ 40].

{فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}، معناه: يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}. فإن قيلَ: كيف قال: أكفرتم بعد إيمانكم، وهم لم يكونوا مؤمنين؟ حُكي عن أُبي بن كعب أنه أراد به: الإِيمان يوم الميثاق، حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، يقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا بالإِيمان بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم. وعن عكرمة: أنهم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلّى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث، فلما بُعث كفروا به. وقال قوم: هم من أهل قبلتنا، وقال أبو أُمامة: هم الخوارج، وقال قتادة: هم أهل البدع.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعيد بن أبي مريم عن نافع بن عُمر حدثني ابن أبي مُلَيْكَة عن أسماء بنت أبي بكر، قالت:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إني فرطكم على الحوض حتى أنظر مَنْ يردُ عليّ منكم، وسيُؤخذ ناسٌ دُوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال لي هلْ شعرتَ ما عملوا بعدك؟ فوالله ما برِحُوا يرجعون على أعقابهم.»

وقال الحارث الأعور: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به الجنة، وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملاً يستوجب به النار، ثم قرأ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الآية، ثم نادى: هم الذي كفروا بعد الإيمان - وربِّ الكعبة.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

بادرُوا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يُصبح الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً ويُمسي مؤمناً ويُصبح كافراً، يبيعُ دِينَه بعَرضٍ من الدنيا«.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١٠٧

قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ}، هؤلاء أهل الطاعة، {فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ} جنة الله، {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}.

تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٨ وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ۝١٠٩ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ ۝١١٠

{تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ}.

{وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}.

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأُبي بن كعب ومعاذ ابن جبل وسالم مولى أبي حُذيفة، رضي الله عنهم، وذلك أنّ مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لهم: نحن أفضل منكم ودينُنا خير مما تدعونَنا إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ورَوَى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هم الذين هاجروا مع النبي صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقال جُويبر عن الضحاك: هم أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم. ورُوي عن عمر بن الخطاب قال: كنتم خيرَ أُمةٍ أُخرجتْ للناس تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا بو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أخبرنا شُعبة عن أبي حمزة قال: سمعت زهدم بن مضرب عن عمران بن حُصين رضي الله عنه:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

خيرُكم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلّى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً وقال: إنّ بعدكم قوماً يخونون ولا يُؤتمنون ويشهدون ولا يُستشهدون، وينذرون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَن».

وبهذا الإِسناد عن علي بن الجعد أخبرنا شعبة وأبو معاوية عن الأعمش عن ذكوان عن أبي سعيد:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما بلغ مُدّ أحدِهم ولا نَصِيفَه.»

وقال الآخرون: جميع المؤمنين من هذه الأمة. وقوله {كُنتُمْ} أي: أنتم، كقوله تعالى:

{ وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } [الأعراف: 86]، وقال في موضع آخر: { وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ }[الأنفال: 26]، وقيل: معناه كنتم خير أُمة عند الله في اللوح المحفوظ، وقال قوم: قوله {لِلنَّاسِ} «من» صلةِ قولهِ «خير أمة»، أي: أنتم خير الناس للناس.

قال أبو هريرة معناه: كنتم خيرَ النّاس، تجيئون بهم في السلاسل فتدخلونهم في الإِسلام. قال قتادة: هم أمة محمد صلّى الله عليه وسلم لم يُؤمرْ نبي قبله بالقتال، فهم يقاتلون الكفار فيُدخلونهم في دينهم، فهم خير أُمة للناس. وقيل: «للناس» صلة قوله «أُخْرِجتْ» معناه: ما أخرجَ الله للناس أُمّةً خيراً من أمة محمد صلّى الله عليه وسلم.

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن حبيش المقري أنا علي بن زنجويه أخبرنا سلمة بن شبيب أنا عبد الرزاق أنا معمر عن بهز بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلّى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال:

إنكم تتمُون سبعين أُمة أنتم خيرُها وأكرمُها على الله عزّ وجلّ».

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد الفيركي أخبرنا أبو عبد الله محمد ابن زكريا بن يحيى أخبرنا أبو الصلت أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا علي بن زيد عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخدري:

عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

ألا وإنّ هذه الأمة تُوفّي سبعين أمة هي أخْيَرُها وأكرمُها على الله عزّ وجلّ.»

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد أنا الفضل بن الفضل أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال عبد الرحمن يعني ابن المبارك أخبرنا حماد بن يحيى الأبحُّ أنا ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أولهُ خيرٌ أمْ آخره.»

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو محمد المخلدي أخبرنا أبو نعيم، عبد الملك بن محمد بن عدي، أخبرنا أحمد بن عيسى التنيسي، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة أخبرنا صدقة بن عبد الله عن زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

إن الجنة حُرّمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحُرّمتْ على الأمم كلهم حتى تدخلها أمتي.»

أخبرنا أبو سعيد الشريحي قال: أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله بن حاتم الترمذي أخبرنا جدي لأمي محمد بن عبد الله بن مرزوق أنا عفّان بن مسلم أنا عبد العزيز بن مسلم أخبرنا أبو سنان يعني ضرار بن مرة عن محارب بن دثار عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

أهلُ الجنةِ عشرونَ ومائةُ صف، ثمانون من هذه الأمة.»

قوله تعالى: {تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي: الكافرون.

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّآ أَذًى وَإِن يُقَٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ۝١١١ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ۝١١٢ لَيْسُوا۟ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ۝١١٣

قوله تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى}، قالا مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدُوا إلى مَنْ آمن منهم عبد الله ابن سلام وأصحابه، فآوذهم فأنزل الله تعالى: «لن يضروكم إلا أذى» يعني لا يضروكم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذىً باللسان: وَعيداً وطعناً، وقيل: كلمة كفر تتأذون بها {وَإِن يُقَـٰتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ ٱلأَدْبَارَ}، منهزمين، {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ}، بل يكون لكم النصر عليهم.

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ}، حيثُ ما وُجدوا {إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يعني: أينما وُجدوا استُضعفُوا وقُتلوا وسُبُوا فلا يأمنُون إلا بحبلٍ من الله: عهدٍ منَ الله تعالى بأن يسلموا، {وَحَبْلٍ مِّنَ ٱلنَّاسِ} من المؤمنين ببذلِ جزيةٍ أو أمانٍ، يعني: إلا أن يُعصمُوا بحبل الله فيأمنوا. قوله تعالى: {وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ}، رجعوا به، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ}.

قوله تعالى: {لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه، قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد صلّى الله عليه وسلم إلا شرارُنا ولولا ذلك ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. واختلفوا في وجهها فقال قوم: فيه اختصار تقديره: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمةٌ قائمة وأخرى غير قائمة، فتركَ الأخرى اكتفاءً بذكر أحد الفريقين، وقال الآخرون: تمام الكلام عند قوله {لَيْسُواْ سَوَآءً} وهو وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى: {مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ} [ثم قال: {لَيْسُواْ سَوَآءً} يعني: المؤمنين والفاسقين]، ثم وصف الفاسقين، فقال: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} ووصف المؤمنين بقوله {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ}. وقيل: قوله {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} ابتداء بكلام آخر، لأن ذكر الفريقين قد جرى، ثم قال: ليس هذان الفريقان سواءً، ثم ابتدأ فقال: من أهل الكتاب. قال ابن مسعود رضي الله عنه معناه: لا يستوي اليهود وأمة محمد صلّى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق، المستقيمة، وقوله تعالى: {أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} قال ابن عباس: أي مهتدية قائمة على أمر الله لم يضيّعُوه ولم يتركوه. وقال مجاهد: عادلة. وقال السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده، وقيل: قائمة في الصلاة. وقيل: الأمة الطريقة. ومعنى الآية: أي ذو أُمةٍ، أي: ذَو طريقةٍ مستقيمة. {يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ}، يقرؤون كتابَ الله، وقال مجاهد: يتبعون {ءَانَآءَ ٱللَّيْلِ}، ساعاته، واحدها: إنيٌ مثل نحى وأنحاء، وإنىً وآناء مثل: مِعَىً وأمعاء، وإِنى مثل منا وأمناء. {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يصلون، لأن التلاوة لا تكون في السجود. واختلفوا في معناها، فقال بعضهم: هي في قيام الليل، وقال ابن مسعود هي صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب. وقال عطاء: «ليسوا سواءً منْ أهلِ الكتابِ أمة قائمة» ليسوا سواءً منْ أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمة الآية يريد: أربعين رجلاً من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمداً صلّى الله عليه وسلم، وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي صلّى الله عليه وسلم، منهم أسعد بن زرارة والبراء بن مَعْرُور ومحمد بن سلمة ومحمود ابن مسلمة وأبو قيس صرمة بن أنس، كانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله تعالى بالنبي صلّى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه.

يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ۝١١٤ وَمَا يَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُتَّقِينَ ۝١١٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝١١٦ مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١١٧

قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ}.

{وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء فيهما، إخبار عن الأمة القائمة، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، لقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}، وأبو عمرو يرَى القراءتين جميعاً، ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تُعدموا ثوابَه، بل يشكر لكم وتجازون عليه، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ}، بالمؤمنين.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}، أي: لا تدفع أموالهم بالفدية وأولادهم بالنصرة شيئاً من عذاب الله، وخصهما بالذكر لأن الإِنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد. {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}، وإنّما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يُفارقونها، كصاحب الرجل لا يفارقه.

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، قيل: أراد نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدرٍ وأُحد على عداوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: نفقة اليهود على علمائهم، قال مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار [في الدنيا] وصدقاتهم، وقيل: أراد إنفاق المرائي الذي لا يبتغي به وجهَ الله تعالى، {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ}، [حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها السَّموم الحارة التي تقتل، وقيل:] فيها صِرٌّ أي: صوت، وأكثر المفسرين قالوا: فيها برد شديد، {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} زرعَ قوم، {ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ}، بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى، {فَأَهْلَكَتْهُ}. فمعنى الآية: مثل نفقات الكفار في ذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء، {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ}، بذلك، {وَلَـٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}، بالكفر والمعصية.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ۝١١٨ هَٰٓأَنتُمْ أُو۟لَآءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا۟ عَضُّوا۟ عَلَيْكُمُ ٱلْأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝١١٩

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} الآية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لِما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم. وقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ} أي: أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته، تشبيهاً ببطانة الثوب التي تلي بطنه، لأنهم يستبطنون أمرَه ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرُهم. ثم بيّن العلَة في النهي عن مباطنتهم فقال جلّ ذكره {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}، أي: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يُورثكم الشرَّ والفساد، والخَبالُ: الشرُّ والفساد، ونصب {خَبَالاً} على المفعول الثاني، لأن {يَأْلُو} يتعدى إلى مفعولين، وقيل: بنزع الخافض، أي بالخبال، كما يقال: أوجعته ضرباً، {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} أي: يودُّون ما يشقّ عليكم، من الضر والشر والهلاك. والعنت: المشقة {قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ} أي: البغض، معناه ظهرتْ أمارة العداوة، {مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ}، بالشتيمة والوقيعة في المسلمين، وقيل: بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين {وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ}، من العداوة والغيظ، {أَكْبَرُ} أعظم، {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}.

{هَآأَنْتُمْ} ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور، {أُوْلاۤءِ} اسم للمشار إليهم، يريد أنتم أيها المؤمنون، {تُحِبُّونَهُمْ} أي: تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من القرابة والرضاع والمصاهرة، {وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ} هم، لما بينكم من مخالفة الدين، قال مقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون لِما أظهروا من الإِيمان، ولا يعلمون ما في قلوبهم، {وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلِّهِ}، يعني: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا، وَإِذَا خَلَوْاْ}، وكان بعضهم مع بعض {عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ}، يعني: أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها، من الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال، وإن لم يكن ثم عض، {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ}، أي: ابْقُوا إلى الممات بغيظكم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، أي: بما في القلوب من خير وشر.

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا۟ بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝١٢٠ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلْقِتَالِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝١٢١

وقوله تعالى: {إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} أي: تُصبكم أيها المؤمنون بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وخصب في معايشكم {تَسُؤْهُمْ}، تُحزنهم، {وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ}، مساءةٌ بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدوٍ منكم، أو اختلاف يكون بينكم أو جدبٍ أو نكبة تصبكم {يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ}، على أذاهم {وَتَتَّقُواْ}، وتخافوا ربكم {لاَ يَضُرُّكُمْ}، أي: لا ينقصكم، {كَيْدُهُمْ شَيْئاً}، قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة {لاَ يَضُرُّكُمْ} بكسر الضاد خفيفة، يقال: ضار يضير ضيراً، وهو جزم على جواب الجزاء، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضرّ يضرّ ضراً، مثل ردّ يردّ رداً، وفي رفعه وجهان. أحدهما: أنه أراد الجزم، وأصله يضرركم فأُدغمت الراء في الراء، ونُقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الثانية اتباعاً، والثاني: أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء، تقديره: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئاً، {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: عالم.

قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ}، قال الحسن: هو يوم بدر، وقال مقاتل: يوم الأحزاب، وقال سائر المفسرين: هو يوم أُحد، لأن ما بعده إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد. قال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله صلّى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أُحد فجعل يصفُّ أصحابه للقتال كما يقوم القدح.

قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما:

إن المشركين نزلوا بأُحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أُبي ابن سلول ولم يدعُهُ قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله بن أُبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منّا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله صلّى الله عليه وسلم هذا الرأي. وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنَا، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

إني رأيت في منامي بقراً تذبح، فأوّلتُها خيراً، ورأيتُ في ذُباب سيفي ثَلْماً فأولتها هزيمةً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وكان يعجبه أن يدخلوا عليهم بالمدينة فيقاتلوا في الأزقة، فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أُحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله صلّى الله عليه وسلم، من حبهم للقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلبس لأْمَتَهُ، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلّى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيتَ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم:لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمتَه فيضعها حتى يقاتل».

وكان قد أقام المشركون بأُحد يوم الأربعاء والخميس، فراح رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم خرج إليهم، فأصبح بالشّعب من أُحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فكان من حرب أُحد ما كان، فذلك قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: واذكر إذا غدوت من أهلك {تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: تنزل المؤمنين {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أي: مواطن، ومواضع للقتال، يقال: بوأتُ القوم إذا وطنتهم، وتبوؤا هم إذا تواطنوا، قال الله تعالى:

{ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ }[يونس: 93]، وقال: { >أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً }[يونس: 87] وقيل: تتخذ معسكراً، {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٢٢ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٢٣ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ۝١٢٤

{إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ} أي: تَجْبُنا وتضْعُفا وتتخلّفا، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلاً، فلما بلغوا الشَّوْط انخذل عبد الله بن أُبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة، وقال: علامَ نقتل أنفسَنا وأولادَنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أُبي: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وهمّتْ بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أُبي، فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيمَ نعمتِه، فقال عزّ وجلّ: {إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللهُ وَلِيُّهُمَا} ناصرهما وحافظهما.

{وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}،

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال: نزلت هذه الآية فينا {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وَلِيُّهُمَا} بنو سلمة وبنو حارثة، وما أُحب أنها لم تنزل، والله يقول: {وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَا}.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ}، وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع، وعليه الأكثرون، وقيل: اسم لبئر هناك، وقيل: كانت بدر بئراً لرجل يقال له بدر، قاله الشعبي، وأنكر الآخرون عليه. يذكر الله تعالى في هذه الآية مِنّتَهُ عليهم بالنصرة يومَ بدر، {وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ}، جمع: ذليل، وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فنصرهم الله مع قلة عَدَدِهم، {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ}، اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدّهم الله تعالى بألفٍ من الملائكة كما قال:

{ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } [الأنفال: 9] ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا {بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُنزَلِينَ}.

بَلَىٰٓ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ۝١٢٥

{بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُسَوِّمِينَ} فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد، قال الحسن: وَهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءُ المؤمنين إلى يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عدداً ومَدداً.

قال محمد بن إسحاق: لمّا كان يوم أُحد انجلى القوم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي، وفتىً شابٌّ يتنبَّل له فلما فني النبل أتاه به فنثره، فقال: ارم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلتِ المعركة سئل عن ذلك الرجل، فلم يُعرف.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد العزيز بن عبد الله أنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده

عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أُحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض كأشدّ القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد

ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة عن مسعر عن سعد ابن إبراهيم عن أبيه عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال:

رأيت عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أُحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني: جبريل وميكائيل.

وقال الشعبي: بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر: أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: {أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ} إلى قوله {مُسَوِّمِينَ} فبلغ كرزاً الهزيمةُ فرجع فلم يأتِهمْ ولم يمدّهم، فلم يمدّهم الله أيضاً بالخمسة آلاف، وكانوا قَد أمدوا بألف.

وقال الآخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه: أن يمدَّهم أيضاً في حروبهم كلِّها، فلم يصبروا إلا يوم الأحزاب، فأمدّهم الله حتى حاصروا قُريظة والنضير.

قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا محاصري قريظة والنضير ما شاء الله فلم يُفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بغِسْلٍ فهو يغسل رأسه إذْ جاءه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضعِ الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير فيومئذ أمدّنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح لنا فتحاً يسيراً.

وقال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أُحد وَعَدهم الله المَدَد إن صبرُوا فلم يصبروا فلم يُمدّوا به.

قوله تعالى: {أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} والإِمداد: إعانة الجيش بالجيش، وقيل: ما كان على جهة القوة والإِعانة، يقال فيه: أمده إمداداً، وما كان على جهة الزيادة، يقال: مدّه مدّاً، ومنه قوله تعالى:

{ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُ }[لقمان: 27] وقيل: المدّ في الشر، والإِمداد في الخير، يدل عليه قوله تعالى: { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة: 15] { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً }[مريم: 79] وقال في الخير: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ}، وقال: { وَأَمْدَدْنَـٰكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ }[الإسراء: 6]. قوله تعالى: {بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُنزَلِينَ} قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ } [الأنعام: 111]، وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى: { لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ } [الفرقان: 21] وقوله: { وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا }[التوبة: 26]. ثم قال: {بَلَىٰ} نُمدّكم {إِن تَصْبِرُواْ} لعدوكم {وَتَتَّقُواْ} أي: مخالفة نبيكم {وَيَأْتُوكُمْ} يعني المشركين {مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا} قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين: من وجههم هذا، وقال مجاهد والضحاك: من غضبهم هذا، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر من ثلاثة آلاف، بل أراد معهم، وقوله {مُسَوِّمِينَ} أي: معلمين، قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو، وقرأ الآخرون بفتحها، فمن كسر الواو فأراد أنهم سَوّموا خيلهم، ومن فتحها أراد به أنفسهم، والتسويم: الإِعلام من السَّومة وهي العلامة. واختلفوا في تلك العلامة، فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بُلق عليهم عمائم صُفر، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم، (وقال هشام بن عروة والكلبي: عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم)، وقال الضحاك وقتادة: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، ورُوي

أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر:

تسوّمُوا فإنّ الملائكةَ قد تسوّمتْ بالصوفِ الأبيض في قلانسهم ومغافرهم».

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ۝١٢٦ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ۝١٢٧ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَٰلِمُونَ ۝١٢٨

قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} يعني هذا الوعد والمدد، {إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} أي: بشارة لتستبشروا به {وَلِتَطْمَئِنَّ} ولتسكن {قُلُوبُكُمْ بِهِ} فلا تجزعوا من كثرة عدوكم وقلة عددكم، {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} يعني: لا تحيلوا بالنصر على الملائكة والجند، فإن النصر من الله تعالى فاستعينوا به وتوكلوا عليه، لأن العزَّ والحُكم له.

قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}، يقول لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفاً أي: لكي يهلك طائفة من الذين كفروا، وقال السدي: معناه ليهدم ركناً من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقُتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأُسر سبعون، ومَنْ حَمَلََ الآيةَ على حرب أُحد فقد قُتل منهم يومئذ ستة عشر وكان النصر للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم فانقلب عليهم، {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} قال الكلبي: يهزمهم، وقال يمان: يصرعهم لوجوههم، قال السدي: يلعنهم، وقال أبو عُبيدة: يهلكهم، وقيل: يحزنهم، والمكبوت: الحزين، وقيل أصله: يكبدهم أي: يصيب الحزن والغيظ أكبادهم، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سَبَتَ رأسَهَ وسَبَدهَ: إذا حلقه، وقيل: يكبتهم بالخيبة، {فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ}، لم ينالوا شيئاً مما كانوا يرجونه من الظفر بكم.

قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} الآية، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية.

فقال قوم: نزلت في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلاً من القراء، بعثهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أُحد ليُعلِّموا الناس القرآن والعلمَ، أميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل، فوَجَدَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم من ذلك وَجْداً شديداً، وقنت شهراً في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللّعن والسّنين، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ}.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد ابن إسماعيل أخبرنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله، يعني ابن المبارك، أخبرنا معمر عن الزهري حدثني سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:

اللّهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}.

وقال قوم: نزلت يوم أُحد.

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد ابن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أخبرنا مسلم بن الحجاج أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنهما:

أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كُسرت رباعيتُه يوم أُحد وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلتُ الدم عنه ويقول:

كيفَ يُفلحُ قومٌ شجوا [رأس] نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى [الله عز وجل]، فأنزل الله تعالى: «ليس لك من الأمر شيء».

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم يوم أُحد:

اللهم العن أبا سفيان، الله العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت: «ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم» فأسلموا وحَسُن إسلامُهم.

وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق لمّا رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أُحد ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدَالَنا اللهُ تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحدٌ من العرب بأحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: أراد النبي صلّى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال، فنزلت هذه الآية، وذلك لعلمه فيهم بأن كثيراً منهم يسلمون. فقوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} أي: ليس إليك، فاللام بمعنى «إلى» كقوله تعالى:

{ رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ }[آل عمران: 193]، أي: إلى الإِيمان: قوله تعالى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، (قال بعضهم: معناه حتى يتوب عليهم)، أو: إلى أن يتوب عليهم، وقيل: هو نسق على قوله «ليقطعَ طَرفاً»، وقوله: «ليس لك من الأمر شيء» اعتراض بين نظم الكلام ونظم الآية: ليقطعَ طرفاً من الذين كفروا أو يكبتَهم أو يتوبَ عليهم أو يعذبَهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، بل الأمرُ أمري في ذلك كله.

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٢٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوا۟ ٱلرِّبَوٰٓا۟ أَضْعَٰفًا مُّضَٰعَفَةً وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝١٣٠ وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىٓ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ۝١٣١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝١٣٢ وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝١٣٣

ثم قال: {وَللَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

{يَآ أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً}، أراد به ما كانوا يفعلونه عند حلول أجل الدَّين من زيادةِ المال وتأخير الطلب، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في أمر الرِّبا فلا تأكلوه، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

ثم خوّفهم فقال: {وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِىۤ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ}.

{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، لكي ترحموا.

{وَسَارِعُوۤاْ} قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو، {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}، أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي تُوجب المغفرة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى الإِسلام، ورُوي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلى أداء الفرائض، وقال أبو العالية: إلى الهجرة، وقال الضحاك: إلى الجهاد، وقال مقاتل: إلى الأعمال الصالحة. رُوي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى.

{وَجَنَّةٍ} أي وإلى جنّةٍ {عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأرْضُ}، أي: عرضها كعرض السماوات والأرض، كما قال في سورة الحديد:

{ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } [الحديد: 21] أي: سَعَتُها، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه، يقول: هذه صفة عَرْضِها فكيفَ طُولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضَها فأمّا طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، كقوله تعالى: { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ }[هود: 107] يعني: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم، وقالوا: أرأيتم قولَهُ {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأرْضُ} فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة، ومعناه أنه حيث يشاء الله. فإن قيل: قد قال الله تعالى: { وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }[الذاريات: 22] وأراد بالذي وعدَنَا: الجنة فإذا كانتِ الجنةُ في السماء فكيف يكون عرضُها السموات والأرض؟ وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض، كما أخبر، وسُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة: أفي السماء هي أم في الأرض؟ فقال: وأيّ أرض وسماء تسع الجنة؟ فقيل: فأين هي؟ قال: فوق السمواتِ السبعِ تحتَ العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع، وأن جهنم تحتَ الأرضين السبع {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}.

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ