انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير القرطبيالآيات 27–41

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٢٧

فيه مسألتان:

الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ} أي لا يصرفنّكم الشيطان عن الدِّين؛ كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة. «أَبٌ» للمذكر، و «أبة» للمؤنث. فعلى هذا قيل: أبوان. {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} في موضع نصب على الحال. ويكون مستأنفَا فيوقف على «مِنَ الْجَنَّةِ». {لِيُرِيَهُمَا} نصب بلام كيّ. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} الأصل «يرءاكم» ثم خفّفت الهمزة. «وَقَبِيلُهُ» عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف؛ كقوله: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو، وأن المضمر كالمظهر. وفي هذا أيضاً دليل على وجوب ستر العورة؛ لقوله: {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}. قال الآخرون: إنما فيه التحذير من زوال النعمة؛ كما نزل بآدم صلى الله عليه وسلم. هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك.

الثانية ـ قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} «قَبِيلُهُ» جنوده. قال مجاهد: يعني الجن والشياطين. ابن زيد: «قبيله» نسله. وقيل: جيله. {وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} قال بعض العلماء: في هذا دليل على أن الجنّ لا يُرَوْن؛ لقوله: «مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ». وقيل: جائز أن يُرَوْا؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يُريهم كشف أجسامهم حتى تُرى. قال النحاس: «مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ» يدل على أن الجن لا يُرَون إلا في وقت نبيّ؛ ليكون ذلك دلالة على نبوّته؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقاً لا يُرَون فيه، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم. وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. قال القشيرِيّ: أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم. وفي الخبر:

إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. وقال تعالى: { ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ } [الناس: 5]. وقال عليه السلام: إن للمَلك لمة وللشيطان لَمَّة ـ أي بالقلب ـ فأما لمة الملَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وقد تقدم في «البقرة». وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة. وقد خرّج البخاريّ عن أبي هريرة قال: وكّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة طويلة، ذكر فيها أنه أخذ الجِنِّي الذي كان يأخذ التمر، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: «ما فعل أسِيرك البارحة». وقد تقدّم في «البقرة». وفي صحيح مسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح مُوثَقاً يلعب به وِلدان أهلِ المدينة» ـ في العِفريت الذي تَفَلَّت عليه. وسيأتي في «صۤ إن شاء الله تعالى. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي زيادة في عقوبتهم وسوّينا بينهم في الذهاب عن الحق.

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٢٨

الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عُراةً. وقال الحسن: هي الشرك والكفر. واحتجوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم، وبأن الله أمرهم بها. وقال الحسن: وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا» قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه. {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} بيّن أنهم متحكّمون، ولا دليل على أن الله أمرهم بما ٱدّعوا. وقد مضى ذمّ التقليد وذمّ كثير من جهالاتهم. وهذا منها.

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ۝٢٩ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ۝٣٠

قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} قال ابن عباس: لا إلۤه إلا الله. وقيل: القسط العدل؛ أي أمر بالعدل فأطيعوه. ففي الكلام حذف. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ} أي توجهوا إليه في كل صلاة إلى القبلة. {عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي في أي مسجد كنتم. {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي وحّدوه ولا تشركوا به. {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} نظيره

{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 94] وقد تقدم. والكاف في موضع نصب؛ أي تعودون كما بدأكم؛ أي كما خلقكم أوّل مرة يعيدكم. وقال الزجاج: هو متعلق بما قبله. أي ومنها تخرجون كما بدأكم تعودون. {فَرِيقاً هَدَىٰ} «فريقاً» نصب على الحال من المضمر في «تَعُودُونَ» أي تعودون فريقين: سعداء، وأشقياء. يقوّي هذا قراءة أُبَيّ «تعودون فريقينِ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهِم الضلالة»؛ عن الكسائي. وقال (محمد بن) كعب القرظِيّ في قوله تعالى: {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيّره إلى الضلالة، وإن عمِل بأعمال أهل الهدى. ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى، وإن عمِل بأعمال الضلالة. ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة، وعمِل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم ردّه الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه. قال: «وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ».

وفي هذا رد واضح على القدرية ومن تابعهم. وقيل: «فَرِيقاً» نصب بـ «هَدَى»، «وفَرِيقاً» الثاني نصب بإضمار فعل؛ أي وأضل فريقاً. وأنشد سيبويه:

أصبحتُ لا أحمل السِّلاحَ ولاأملِك رأسَ البعير إن نَفَراً والذِّئْبُ أخشاه إن مررتُ بهوَحْدِي وأخشَى الرياحَ والمطرا

قال الفرّاء: ولو كان مرفوعاً لجاز. {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} وقرأ عيسى بن عمر: «أنهم» بفتح الهمزة، يعني لأنهم.

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٣١

فيه سبع مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ} هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عرياناً؛ فإنه عامٌّ في كل مسجد للصلاة. لأن العبرة للعُموم لا للسّبب. ومن العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد، والذي يعم كل مسجد هو الصلاة. وهذا قول مَن خفي عليه مقاصد الشريعة. وفي صحيح مسلم عن ٱبن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: من يُعِيرُني تِطْوَافاً؟ تجعله على فرجها. وتقول:

اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلّهوما بَدَا منه فلا أحِلّه

فنزلت هذه الآية: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. التطْواف (بكسر التاء). وهذه المرأة هي ضُباعة بنت عامر بن قُرْط؛ قاله القاضي عياض. وفي صحيح مسلم أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحُمْس، والحُمْسُ قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عُراةً إلا أن تعطيهم الحُمْسُ ثياباً فيعطي الرجالُ الرجالَ والنساءُ النساءَ. وكانت الحمس لا يخرجون من المُزْدَلِفة، وكان الناس كلهم يقفون بعرفات. في غير مسلم: ويقولون نحن أهل الحَرَم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا. فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يُعيره ثوباً ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عُرياناً، وإما أن يطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى؛ قال قائل من العرب:

كفَى حَزَنا كَريِّ عليه كأنّهلَقًى بين أيدي الطائفين حَرِيمُ

فكانوا على تلك الجهالة والبدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ} الآية. وأذَّن مؤذِّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يطوف بالبيت عُرْيَان

قلت: ومن قال بأن المراد الصلاة فزينتها النعال؛ لما رواه كُرْز بن وَبْرَة عن عطاء عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم:

«خذوا زينة الصلاة» قيل: وما زينة الصلاة؟ قال: «البسوا نعالكم فَصلّوا فيها»

الثانية ـ دلت الآية على وجوب ستر العورة كما تقدّم. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنها فرض من فروض الصلاة. وقال الأبهرِيّ هي فرض في الجملة، وعلى الإنسان أن يسترها عن أعين الناس في الصلاة وغيرها. وهو الصحيح؛ لـ

قوله عليه السلام لِلْمِسْوَر بن مَخْرَمَة: «ٱرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عُراة». أخرجه مسلم. وذهب إسماعيل القاضي إلى أن ستر العورة من سُنَن الصلاة، وٱحتج بأنه لو كان فرضاً في الصلاة لكان العُريان لا يجوز له أن يصلي؛ لأن كل شيء من فروض الصلاة يجب الإتيان به مع القدرة عليه، أو بدله مع عدمه، أو تسقط الصلاة جملة، وليس كذلك. قال ٱبن العربيّ: وإذا قلنا أن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمامٍ فٱنكشف دُبُره وهو راكع فرفع رأسه فغطّاه أجزأه؛ قاله ٱبن القاسم. وقال سُحْنون: وكل من نظر إليه من المأمومِين أعاد. وروى عن سحنون أيضاً: أنه يعيد ويعيدون؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا ظهرت بطلت الصلاة ـ أصله الطهارة ـ قال القاضي ٱبن العربيّ: أما من قال إن صلاتهم لا تبطل فإنهم لم يفقدوا شرطاً، وأما من قال إنْ أخذه مكانه صَحّت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه فصحيفة يجب محوها ولا يجوز الاشتغال بها. وفي البخارِيّ والنسائِيّ عن عمرو بن سلمة قال: لما رجع قومي من عند النبيّ صلى الله عليه وسلم قالوا قال: ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن. قال: فدعوني فعلَّموني الركوع والسجود؛ فكنت أُصلِّي بهم وكانت عليَّ بردة مفتوقة، وكانوا يقولون لأبي: ألا تُغَطِّي عنا ٱسْتَ ٱبنك. لفظ النسائيّ. وثبت عن سهل بن سعد قال: لقد كانت الرجال عاقدي أَزُرِهم في أعناقهم من ضيق الأُزُر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة كأمثال الصبيان؛ فقال قائل: يا معشر النساء، لا ترفعن رؤوسكن حتى ترفع الرجال. أخرجه البخارِيّ والنسائِي وأبو داود.

الثالثة ـ وٱختلفوا إذا رأى عورة نفسه؛ فقال الشافعيّ: إذا كان الثوب ضيقاً يُزرّه أو يخلِّله بشيء لئلا يتجافى القميص فتُرى من الجيب العورة، فإن لم يفعل ورأى عورة نفسه أعاد الصلاة. وهو قول أحمد. ورخّص مالك في الصلاة في القميص محلول الأزرار، ليس عليه سراويل. وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور. وكان سالِم يُصلي محلول الأزرار. وقال داود الطائي: إذا كان عظيم اللحية فلا بأس به. وحكى معناه الأَثْرم عن أحمد. فإن كان إماماً فلا يصلي إلا بردائه؛ لأنه من الزينة. وقيل: من الزينة الصلاة في النعلين؛ رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يصحّ. وقيل: زينة الصلاة رفع الأيدي في الركوع وفي الرفع منه. قال أبو عمر: لكل شيء زينة وزينة الصلاة التكبير ورفع الأيدي. وقال عمر رضي الله عنه: إذا وَسّع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم، جمع رجل عليه ثيابه، صلَّى في إزار ورِداء، في إزار وقميص، في إزار وقَبَاء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقَباء ـ وأحسبه قال: في تُبَّان وقميص ـ في تُبَّان ورداء، في تُبَّان وقَباء. رواه البخارِيّ والدارقطنِيّ.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} قال ٱبن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سَرَفاً أو مَخِيلة. فأمّا ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سدّ الجَوْعة وسكَّن الظّمأ، فمندوب إليه عقلاً وشرعاً، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس؛ ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يُضعف الجسد ويُميت النفس، ويُضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظٌّ من بَرٍّ ولا نصيب من زهد؛ لأن ما حرِمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثواباً وأعظم أجراً. وقد ٱختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ٱبن العربيّ: وهو الصحيح؛ فإن قدر الشبع يختلف بٱختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطّعمان. ثم قيل: في قِلّة الأكل منافع كثيرة؛ منها أن يكون الرجل أصح جسماً وأجود حِفظاً وأزكى فهما وأقل نوماً وأخف نفساً. وفي كثرة الأكل كَظَّ المعدة ونتن التُّخْمة، ويتولّد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء. وقد بين النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بياناً شافياً يُغنِي عن كلام الأطباء فقال:

ما ملأ آدميٌّ وعاء شراً من بطن بحسْب ٱبن آدم لُقيمات يقمن صُلْبَه فإن كان لا محالة فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلث لنفسَه. خرّجه الترمذيّ من حديث المِقْدام بن مَعْدِي كرِب. قال علماؤنا: لو سمع بُقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة. ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصرانِيّ حاذق فقال لعليّ بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له عليّ: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: {وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}. فقال النصرانِيّ: ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب. فقال عليّ: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: المعِدة بيت الأدواء والحِمْيَةُ رأسُ كلّ دواء وأعط كل جسد ما عوّدته. فقال النصرانِيّ: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبّاً.

قلت: ويقال إن معالجة المريض نصفان: نصفٌ دواءٌ ونصف حِمْية. فإن ٱجتمعا فكأنك بالمريض قد برأ وصَحّ، وإلاّ فالحِمية به أولى؛ إذ لا ينفع دواء مع ترك الحِمية. ولقد تنفع الحِمية مع ترك الدواء. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أصل كل دواء الحِمية. والمعنيّ بها ـ والله أعلم ـ أنها تغني عن كلّ دواء؛ ولذلك يقال: إن الهند جُلّ معالجتهم الحِمية، يمتنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدّةَ أيام فيبرأ ويصح.

الخامسة ـ روى مسلم عن ٱبن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في مِعًى واحد. وهذا منه صلى الله عليه وسلم حضُّ على التقليل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالبُلْغَة. وقد كانت العرب تمتدح بقلة الأكل وتذم بكثرته. كما قال قائلهم:

تكفيه فِلْذةِ كبْد إن أَلمّ بهامن الشِّواء ويُرْوي شُرْبَهُ الغُمَرُ

وقالت أُمُّ زَرْع في ٱبن أبي زرع: ويُشبعه ذراعُ الجفْرَة. وقال حاتم الطائي يذم بكثرة الأكل:

فإنك إن أعطيتَ بطنك سُؤْلَهوفرجَك نالا مُنتهى الذَّمّ أجمعا

وقال الخَطّابيّ: معنى قوله صلى الله عليه وسلم: المؤمنُ يأكل في مِعًى واحدأنه يتناول دون شبعه، ويؤثِر على نفسه ويُبقي من زاده لغيره؛ فيقنعه ما أكل. والتأويل الأوّل أولى والله أعلم. وقيل في قوله عليه السلام:والكافر يأكل في سبعة أمعاء ليس على عمومه؛ لأن المشاهدة تدفعه، فإنه قد يوجد كافر أقلّ أكلاً من مؤمن، ويُسلم الكافرُ فلا يَقِلّ أكله ولا يزيد. وقيل: هو إشارة إلى معيَّن. ضاف النبيّ صلى الله عليه وسلم ضيفٌ كافر يقال: إنه الجَهْجَاه الغِفارِيّ. وقيل: ثُمَامة بن أثَال. وقيل: نَضْلة بن عمرو الغِفَاريّ. وقيل: بَصْرة بن أبي بصرة الغِفاريّ. فشرب حِلاَب سبع شياهٍ، ثم إنه أصبح فأسلم فشرِب حلاب شاةٍ فلم يَستتمّه؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك. فكأنه قال هذا الكافر. والله أعلم. وقيل: إن القلب لما تنور بنور التوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوِّي على الطاعة، فأخذ منه قدر الحاجة، وحين كان مُظلِماً بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تَثْلِط.

واختلف في هذه الأمعاء، هل هي حقيقة أم لا؟ فقيل: حقيقة، ولها أسماء معروفة عند أهل العلم بالطب والتشريح. وقيل: هي كنايات عن أسباب سبعة يأكل بها النَّهِم: يأكل للحاجة والخبر والشم والنظر واللمس والذوق ويزيد استغناماً. وقيل: المعنى أن يأكل أكل من له سبعة أمعاء. والمؤمن بخفة أكله يأكل أكل من ليس له إلا مِعًى واحد؛ فيشارك الكافر بجزء من أجزاء أكله، ويزيد الكافر عليه بسبعة أمثاله. والمِعَى في هذا الحديث هو المعدة.

السادسة: وإذا تقرّر هذا فٱعلم أنه يستحب للإنسان غسلُ اليد قبل الطعام وبعده؛ لقوله عليه السلام:

الوضوء قبل الطعام وبعده بركة. وكذا في التوراة. رواه زَاذَان عن سَلْمان. وكان مالك يكره غسل اليد النظيفة. والاقتداء بالحديث أوْلى. ولا يأكل طعاماً حتى يعرف أحارًّا هو أم بارداً؟ فإنه إن كان حارًّا فقد يتأذّى. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبْرِدُوا بالطعام فإن الحارّ غيرُ ذي بركةحديث صحيح. وقد تقدّم في «البقرة». ولا يشمّه فإن ذلك من عمل البهائم، بل إن ٱشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، ويصغّر اللقمة ويكثر مضغها لئلا يُعَدّ شَرِها. ويُسمّي الله تعالى في أوّله ويحمده في آخره. ولا ينبغي أن يرفع صوته بالحمد إلا أن يكون جلساؤه قد فرغوا من الأكل؛ لأن في رفع الصوت منْعاً لهم من الأكل. وآداب الأكل كثيرة، هذه جملة منها. وسيأتي بعضها في سورة «هود» إن شاء الله تعالى. وللشراب أيضاً آداب معروفة، تركنا ذكرها لشهرتها. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله».

السابعة: قوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أي في كثرة الأكل، وعنه يكون كثرة الشُّرب، وذلك يثقل المعدة، ويثبّط المعدة، ويثبّط الإنسان عن خدمة ربّه، والأخذِ بحظه من نوافل الخير. فإن تعدّى ذلك إلى ما فوقه مما يمنعه القيام بالواجب عليه حُرم عليه، وكان قد أسرف في مطعمه ومشربه. روى أسد بن موسى من حديث عون بن أبي جُحَيْفَة عن أبيه قال: أكلت ثريداً بلحم سمين، فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنا أتَجشَّى؛ فقال:

ٱكفف عليك من جُشائك أبا جحيفة فإن أكثر الناس شِبَعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة. فما أكل أبو جحيفة بملء بطنه حتى فارق الدنيا، وكان إذا تغدّى لا يتعشى، وإذا تعشَّى لا يتغدّى.

قلت: وقد يكون هذا معنى قولِه عليه السلام:

المؤمن يأكل في مِعًى واحد أي التام الإيمان؛ لأن من حسن إسلامه وكمل إيمانه كأبي جحيفة تفكر فيما يصير إليه من أمر الموت وما بعده؛ فيمنعه الخوف والإشفاق من تلك الأهوال من استيفاء شهواته. والله أعلم. وقال ابن زيد: معنى «وَلاَ تَسْرِفُوا» لا تأكلوا حراماً. وقيل:مِن السرف أن تأكل كل ما ٱشتهيت. رواه أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، خرّجه ابن ماجه في سننه. وقيل: من الإسراف الأكل بعد الشبع. وكل ذلك محظور. وقال لقمان لابنه: يا بنيّ لا تأكل شبعاً فوق شبع، فإنك إن تنبذه للكلب خير من أن تأكله. وسأل سَمُرة بن جُنْدُب عن ٱبنه ما فعل؟ قالوا: بشِم البارحة. قال: بَشمٰ فقالوا: نعم. قال: أما إنه لو مات ما صليت عليه. وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا لا يأكلون دسِماً في أيام حجهم، ويكتفون باليسير من الطعام، ويطوفون عراة. فقيل لهم: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ} أي لا تسرفوا في تحريم ما لم يحرّم عليكم.

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٣٢

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ} بيّن أنهم حَرّموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرّمه الله عليهم. والزينة هنا الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب؛ كما روي عن عمر: إذا وسّع الله عليكم فأوسعوا. وقد تقدّم. وروي عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب شيخِ مالك رضي الله عنهم أنه كان يلبس كساء خَزٍّ بخمسين ديناراً، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدّق به، أو باعه فتصدّق بثمنه، وكان يلبَس في الصيف ثوبين من مَتاع مِصر مُمَشَّقَيْن ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}.

الثانية: وإذا كان هذا فقد دلّت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمُّل بها في الجُمَع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان. قال أبو العالِية: كان المسلمون إذا تزاوَروا تجمّلوا. وفي صحيح مسلم

من حديث عمر بن الخطاب أنه رأى حُلَّةَ سِيَرَاءَ تباع عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها ليوم الجمعة وللوفود إذا قدِموا عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة». فما أنكر عليه ذكر التجمّل، وإنما أنكر عليه كونها سِيَرَاءَ. وقد اشترى تميم الدّارِي حُلَّة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دِينار يلبس الثياب العدَنية الجياد. وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار. أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثِر لباس الخشن من الكتّان والصوف من الثياب. ويقول: «وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ» هيهاتٰ أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا واللهٰ بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنُّهَى، وغيرهم أهل دَعْوَى، وقلوبهم خالية من التقوى. قال خالد بن شَوْذَب: شهدت الحسن وأتاه فَرْقَد، فأخذه الحسن بكسائه فمدّه إليه وقال: يا فُرَيْقَد، يٱبن أمّ فريقد، إن البِرّ ليس في هذا الكساء، إنما البِرّ ما وَقَرَ في الصدر وصدّقه العمل. ودخل أبو محمد ٱبن أخي معروف الكرخِيّ على أبي الحسن بن يَسَار وعليه جبة صوف، فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد، صوّفت قلبك أو جسمك؟ صوّف قلبك وٱلبس القُوهِيّ على القُوهِيّ وقال رجل للشّبْليّ: قد ورد جماعة من أصحابك وهم في الجامع، فمضى فرأى عليهم المرقّعات والفُوَط، فأنشأ يقول:

أمّا الخيام فإنها كخيامهموأرى نساء الحيّ غير نسائه

قال أبو الفرج بن الجوزِي رحمه الله: وأنا أكره لبس الفُوَط والمرقّعات لأربعة أوجه: أحدها: أنه ليس من لبس السلف، وإنما كانوا يرقعون ضرورة. والثاني: أنه يتضمن ٱدعاء الفقر، وقد أمِر الإنسان أن يظهر أثر نِعَم الله عليه. والثالث: إظهار التزهد؛ وقد أمرنا بستره. والرابع: أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعة. ومن تشبه بقوم فهو منهم. وقال الطبريّ: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حلّه. ومَن أكل البقول والعدس وٱختاره على خبز البر. ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض شهوة النساء. وسئل بِشْر بن الحارث عن لبس الصوف، فشق عليه وتبينت الكراهة في وجهه ثم قال: لبس الخَزّ والمعَصْفَر أحب إليّ من لبس الصوف في الأمصار. وقال أبو الفرج: وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة، لا المترفعة ولا الدّون، ويتخيّرون أجودها للجمعة والعيد وللقاء الإخوان، ولم يكن تخيّر الأجود عندهم قبيحاً. وأما اللباس الذي يزري بصاحبه فإنه يتضمن إظهار الزهد وإظهار الفقر، وكأنه لسان شكوى من الله تعالى، ويوجب احتقار اللابس؛ وكل ذلك مكروه مَنْهِيّ عنه. فإن قال قائل: تجويد اللباس هَوَى النفس وقد أمِرنا بمجاهدتها، وتزيّن للخلق وقد أمِرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق. فالجواب ليس كل ما تهواه النفس يُذَمّ، وليس كل ما يُتَزَيّن به للناس يُكره، وإنما يُنْهَى عن ذلك إذا كان الشرع قد نهى عنه أو على وجه الرياء في باب الدِّين. فإن الإنسان يجب أن يُرى جميلاً. وذلك حظ للنفس لا يُلام فيه. ولهذا يسرح شعره وينظر في المرآة ويسوّي عمامته ويلبس بطانة الثوب الخشنة إلى داخل وظهارته الحسنة إلى خارج. وليس في شيء من هذا ما يكره ولا يُذَم. وقد روى مَكْحول عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار رَكْوة فيها ماء؛ فجعل ينظر في الماء ويسوّي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: «نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فلْيُهَيِّيء من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال». وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذَرّة من كِبر». فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: «إن الله جميل يحب الجمال الكِبر بَطَر الحق وغَمْطُ الناس». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، تدل كلها على النظافة وحسن الهيئة. وقد روى محمد بن سعد أخبرنا الفضل بن دُكَيْن قال حدّثنا مَنْدل عن ثور عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر بالمشط والمرآة والدّهن والسواك والكحل. وعن ابن جريج: مشط عاج يتمشط به. قال ابن سعد: وأخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: حدّثنا سفيان عن ربيع بن صَبيح عن يزيد الرّقاشيّ عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه ويسرّح لحيته بالماء. أخبرنا يزيد بن هارون حدّثنا عبّاد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مُكْحُلة يكتحل بها عند النوم ثلاثاً في كل عين

الثالثة: قوله تعالى: {وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ} الطيبات اسم عامٌّ لما طاب كَسْباً وطَعْماً. قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرّم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. وقيل: هي كل مستلَذّ من الطعام. وقد ٱختلف في ترك الطيبات والإعراض عن اللذات؛ فقال قوم: ليس ذلك من القُربات، والفعل والترك يستوي في المباحات. وقال آخرون: ليس قُرْبة في ذاته، وإنما هو سبيل إلى الزهد في الدنيا، وقِصر الأمل فيها، وترك التكلف لأجلها؛ وذلك مندوب إليه، والمندوب قُربة. وقال آخرون: ونقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: لو شئنا لاتخذنا صِلاءً وصَلائقَ وصِنَاباً، ولكني سمعت الله تعالى يذمّ أقواماً فقال:

{ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا }[الأحقاف: 20]. ويروى «صَرائق» بالراء، وهما جميعاً الجرادق. والصَّلائق (باللام): ما يلصق من اللحوم والبقول. والصِّلاء (بكسر الصاد والمد): الشّواء. والصِّناب: الخردل بالزبيب. وفرق آخرون بين حضور ذلك كله بكُلْفَة وبغير كلفة. قال أبو الحسن علي بن الفضل المقدسي شيخ أشياخنا: وهو الصحيح إن شاء الله عز وجل؛ فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ٱمتنع من طعام لأجل طِيبه قطُّ، بل كان يأكل الحلوى والعسل والبِطِّيخ والرطّب، وإنما يكره التكلّف لما فيه من التشاغل بشهوات الدنيا عن مهمات الآخرة. والله تعالى أعلم.

قلت: وقد كره بعض الصوفية أكل الطيبات؛ واحتج بقول عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضَرَاوَة كضَرَاوَة الخمر. والجواب أن هذا من عمر قول خرج على من خشي منه إيثار التنعم في الدنيا، والمداومة على الشهوات، وشفاء النفس من اللذات، ونسيان الآخرة والإقبال على الدنيا، ولذلك كان يكتب عمر إلى عماله: إياكم والتنعمَ وزِيّ أهل العجم، وٱخْشَوْشِنوا. ولم يرد رضي الله عنه تحريم شيءٍ أحله الله، ولا تحظير ما أباحه الله تبارك ٱسمه. وقول الله عز وجل أولى ما ٱمتثل وٱعتمد عليه. قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}. وقال عليه السلام:

سيِّد إدامِ الدنيا والآخرة اللحم. وقد روى هِشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الطِّبِّيخ بالرطب ويقول: «يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حر هذا». والطِّبِّيخ لغة في البِطِّيخ، وهو من المقلوب. وقد مضى في «المائدة» الردُّ على من آثر أكل الخشن من الطعام. وهذه الآية تردّ عليه وغيرها: والحمد لله.

الرابعة: قوله تعالى: {قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعني بحقها من توحيد الله تعالى والتصديق له؛ فإن الله ينعم ويرزق، فإن وحّده المنعَمُ عليه وصدّقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد أمكن الشيطان من نفسه. وفي صحيح الحديث:

لا أحد أصبر على أذى من الله يعافيهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد. وتَمَّ الكلام على «الحياة الدنيا». ثم قال «خَالِصَةٌ» بالرفع وهي قراءة ابن عباس ونافع. {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يُخلِص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها. ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا مع غيرهم، وهي للمؤمنين خالصةٌ يوم القيامة. فخالصةٌ مستأنف على خبر مبتدأ مضمر. وهذا قول ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة والسدّي وابن جريج وابن زيد. وقيل: المعنى أن هذه الطيبات الموجودات في الدنيا هي خالصةٌ يوم القيامة، للمؤمنين في الدنيا؛ وخلوصها أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون فقوله: «فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» متعلق «بِآمِنُوا». وإلى هذا يشير تفسير سعيد بن جبير. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع؛ لأن الكلام قد تمّ دونه. ولا يجوز الوقف على هذه القراءة على «الدُّنْيَا»؛ لأن ما بعده متعلق بقوله: «لِلَّذِينَ آمَنُوا» حالاً منه؛ بتقدير قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة؛ قاله أبو عليّ. وخبر الابتداء «لِلَّذِينَ آمَنُوا». والعامل في الحال ما في اللام من معنى الفعل في قوله: «لِلَّذِينَ» واختار سيبويه النصب لتقدم الظرف. {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي كالذي فصّلت لكم الحلال والحرام أفصِّل لكم ما تحتاجون إليه.

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٣٣

فيه مسألة واحدة:

قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية. والفواحش: الأعمال المُفْرِطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن. وروى رَوح بن عُبادة عن زكريا بن إسحاق عن ٱبن أبي نَجيح عن مجاهد قال: «مَا ظَهَرَ مِنْهَا» نكاح الأمهات في الجاهلية «وَمَا بَطَنَ» الزنى. وقال قتادة: سرّها وعلانيتها. وهذا فيه نظر؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدلّ أن المراد بالفواحش بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى. والله أعلم. {وَٱلإِثْمَ} قال الحسن: الخمر. قال الشاعر:

شربتُ الإثمَ حتى ضلّ عقليكذاك الإثمُ تذهبُ بالعقول

وقال آخر:

نشرب الإثم بالصِوَاع جِهاراوترى المسك بيننا مُستعارا

{وَٱلْبَغْيَ} الظلم وتجاوز الحدّ فيه. وقد تقدّم. وقال ثعلب: البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغِي عليه بغير الحق؛ إلا أن ينتصر منه بحق. وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما؛ فنصّ على ذكرهما تأكيداً لأمرهما وقصداً للزجر عنهما. وكذا {وَأَن تُشْرِكُواْ} {وَأَن تَقُولُواْ} وهما في موضع نصب عطفاً على ما قبْلُ. وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر. قال الفرّاء الإثم ما دون الحدّ والاستطالة على الناس. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي؛ كما قال الشاعر:

إني وجدتُ الأمرَ أرشَدُهتقوَى الإله وشرُّه الإثْمُ

قلت: وأنكره ٱبن العربيّ أيضاً وقال: «ولا حجة في البيت؛ لأنه لو قال: شربت الذنب أو شربت الوِزر لكان كذلك، ولم يوجب قوله أن يكون الذنب والوزر ٱسماً من أسماء الخمر كذلك الإثم. والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهلُ باللغة وبطريق الأدلة في المعاني».

قلت: وقد ذكرناه عن الحسن. وقال الجوهريّ في الصحاح: وقد يسمى الخمر إثماً، وأنشد:

شربـت الإثم...

... البيـت

وأنشده الهروِيّ في غريبيه، على أن الخمر الإثم. فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضاً لغةً، فلا تناقض. والبغي: التجاوز في الظلم، وقيل: الفساد.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٣٤

فيه مسألة واحدة:

قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ} أي وقت مؤقت. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ} أي الوقت المعلوم عند الله عز وجل. وقرأ ٱبن سيرين «جاء آجالهم» بالجمع {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} عنه ساعة ولا أقل من ساعة؛ إلا أن الساعة خصت بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات، وهي ظرف زمان. {وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} فدل بهذا على أن المقتول إنما يقتل بأجله. وأجل الموت هو وقت الموت؛ كما أن أجل الدَّين هو وقت حلولِه. وكل شيء وُقِّت به شيء فهو أجل له. وأجل الإنسان هو الوقت الذي يعلم الله أنه يموت الحيّ فيه لا محالة. وهو وقت لا يجوز تأخير موته عنه، لا من حيث إنه ليس مقدوراً تأخيرُه. وقال كثير من المعتزلة إلا من شذّ منهم: إن المقتول مات بغير أجله الذي ضُرب له، وأنه لو لم يقتل لحييَ. وهذا غلط، لأن المقتول لم يمت من أجل قتل غيره له، بل من أجل ما فعله الله من إزهاق نفسه عند الضرب له. فإن قيل: فإن مات بأجله فلِم تقتلون ضاربه وتقتصون منه؟. قيل له: نقتله لتعدّيه وتصرفه فيما ليس له أن يتصرف فيه، لا لموته وخروج الروح إذ ليس ذلك من فعله. ولو ترك الناس والتعدّي من غير قصاص لأدّى ذلك إلى الفساد ودَمار العباد. وهذا واضح.

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٣٥ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٣٦

قوله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} شرط. ودخلت النون توكيداً لدخول «ما». وقيل: ما صلة، أي إن يأتكم. أخبر أنه يرسل إليهم الرسل منهم لتكون إجابتهم أقرب. والقصص إتباع الحديث بعضه بعضاً. {آيَاتِي} أي فرائضي وأحكامي.

{فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} شرط، وما بعده جوابه، وهو جواب الأوّل. أي وأصلح منكم ما بيني وبينه. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } دليل على أن المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون، ولا يلحقهم رعب ولا فزع. وقيل: قد يلحقهم أهوال يوم القيامة، ولكن مآلهم الأمن. وقيل: جواب {إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} ما دلّ عليه الكلام، أي فأطيعوهم {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ} والقول الأوّل قول الزجاج.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ ۝٣٧

قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} المعنى أيّ ظلم أشنع من الافتراء على الله تعالى والتكذيب بآياته. ثم قال: {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ} أي ما كتب لهم من رزق وعمر وعمل؛ عن ٱبن زيد. ابن جُبَيْر: من شقاء وسعادة. ٱبن عباس: من خير وشر. الحسن وأبو صالح: من العذاب بقدر كفرهم. واختيار الطبري أن يكون المعنى: ما كتب لهم، أي ما قدر لهم من خير وشر ورزق وعمل وأجل؛ على ما تقدّم عن ٱبن زيد وٱبن عباس وٱبن جبير. قال: ألا ترى أنه أتبع ذلك بقوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يعني رسل ملك الموت. وقيل: «الْكِتَاب» هنا القرآن؛ لأن عذاب الكفار مذكور فيه. وقيل: «الكتاب» اللوح المحفوظ. ذكر الحسن بن عليّ الحُلْوَانيّ قال: أمْلَى عليّ علِيُّ بن المدِينِي قال: سألت عبد الرحمن بن مَهْدِيّ عن القَدَر فقال لي: كل شيء بقدر، والطاعة والمعصية بقدر، وقد أعظم الفِرية من قال: إن المعاصي ليست بقدر. قال عليّ وقال لي عبد الرحمن بن مهدي: العلم والقدر والكتاب سواء. ثم عرضت كلام عبد الرحمن بن مَهدِيّ على يحيـى ابن سعيد فقال: لم يبق بعد هذا قليل ولا كثير. وروى يحيـى بن مَعِين حدّثنا مَرْوَان الفزارِيّ حدّثنا إسماعيل بن سميع عن بُكير الطويل عن مجاهد عن ٱبن عباس «أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ» قال: قوم يعملون أعمالاً لا بدّ لهم من أن يعملوها. و«حَتّى» ليست غاية، بل هي ابتداء خبر عنهم. قال الخليل وسيبويه: حتى وإمّا وألاَ لا يُمَلْنَ لأنهن حروف ففَرْقٌ بينها وبين الأسماء نحو حُبْلى وسَكْرَى. قال الزجاج: تكتب حتى بالياء لأنها أشبهت سكرى، ولو كتبت ألاَ بالياء لأشبهت إِلَى. ولم تكتب إمّا بالياء لأنها «إنْ» ضُمت إِليها ما. {قَالُوۤاْ أَيْنَمَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} سؤال توبيخ. ومعنى «تَدْعُونَ» تعبدون. {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي بطلوا وذهبوا. قيل: يكون هذا في الآخرة. {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ} أي أقرّوا بالكفر على أنفسهم.

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ ۝٣٨ وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٣٩

قوله تعالى: {قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ} أي مع أُممٍ؛ فـ «فِي» بمعنىٰ مع. وهذا لا يمتنع؛ لأن قولك: زيد في القوم، أي مع القوم وقيل: هي على بابها. أي ٱدخلوا في جملتهم. والقائل قيل: هو الله عز وجل، أي قال الله ٱدخلوا. وقيل: هو مالك خازن النار. {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} أي التي سبقتها إلى النار، وهي أختها في الدين والملة. {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً} أي اجتمعوا. وقرأ الأعمش «تداركوا» وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحْتِيج إلى ألف الوصل. وحكاها المهدوي عن ٱبن مسعود. النحاس: وقرأ ابن مسعود «حتىٰ إذا ٱدّرَكوا» أي أدرك بعضهم بعضاً. وعِصْمَةُ عن أبي عمرو «حتى إذا ٱدّاركوا» بإثبات الألف على الجمع بين الساكنين. وحكى: هذان عبدا الله. وله ثلثا المال. وعن أبي عمرو أيضاً: «إذا إداركوا» بقطع ألف الوصل؛ فكأنّه سكت على «إذا» للتذكُّر، فلما طال سكوته قطع ألف الوصل كالمبتدىء بها. وقد جاء في الشعر قطع ألف الوصل نحو قوله:

يا نفسُ صبراً كلُّ حيّ لاقىٰوكل إثنين إلى ٱفتراق

وعن مجاهد وحُميد بن قيس «حتى إذ ٱدركوا» بحذف ألف «إذا» لالتقاء الساكنين، وحذف الألف التي بعد الدال. «جَمِيعاً» نصب على الحال. {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ} أي آخرهم دخولاً وهم الاتباع لأولاهم وهم القادة. {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ} فاللام في «لأولاهم» لام أجل؛ لأنهم لم يخاطبوا أولاهم ولكن قالوا في حق أولاهم ربنا هؤلاء أضلونا. والضِّعف المثل الزائد على مثله مرة أو مرات. وعن ابن مسعود أن الضِّعف هاهنا الأفاعي والحيات. ونظير هذه الآية { رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً } [الأحزاب: 68]. وهناك يأتي ذكر الضِّعف بأشبع من هذا وما يترتب عليه من الأحكام، إن شاء الله تعالىٰ. {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ} أي للتابع والمتبوع. {وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} على قراءة من قرأ بالياء؛ أي لا يعلم كل فريق ما بالفريق الآخر، إذ لو علم بعض من في النار أن عذاب أحد فوق عذابه لكان نوع سلوة له. وقيل: المعنى «ولَكِنْ لاَ تَعْلَمُونَ» بالتاء، أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما يجدون من العذاب. ويجوز أن يكون المعنى ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ما هم فيه من العذاب. {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي قد كفرتم وفعلتم كما فعلنا، فليس تستحقون تخفيفاً من العذاب {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٤٠ لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤١

قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} أي لأرواحهم. جاءت بذلك أخبار صحاح ذكرناها في كتاب (التذكرة). منها حديث البراء بن عازِب، وفيه في قبض روح الكافر قال: ويخرج منها ريح كأنتن جِيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرّون على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة. فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمىٰ بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحِون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ} الآية. وقيل: لا تفتح لهم أبواب السماء إذا دعوا؛ قاله مجاهد والنخعي. وقيل: المعنىٰ لا تفتح لهم أبواب الجنة لأن الجنة في السماء. ودل على ذلك قوله: {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} والجمل لا يلج فلا يدخلونها ألْبَتَّة. وهذا دليل قطعيّ لا يجوز العفو عنهم. وعلى هذا أجمع المسلمون الذين لا يجوز عليهم الخطأ أن الله سبحانه وتعالىٰ لا يغفر لهم ولا لأحد منهم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: فإن قال قائل كيف يكون هذا إجماعاً من الأمة؟ وقد زعم قوم من المتكلمين بأن مقلِّدة اليهود والنصارىٰ وغيرهم من أهل الكفر ليسوا في النار. قيل له: هؤلاء قوم أنكروا أن يكون المقلِّد كافراً لشبهة دخلت عليهم، ولم يزعموا أن المقلد كافر وأنه مع ذلك ليس في النار، والعلم بأن المقلد كافر أو غير كافر طريقه النظر دون التوقيف والخبر. وقرأ حمزة والكسائي «لاَ يُفَتَّحُ» بالياء مضمومة على تذكير الجمع. وقرأ الباقون بالتاء على تأنيث الجماعة؛ كما قال:

{ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ }[صۤ: 50] فأنث. ولما كان التأنيث في الأبواب غير حقيقي جاز تذكير الجمع. وهي قراءة ابن عباس بالياء. وخفف أبو عمرو وحمزة والكسائي، على معنىٰ أن التخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد للتكثير والتكرير مرة بعد مرة لا غير، والتشديد هنا أولىٰ لأنه على الكثير أدل. والجَمَلُ من الإبل. قال الفرّاء: الجمل زوج الناقة. وكذا قال عبد الله بن مسعود لما سئل عن الجمل فقال: هو زوج الناقة؛ كأنه استجهل من سأله عما يعرفه الناس جميعاً. والجمع جِمَالٌ وأجمال وجمالات وجمائل. وإنما يُسمىٰ جملاً إذا أرْبعَ. وفي قراءة عبد الله: «حتى يلج الجمل الأصفر في سم الخياط». ذكره أبو بكر الأنباري حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن ابن كثير عن مجاهد قال في قراءة عبد الله...؛ فذكره. وقرأ ابن عباس «الجمل» بضم الجيم وفتح الميم وتشديدها. وهو حبل السفينة الذي يقال له القلْس، وهو حبال مجموعة، جمع جملة؛ قاله أحمد بن يحيىٰ ثعلب. وقيل: الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل. وروىٰ عنه أيضاً وعن سعيد بن جبير: «الجمل» بضم الجيم وتخفيف الميم هو القلْس أيضاً والحبل، على ما ذكرنا آنفا. وروىٰ عنه أيضاً «الجُمُل» بضمتين جمع جمل؛ كأسد وأُسُد، والجُمْل مثل أسد وأُسْد. وعن أبي السمال «الجَمْل» بفتح الجيم وسكون الميم، تخفيف «جمل». وسَمُّ الخياط: ثقب الإبرة؛ عن ابن عباس وغيره. وكل ثقب لطيف في البدن يسمىٰ سَمَّاً وسُمَّاً وجمعه سُموم. وجمع السُّم القاتل سِمَام. وقرأ ٱبن سِيرين «في سُمِّ» بضم السين. والخياط: ما يخاط به؛ يقال: خِياط ومخيط؛ مثل إزارٍ ومئزر وقناع ومقنع. والمِهَادُ: الفِراش. وغَواشٍ جمع غاشية، أي نيران تغشاهم. {وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} يعني الكفار. والله أعلم.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ