انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير البغويالآيات 160–181

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير البغوي.

إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِۦ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ۝١٦٠

{إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ}، يُعنْكُم الله ويمنعكم من عدوكم، {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}، مثل يوم بدر، {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} يترككم فلم ينصرْكم كما كان بأحد، والخذلان: القعودُ عن النُّصرة والإِسلامُ للهلَكة، {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} أي: من بعد خذلانه، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}، قيل: التوكل أنْ لا تعصي الله من أجل رزقك، وقيل: أن لا تطلب لنفسك ناصراً غير الله ولا لرزقك خازناً غيره ولا لعملك شاهداً غيره.

أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع البزَّاز ببغداد أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب ابن جرير أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

"«يدخل سبعون ألفاً من أمتي الجنة بغير حساب» قيل: يارسول الله مَنْ هُم؟ قال: «هم الذين لا يكتوون ولا يَسْتَرقُون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون»، فقال عُكاشة بن محصن: يارسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم» ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يجعلني منهم، فقال: «سبقك بها عكاشة»".

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن حياة بن شريح حدثني بكر بن عمرو عن عبد الله بن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: سمعت عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:

لو أنكم تتوكّلُون على الله حقَّ توكله لرزقَكَمْ كما يرزقُ الطيرَ تغدو خِماصَاً وتروحُ بِطَاناً».

وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ۝١٦١

قوله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} الآية.

روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فُقدتْ يوم بدر، فقال بعض الناس أخذها رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

وقال الكلبي ومقاتل:

"نزلت في غنائم أُحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلّى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلم: «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركزَ حتى يأتيَكم أمري»؟ قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «بل ظننتم أنّا نَغُلّ ولا نقسم لكم»"، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال قتادة: ذُكر لنا أنها نزلت في طائفة غَلّت من أصحابه. وقيل: إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} فيُعطي قوماً ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي، يقول: ما كان لنبي أن يكتم شيئاً من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}، قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم {يَغُلّ} بفتح الياء وضم الغين، معناه: أن يخون، والمراد منه الأمة، وقيل: اللام فيه منقولة، معناه: ما كان النبي ليَغُل، وقيل: معناه ما كان يظن به ذلك ولا يليق به، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين، وله وجهان، أحدهما: أن يكون من الغلول أيضاً، أي: ما كان لنبي أن يُخان، يعني: أن تخونه أُمّتُه، والوجه الآخر: أن يكون من الإِغلال، معناه: ما كان لنبي أن يخون، أي يُنسب إلى الخيانة. {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له: انزلْ فخذْه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع في النار، ثم يُكلف أن ينزل إليه، فيخرجه ففعل ذلك به.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى ابن مطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

"خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، قال فوجّه رسول الله صلّى الله عليه وسلم نحو وادي القرى، وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلّى الله عليه وسلم عبداً أسود يقال له مِدْعَمٌ، قال فخرجنا حتى إذا كنّا بوادي القرى فبينما مِدْعم يحط رحل رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فأصابه فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تُصبها المقاسم، تشتعل عليه ناراً»، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بِشَراكٍ أو شِراكين إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «شراك من نار أو شراكان من نار»".

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حيان عن أبي عمرة الأنصاري عن زيد بن خالد الجهني أنه قال:

"تُوفي رجل يوم خيبر فذكروه لرسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم: قال: «إن صاحبكم قد غلّ في سبيل الله» قال: ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرز اليهود يساوين درهمين".

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب المروزي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أبي حميد الساعدي قال:

"استعمل النبي صلّى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أُهدي لي، فقام النبي صلّى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أُهدي لي، فهلا جلسَ في بيتِ أمه أو في بيت أبيه فينظر أيُهدَى إليه أم لا، فوالذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رُغاء أو بقرة لها خُوار أو شاة تَيْعر»، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: «اللهمَّ هلْ بلغتُ»" وروى قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال:لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول، ومن يَغْلُلْ يأتِ بما غَلّ يوم القيامة.»

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:

إذا وجدتُم الرجلَ قد غَلّ فاحرقوا متَاعَه واضربُوه.»

وروي عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: «أنّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقُوا متاعَ الغالّ وضربوه».

قوله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ۝١٦٢ هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ ۝١٦٣

{أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ}، وترك الغلول، {كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ}، فعل، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}.{هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} يعني: ذُو درجات عند الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني مَنِ اتَّبَعَ رضوانَ الله ومَن باءَ بسَخطٍ مِنَ الله مُختلفُو المنازل عند الله، فلمن اتّبع رضوانَ الله الثوابُ العظيم، ولمن باء بسخط من الله العذابُ الأليم. {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}.

لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝١٦٤ أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝١٦٥

{لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}، قيل: أراد به العرب لأنه ليس حيُّ من أحياء العرب إلا وله فيهم نسب إلا بني ثعلبة، دليله قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} وقال الآخرون: أراد به جميع المؤمنين، ومعنى قوله تعالى: {مِّنْ أَنفُسِهِمْ} أي: بالإِيمان والشفقة لا بالنسب، ودليله قوله تعالى: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم)، {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا}، وقد كانوا، {مِن قَبْلُ} أي: من قبل بعثه {لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}.

{أَوَلَمَّا} أي: حين {أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ}، بأحد، {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا}، يوم بدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أُحد سبعين وقتل المسلمون منهم ببدر سبعين وأسروا سبعين، {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا}، من أين لنا هذا القتلُ والهزيمةُ ونحن مسلمونَ ورسول الله صلّى الله عليه وسلم فينا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه، قال: جاء جبريل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم للناس، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ منهم فداءهم فنقوى بها على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، [فقتل منهم يوم أُحد] سبعون من أسارى أهل بدر.

فهذا معنى قوله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي: بأخذكم الفداء واختياركم القتل، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ}.

وَمَآ أَصَٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٦٦ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ قَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُوا۟ قَالُوا۟ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّٱتَّبَعْنَٰكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَٰنِ يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ۝١٦٧ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ لِإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُوا۟ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟ قُلْ فَٱدْرَءُوا۟ عَنْ أَنفُسِكُمُ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٦٨ وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝١٦٩

{وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ}، بأحد من القتل والجرح والهزيمة، {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ}، أي: بقضائه وقدره، {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: ليُميّز، وقيل: ليَرى.

{وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، أي: لأجل دين الله وطاعته، {أَوِ ٱدْفَعُواْ}، عن أهلكم وحريمكم، وقال السدي: أي: كثّروا سوادَ المسلمين ورابطوا إن لم تُقاتلوا يكونُ ذلك دفعاً وقمعاً للعدو، {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ}، وهو عبد الله بن أُبيّ وأصحابه الذين انصرفوا عن أُحد وكانوا ثلاثمائة، قال الله تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ} أي: إلى الكفر يومئذ أقربُ {مِنْهُمْ لِلإِيمَـٰنِ} (أي: إلى الإِيمان)، {يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم}، يعني: كلمة الإِيمان {مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ}.

{ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ}، في النّسب لا في الدين وهم شهداء أُحد {وَقَعَدُواْ} يعني: قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد {لَوْ أَطَاعُونَا}، وانصرفوا عن محمد صلّى الله عليه وسلم وقعدوا في بُيوتهم {مَا قُتِلُوا قُلْ}، لهم يا محمد، {فَادْرَءُوا}، فادفعوا، {عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، إن الحذرَ لا يُغني عن القدر.

قوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية، قيل: نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين. وقال آخرون: نزلت في شهداء أُحد وكانوا سبعين رجلاً أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار.

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد أنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال:

سألنا عبد الله (هو ابن مسعود) رضي الله عنهما عن هذه الآية: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} الآية، قال: أما أنّا قد سألنا عن ذلك فقال: «أرواحُهم كطير خضر» ويُروى «في جوفِ طير خضرٍ لها قناديلُ معلقة بالعرش تسرحُ في أيها شاءتْ ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربُّك اطّلاعةً فقال: سلوني ما شئتم فقالوا: يارب كيف نسألك ونحن نسرحُ في الجنة في أيها شئنا؟، فلما رأوا أن لا يُتركوا من أن يسألوا شيئاً قالوا: إنا نسألك أن تردَّ أرواحنا إلى أجسادنا نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلمّا رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تُركوا».

أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أن عبد الله بن حامد أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان أنا جيعوية أنا صالح بن محمد أنا سليمان بن عمرو عن إسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال:

رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

لمّا أُصيب إخوانُكم يوم أُحد جعل الله عزّ وجلّ أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ ترد أنهارَ الجنةِ وتأكلُ من ثمارها وتسرح في الجنة حيثُ شاءتْ وتأوي إلى قناديلَ من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ورأوا مَا أعدَّ الله لهم من الكرامة، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحنُ فيه من النّعيم وما صنعَ الله بنا كي يرغبوا في الجهاد، ولا يتّكلوُا عنه، فقال الله عزّ وجلّ أنا مخبرٌ عنكم ومبلغٌ إخوانَكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} إلى قوله: {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.»

سمعتُ عبد الواحد بن أحمد المليحي قال: سمعتُ الحسن بن أحمد القتيبي قال: سمعتُ محمد ابن عبد الله بن يوسف قال: سمعتُ محمد بن إسماعيل البكري قال: سمعتُ يحيى بن حبيب بن عربي قال: سمعتُ موسى بن إبراهيم قال: سمعتُ طلحة بن خِرَاش قال: سمعتُ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول:

"لقيني رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال لي: «يا جابر ما لي أراك منكسراً»؟ قلتُ: يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً، قال: «أفلا أبشرك بما لقي الله به أباكَ»؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «ما كلّم الله تعالى أحداً قط إلاّ من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلّمه كفاحاً، قال: يا عبدي تمنَّ عليّ أعطِك، قال: يا ربِّ أحيني فأقتل فيك الثانية، قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق منّي أنّهم لا يرجعون، فأنزلتُ فيهم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً}»".

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا حميد عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

ما منْ عبدٍ يموتُ، له عندَ الله خيرٌ، يحبُّ أن يرجع إلى الدنيا، وأنّ له الدنيا وما فيها، إلا الشهيدُ لِما يَرَى من فضلِ الشهادة، فإنه يحبُّ أن يرجعَ إلى الدنيا فيُقتل مرةً أخرى.»

وقال قوم: نزلت هذه الآية في شهداء بئر معونة.

وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قال: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، مُلاعِبُ الأسنَّة، وكان سيد بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلّى الله عليه وسلم المدينة وأهدى إليه هدية، فأبى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقبلها، وقال لا أقبل هدية مشرك، فأسلمْ إنْ أردتَ أن أقبل هديتَك؟ ثم عرض عليه الإِسلام، وأخبره بما له فيه وما أعدّ الله للمؤمنين، وقرأ عليه القرآن فلم يُسلم، ولم يبعد وقال: يا محمد إن الذي تدعو إليه حسنٌ جميل فلو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فيدعونهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبُوا لك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «إني أخشى عليهم أهلَ نجد». فقال أبو البراء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناسَ إلى أمرك. فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلاً من خيار المسلمين منهم الحارث بن الصِّمَّة وحَرام بن مِلْحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن يزيد بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أُحد فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها، قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلّى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان: أنا. فخرج بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل، وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال حرام بن ملحان: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فآمِنُوا بالله ورسولِهِ، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمحٍ فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزتُ وربِّ الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفرَ أبا براء قد عقد لهم عقداً وجواراً ثم استصرخ عليهم قبائل من بني سُليمْ - عُصَيَّة ورِعْلاً وذكوان - فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القومَ فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم أخذُوا السيوف فقاتلوهم حتى قُتِلُوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتثَّ من بين القتلى، فضلوه فيهم فعاش حتى قُتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على المعسكر! فقالا: والله إن لهذا الطير لشأناً فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو ابن أمية الضمري: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلم فنخبره، فقال الأنصاري الله أكبر لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القومَ حتى قُتل، وأخذوا عمرو ابن أمية الضمري، أسيراً فلما أخبرهم أنه من مُضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجزَّ ناصيتَه وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه، فقَدِم عمرو بن أميّة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

هذا عمل أبي براء قد كنتُ لهذا كارهاً متخوفاً، فبلغ ذلك أبا براء فشقّ عليه إخفارُ عامر إيّاه، وما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وكان فيمن أُصيب عامر بن فهيرة.

فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: مَنِ الرجلُ منهم لمّا قتل رأيته رُفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دُونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة، ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الأعلى بن حماد أنا يزيد بن زريع أنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك:

«أن رِعْلاً وذكوان وعصية وبني لحيان استمدُّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم على عدو لهم فأمدَّهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قَتَلُوهم وغدرُوا بهم، فبلغ النبي صلّى الله عليه وسلم فقنتَ شهراً يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رِعْلٍ وذكوان وعُصَيَّة وبني لحيان. قال أنس رضي الله عنه: فقرأنا فيهم قرآناً، ثم إنّ ذلك رُفع: بلّغُوا عنّا قومَنا أنا لقينا ربنا فرضي عنّا وأرضانا» ثم نُسخت (فرفع بعدما قرأناه) زماناً وأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً} الآية.

وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسّروا على الشهداء، وقالوا: نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قَتْلاَهم {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} ولا تظننّ {ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} قرأ ابن عامر {قُتّلوا} بالتشديد، والآخرون بالتخفيف {أَمْوَاتاً} كأموات من لم يُقْتلْ في سبيل الله {بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ}، قيل أحياء في الدِّين، وقيل: في الذكر، وقيل: لأنهم يرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء، وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر، ولا تأكله الأرض.

وقال عبيد بن عمير:

"مرَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين انصرف من أُحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، ألا فاتُوهمْ وزروهم وسلِّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يُسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردّوا عليه»".

{يُرْزَقُونَ}، من ثمار الجنة وتُحفها.

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا۟ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝١٧٠

{ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، رزقه وثوابه، {وَيَسْتَبْشِرُونَ}، ويفرحون، {بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ}، من إخوانهم الذين تركوهم أحياءً في الدنيا على مناهج الإِيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا ولحقُوا بهم ونالُوا من الكرامة ما نالوا، فهم لذلك مستبشرون، {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٧١ ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ مِنْهُمْ وَٱتَّقَوْا۟ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٢

{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ} أي: وبأن الله، وقرأ الكسائي بكسر الألف على الاستئناف. {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد حدثنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه:

أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال:

تَكَفّلَ الله لمنْ جاهدَ في سبيله لا يُخرجُه من بيتهِ إلاّ الجهادُ في سبيلهِ وتصديقُ كلمتهِ، أنْ يُدخلَه الجنة أو يُرجعهَ إلى مسكنِه الذي خرجَ منه مع ما نال من أجرٍ وغنيمة.»

وقال:

والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكلم في سبيلِه - إلا جاء يوم القيامة وجُرحه يثعبُ دماً اللونُ لونُ الدم والريحُ ريحُ المسك.»

أخبرنا الإِمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا علي بن الحسن الداربجردي أنا عبد الله بن يزيد المقرئ أنا سعيد حدثني محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

الشهيدُ لا يجدُ ألمَ القتلِ إلاّ كما يجدُ أحدُكم ألمَ القَرْصَة.»

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} الآية

وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لمّا انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبقَ إلا الشريد تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأراد أن يُرهب العدو، ويُريهم من نفسه وأصحابه قوةً فندب أصحابَه للخروج في طلب أبي سفيان، فانتدب عصابةً منهم مع ما بهم من الجراح والقرح الذي أصابهم يوم أُحد ونادَى منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ألاَ لاَ يخرجنّ معنا أحدٌ إلاّ من حضرَ يومنا بالأمس، فكلّمه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله إنّ أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجلَ فيهنّ، ولستُ بالذي أُوثرك على نفسي في الجهاد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فتخلّفْ على أخواتك، فتخلفتُ عليهن، فأذنَ له رسول الله صلّى الله عليه وسلم فخرج معه. وإنّما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم مُرْهباً للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يُوهنهم فينصرفوا. فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلاً رضي الله عنهم حتى بلغوا حمراءَ الأسَد، وهي من المدينة على ثمانية أميال.

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا بن أختي أما والله إنّ أباك وجدَّك - تعني أبا بكر والزبير - لَمِنَ الذين قال الله عزّ وجلّ فيهم: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلْقَرْحُ}، فمرّ برسول الله صلّى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة - مُسلمهم وكافرهم - عيبة نصحِ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتُهم معه لا يُخفونَ عنه شيئاً كان بها، وكان معبد يومئذٍ مشرك، فقال: يا محمد والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولودِدنا أن الله تعالى كان قد أعفاك منهم، ثم خرج من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقالوا: قد أصبنا جُلَّ أصحابه وقادتهم لنكرنّ على بقيتهم، فلنفرغن منهم، فلمّا رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج مع أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندِمُوا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيءٌ لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصلَ بقيتَهم، قال: فإني والله أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيتُ على أن قلت فيه أبياتاً:

كَاْدَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْوَاتِ رَاحِلَتِي إِذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبابِيْلِ

فذكر أبياتاً فردّ ذلك أبا سفيان ومن معه. ومرّ به ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: (وَلِمَ؟ قالوا: نريد الميرة) قال: فهل أنتم مبلِّغون عني محمداً رسالةً وأحمل لكم إبلكم هذه زبيباً بعكاظ غداً إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومرّ الركب برسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه: «حَسْبُنَا الله ونِعْمَ الوكيل»، ثم انصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة.

هذا قول أكثر المفسرين.

وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرَى، وذلك أن أبا سفيان يوم أُحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ذلك بيننا وبينك إن شاء الله» فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مرّ الظهران، ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نُعَيْمَ بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني قد واعدتُ محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإنّ هذه عام جدب ولا يُصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأةً ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي، فَالْحَقْ بالمدينة فثبِّطْهم وأَعلِمْهم أنّي في جمع كثير لا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإِبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها، قال: فجاء سهيل فقال له نعيم يا أبا يزيد: أتضمن لي هذه القلائص وأنطلق إلى محمد وأثبّطه؟ قال: نعم، فخرج نعيم حتى أتى المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبا سفيان أن نلتقي بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها، فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقرارِكم فلم يفلت منكم إلا الشريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم الخروج، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأخرجنَّ ولو وحدي»، فأمّا الجبان فإنه رجع، وأمّا الشجاع فإنه تأهب للقتال، وقال: «حسبُنا الله ونعم الوكيل». فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدراً الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن يُرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى بلغوا بدراً وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام، فأقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فلم يلقَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأصحابه أحداً من المشركين، ووافقوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فذلك قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي أجابوا، ومحل {ٱلَّذِينَ} خفض على صفة المؤمنين تقديره: إنّ الله لا يُضيع أجرَ المؤمنين المستجيبين لله والرسول، {مِن بَعْدِ مَآ أَصَـٰبَهُمُ ٱلْقَرْحُ}، أي: (نالتهم الجراح)، تمّ الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ} بطاعة رسول الله صلّى الله عليه وسلم وإجابته إلى الغزو، {وَٱتَّقُواْ}، معصيته {أَجْرٌ عَظِيمٌ}.

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَٰنًا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ ۝١٧٣ فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ۝١٧٤

{ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} ومحل {ٱلَّذِينَ} خفض أيضاً مردودٌ على الذين الأول وأراد بالناس: نعيم ابن مسعود، في قول مجاهد وعكرمة فهو من العام الذي أُريد به الخاصَ كقوله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ} يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلم وحده، وقال محمد بن إسحاق وجماعة: أراد بالناس الركب من عبد القيس، {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ}، يعني أبا سفيان وأصحابه، {فَٱخْشَوْهُمْ}، فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، {فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً} تصديقاً ويقينا وقوة {وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ} أي: كافينا الله، {وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}، أي: الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أحمد بن يونس أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلّى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}.

{فَٱنْقَلَبُواْ}، فانصرفوا، {بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} بعافية لم يلقوا عدواً {وفَضْلٍ} تجارة وربح وهو ما أصابوا في السوق {لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} لم يصبهم أذى ولا مكروه، {وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ} في طاعة الله وطاعة رسوله، وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم، {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧٥ وَلَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٧٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَيْـًٔا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝١٧٧ وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ۝١٧٨

قوله تعالى: { إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ}، يعني: الذي قال لكم: {إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ}، من فعل الشيطان أُلقي في أفواههم ليرهبوهم ويجبُنُوا عنهم، {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ}، أي يخوفكم بأوليائه، وكذلك هو في قراءة أُبي بن كعب يعني: يخوّف المؤمنين بالكافرين، قال السدي: يعظّم أولياءَهُ في صدورهم ليخافوهم، يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود {يخوفكم أولياءه}، {فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ}، في ترك أمري {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، مصدقين بوعدي فإني متكفّل لكم بالنصرة والظفر.

قوله عزّ وجلّ: {وَلاَ يَحْزُنكَ}، قرأ نافع {يحزنك} بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك جميع القرآن إلاّ قوله (لا يحزنُهم الفزعُ الأكبر)، ضدّه أبو جعفر، وهما لغتان: حزن يحزن وأحزن يحزن، إلا أن اللغة الغالبة حزن يحزن، {ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ}، قال الضحاك: هم كفار قريش، وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار. {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً}، بمسارعتهم في الكفر، {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِى ٱلآخِرَةِ}، نصيباً في ثواب الآخرة، فلذلك خَذَلهم حتى سارعوا في الكفر، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ}، استبدلوا {ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} وإنّما يضرون أنفسهم، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

{وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، قرأ حمزة هذا والذي بعده بالتاء فيهما، وقرأ الآخرون بالياء، فمن قرأ بالياء {فالذين} في محل الرفع على الفاعل تقديره ولا يحسبنّ الكفار إملاءَنا لهم خيراً، ومن قرأ بالتاء يعني: ولا تحسبنّ يا محمد الذينَ كفروا، وإنّما نصب على البدل من الذين، {أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ}، والإِملاء الإِمهال والتأخير، يقال: عشت طويلاً حميداً وتمليت حيناً، ومنه قوله تعالى:

{ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً } [مريم: 46] أي: حيناً طويلاً، ثم ابتدأ فقال: {إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ}، نمهلهم {لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة، وقال عطاء في قريظة والنضير.

أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله القفال أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البَرْوَنْجِرْدِيّ أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي أنا محمد بن يونس أنا أبو داود الطيالسي أنا شعبة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال:

"سُئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: «من طالَ عمرُه وحَسُن عملُه»، قيل: فأي الناس شر؟ قال: «من طالَ عمرُه وساءَ عملُه»".

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَإِن تُؤْمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ۝١٧٩

قوله تعالى: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}، اختلفوا فيها، فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفكَ فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتّبعكَ على دينك فهو في الجنة، والله عنه راضٍ، فأخبرنا بمن يُؤمن بك وبمن لا يؤمن بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وقال السدي:

"قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عُرضتْ عليّ أُمتي في صورها في الطين كما عُرضتْ على آدم، وأُعلمتُ من يؤمن بي ومن يكفر بي»، فبلغ ذلك المنافقين، فقالوا استهزاءً: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد، ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام طعنُوا في علمي لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به»، فقام عبد الله بن حُذافة السهمي، فقال: مَنْ أبي يارسول الله؟ قال: حذافة، فقام عمر فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّاً وبالإِسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبياً فاعفُ عنا عفا الله عنك، فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «فهل أنتم منتهون»؟ ثم نزل عن المنبر"، فأنزل الله تعالى هذه الآية. واختلفوا في حكم الآية ونظمها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين، يعني: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}. وقال قوم: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، معناه: وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، فرجع من الخبر إلى الخطاب. {حَتَّىٰ يَمِيزَ} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال، وقرأ الباقون بالخفيف، يقال: ماز الشيء يميزُه ميزاً وميّزه تمييزاً إذا فرّقه فامتاز، وإنما هو بنفسه، قال أبو معاذ: إذا فرّقت بين شيئين، قلت: مزت ميزاً فإذا كانت أشياء، قلت: ميزتها تمييزاً، وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت: فَرَقتَ بالتخفيف، ومنه فرق الشعر، فإن جعلته أشياء، قلت: فرَّقته تفريقاً، ومعنى الآية حتى يميزَ المنافق من المخلص، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أُحد حيثُ أظهروا النفاق وتخلّفوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم. وقال قتادة: حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد. وقال الضحاك: {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} في أصلاب الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرّق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين، وقيل: {حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ} وهو المذنب {مِنَ ٱلطَّيِّبِ} وهو المؤمن، يعني: حتى يحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة، {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ}، لأنه لا يعلم الغيب أحدٌ غيره، {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} فيُطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: { عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } [الجن: 26 ـ 27]. وقال السدي: معناه وما كان الله ليطلع محمداً صلّى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه، {فَـآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١٨٠

{وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ}، أي: ولا يحسبنّ الباخلون البخل خيراً لهم، {بَلْ هُوَ}، يعني: البخل، {شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ}، أي: سوف يطوقون {مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، يعني: يجعل ما منعه من الزكاة حيّةً تُطوّق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه إلى قدمه، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي وائل والشعبي والسدي.

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله المديني أنا هاشم بن القاسم أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

من آتاه الله مالاً فلم يؤدِ زكاتهُ مُثّلَ له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرعَ له زبيبتان، يُطوِّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآية.»

أخبرنا عبد الواحد الميلحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمرو بن حفص بن غياث أنا أبي أنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال:

انتهيت إليه، يعني النبيَّ صلّى الله عليه وسلم قال.

والذي نفسي بيده أو والذي لا إله غيره أو كما حلف، ما من رجلٍ يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يُؤدي حقّها إلا أُتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحُه بقرونِها كلّما جازتْ أُخراها رُدتْ عليه أُولاها حتى يُقضَى بين النّاس.»

قال إبراهيم النخعي: معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من النار، قال مجاهد: يُكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم. وروى عطية عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتمُوا صفة محمد صلّى الله عليه وسلم ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم كما قال في سورة النساء

{ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ }[النساء: 37]. ومعنى قوله: «سيُطوقونَ ما بخلُوا به يومَ القيامة» أي: يحملون وزرَه وإثمَه، كقوله تعالى: { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ } [الأنعام: 31]. {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، يعني: أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا }[مريم: 40] {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} قرأ أهل البصرة ومكة يعملون بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء.

لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا۟ وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ۝١٨١

قوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} قال الحسن ومجاهد: لما نزلت: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قالت اليهود: إن الله فقير استقرض منّا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي بن أخطب.

وقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي صلّى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإِسلام أو إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً، فدخل أبو بكر رضي الله عنه ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناساً كثيراً من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم، يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له أشيع. فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، فآمنْ وصَدِّقْ وأقرِضِ الله قرضاً حسناً يدخلْكَ الجنة، ويضاعفْ لك الثوابَ. فقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربَّنا يستقرضُ أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني؟ فإن كان ما تقول حقاً فإن الله إذاً لفقير ونحن أغنياء، وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنياً ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربةً شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربتُ عُنقَكَ يا عدوَ الله، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه:

ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله إن عدوالله قال قولاً عظيماً زعم أن الله فقيرٌ وأنهم أغنياء، فغضبتُ لله فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص فأنزل الله تعالى ردّاً على فنحاص وتصديقاً لأبي بكر رضي الله عنه: {لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}.

{سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ}، من الإِفك والفرية على الله (فنجازيهم به)، وقال مقاتل: سيحفظ عليهم، وقال الواقدي: سنأمر الحفظة بالكتابة، نظيره قوله تعالى: (وإنّا له كاتبون)، {وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ}، قرأ حمزة {سيكتب} بضم الياء، {وَقَتْلَهُمُ} برفع اللام {ويقول} بالياء، و{ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي: النار، وهو بمعنى المحرق، كما يقال: {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، أي: مؤلم.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ