انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة العنكبوت

تفسير القرطبيالآيات 41–69

تفسير سورة العنكبوت آية آية، من تفسير القرطبي.

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٤١ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٤٢ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَٰلِمُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ} قال الأخفش: {كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ} وقف تام، ثم قصّ قصّتها فقال: {ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} قال ابن الأنباري: وهذا غلط؛ لأن {اتَّخَذَتْ بَيْتاً} صلة للعنكبوت، كأنه قال: كمثل التي اتخذت بيتاً فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول، وهو بمنزلة قوله:

{ كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً }[الجمعة: 5] فيحمل صلة للحمار ولا يحسن الوقف على الحمار دون يحمل. قال الفراء: هو مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره؛ كما أن بيت العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً. ولا يحسن الوقف على العنكبوت؛ لأنه لما قصد بالتشبيه لبيتها الذي لا يقيها من شيء، فشبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به. {وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ} أي أضعف البيوت {لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ}. قال الضحاك: ضرب مثلاً لضعف آلهتهم ووهنها فشبهها ببيت العنكبوت. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} {لَوْ} متعلقة ببيت العنكبوت. أي لو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني عنهم شيئاً، وأن هذا مثلهم لَمَا عبدوها؛ لا أنهم يعلمون أن بيت العنكبوت ضعيف. وقال النحاة: إن تاء العنكبوت في آخرها مزيدة؛ لأنها تسقط في التصغير والجمع وهي مؤنثة. وحكى الفراء تذكيرها وأنشد:

على هَطَّالهِمْ منهمْ بُيوتٌكأنّ العنكبوتَ قدِ ابتناهَا

ويروى:

على أهطالهم منهمْ بيوتٌ

قال الجوهري والهطال: اسم جبل. والعنكبوت الدويّبة المعروفة التي تنسج نسجاً رقيقاً مهلهلاً بين الهواء. ويجمع عناكِيب وعَنَاكِب وعِكَاب وعُكُب وأَعْكُب. وقد حكي أنه يقال عَنْكَب وعَكَنْبَاة قال الشاعر:

كأنَّما يَسقطُ من لُغَامهابيتُ عَكَنْبَاةٍ على زِمَامهَا

وتصغَّر فيقال عُنَيْكِب. وقد حكي عن يزيد بن مَيْسرة أن العنكبوت شيطان مسخها الله تعالى. وقال عطاء الخراساني: نسجت العنكبوت مرتين مرة على داود حين كان جالوت يطلبه، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك نهي عن قتلها. ويروى عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه في البيوت يورث الفقر، ومنع الخمير يورث الفقر.

قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ} {ما} بمعنى الذي، و{مِنْ} للتبعيض، ولو كانت زائدة للتوكيد لانقلب المعنى؛ والمعنى: إن الله يعلم ضعف ما يعبدون من دونه. وقرأ عاصم وأبو عمرو ويعقوب: {يَدْعُونَ} بالياء وهو اختيار أبي عبيد؛ لذكر الأمم قبلها. الباقون بالتاء على الخطاب.

قوله تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا} أي هذا المثل وغيره مما ذكر في «البقرة» و«الحج» وغيرهما {نَضْرِبُهَا} نبينها {لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ} أي يفهمها {إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} أي العالمون بالله؛ كما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه".

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٤٤

قوله تعالى: {خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي بالعدل والقسط. وقيل: بكلامه وقدرته وذلك هو الحق. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً} أي علامة ودلالة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} المصدّقين.

ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ۝٤٥

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ٱتْلُ} أمر من التلاوة والدُّءوب عليها. وقد مضى في «طه» الوعيد فيمن أعرض عنها، وفي مقدّمة الكتاب الأمر بالحض عليها. والكتاب يراد به القرآن.

الثانية: قوله تعالى: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته وإقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها بقراءتها وركوعها وسجودها وقعودها وتشهدها وجميع شروطها. وقد تقدّم بيان ذلك في «البقرة» فلا معنى للإعادة.

الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} يريد إن الصلاة الخمس هي التي تكفر ما بينها من الذنوب؛ كما قال عليه السلام:

«أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من دَرَنه شيء» قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء؛ قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا» خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة، وقال فيه حديث حسن صحيح. وقال ابن عمر: الصلاة هنا القرآن. والمعنى: الذي يتلى في الصلاة ينهى عن الفحشاء والمنكر، وعن الزنى والمعاصي.

قلت: ومنه الحديث الصحيح:

قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفينيريد قراءة الفاتحة. وقال حماد بن أبي سليمان وابن جُريج والكلبي: العبد ما دام في صلاته لا يأتي فحشاء ولا منكراً؛ أي إن الصلاة تنهى ما دمت فيها. قال ابن عطية: وهذه عجمة وأين هذا مما رواه أنس بن مالك قال: كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فذُكِر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الصلاة ستنهاه» فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألم أقل لكم». وفي الآية تأويل ثالث، وهو الذي ارتضاه المحققون وقال به المشيخة الصوفية وذكره المفسرون؛ فقيل المراد بـ{أَقِمِ الصَّلاَةَ} إدامتها والقيام بحدودها، ثم أخبر حكماً منه بأن الصلاة تنهى صاحبها وممتثلها عن الفحشاء والمنكر؛ وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة. والصلاة تشغل كل بدن المصلّي، فإذا دخل المصلّي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حالة. فهذا معنى هذه الأخبار، لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون.

قلت: لا سيما وإن أشعر نفسه أن هذا ربما يكون آخر عمله، وهذا أبلغ في المقصود وأتم في المراد؛ فإن الموت ليس له سنّ محدود، ولا زمن مخصوص، ولا مرض معلوم، وهذا مما لا خلاف فيه. وروي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه، فكُلِّم في ذلك فقال: إني واقف بين يدي الله تعالى، وحقّ لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. فهذه صلاة تنهى ولا بدّ عن الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء، لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل، كصلاتنا ـ وليتها تجزي ـ فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تعالى تركته الصلاة يتمادى على بعده. وعلى هذا يخرّج الحديث المرويّ عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم:

من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداًوقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند. قال ابن عطية: سمعت أبي رضي الله عنه يقول: فإذا قررنا ونُظِر معناه فغير جائز أن يقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية، وإنما يتخرّج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله، بل تتركه على حاله ومعاصيه، من الفحشاء والمنكر والبعد، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان سبيله؛ فكأنها بعّدته حين لم تكفّ بُعدَه عن الله. وقيل لابن مسعود: إن فلاناً كثير الصلاة. فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها.

قلت: وعلى الجملة فالمعنى المقصود بالحديث:

لم تزده من الله إلا بعداً ولم يزدد بها من الله إلا مقتاًإشارة إلى أن مرتكب الفحشاء والمنكر لا قدر لصلاته؛ لغلبة المعاصي على صاحبها. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر. أي لينته المصلي عن الفحشاء والمنكر. والصلاة بنفسها لا تنهى، ولكنها سبب الانتهاء. وهو كقوله تعالى: { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } [الجاثية: 29] وقوله: { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } [الروم: 35].

الرابعة: قوله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} أي ذكر الله لكم بالثواب والثناء عليكم أكبر من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم. قال معناه ابن مسعود وابن عباس وأبو الدرداء وأبو قُرّة وسلمان والحسن؛ وهو اختيار الطبري. وروي مرفوعاً من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قول الله عز وجل: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} قال:

ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه. وقيل: ذكركم اللَّهَ في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضل من كل شيء وقيل: المعنى؛ إن ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر. وقال الضحاك: ولذكر الله عندما يحرم فيترك أجلّ الذكر. وقيل: المعنى ولذكر الله للنهي عن الفحشاء والمنكر أكبر أي كبير، وأكبر يكون بمعنى كبير. وقال ابن زيد وقتادة: ولذكر الله أكبر من كل شيء أي أفضل من العبادات كلها بغير ذكر. وقيل: ذكر الله يمنع من المعصية فإن مَن كان ذاكراً له لا يخالفه. قال ابن عطية: وعندي أن المعنى ولذكر الله أكبر على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأنّ الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر الله مراقبٍ له. وثواب ذلك أن يذكره الله تعالى؛ كما في الحديث: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهيٍ، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرّغه إلا من الله. وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى. وذكر الله تعالى للعبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ربَّه. قال الله عز وجل: { فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ }[البقرة: 152]. وباقي الآية ضرب من الوعيد والحثّ على المراقبة.

وَلَا تُجَٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ ۝٤٦ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمِنْ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٤٧

فيه مسألتان:

الأولى: اختلف العلماء في قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ} فقال مجاهد: هي محكمة فيجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله عز وجل، والتنبيه على حججه وآياته؛ رجاء إجابتهم إلى الإيمان، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة. وقوله على هذا {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} معناه ظلموكم، وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق. وقيل: المعنى لا تجادلوا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب المؤمنين كعبد الله بن سَلام ومن آمن معه. {إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي بالموافقة فيما حدّثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك. وقوله على هذا التأويل: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر من قريظة والنّضِير وغيرهم. والآية على هذا أيضاً محكمة. وقيل: هذه الآية منسوخة بآية القتال. قوله تعالى:

{ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ }[التوبة: 29]. قاله قتادة {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي جعلوا لله ولداً، وقالوا: { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ }[المائدة: 64] و { إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ }[آل عمران: 181] فهؤلاء المشركون (الذين نصبوا الحرب ولم يؤدوا) الجزية فانتصروا (منهم). قال النحاس وغيره: من قال هي منسوخة احتج بأن الآية مكية، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية، ولا غير ذلك. وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول. واختار هذا القول ابن العربي. قال مجاهد وسعيد بن جبير: وقوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} معناه إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية.

الثانية: قوله تعالى: {وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} روى البخاريّ عن أبي هريرة: قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية، لأهل الإسلام؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم{وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ }. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلّوا إما أن تكذّبوا بحق وإما أن تصدّقوا بباطل. وفي «البخاريّ»:

عن حُمَيد بن عبد الرحمن سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذَكَرَ كعبَ الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لَنَبْلُو عليه الكذب.

وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝٤٨

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} الضمير في {قَبْلِهِ} عائد إلى الكتاب وهو القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الإعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتاباً، ويخط حروفاً {لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي من أهل الكتاب، وكان لهم في ارتيابهم متعلَّق، وقالوا الذي نجده في كتبنا أنه أميّ لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخط ولا يقرأ؛ فنزلت هذه الآية؛ قال النحاس: دليلاً على نبوته لقريش؛ لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ولم يكن بمكة أهل الكتاب فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك.

الثانية: ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى كتب. وأسند أيضاً حديث أبي كَبْشة السَّلُولي؛ مضمنه: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ صحيفة لعُيَيْنة بن حِصن، وأخبر بمعناها. قال ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه.

قلت: وقع في «صحيح مسلم» من حديث البراء في صلح الحديبية

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «اكتب الشرط بيننا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى عليه محمد رسول الله» فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ـ وفي رواية بايعناك ـ ولكن اكتب محمد بن عبد الله فأمر عليًّا أن يمحوها، فقال علي: والله لا أمحاه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرني مكانها» فأراه فمحاها وكتب ابن عبد الله. قال علماؤنا رضي الله عنهم؛ وظاهر هذا أنه عليه السلام محا تلك الكلمة التي هي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيده، وكتب مكانها ابن عبد الله. وقد رواه البخاري بأظهر من هذا. فقال: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب فكتب. وزاد في طريق أخرى: ولا يحسن أن يكتب. فقال جماعة، بجواز هذا الظاهر عليه وأنه كتب بيده، منهم السمناني وأبو ذرّ والباجي، ورأوا أن ذلك غير قادح في كونه أميّاً، ولا معارَض بقوله: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} ولا بقوله:إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب بل رأوه زيادة في معجزاته، واستظهاراً على صدقه وصحة رسالته، وذلك أنه كتب من غير تعلم لكتابة، ولا تعاطٍ لأسبابها، وإنما أجرى الله تعالى على يده وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها ابن عبد الله لمن قرأها، فكان ذلك خارقاً للعادة؛ كما أنه عليه السلام علِم عِلم الأوّلين والآخرين من غير تعلم ولا اكتساب، فكان ذلك أبلغ في معجزاته، وأعظم في فضائله. ولا يزول عنه اسم الأميّ بذلك؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة: ولا يحسِن أن يكتب. فبقي عليه اسم الأميّ مع كونه قال كتب. قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم، وشدّدوا النكير فيه، ونسبوا قائله إلى الكفر، وذلك دليل على عدم العلوم النظرية، وعدم التوقف في تكفير المسلمين، ولم يتفطنوا؛ لأن تكفير المسلم كقتله على ما جاء عنه عليه السلام في الصحيح، لا سيما رميُ من شهد له أهل العصر بالعلم والفضل والإمامة؛ على أن المسألة ليست قطعية، بل مستندها ظواهر أخبار أحادٍ صحيحة، غير أن العقل لا يحيلها. وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها.

قلت: وقال بعض المتأخرين من قال هي آية خارقة، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهي كونه أمياً لا يكتب؛ وبكونه أميّاً في أمّة أميّة قامت الحجة، وأفحِم الجاحدون، وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله تعالى يده فيكتب وتكون آية. وإنما الآية ألاّ يكتب، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً. وإنما معنى كتب وأخذ القلم؛ أي أمر من يكتب به من كُتّابه، وكان من كتبة الوحي بين يديه صلى الله عليه وسلم ستة وعشرون كاتباً.

الثالثة: ذكر القاضي عِياض

عن معاوية أنه كان يكتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «أَلقِ الدواة وحرّف القلَم وأقم الباء وفرّق السين ولا تُعور الميم وحسّن الله ومدّ الرحمن وجوّد الرحيم» قال القاضي: وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يُرزَق علم هذا، ويُمنَع القراءة والكتابة.

قلت: هذا هو الصحيح في الباب أنه ما كتب ولا حرفاً واحداً، وإنما أمر من يكتب وكذلك ما قرأ ولا تهجى. فإن قيل:

فقد تهجى النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الدجال فقال: «مكتوب بين عينيه ك ا ف ر» وقلتم إن المعجزة قائمة في كونه أمياً؛ قال الله تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ} الآية وقال: «إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحسب» فكيف هذا؟ فالجواب ما نصّ عليه صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة، والحديث كالقرآن يفسر بعضه بعضاً. ففي حديث حذيفة: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب» فقد نصّ في ذلك على غير الكتاب ممن يكون أميّاً. وهذا من أوضح ما يكون جلياً.

بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ۝٤٩

قوله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} يعني القرآن. قال الحسن: وزعم الفراء في قراءة عبد الله «بَلْ هِيَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ» المعنى بل آيات القرآن آيات بينات. قال الحسن: ومثله

{ هَـٰذَا بَصَآئِرُ }[الأعراف: 203] ولو كانت هذه لجاز، نظيره: { هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي }[الكهف: 98] قال الحسن: أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرؤون كتابهم إلا نظراً، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون. فقال كعب في صفة هذه الأمة: إنهم حكماء علماء وهم في الفقه أنبياء. {فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي ليس هذا القرآن كما يقوله المبطلون من أنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وهي كذلك في صدور الذين أوتوا العلم، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به، يحفظونه ويقرؤونه. ووصفهم بالعلم؛ لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين. وقال قتادة وابن عباس: {بَلْ هُوَ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم «آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» من أهل الكتاب يجدونه مكتوباً عندهم في كتبهم بهذه الصفة أميّا لا يقرأ؛ ولا يكتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم وكتموا. وهذا اختيار الطبريّ. ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود وابن السَّمَيْقَع: {بَلْ هَذَا آيَاتٌ بَيِّنَاتَ} وكان عليه السلام آيات لا آية واحدة؛ لأنه دلّ على أشياء كثيرة من أمر الدين؛ فلهذا قال: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتَ}. وقيل: بل هو ذو آيات بيّنات، فحذف المضاف. {وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ ٱلظَّالِمُونَ} أي الكفار؛ لأنهم جحدوا نبوته وما جاء به.

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّمَا ٱلْـَٔايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٥٠ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥١ قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٥٢

قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} هذا قول المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه هلا أنزل عليه آية كآيات الأنبياء. قيل: كما جاء صالح بالناقة، وموسى بالعصا، وعيسى بإحياء الموتى؛ أي {قُلْ} لهم يا محمد: {إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ} فهو يأتي بها كما يريد، إذا شاء أرسلها وليست عندي {وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي: {آيَةٌ} بالتوحيد. وجمع الباقون. وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ}.

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} هذا جواب لقولهم {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ} أي أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز الذي قد تحدّيتهم بأن يأتوا بمثله، أو بسورة منه فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى لقالوا: سحر ونحن لا نعرف السحر؛ والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة. وقيل: إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن عُيَيْنة عن عمرو بن دينار عن يحيـى بن جعدة قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتف فيه كتاب فقال:

كفى بقوم ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهمفأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ} أخرجه أبو محمد الدارميّ في مسنده. وذكره أهل التفسير في كتبهم. وفي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه:لو كان موسى بن عمران حيّاً لما وسعه إلا اتباعيوفي مثله قال صلى الله عليه وسلم:ليس منا من لم يَتغنَّ بالقرآن أي يستغني به عن غيره. وهذا تأويل البخاري رحمه الله في الآية. وإذا كان لقاء ربه بكل حرف عشر حسنات فأكثر على ما ذكرناه في مقدمة الكتاب فالرغبة عنه إلى غيره ضلال وخسران وغبن ونقصان. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في القرآن {لَرَحْمَةً} في الدنيا والآخرة. وقيل: رحمة في الدنيا باستنقاذهم من الضلالة. {وَذِكْرَىٰ} في الدنيا بإرشادهم به إلى الحق {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

قوله تعالى: {قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً} أي قل للمكذبين لك كفى بالله شهيداً يشهد لي بالصدق فيما أدعِيه من أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. {يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي لا يخفى عليه شيء. وهذا احتجاج عليهم في صحة شهادته عليهم؛ لأنهم قد أقروا بعلمه فلزمهم أن يقرّوا بشهادته. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْبَاطِلِ} قال يحيـى بن سلام: بإبليس. وقيل: بعبادة الأوثان والأصنام؛ قاله ابن شجرة. {وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ} أي لتكذيبهم برسله، وجحدهم لكتابه. وقيل: بما أشركوا به من الأوثان، وأضافوا إليه من الأولاد والأضداد. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أنفسهم وأعمالهم في الآخرة.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٥٣ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٤ يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٥٥

قوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} لما أنذرهم بالعذاب قالوا لفرط الإنكار عَجّل لنا هذا العذاب. وقيل: إن قائل ذلك النّضر بن الحرث وأبو جهل حين قالا؛

{ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ }[الأنفال: 32] وقولهم: { رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ }[صۤ: 16] وقوله: {وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى} في نزول العذاب. قال ابن عباس: يعني هو ما وعدتك ألا أعذب قومك وأؤخرهم إلى يوم القيامة. بيانه: { بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ }[القمر: 46]. وقال الضحاك: هو مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: المراد بالأجل المسمى النفخة الأولى، قاله يحيـى بن سلاّم. وقيل: الوقت الذي قدره الله لهلاكهم وعذابهم؛ قاله ابن شجرة. وقيل: هو القتل يوم بدر. وعلى الجملة فلكل عذاب أجل لا يتقدم ولا يتأخر. دليله قوله: { لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ }[الأنعام: 67]. {لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ} يعني الذي استعجلوه. {وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة. {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أي لا يعلمون بنزوله عليهم. {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} أي يستعجلونك وقد أعد لهم جهنم وأنها ستحيط بهم لا محالة، فما معنى الاستعجال. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي أمية وأصحابه من المشركين حين قالوا { أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً }[الإسراء: 92].

قوله تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ} قيل: هو متصل بما هو قبله؛ أي يوم يصيبهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، فإذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم. وإنما قال {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} للمقاربة وإلا فالغشيان من فوق أعم؛ كما قال الشاعر:

عَـلَـفْـتُـهَـا تِـبْـنـاً ومـاءً بـارِدا

وقال آخر:

لقد كان قوّادَ الجيادِ إلى العِدَاعليهنّ غابٌ من قَنًى ودروع

{وَيِقُولُ ذُوقُواْ} قرأ أهل المدينة والكوفة: «نَقُولُ» بالنون. الباقون بالياء. واختاره أبو عبيد؛ لقوله: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ} ويحتمل أن يكون الملَك الموكَّل بهم يقول: {ذُوقُوا} والقراءتان ترجع إلى معنى. أي يقول الملك بأمرنا ذوقوا.

يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّٰىَ فَٱعْبُدُونِ ۝٥٦ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ۝٥٧ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ۝٥٨ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٥٩ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ۝٦٠

قوله تعالى: {يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} هذه الآية نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة ـ في قول مقاتل والكلبي ـ فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب. بل الصواب أن يتلمس عبادة الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها فهاجروا إلى المدينة فإنها واسعة؛ لإظهار التوحيد بها. وقال ابن جبير وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق. وقاله مالك. وقال مجاهد: {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} فهاجروا وجاهدوا. وقال مُطرِّف بن الشِّخِّير: المعنى إن رحمتي واسعة. وعنه أيضاً: إن رزقي لكم واسع فابتغوه في الأرض. قال سفيان الثوري: إذا كنت بأرض غالية فانتقل إلى غيرها تملأ فيها جرابك خبزاً بدرهم. وقيل: المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة. {فَٱعْبُدُونِ} حتى أورثكموها. {فَإيَّايَ فَاعْبُدُونِ} {إِيَّايَ} منصوب بفعل مضمر، أي فاعبدوا إياي فاعبدون، فاستغنى بأحد الفعلين عن الثاني، والفاء في قوله: {فَإِيَّايَ} بمعنى الشرط؛ أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوني (في غيره)؛ لأن أرضي واسعة.

قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} تقدّم في «آل عمران». وإنما ذكره هاهنا تحقيراً لأمر الدنيا ومخاوفها. كأن بعض المؤمنين نظر في عاقبةٍ تلحقه في خروجه من وطنه من مكة أنه يموت أو يجوع أو نحو هذا، فحقر الله شأن الدنيا. أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله والهجرة إليه وإلى ما يمتثل. ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى الجنة تحريضاً منه تعالى؛ وذكر الجزاء الذي ينالونه، ثم نعتهم بقوله: {ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وقرأ أبو عمر ويعقوب والجحدري وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: {يَا عِبَادِي} بإسكان الياء. وفتحها الباقون. {إِنَّ أَرْضِي} فتحها ابن عامر. وسكنها الباقون. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من فرّ بدينه من أرض إلى أرض ولو قيد شبر استوجب الجنة وكان رفيق محمد وإبراهيمعليهما السلام. {ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون}. وقرأ السلميّ وأبو بكر عن عاصم: {يُرْجَعُونَ} بالياء؛ لقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وقرأ الباقون بالتاء، لقوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} وأنشد بعضهم:

الموتُ في كلِّ حينٍ يَنْشُدُ الكَفنَاونحن في غفلةٍ عَمَّا يُرادُ بِنَا لا تَركننَّ إلى الدّنيا وزَهْرتِهاوإن تَوشَّحْتَ من أثوابها الحَسَنا أينَ الأحبةُ والجيرانُ ما فَعَلُواأينَ الذين هُمُو كانوا لها سَكَنَا سَقَاهُمُ الموتُ كأساً غيرَ صافيةٍصيرهم تحت أطباقِ الثَّرَى رُهُنَا

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} وقرأ ابن مسعود والأعمش ويحيـى بن وثّاب وحمزة والكسائي؛ {لَنُثْوِيَنَّهُمْ} بالثاء مكان الباء من الثوى وهو الإقامة؛ أي لنعطينهم غرفاً يثوون فيها. وقرأ رويس عن يعقوب والجحدري والسلمي: «لَيُبَوِّئَنَّهُمْ» بالياء مكان النون. الباقون {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ} أي «لننزلهم» {غُرَفاً} جمع غرفة وهي العُلِيَّة المشرِفة. وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراؤون أهلَ الغرف من فوقهم كما تتراؤنَ الكوكبَ الدريّ الغابرَ من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم» قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين» وخرج الترمذي عن عليّ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها» فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام» وقد زدنا هذا المعنى بياناً في كتاب «التذكرة» والحمد لله.

قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أسند الواحدي عن يزيد بن هارون، قال: حدّثنا حجاج بن المِنْهال عن الزهري ـ وهو عبد الرحمن بن عطاء ـ عن عطاء

عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر(ويأكل) فقال: «يا بن عمر مالك لا تأكل» فقلت: لا أشتهيه يا رسول الله فقال: «لكني أشتهيه وهذه صبيحة رابعة لم أذق طعاماً ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا بن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سَنَتهم ويضعف اليقين» قال: والله ما برحنا حتى نزلت: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}

قلت: وهذا ضعيف يُضعِفه أنه عليه السلام كان يدخر لأهله قوت سَنَتهم، اتفق البخاري عليه ومسلم. وكان الصحابة يفعلون ذلك وهم القدوة، وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين. وقد روى ابن عباس

أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين بمكة حين أذاهم المشركون: «اخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة» قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا ولا من يسقينا. فنزلت: {وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أي ليس معها رزقها مدّخراً، وكذلك أنتم يرزقكم الله في دار الهجرة. وهذا أشبه من القول الأوّل. وتقدّم الكلام في {كَأَيِّنْ} وأن هذه {أَيّ} دخلت عليها كاف التشبيه وصار فيها معنى كم. والتقدير عند الخليل وسيبويه كالعدد. أي كشيء كثير من العدد من دابة. قال مجاهد: يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئاً. الحسن: تأكل لوقتها ولا تدّخر لغد. وقيل: {لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} أي لا تقدر على رزقها {اللَّهُ يَرْزُقُهَا} أينما توجهت {وَإِيَّاكُمْ}. وقيل: الحمل بمعنى الحمالة. وحكى النقاش: أن المراد النبيّ صلى الله عليه وسلم يأكل ولا يدّخر.

قلت: وليس بشيء؛ لإِطلاق لفظ الدابة، وليس مستعملاً في العرف إطلاقها على الآدمي فكيف على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد مضى هذا في «النمل» عند قوله:

{ وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ }[النمل: 82] قال ابن عباس: الدوابّ هو كل ما دبّ من الحيوان، فكله لا يحمل رزقه ولا يدخر إلا ابن آدم والنمل والفأر. وعن بعضهم رأيت البلبل يحتكر في مِحْضَنه. ويقال للعقعق مخابىء إلا أنه ينساها. {ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} يسوّي بين الحريص والمتوكل في رزقه، وبين الراغب والقانع، وبين الحَيُول والعاجز حتى لا يغتر الجلِد أنه مرزوق بجلَده، ولا يتصوّر العاجز أنه ممنوع بعجزه. وفي «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم:لو أنكم تَوَكَّلون على الله حق تَوكّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصا وتروح بِطانا. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لدعائكم وقولكم لا نجد ما ننفق بالمدينة {ٱلْعَلِيمُ } بما في قلوبكم.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ۝٦١ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ۝٦٢

قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} الآية. لما عيّر المشركون المسلمين بالفقر وقالوا لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء، وكان هذا تمويهاً، وكان في الكفار فقراء أيضاً أزال الله هذه الشبهة. وكذا قول من قال إن هاجرنا لم نجد ما ننفق. أي فإذا اعترفتم بأن الله خالق هذه الأشياء، فكيف تَشكُّون في الرزق، فمن بيده تكوين الكائنات لا يعجز عن رزق العبد؛ ولهذا وصله بقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ}. {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي لا يختلف أمر الرزق بالإيمان والكفر، فالتوسيع والتقتير منه فلا تعيير بالفقر، فكل شيء بقضاء وقدر. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ} من أحوالكم وأموركم. وقيل: عليم بما يصلحكم من إقتار أو توسيع.

وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ۝٦٣ وَمَا هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٦٤

قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي من السحاب مطراً. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا} أي جدبها وقحط أهلها. {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة. وإذا قَدَر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين؛ فكرر تأكيداً. {قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أي لا يتدبرون هذه الحجج. وقيل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» على إقرارهم بذلك. وقيل: على إنزال الماء وإحياء الأرض. {وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ} أي شيء يُلهَى به ويُلعَب. أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول؛ كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات، قال بعضهم: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها. وأنشد:

تروحُ لنا الدنيا بغير الذي غَدَتْوتَحدثُ من بعدِ الأمور أمورُ وتجري الليالي باجتماعٍ وفُرقةٍوتطلُعُ فيها أنجمٌ وتَغورُ فمن ظنّ أنّ الدهرَ باقٍ سرورُهُفذاكَ محالٌ لا يَدُومُ سرورُ عَفَا اللَّهُ عَمَّن صَيَّر الهمَّ واحداًوأيقن أن الدائراتِ تَدورُ

قلت: وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به قوام العيش، والقوّة على الطاعات. وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة، وهو الذي يبقى كما قال: { وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ } [الرحمن: 27] أي ما ابتغى به ثوابه ورضاه. {وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها. وزعم أبو عبيدة: أن الحيوان والحياة والحِيّ بكسر الحاء واحد. كما قال:

وقـد تـرى إذ الـحـيـاةُ حِـيُّ

وغيره يقول: إن الحِيّ جمع على فِعول مثل عِصيّ. والحيوان يقع على كل شيء حيّ. وحيوان عينٌ في الجنة. وقيل: أصل حَيَوان حَيَيَان فأبدلت إحداهما واواً؛ لاجتماع المثلين. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أنها كذلك.

فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ۝٦٥ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٦٦

قوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ} يعني السفن وخافوا الغرق {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي صادقين في نياتهم، وتركوا عبادة الأصنام ودعاءها. {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} أي يدعون معه غيره، وما لم ينزل به سلطاناً. وقيل: إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاّح لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه.

قوله تعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ} قيل: هما لام كي أي لكي يكفروا ولكي يتمتعوا. وقيل: {إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} ليكون ثمرة شركهم أن يجحدوا نعم الله ويتمتعوا بالدنيا. وقيل: هما لام أمر معناه التهديد والوعيد. أي اكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة من البحر وتمتعوا. ودليل هذا قراءة أُبيّ «وَتَمَتَّعُوا». ابن الأنباري: ويقوي هذا قراءة الأعمش ونافع وحمزة: {وَلْيَتَمَتَّعُوا} بجزم اللام. النحاس: {وَلِيَتَمَتَّعُوا} لام كي، ويجوز أن تكون لام أمر؛ لأن أصل لام الأمر الكسر، إلا أنه أمر فيه معنى التهديد. ومن قرأ: {وَلْيَتَمَتَّعُوا} بإسكان اللام لم يجعلها لام كي؛ لأن لام كي لا يجوز إسكانها. وهي قراءة ابن كثير والمسيّبي وقالون عن نافع، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم. الباقون بكسر اللام. وقرأ أبو العالية: {لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد ووعيد.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ ۝٦٧ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَٰفِرِينَ ۝٦٨

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} قال عبد الرحمن بن زيد: هي مكة وهم قريش أَمَّنهم الله تعالى فيها. {وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} قال الضحاك: يقتل بعضهم بعضاً ويَسبي بعضهم بعضاً. والخطف الأخذ بسرعة. وقد مضى في «القصص» وغيرها. فأذكرهم الله عز وجل هذه النعمة ليذعنوا له بالطاعة. أي جعلتُ لهم حرماً آمناً أمنوا فيه من السَّبي والغارة والقتل، وخلّصتهم في البر كما خلصتهم في البحر، فصاروا يشركون في البر ولا يشركون في البحر. فهذا تعجب من تناقض أحوالهم. {أَفَبِٱلْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ} قال قتادة: أفبالشرك. وقال يحيـى بن سلاّم: أفبإبليس. {وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ } قال ابن عباس: أفبعافية الله. وقال ابن شجرة: أفبعطاء الله وإحسانه. وقال ابن سلاّم: أفبما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى. وحكى النقاش: أفبإطعامهم من جوع، وأمنهم من خوف يكفرون. وهذا تعجب وإنكار خرج مخرج الاستفهام.

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكاً وولداً، وإذا فعل فاحشة قال:

{ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } [الأعراف: 28]. {أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ} قال يحيـى بن سلاّم: بالقرآن. وقال السّديّ: بالتوحيد. وقال ابن شجرة: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكل قول يتناول القولين. {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ} أي مستقر. وهو استفهام تقرير.

وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٦٩

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا} أي جاهدوا الكفار فينا. أي في طلب مرضاتنا. وقال السّديّ وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل فرض القتال. قال ابن عطية: فهي قبل الجهاد العرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته. قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العبّاد. وقال ابن عباس وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعملون بما يعلمون. وقد قال صلى الله عليه وسلم:

من عمِل بما علِم علّمه الله ما لم يعلمونزع بعض العلماء إلى قوله { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ } [البقرة: 282]. وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علماً لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ } [البقرة: 282]. وقال أبو سليمان الدارانيّ: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين؛ وقمع الظالمين؛ وعُظْمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله وهو الجهاد الأكبر. وقال سفيان بن عُيَيْنَة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله تعالى يقول: {لَنَهْدِيَنَّهُمْ}. وقال الضحاك: معنى الآية؛ والذين جاهدوا في الهجرة لنهدينهم سبل الثبات على الإيمان. ثم قال: مثل السُّنة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سلم، كذلك من لزم السُّنة في الدنيا سلم. وقال عبد الله بن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. وهذا يتناول بعموم الطاعة جميع الأقوال. ونحوه قول عبد الله بن الزبير قال: تقول الحكمة من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين: أن يعمل بأحسن ما يعلمه، ويجتنب أسوأ ما يعلمه. وقال الحسن بن الفضل: فيه تقديم وتأخير أي الذين هديناهم هم الذين جاهدوا فينا. {لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} أي طريق الجنة؛ قاله السّدي. النقاش: يوفقهم لدين الحق. وقال يوسف بن أسباط: المعنى لنخلصنّ نياتهم وصدقاتهم وصلواتهم وصيامهم. {وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ} لام تأكيد ودخلت في «مَعَ» على أحد وجهين: أن يكون اسماً ولام التوكيد إنما تدخل على الأسماء، أو حرفاً فتدخل عليها؛ لأن فيها معنى الاستقرار؛ كما تقول إن زيداً لفي الدار. و{مع} إذا سكنت فهي حرف لا غير. وإذا فتحت جاز أن تكون اسماً، وأن تكون حرفاً. والأكثر أن تكون حرفاً جاء لمعنى. وتقدّم معنى الإحسان والمحسنين في «البقرة» وغيرها. وهو سبحانه معهم بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع الجميع بالإحاطة والقدرة. فبين المعيّتين بونٌ.
الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ