انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 1–12

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 1–30في هذه الصفحة 20:09
  2. 2 الآيات 31–46 18:32
  3. 3 الآيات 47–64 14:53
  4. 4 الآيات 65–87 18:07
  5. 5 الآيات 88–116 17:01
  6. 6 الآيات 117–141 17:15
  7. 7 الآيات 142–155 15:42
  8. 8 الآيات 156–170 17:17
  9. 9 الآيات 171–188 15:42
  10. 10 الآيات 189–206 13:15

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓصٓ ۝١

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قول الله تعالى: {المص} فقال بعضهم: معناه: أنا الله أفضل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا سفيان، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: {المص}: أنا الله أفضل.

حدثني الحرث، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عمار بن محمد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، في قوله: {المص}: أنا الله أفضل.

وقال آخرون: هو هجاء حروف اسم الله تعالى الذي هو المصوّر. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {المص} قال: هي هجاء المصوِّر.

وقال آخرون: هي اسم من أسماء الله أقسم ربنا به. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {المص} قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله.

وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {المص} قال: اسم من أسماء القرآن.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: هي حروف هجاء مقطعة.

وقال آخرون: هي من حساب الجمل.

وقال آخرون: هي حروف تحوي معاني كثيرة دلّ بها الله خلقه على مراده من ذلك.

وقال آخرون: هي حروف اسم الله الأعظم.

وقد ذكرنا كل ذلك بالرواية فيه، وتعليل كلّ فريق قال فيه قولاً. وأما الصواب من القول عندنا في ذلك بشواهده وأدلته فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٢

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره هذا القرآن يا محمد في كتاب أنزله الله إليك. ورفع «الكتاب» بتأويل: هذا كتاب.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ منه}:. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلا يضق صدرك يا محمد من الإنذار به من أرسلتك لإنذاره به، وإبلاغه من أمرتك بابلاغه إياه، ولا تشكّ في أنه من عندي، واصبر بالمضي لأمر الله واتباع طاعته فيما كلفك وحَمَّلك من عبء أثقال النبوة، كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الله معك. والحرج: هو الضيق في كلام العرب، وقد بينا معنى ذلك بشواهده وأدلته في قوله: {ضَيِّقاً حَرَجاً} بما أغنى عن إعادته. وقال أهل التأويل في ذلك، ما:

حدثني به محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} قال: لا تكن في شك منه.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {فَلا يَكُنِ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} قال: شكّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ}: شكّ منه.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة مثله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} قال: أما الحرج: فشكّ.

حدثنا الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: سمعت مجاهداً، في قوله: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} قال: شكّ من القرآن.

قال أبو جعفر: وهذا الذي ذكرته من التأويل عن أهل التأويل هو معنى ما قلنا في الحرج لأن الشك فيه لا يكون إلا من ضيق الصدر به وقلة الإتساع لتوجيهه وجْهته التي هي وجهته الصحيحة. وإنما اخترنا العبارة عنه بمعنى الضيق، لأن ذلك هو الغالب عليه من معناه في كلام العرب، كما قد بيناه قبل.

القول في تأويل قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى للْمُؤمِنِينَ}.

يعني بذلك تعالى ذكره: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد لتنذر به من أمرتك بإنذاره، {وذِكْرى للمُؤْمِنِينَ} وهو من المؤخَّر الذي معناه التقديم، ومعناه: كتاب أنزل ليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه. وإذا كان معناه كان موضع قوله: {وَذِكْرَى} نصباً بمعنى: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر به، وتذكِّر به المؤمنين. ولو قيل: معنى ذلك: هذا كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه أن تنذر به وتذكِّر به المؤمنين، كان قولاً غير مدفوعة صحته. وإذا وجه معنى الكلام إلى هذا الوجه كان في قوله: {وَذِكْرَى} من الإعراب وجهان: أحدهما النصب بالردّ على موضع لتنذر به، والآخر الرفع عطفاً على الكتاب، كأنه قيل: المص كتاب أنزل إليك وذكرى للمؤمنين.

ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝٣

يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك الذين يعبدون الأوثان والأصنام: اتبعوا أيها الناس ما جاءكم من عند ربكم بالبينات والهدى، واعملوا بما أمركم به ربكم، {ولاَ تَتَّبِعُوا} شيئاً {مِنْ دُونهِ} يعني: شيئاً غير ما أَنزل إليكم ربكم، يقول: لا تتبعوا أمر أوليائكم الذين يأمرونكم بالشرك بالله وعبادة الأوثان، فإنهم يضلونكم ولا يهدونكم.

فإن قال قائل: وكيف قلت: معنى الكلام قل اتبعوا، وليس في الكلام موجوداً ذكر القول؟ قيل: إنه وإن لم يكن مذكوراً صريحاً، فإن في الكلام دلالة عليه، وذلك قوله: {فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ}، ففي قوله: «لِتُنْذِرَ بِهِ» الأمر بالإنذار، وفي الأمر بالإنذار الأمر بالقول لأن الإنذار قول. فكان معنى الكلام: أنذر القوم وقل لهم: اتبعوا ما أُنزل إليكم، كان غير مدفوع. وقد كان بعض أهل العربية يقول قوله: {اتَّبِعُوا} خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعناه: كتاب أُنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، اتبع ما أنزل إليك من ربك. ويرى أن ذلك نظير قول الله:

{ يا أيُّها النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ }إذ ابتدأ خطاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم جعل الفعل للجميع، إذ كان أمْرُ الله نبيه بأمر أمراً منه لجميع أمته، كما يقال للرجل يفرد بالخطاب والمراد به هو وجماعة أتباعه أو عشيرته وقبيلته: أما تتقون الله؟ أما تستحيون من الله؟ ونحو ذلك من الكلام. وذلك وإن كان وجهاً غير مدفوع، فالقول الذي اخترناه أولى بمعنى الكلام لدلالة الظاهر الذي وصفنا عليه.

وقوله: {قَليلاً ما تَذَكَّرُونَ} يقول: قليلاً ما تتعظون وتعتبرون، فتراجعون الحق.

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ۝٤

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: حذّر هؤلاء العابدين غيري والعادلين بي الآلهة والأوثان سخطي، لأَحلّ بهم عقوبتي فأهلكهم كما أهلكتُ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، فكثيراً ما أهلكت قبلهم من أهل قرًى عصوني وكذّبوا رسلي وعبدوا غيري. {فجاءَها بأْسُنا بَياتاً} يقول: فجاءتهم عقوبتنا ونقمتنا ليلاً قبل أن يصبحوا، أوجاءتهم قائلين، يعني نهاراً في وقت القائلة. وقيل: «وكم» لأن المراد بالكلام ما وصفت من الخبر عن كثرة ما قد أصاب الأمم السالفة من المثلاث بتكذيبهم رسله وخلافهم عليه، وكذلك تفعل العرب إذا أرادوا الخبر عن كثرة العدد، كما قال الفرزدق:

كَمْ عَمَّةٍ لَكَ يا جَرِيرُ وخالَةٍفَدْعاءَ قدْ حَلَبَتْ عَليَّ عِشارِي

فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره إنما أخبر أنه أهلك قرى، فما في خبره عن إهلاكه القرى من الدليل على إهلاكه أهلها؟ قيل: إن القرى لا تسمى قرى ولا القرية قرية إلا وفيها مساكن لأهلها وسكان منهم، ففي إهلاكها من فيها من أهلها. وقد كان بعض أهل العربية يرى أن الكلام خرج مخرج الخبر عن القرية، والمراد به أهلها. والذي قلنا في ذلك أولى بالحقّ لموافقته ظاهر التنزيل المتلوّ.

فإن قال قائل: وكيف قيل: {وكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بأْسُنا بَيَاتاً أوْ هُمْ قائِلُونَ} وهل هلكت قرية إلا بمجيء بأس الله وحلول نقمته وسخطه بها؟ فكيف قيل «أهلكناها فجاءها» وإن كان مجيء بأس الله إياها بعد هلاكها؟ فما وجه مجيء ذلك قوماً قد هلكوا وبادوا ولا يشعرون بما ينزل بهم ولا بمساكنهم؟ قيل: إن لذلك من التأويل وجهين كلاهما صحيح واضح منهجه: أحدهما أن يكون معناه: وكم من قرية أهلكناها بخذلاننا إياها عن اتباع ما أنزلنا إليها من البينات والهدى واختيارها اتباع أمر أوليائها، المُغويها عن طاعة ربها، فجاءها بأسنا إذ فعلت ذلك بياتاً، أو هم قائلون. فيكون إهلاك الله إياها: خذلانه لها عن طاعته، ويكون مجيء بأس الله إياهم جزاء لمعصيتهم ربهم بخذلانه إياهم. والآخر منهما: أن يكون الإهلاك هو البأس بعينه. فيكون في ذكر الإهلاك الدلالة على ذكر مجيء البأس، وفي ذكر مجيء البأس الدلالة على ذكر الإهلاك. وإذا كان ذلك كذلك، كان سواء عند العرب بُدىء بالإهلاك ثم عطف عليه بالبأس، أو بديء بالبأس ثم عطف عليه بالإهلاك، وذلك كقولهم: زرتني فأكرمتني إذّ كانت الزيارة هي الكرامة، فسواء عندهم قدّم الزيارة وأخَّر الكرامة، أو قدّم الكرامة وأخَّر الزيارة فقال: أكرمتني فزرتني. وكان بعض أهل العربية يزعم أن في الكلام محذوفاً، لولا ذلك لم يكن الكلام صحيحاً، وأن معنى ذلك: وكم من قرية أهلكناها، فكان مجيء بأسنا إياها قبل إهلاكنا. وهذا قول لا دلالة على صحته من ظاهر التنزيل ولا من خبر يجب التسليم له، وإذا خلا القول من دلالة على صحته من بعض الوجوه التي يجب التسليم لها كان بيِّناً فساده.

وقال آخر منهم أيضاً: معنى الفاء في هذا الموضع معنى الواو، وقال: تأويل الكلام: وكم من قرية أهلكناها وجاءها بأسنا بياتاً. وهذا قول لا معنى له، إذ كان للفاء عند العرب من الحكم ما ليس للواو في الكلام، فصرفها إلى الأغلب من معناها عندهم ما وجد إلى ذلك سبيل أولى من صرفها إلى غيره.

فإن قال: كيف قيل: {فجاءَها بأْسُنا بَياتاً أوْ هُمْ قائِلُون}، وقد علمت أن الأغلب من شأن «أو» في الكلام اجتلاب الشكّ، وغير جائز أن يكون في خبر الله شك؟ قيل: إن تأويل ذلك خلاف ما إليه ذهبتَ، وإنما معنى الكلام: وكم من قرية أهلكناها فجاء بعضها بأسنا بياتاً، وبعضها وهم قائلون. ولو جعل مكان «أو» في هذا الموضع الواو لكان الكلام كالمحال، ولصار الأغلب من معنى الكلام: إن القرية التي أهلكها الله جاءها بأسه بياتاً، وفي وقت القائلة وذلك خبر عن البأس أنه أهلك من قد هلك وأفنى من قد فني، وذلك من الكلام خُلْف ولكن الصحيح من الكلام هو ما جاء به التزيل، إذ لم يفصل القرى التي جاءها البأس بياتاً من القرى التي جاءها ذلك قائلة، ولو فصلت لم يخبر عنها إلا بالواو. وقيل: «فجاءها بأسُنا» خبراً عن القرية أن البأس أتاها، وأجرى الكلام على ما ابتدىء به في أوّل الآية ولو قيل: فجاءهم بأسنا بياتاً لكان صحيحاً فصيحاً ردًّا للكلام إلى معناه، إذ كان البأس إنما قصد به سكان القرية دون بنيانها، وإن كان قد نال بنيانها ومساكنها من البأس بالخراب نحوٌ من الذي نال سكانها. وقد رجع في قوله: {أوْ هُمْ قائِلُونَ} إلى خصوص الخبر عن سكانها دون مساكنها لما وصفنا من أن المقصود بالبأس كان السكان وإن كان في هلاكهم هلاك مساكنهم وخرابها. ولو قيل: «أو هي قائلة» كان صحيحاً إذ كان السامعون قد فهموا المراد من الكلام.

فإن قال قائل: أو ليس قوله: {أوْ هُمْ قائِلُونَ} خبراً عن الوقت الذي أتاهم فيه بأس الله من النهار؟ قيل: بلى. فإن قال: أو ليس المواقيت في مثل هذا تكون في كلام العرب بالواو الدالّ على الوقت؟ قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإنهم قد يحذفون من مثل هذا الموضع استثقالاً للجمع بين حرفي عطف، إذ كان «أو» عندهم من حروف العطف، وكذلك الواو، فيقولون: لقيتني مملقاً أو أنا مسافر، بمعنى: أو وأنا مسافر، فيحذفون الواو وهم مريدوها في الكلام لما وصفت.

فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝٥

يقول تعالى ذكره: فلم يكن دعوى أهل القرية التي أهلكناها إذ جاءهم بأسنا وسطوتنا بياتاً أو هم قائلون، إلا اعترافهم على أنفسهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين وبربهم آثمين ولأمره ونهيه مخالفين. وعنى بقوله جلّ ثناؤه: {دَعْواهُمْ} في هذا الموضع دعاءهم. وللدعوى في كلام العرب وجهان: أحدهما الدعاء والآخر الادّعاء للحقّ. ومن الدعوى التي معناها الدعاء قول الله تبارك وتعالى: {فَمَا زَالَتْ تِلكَ دَعْوَاهُمْ} ومنه قول الشاعر:

وَإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أَشْتَفيبدَعْوَاكِ مِنْ مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ

وقد بيَّنا فيما مضى قبل أن البأس والبأساء: الشدّة، بشواهد ذلك الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله:ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يُعْذِرُوا مِنْ أنْفُسِهِمْ». وقد تأوّل ذلك كذلك بعضهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزرّاد، قال: قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يُعْذِرُوا مِنْ أنْفُسِهِمْقال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: {فَمَا كانَ دَعْوَاهُمْ إذْ جاءَهُمْ بأسُنا}... الآية

فإن قال قائل: وكيف قيل: {فَمَا كانَ دَعْوَاهُمْ إذْ جاءَهُمْ بأْسُنا إلاَّ أنْ قالُوا إنَّا كُنَّا ظالِمِينَ} وكيف أمكنتهم الدعوى بذلك وقد جاءهم بأس الله بالهلاك، أقالوا ذلك قبل الهلاك؟ فإن كانوا قالوه قبل الهلاك، فإنهم قالوا قبل مجيء البأس، والله يخبر عنهم أنهم قالوه حين جاءهم لا قبل ذلك، أو قالوه بعد ما جاءهم فتلك حالة قد هلكوا فيها، فكيف يجوز وصفهم بقيل ذلك إذا عاينوا بأس الله وحقيقة ما كانت الرسل تعدهم من سطوة الله؟ قيل: ليس كل الأمم كان هلاكها في لحظة ليس بين أوّله وآخره مهل، بل كان منهم من غرق بالطوفان، فكان بين أوّل ظهور السبب الذي علموا أنهم به هالكون وبين آخره الذي عمّ جميعهم هلاكه المدّة التي لا خفاء بها على ذي عقل ومنهم من متع بالحياة بعد ظهور علامة الهلاك لأعينهم أياماً ثلاثة، كقوم صالح وأشباههم، فحينئذٍ لما عاينوا أوائل بأس الله الذي كانت رسل الله تتوعدهم به وأيقنوا حقيقة نزول سطوة الله بهم، دعوا:

{ يا وَيْلَنا إنَّا كُنَّا ظالِمِين }} { { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ } مع مجيء وعيد الله وحلول نقمته بساحتهم، فحذّر ربنا جلّ ثناؤه الذين أرسل إليهم نبيه صلى الله عليه وسلم من سطوته وعقابه على كفرهم به وتكذيبهم رسوله، ما حلّ بمن كان قبلهم من الأمم، إذ عصوا رسله واتبعوا أمر كلّ جبار عنيد.

فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٦

يقول تعالى ذكره: لنسألنّ الأمم الذين أرسلت إليهم رسلي ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي، هل عملوا بما أمرتهم به وانتهوا عما نهيتهم عنه وأطاعوا أمري، أم عصوني، فخالفوا ذلك؟ {وَلَنَسْأَلَنَّ المُرْسَلِينَ} يقول: ولنسألنّ الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم، هل بلغتهم رسالاتي وأدّت إليهم ما أمرتهم بأدائه إليه، أم قصَّروا في ذلك ففرّطوا ولم يبلغوهم؟.

وكذلك كان أهل التأويل يتأوّلونه. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسأَلَنَّ المُرْسَلِينَ} قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {فَلَنْسأَلَنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ}... إلى قوله: {غائِبِينَ} قال: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ ارْسِلَ إلَيْهِمْ وَلَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ} يقول فلنسألن الأمم ما عملوا فيما جاءت به الرسل، ولنسألنّ الرسل هل بَّلغوا ما أرسلوا به.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: قال مجاهد: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ} الأمم، ولنسألنَّ الذين أرسلنا إليهم عما ائتمناهم عليه، هل بلَّغوا.

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ۝٧

يقول تعالى ذكره: فلنخبرنّ الرسل ومن أرسلتهم إليه بيقين علم بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه، وما كنا غائبين عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها.

فإن قال قائل: وكيف يسأل الرسل والمرسل إليهم، وهو يخبر أنه يقصّ عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم في ذلك؟ قيل: إن ذلك منه تعالى ذكره ليس بمسألة استرشاد ولا مسألة تعرّف منهم ما هو به غير عالم، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر، كما يقول الرجل للرجل: ألم أحسن إليك فأسأت؟ وألم أصلك فقطعت؟ فكذلك مسألة الله المرسل إليهم بأن يقول لهم: ألم يأتكم رسلي بالبينات؟ ألم أبعث إليكم النذر فتنذركم عذابي وعقابي في هذا اليوم من كفر بي وعبد غيري؟ كما أخبر جلّ ثناؤه أنه قائل لهم يومئذٍ:

{ ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ ألاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة، ومعناه الخبر والقصص وهو بعد توبيخ وتقرير. وأما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: { ألَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ }أنكر ذلك كثير منهم وقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقيل للرسل: هل بلَّغتم ما أُرْسلتم به؟ أو قيل لهم: ألم تبِّلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به؟ كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قال جلّ ثناؤه لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: وكَذَلِكَ { جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم وللمرسل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ، وكلّ ذلك بمعنى القصص والخبر. فأما الذي هو عن الله منفيّ من مسألته خلقه، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول، ليعلم السائل علم ذلك من قبله. فذلك غير جائز أن يوصف الله به لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، وهي المسألة التي نفاها جلّ ثناؤه عن نفسه بقوله: { فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ وَلا جانٌّ }}، وبقوله: { وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ المُجْرِمُونَ }يعني: لا يسأل عن ذلك أحداً منهم علم مستثبت، ليعلم علم ذلك من قبل من سأل منه، لأنه العالم بذلك كله وبكلّ شيء غيره. وقد ذكرنا ما رُوي في معنى ذلك من الخبر في غير هذا الموضع، فكرهنا إعادته. وقد رُوِي عن ابن عباس أنه كان يقول في معنى قوله: {فَلَنقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ} أنه ينطق لهم كتاب عملهم عليهم بأعمالهم. هذا قول غير بعيد من الحقّ، غير أن الصحيح من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تَرْجُمانٌ، فَيَقُولُ لَهُ: أتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذَا وَفَعَلْتَ كَذَا؟ حتى يُذَكِّرَهُ ما فَعَلَ فِي الدُّنْيا». والتسليم لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من التسليم لغيره.

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٨

الوزن: مصدر من قول القائل: وَزَنْت كذا وكذا، أَزِنُه وَزْناً وزَنةً، مثل: وَعَدْته أَعِدُه وَعْداً وعِدَةً، وهو مرفوع بالحقّ، والحقّ به. ومعنى الكلام: والوزن يوم نسأل الذين أُرسل إليهم والمرسلين، الحقّ. ويعني بالحقّ: العدل. وكان مجاهد يقول: الوزن في هذا الموضع: القضاء.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والوزن يومئذٍ: القضاء.

وكان يقول أيضاً: معنى الحقّ ههنا: العدل. ذكر الرواية بذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: {والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَق} قال العدل.

وقال آخرون: معنى قوله: {والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ} وزن الأعمال. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ} توزن الأعمال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ} قال: قال عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب، فلا يزن جناح بعوضة.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ} قال: قال عبيد بن عمير: يؤتى بالرجل الطويل العظيم، فلا يزن جناح بعوضة.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا يوسف بن صهيب، عن موسى، عن بلال بن يحيى، عن حذيفة، قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، قال: يا جبريل زن بينهم، فرُدَّ على المظلوم، وإن لم يكن له حسنات حُمِل عليه من سيئات صاحبه فيرجع الرجل عليه مثل الجبال، فذلك قوله: {والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ}.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} فقال بعضهم: معناه: فمن كثرت حسناته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} قال: حسناته.

وقال آخرون: معنى ذلك: فمن ثقلت موازينه التي توزن بها حسناته وسيئاته، قالوا: وذلك هو الميزان الذي يعرفه الناس، له لسان وكفتان. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار: قوله: {والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ} قال: إنا نرى ميزاناً وكفتين، سمعت عبيد بن عمير يقول: يجعل الرجل العظيم الطويل في الميزان، ثم لا يقوم بجناح ذباب.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار من أن ذلك: هو الميزان المعروف الذي يوزن به، وأن الله جلّ ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات، كما قال جلّ ثناؤه: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} موازين عمله الصالح، {فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} يقول: فأولئك هم الذين ظفروا بالنجاح وأدركوا الفوز بالطلبات، والخلود والبقاء في الجنات، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

ما وُضِعَ فِي المِيزَانِ شَيْءٌ أثْقَلَ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ»، ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزان يوزن به الأعمال على ما وصفت. فإن أنكر ذلك جاهل بتوجيه معنى خبر الله عن الميزان وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عن وجهته، وقال: وكيف توزن الأعمال، والأعمال ليست بأجسام توصف بالثقل والخفة، وإنما توزن الأشياء ليعرف ثقلها من خفتها وكثرتها من قلتها، وذلك لا يجوز إلا على الأشياء التي توصف بالثقل والخفة والكثرة والقلة؟ اقيل له في قوله:«وما وجه وزن الله الأعمال وهو العالم بمقاديرها قبل كونها»: وَزْن ذلك نظير إثباته إياه في أمّ الكتاب، واستنساخه ذلك في الكتاب من غير حاجة به إليه ومن غير خوف من نسيانه، وهو العالم بكل ذلك في كل حال ووقت قبل كونه وبعد وجوده، بل ليكون ذلك حجة على خلقه، كما قال جلّ ثناؤه في تنزيله: كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إلى كِتابِها اليَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كَنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بالحَقّ... الآية، فكذلك وزنه تعالى أعمال خلقه بالميزان حجة عليهم ولهم، إما بالتقصير في طاعته والتضييع وإما بالتكميل والتتميم. وأما وجه جواز ذلك، فإنه كما:

حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان، فيوضع في الكفة، فيخرج له تسعة وتسعون سِجِلاًّ فيها خطاياه وذنوبه. قال: ثم يخرج له كتاب مثل الأنملة، فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال: فتوضع في الكفة فترجح بخطاياه وذنوبه.

فكذلك وزن الله أعمال خلقه بأن يوضع العبد وكتب حسناته في كفة من كفتي الميزان، وكتب سيئاته في الكفة الأخرى، ويحدث الله تبارك وتعالى ثقلاً وخفة في الكفة التي الموزون بها أولى احتجاجاً من الله بذلك على خلقه كفعله بكثير منهم من استنطاق أيديهم وأرجلهم، استشهاداً بذلك عليهم، وما أشبه ذلك من حججه. ويسئل من أنكر ذلك، فيقال له: إن الله أخبرنا تعالى ذكره أنه يثقل موازين قوم في القيامة ويخفف موازين آخرين، وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحقيق ذلك، فما الذي أوجب لك إنكار الميزان أن يكون هو الميزان الذي وصفنا صفته الذي يتعارفه الناس؟ أحجة عقل؟ فقد يقال: وجه صحته من جهة العقل، وليس في وزن الله جلّ ثناؤه خلقه وكتب أعمالهم، لتعريفهم أثقل القسمين منها بالميزان خروج من حكمة، ولا دخول في جور في قضية، فما الذي أحال ذلك عندك من حجة أو عقل أو خبر؟ إذ كان لا سبيل إلى حقيقة القول بإفساد ما لا يدفعه العقل إلا من أحد الوجهين اللذين ذكرت ولا سبيل إلى ذلك. وفي عدم البرهان على صحة دعواه من هذين الوجهين وضوح فساد قوله وصحة ما قاله أهل الحقّ في ذلك. وليس هذا الموضع من مواضع الإكثار في هذا المعنى على من أنكر الميزان الذي وصفنا صفته، إذ كان قصدنا في هذا الكتاب البيان عن تأويل القرآن دون غيره، ولولا ذلك لقرنَّا إلى ما ذكرنا نظائره، وفي الذي ذكرنا من ذلك كفاية لمن وفِّق لفهمه إن شاء الله.

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ ۝٩

يقول جلّ ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله والإيمان به وبرسوله واتباع أمره ونهيه، فأولئك الذين غبنوا أنفسهم حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته {بِمَا كانَوا بآياتِنا يَظْلِمُونَ} يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها. كالذي:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن مجاهد: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} قال: حسناته.

وقيل: «فأولئك» و«مَنْ» في لفظ الواحد، لأن معناه الجمع، ولو جاء موحداً كان صواباً فصيحاً.

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝١٠

يقول تعالى ذكره: ولقد وطّأنا لكم أيها الناس في الأرض، وجعلناها لكم قراراً تستقرّون فيها، ومهاداً تمتهدونها، وفراشاً تفترشونها. {وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ} تعيشون بها أيام حياتكم، من مطاعم ومشارب، نعمة مني عليكم وإحساناً مني إليكم. {قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ} يقول: وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري، واتخاذكم إلهاً سواي. والمعايش: جمع معيشة. واختلفت القرّاء في قراءتها، فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار: {مَعايِشَ} بغير همز، وقرأه عبد الرحمن الأعرج: «مَعائِشَ» بالهمز.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا: {مَعايِشَ} بغير همز، لأنها مفاعل من قول القائل: عشت تعيش، فالميم فيها زائدة والياء في الحكم متحرّكة، لأن واحدها مَفْعَلَة مَعْيَشَة متحركة الياء، نُقلت حركة الياء منها إلى العين في واحدها فلما جمعت ردّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها. وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال مفاعل، وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال فعائل التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل، فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال فالعرب تهمزه كقولهم: هذه مدائن وصحائف ونظائر، لأن مدائن جمع مدينة، والمدينة: فعيلة من قولهم: مدنت المدينة، وكذلك صحائف جمع صحيفة، والصحيفة فعيلة من قولك: صحفت الصحيفة، فالياء في واحدها زائدة ساكنة، فإذا جمعت همزت لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها، وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة، وهي في الجمع متحركة، ولو جعلت مدينة مَفْعلة من دان يدين، وجمعت على مفاعل، كان الفصيح ترك الهمز فيها وتحريك الياء. وربما همزت العرب جمع مفعلة في ذوات الياء والواو وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها، إذا جاءت على مفاعل تشبيهاً منهم جمعها بجمع فعيلة، كما تشبه مَفْعلاً بفَعِيل، فتقول: مَسِيل الماء، من سَال يسيل، ثم تجمعها جمع «فعيل»، فتقول: هي أَمْسِلَة في الجمع تشبيهاً منهم لها بجمع بعير وهو فعيل، إذ تجمعه أبْعِرة، وكذلك يجمع المصير وهو مَفْعل مُصْران، تشبيهاً له بجمع بعير وهو فعيل، إذ تجمعه بُعران، وعلى هذا همز الأعرج: {مَعائِشَ}، وذلك ليس بالفصيح في كلامها. وأولى ما قرىء به كتاب الله من الألسن، أفصحها وأعرفها دون أنكرها وأشذّها.

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝١١

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: تأويل ذلك: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} في ظهر آدم أيها الناس، {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} في أرحام النساء خلقاً مخلوقاً ومثالاً ممثَّلاً في صورة آدم. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ}، قوله: {خَلَقْناكُمْ} يعني آدم، وأما صوّرناكم فذرّيته.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ}... الآية، قال: أما خلقناكم فآدم، وأما صوّرناكم: فذرّية آدم من بعده.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبي جعفر، عن الربيع: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} يعني: آدم، {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} يعني: في الأرحام.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، في قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} يقول: خلقناكم خلق آدم، ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} يقول: خلقنا آدم ثم صوّرنا الذرية في الأرحام.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: خلق الله آدم من طين، ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق، علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم كسا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: خلق الله آدم ثم صوّر ذرّيته من بعده.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمر بن هارون، عن نصر بن مشارس، عن الضحاك: {خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: ذرّيته.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: {ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ} يعني آدم، {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ}، يعني: ذرّيته.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد خلقناكم في أصلاب آبائكم ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُم صَوَّرْناكُمْ} قال: خلقناكم في أصلاب الرجال، وصوّرناكم في أرحام النساء.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، مثله.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الأعمش يقرأ: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: خلقناكم في أصلاب الرجال، ثم صوّرناكم في أرحام النساء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: {خَلَقْناكُمْ} يعني آدم، {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} يعني في ظهره. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} قال: آدم، {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: في ظهر آدم.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} في ظهر آدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج عن مجاهد، قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: صوَّرناكم في ظهر آدم.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد المدني، قال: سمعت مجاهداً في قوله: {ولقَد خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: في ظهر آدم لما تصيرون إليه من الثواب في الآخرة.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عمن ذكره، قال: {خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} قال: خلق الله الإنسان في الرحم، ثم صوّره فشقّ سمعه وبصره وأصابعه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ} ولقد خلقنا آدم، {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} بتصويرنا آدم، كما قد بيَّنا فيما مضى من خطاب العرب الرجل بالأفعال تضيفها إليه، والمعنىّ في ذلك سلفه، وكما قال جلّ ثناؤه لمن بين أظهر المؤمنين من اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

{ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوّةٍ }وما أشبه ذلك من الخطاب الموجَّه إلى الحيّ الموجود والمراد به السلف المعدوم، فكذلك ذلك في قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} معناه: ولقد خلقنا أباكم آدم، ثم صوّرناه.

وإنما قلنا هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب، لأن الذي يتلو ذلك قوله: {ثُمَّ قُلْنا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يصوّر ذرّيته في بطون أمهاتهم، بل قبل أن يخلق أمهاتهم، و«ثم» في كلام العرب لا تأتي إلا بإيذان انقطاع ما بعدها عما قبلها، وذلك كقول القائل: قمت ثم قعدت، لا يكون القعود إذ عطف به ب«ثم» على قوله: «قمت» إلا بعد القيام، وكذلك ذلك في جميع الكلام. ولو كان العطف في ذلك بالواو جاز أن يكون الذي بعدها قد كان قبل الذي قبلها، وذلك كقول القائل: قمت وقعدت، فجائز أن يكون القعود في هذا الكلام قد كان قبل القيام، لأن الواو تدخل في الكلام إذا كانت عطفاً لتوجب للذي بعدها من المعنى ما وجب للذي قبلها من غير دلالة منها بنفسها، على أن ذلك كان في وقت واحد أو وقتين مختلفين، أو إن كانا في وقتين أيهما المتقدّم وأيهما المتأخر. فلما وصفنا قلنا إن قوله: {ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} لا يصحّ تأويله إلا على ما ذكرنا. فإن ظنّ ظانّ أن العرب إذا كانت ربما نطقت ب«ثم» في موضع الواو في ضرورة شعر كما قال بعضهم:

سألْتُ رَبِيَعَةَ مَنْ خَيْرُهاأباً ثُمَّ أمًّا فَقالَتْ لِمَهْ

بمعنى: أباً وأماً، فإن ذلك جائز أن يكون نظيره، فإن ذلك بخلاف ما ظنّ وذلك أن كتاب الله جلّ ثناؤه نزل بأفصح لغات العرب، وغير جائز توجيه شيء منه إلى الشاذّ من لغاتها وله في الأفصح الأشهر معنى مفهوم ووجه معروف. وقد وجَّه بعض من ضعفت معرفته بكلام العرب ذلك إلى أنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وزعم أن معنى ذلك: ولقد خلقناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ثم صوّرناكم. وذلك غير جائز في كلام العرب، لأنها لا تدخل «ثم» في الكلام وهي مراد بها التقديم على ما قبلها من الخبر، وإن كانوا قد يقدّمونها في الكلام، إذا كان فيه دليل على أن معناها التأخير، وذلك كقولهم: قام ثم عبد الله عمرو فأما إذا قيل: قام عبد الله ثم قعد عمرو، فغير جائز أن يكون قعود عمرو كان إلا بعد قيام عبد الله، إذا كان الخبر صدقاً، فقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا للْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا} نظير قول القائل: قام عبد الله ثم قعد عمرو في أنه غير جائز أن يكون أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان إلا بعد الخلق والتصوير لما وصفنا قبل. وأما قوله: {للْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} فإنه يقول جلّ ثناؤه: فلما صوّرنا آدم وجعلناه خلقاً سويًّا، ونفخنا فيه من روحنا، قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم، ابتلاءً منا واختباراً لهم بالأمر، ليعلم الطائع منهم من العاصي {فَسَجَدُوا} يقول: فسجد الملائكة {إلاَّ إبْلِيسَ} فإنه {لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} لآدم حين أمره الله مع من أمر من سائر الملائكة غيره بالسجود. وقد بيَّنا فيما مضى المعنى الذي من أجله امتحن جلّ جلاله ملائكته بالسجود لآدم، وأمر إبليس وقصصه، وبما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝١٢

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن قيله لإبليس إذ عصاه، فلم يسجد لآدم إذ أمره بالسجود له، يقول: {قالَ} الله لإبليس: {ما مَنَعَكَ} أيّ شيء منعك {ألاَّ تَسْجُدَ}: أن تدع السجود لآدم، {إذْ أمَرْتُكَ} أن تسجد. {قالَ أنا خَيْرٌ مِنْهُ} يقول: قال إبليس: أنا خير من آدم، {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}.

فإن قال قائل: أخبرنا عن إبليس، ألحقته الملامة على السجود أم على ترك السجود؟ فإن تكن لحقته الملامة على ترك السجود، فكيف قيل له: {ما مَنَعَكَ ألاَّ تَسْجُدَ إذْ أمرْتُكَ}؟ وإن كان النكير على السجود، فذلك خلاف ما جاء به التنزيل في سائر القرآن، وخلاف ما يعرفه المسلمون. قيل: إن الملامة لم تلحق إبليس إلا على معصيته ربه بتركه السجود لآدم إذ أمره بالسجود له، غير أن في تأويل قوله: {ما مَنَعَكَ ألاَّ تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ} بين أهل المعرفة بكلام العرب اختلافاً أبدأ بذكر ما قالوا، ثم أذكر الذي هو أولى ذلك بالصواب فقال بعض نحويي البصرة: معنى ذلك: ما منعك أن تسجد، و«لا» ههنا زائدة، كما قال الشاعر:

أبَى جُودُه لا البُخْلَ واستَعْجَلَتْ بِهِنَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قَاتِلَهْ

وقال: فسرته العرب: أبى جوده البخل، وجعلوا «لا» زائدة حشواً ههنا وصلوا بها الكلام. قال: وزعم يونس أن أبا عمرو كانَ يجرّ «البخل»، ويجعل «لا» مضافة إليه، أراد: أبى جوده «لا» التي هي للبخل، ويجعل «لا» مضافة، لأن «لا» قد تكون للجود والبخل، لأنه لو قال له: امنع الحقّ ولا تعط المسكين، فقال «لا» كان هذا جوداً منه.

وقال بعض نحويي الكوفة نحو القول الذي ذكرناه عن البصريين في معناه وتأويله، غير أنه زعم أن العلة في دخول «لا» في قوله: {أنْ لا تَسْجُدَ} أن في أوّل الكلام جحداً، يعني بذلك قوله: {لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} فإن العرب ربما أعادوا في الكلام الذي فيه جحد الجحد، كالاستيثاق والتوكيد له قال: وذلك كقولهم:

ما إنْ رأيْنا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍسُودِ الرُّءُوسِ فَوَالِجٌ وَفُيُولُ

فأعاد على الجحد الذي هو «ما» جحداً، وهو قوله «إن» فجمعهما للتوكيد.

وقال آخر منهم: ليست «لا» بحشو في هذا الموضع، ولا صلة، ولكن المنع ههنا بمعنى القول. إنما تأويل الكلام: من قال لك لا تسجد إذا أمرتك بالسجود؟ ولكن دخل في الكلام «أنْ» إذا كان المنع بمعنى القول لا في لفظه، كما يفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول، وهو له في اللفظ مخالف كقولهم: ناديت أن لا تقم، وحلفت أن لا تجلس، وما أشبه ذلك من الكلام.

وقال بعض من روى: «أبى جوده لا البخل» بمعنى: كلمة البخل، لأن «لا» هي كلمة البخل، فكأنه قال: كلمة البخل.

وقال بعضهم: معنى المنع: الحول بين المرء وما يريده، قال: والممنوع مضطَّرٌ به إلى خلاف ما منع منه، كالممنوع من القيام وهو يريده، فهو مضطّر من الفعل إلى ما كان خلافاً للقيام، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه، فيؤثر أحدهما على الآخر فيفعله قال: فلما كانت صفة المنع ذلك، فخوطب إبليس بالمنع، فقيل له: {ما مَنَعَكَ ألاَّ تَسْجُدَ} كان معناه: كأنه قيل له: أيّ شيء اضطرّك إلى أن لا تسجد.

قال أبو جعفر: والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال: إن في الكلام محذوفاً قد كفى دليل الظاهر منه، وهو أن معناه: ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد؟ فترك ذكر أحوجك استغناء بمعرفة السامعين. قوله:

{ إلاَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ }أن ذلك معنى الكلام من ذكره، ثم عمل قوله {ما مَنَعَكَ} في أن ما كان عاملاً فيه قبل أحوجك لو ظهر إذ كان قد ناب عنه.

وإنما قلنا إن هذا القول أولى بالصواب لما قد مضى من دلالتنا قبل على أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له، وأن لكلّ كلمة معنى صحيحاً، فتبين بذلك فساد قول من قال «لا» في الكلام حشو لا معنى لها. وأما قول من قال: معنى المنع ههنا: القول، فلذلك دخلت «لا» مع «أن، فإن المنع وإن كان قد يكون قولاً وفعلاً، فليس المعروف في الناس استعمال المنع في الأمر بترك الشيء، لأن المأمور بترك الفعل إذا كان قادراً على فعله وتركه ففَعَله لا يقال فعله وهو ممنوع من فعله إلا على استكراه للكلام وذلك أن المنع من الفعل حوّل بينه وبينه، فغير جائز أن يكن وهو محُول بينه وبينه فاعلاً له، لأنه إن جاز ذلك وجب أن يكون محولاً بينه وبينه لا محولاً وممنوعاً لا ممنوعاً وبعد، فإن إبليس لم يأتمر لأمر الله تعالى بالسجود لآدم كِبراً، فكيف كان يأتمر لغيره في ترك أمر الله وطاعته بترك السجود لآدم، فيجوز أن يقال له: أيّ شيء قال لك لا تسجد لآدم إذ أمرتك بالسجود له؟ ولكن معناه إن شاء الله ما قلت: ما منعك من السجود له، فأحوجك، أو فأخرجك، أو فاضطّرك إلى أن لا تسجد له على ما بيَّنت.

وأما قوله: {أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} فإنه خبر من الله جلّ ثناؤه عن جواب إبليس إياه إذ سأله: ما الذي منعه من السجود لآدم، فأحوجه إلى أن لا يسجد له، واضطرّه إلى خلافه أمره به وتركه طاعته أن المانع كان له من السجود والداعي له إلى خلافه أمر ربه في ذلك أنه أشدّ منه يداً وأقوى منه قوّة وأفضل منه فضلاً، لفضل الجنس الذي منه خلق وهو النار، من الذي خلق منه آدم وهو الطين فجهل عدوّ الله وجه الحقّ، وأخطأ سبيل الصواب، إذ كان معلوماً أن من جوهر النار: الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع علوّاً، والذي في جوهرها من ذلك هو الذي حمل الخبيثَ بعد الشقاء الذي سبق له من الله في الكتاب السابق على الاستكبار عن السجود لآدم والاستخفاف بأمر ربه، فأورثه العطب والهلاك، وكان معلوماً أن من جوهر الطين: الرزانة والأناة والحلم والحياء والتثبت، وذلك الذي في جوهره من ذلك كان الداعي لآدم بعد السعادة التي كانت سبقت له من ربه في الكتاب السابق إلى التوبة من خطيئته، ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: «أوّل من قاس إبليس»، يعنيان بذلك: القياس الخطأ، وهو هذا الذي ذكرنا من خطأ قوله وبُعده من إصابة الحقّ في الفضل الذي خصّ الله به آدم على سائر خلقه من خلقه إياه بيده، ونفخه فيه من روحه، وإسجاده له الملائكة، وتعليمه أسماء كلّ شيء مع سائر ما خصه به من كرامته فضرب عن ذلك كله الجاهل صفحاً، وقصد إلى الاحتجاج بأنه خلقه من نار وخلق آدم من طين، وهو في ذلك أيضاً له غير كفء، لو لم يكن لآدم من الله جلّ ذكره تكرمة شيء غيره، فكيف والذي خصّ به من كرامته يكثر تعداده ويُمِلّ إحصاؤه؟.

حدثني عمرو بن مالك، قال: ثنا يحيى بن سليم الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أوّل من قاس إبليس، وما عُبِدَتِ الشمس والقمر إلا بالمقاييس.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن الحسن، قوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} قال: قاس إبليس وهو أوّل من قاس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما خلق الله آدم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر، لما كان حدّث نفسه من كبره واغتراره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقاً، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {خَلقْتَني منْ نارٍ} قال: ثم جعل ذرّيته من ماء.

قال أبو جعفر: وهذ الذي قاله عدوّ الله ليس لما سأله عنه بجواب، وذلك أن الله تعالى ذكره قال له: ما منعك من السجود؟ فلم يجب بأن الذي منعه من السجود: أنه خلقه من نار، وخلق آدم من طين، ولكنه ابتدأ خبراً عن نفسه، فيه دليل على موضع الجواب، فقال: {أنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي منْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ