انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير القرطبيالآيات 158–177

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥٨

ذكر أن موسىٰ بَشَّر به، وأن عيسىٰ بَشّر به. ثم أمره أن يقول بنفسه «إني رسول الله إليكم جميعاً». و{وَكَلِمَاتِهِ} كلمات الله تعالىٰ كتبه من التوراة والإنجيل والقرآن.

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ۝١٥٩

أي يدعون الناس إلى الهداية. و{يَعْدِلُونَ} معناه في الحكم. وفي التفسير: إن هؤلاء قوم من وراء الصين، من وراء نهر الرّمل، يعبدون الله بالحق والعدل، آمنوا بمحمد وتركوا السبت، يستقبلون قبلتنا، لا يصل إلينا منهم أحد، ولا منا إليهم أحد. فروىٰ أنه لما وقع الاختلاف بعد موسى كانت منهم أمة يهدون بالحق، ولم يقدِروا أن يكونوا بين ظهراني بني إسرائيل حتى أخرجهم الله إلى ناحية من أرضه في عزلة من الخلق، فصار لهم سرَب في الأرض، فمشوا فيه سنة ونصف سنة حتى خرجوا وراء الصين؛ فهم على الحق إلى الآن. وبين الناس وبينهم بحر لا يوصل إليهم بسببه. ذهب جبريل بالنبيّ صلى الله عليه وسلم إليهم ليلة المعراج فآمنوا به وعلمهم سوراً من القرآن وقال لهم: هل لكم مكيال وميزان؟ قالوا: لا، قال: فمن أين معاشكم؟ قالوا: نخرج إلى البرية فنزرع، فإذا حصدنا وضعناه هناك، فإذا احتاج أحدنا إليه يأخذ حاجته. قال: فأين نساؤكم؟ قالوا: في ناحية مِنا، فإذا ٱحتاج أحدنا لزوجته صار إليها في وقت الحاجة. قال: فيكذِب أحدكم في حديثه؟ قالوا: لو فعل ذلك أحدنا أخذته لظىٰ، إن النار تنزل فتحرقه. قال: فما بال بيوتكم مستوية؟ قالوا لئلا يعلو بعضنا على بعض. قال: فما بال قبوركم على أبوابكم؟ قالوا: لئلا نغفل عن ذكر الموت. ثم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا ليلة الإسراء أنزل عليه:

{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }[الأعراف: 181] يعني أمة محمد عليه السلام. يعلمه أن الذي أعطيت موسىٰ في قومه أعطيتك في أمتك. وقيل: هم الذين آمنوا بنبينا محمد عليه السلام من أهل الكتاب. وقيل: هم قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسىٰ قبل نسخه، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء.

وَقَطَّعْنَٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝١٦٠ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝١٦١ فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ۝١٦٢

قوله تعالىٰ: {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} عدّد نعمه على بني إسرائيل، وجعلهم أسباطاً ليكون أمر كل سبط معروفاً من جهة رئيسهم؛ فيخف الأمر على موسىٰ. وفي التنزيل:

{ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً } [المائدة: 12] وقد تقدّم. وقوله: {ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ} والسبط مذكر لأن بعده «أُمَماً» فذهب التأنيث إلى الأمم. ولو قال: ٱثني عشر لتذكير السبط جاز؛ عن الفرّاء. وقيل: أراد بالأسباط القبائل والفِرق؛ فلذلك أنث العدد. قال الشاعر

وإن قريشاً كلها عشرُ أبْطُنوأنت بريء من قبائلها العَشْر

فذهب بالبَطْن إلى القَبِيلة والفَصيلة؛ فلذلك أنثها. والبطن مذكّر، كما أن الأسباط جمع مَذكّر. الزجاج: المعنى قطعناهم ٱثنتي عشرة فرقة. {أَسْبَاطاً} بدل من اثنتي عشرة {أُمَماً} نعتٌ للأسباط. وروى المفضّل عن عاصم. «وقَطَّعْنَاهم» مخففاً. «أَسْبَاطاً» الأسباط في ولد إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهما السلام. والأسباط مأخوذ من السبط وهو شجر تعلفه الإبل. وقد مضىٰ في «البقرة» مستوفىٰ. وروى مَعْمَر عن همّام بن مُنَبّه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل: {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} قالوا: حَبّة في شعرة. وقيل لهم: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} فدخلوا متورّكين على أستاههم. {بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} مرفوع؛ لأنه فعل مستقبل وموضعه نصب. و «ما» بمعنىٰ المصدر، أي بظلمهم. وقد مضىٰ في «البقرة» ما في هذه الآية من المعاني والأحكام. والحمد لله.

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝١٦٣ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝١٦٤

قوله تعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ} أي عن أهل القرية؛ فعبّر عنهم بها لما كانت مستقراً لهم أو سبب اجتماعهم. نظيره

{ وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا } [يوسف: 82]. وقوله عليه السلام: ٱهتز العرش لموت سعد بن معاذ يعني أهل العرش من الملائكة، فرحا واسبشاراً بقدومه، رضي الله عنه. أي واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قِردة وخنازير. وهذا سؤال تقرير وتوبيخ. وكان ذلك علامة لصدق النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ أطلعه الله على تلك الأُمور من غير تعلم. وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سِبط خليله إبراهيم، ومن سِبط إسرائيل وهم بكر الله، ومن سبط موسى كليم الله؛ ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم. فقال الله عز وجل لنبيه: سلهم يا محمد عن القرية، أما عذبتهم بذنوبهم؛ وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة.

وٱختُلف في تعيين هذه القرية؛ فقال ابن عباس وعِكرمة والسُّدِّي: هي أيْلة. وعن ٱبن عباس أيضاً أنها مَدْين بين أيلة والطور. الزُّهْرِيّ: طَبَرِيّة. قتادة وزيد بن أسلم: هي ساحل من سواحل الشأم، بين مَدْين وعَيْنون، يقال لها: مقناة. وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السُّبّة عليهم. {ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي كانت بقرب البحر؛ تقول: كنت بحضرة الدار أي بقربها. {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} أي يصيدون الحِيتان، وقد نُهوا عنه؛ يقال: سَبَت اليهودُ؛ تركوا العمل في سبتهم. وسُبِت الرجل للمفعول سُباتاً أخذه ذلك، مثل الخرس. وأسبت سكن فلم يتحرك. والقوم صاروا في السبت. واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف. وهو من الراحة والقَطْع. ويجمع أسْبُت وسُبُوت وأسبات. وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من ٱحتجم يوم السبت فأصابه بَرَص فلا يلومنّ إلا نفسه. قال علماؤنا: وذلك لأن الدّم يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم يجرِ وعاد بَرَصاً. وقراءة الجماعة «يَعْدُون». وقرأ أبو نَهِيك «يُعِدّون» بضم الياء وكسر العين وشد الدال. الأُولى من الاعتداء والثانية من الإعداد؛ أي يهيئون الآلة لأخذها. وقرأ ابن السَّمَيْقَع «في الأسبات» على جمع السبت. {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ} وقرىء «أسباتهم». {شُرَّعاً} أي شوارع ظاهرة على الماء كثِيرة. وقال اللّيث: حيتان شُرّع رافعة رؤوسها. وقيل: معناه أن حيتان البحر كانت ترِد يوم السبت عُنُقاً من البحر فتزاحم أيْلة. ألهمها الله تعالى أنها لا تُصاد يوم السبت؛ لنَهْيِه تعالى اليهود عن صيدها. وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابهم؛ كالكِباش البيض رافعةً رؤوسها. حكاه بعض المتأخرين؛ فتعدّوا فأخذوها في السبت؛ قاله الحسن. وقيل: يوم الأحد، وهو الأصح على ما يأتي بيانه. {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي لا يفعلون السبت؛ يقال: سبت يسبِت إذا عظّم السبت. وقرأ الحسن «يُسْبِتون» بضم الياء، أي يدخلون في السبت؛ كما يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي دخلنا في الجمعة والظهر والشهر. {لاَ تَأْتِيهِمْ} أي حيتانهم. {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} أي نشدّد عليهم في العبادة ونختبرهم. والكاف في موضع نصب. {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي بفسقهم. وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتاً، والحرام يأتيك جَزْفاً جَزْفاً؟ قال: نعم، في قصة داود وأيلة {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}. ورُوي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود عليه السلام، وأن إبليس أوْحَى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أخذها يوم السبت، فٱتّخذوا الحياض؛ فكانوا يسوقون الحِيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد. وروى أشهب عن مالك قال. زعم ابن رُومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطاً ويضع فيه وَهَقة، وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتِد وتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرّق الناس حين رأُوا من صنع هذا لا يُبْتَلى حتى كثُرَ صيد الحوت، ومُشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده؛ فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت، وجاهرت بالنهي واعتزلت. وقيل: إن الناهين قالوا: لا نساكنكم؛ فقسموا القرية بجدار. فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا؛ فعلَوْا على الجدار فنظروا فإذا هم قَردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القِردة أنسابَها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القِردة؛ فجعلت القِردة تأتي نسيبها من الإنس فَتَشُم ثيابه وتبكي؛ فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم. قال قتادة: صار الشبان قردةً والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نَهوْا وهلك سائرهم. فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين. ويكون المعنى في قوله تعالى: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم: إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا؟ فمسخهم الله قردة. {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي قال الواعظون: موعظتنا إياكم معذرةٌ إلى ربكم؛ أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون. أسند هذا القول الطَّبريّ عن ٱبن الكلبيّ. وقال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فِرَق، وهو الظاهر من الضمائر في الآية. فرقة عَصَتْ وصادت، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً. وفرقة نَهَت واعتزلت، وكانوا ٱثنَيْ عشر ألفاً. وفرقة اعتزلت ولم تَنْهَ ولم تَعْص، وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لِم تعظون قوماً ـ تريد العاصية ـ الله مهلكُهم أو معذّبهم على غلبة الظن، وما عُهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية. فقالت الناهية: موعظتنا معذرةٌ إلى الله لعلّهم يتقون. ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون، بالكاف. ثم ٱختُلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تَنْه ولم تَعْص هلكت مع العاصية عقوبةً على ترك النهي؛ قاله ابن عباس. وقال أيضاً: ما أدري ما فُعل بهم؛ وهو الظاهر من الآية. وقال عكْرمة: قلت لابن عباس لمّا قال ما أدري ما فعل بهم: ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم؟ فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نَجَوْا؛ فكسَاني حُلّة. وهذا مذهب الحسن. ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غيرُ قولُه: «وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا». وقولُه: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ }[البقرة: 65] الآية. وقرأ عيسى وطلحة «معذِرةً» بالنصب. ونصبُه عند الكسائيّ من وجهين: أحدهما على المصدر. والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة. وهي قراءة حَفْص عن عاصم. والباقون بالرفع: وهو الاختيار؛ لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنَفاً من أمر لِيمُوا عليه، ولكنهم قيل لهم: لِم تَعظون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة. ولو قال رجل لرجل: معذرةً إلى الله وإليك من كذا، يريد اعتذاراً؛ لنصب. هذا قول سيبويه. ودلّت الآية على القول بسدّ الذَّرائع. وقد مضى في «البقرة». ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينْسُل أم لا، مبيّناً. والحمد لله. ومضى في «آل عمران» و«المائدة» الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر. ومضى في «النساء» ٱعتزال أهل الفساد ومجانبتهم، وأن من جالسهم كان مثلهم؛ فلا معنى للإعادة.

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ۝١٦٥

والنسيان يطلق على الساهي. والعامد: التارك؛ لقوله تعالى: {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي تركوه عن قصد؛ ومنه

{ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }[التوبة: 67]. ومعنى {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي شديد. وفيه إحدى عشرة قراءة: الأُولى ـ قراءة أبي عمرو وحمزة والكِسائيّ «بئيس» على وزن فعيل. الثانية ـ قراءة أهل مكة «بِئيس» بكسر الباء والوزن واحد. والثالثة ـ قراءة أهل المدينة «بِيْسٍ» الباء مكسورة بعدها ياء ساكنة بعدها سين مكسورة منوّنة، وفيها قولان. قال الكسائي: الأصل فيه «بِيِيس» خفيفة الهمزة، فالتقت ياءان فحذفت إحداهما وكسر أوّله؛ كما يقال: رَغِيف وشهيد. وقيل: أراد «بئس» على وزن فِعل؛ فكسر أوله وخفف الهمزة وحذف الكسرة؛ كما يقال: رَحِم ورِحْم. الرابعة ـ قراءة الحسن، الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها سين مفتوحة. الخامسة ـ قرأ أبو عبد الرحمن المقرىء «بَئِسٍ» الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مكسورة منوّنة. السادسة ـ قال يعقوب القارىء: وجاء عن بعض القراء «بعذاب بَئِسَ» الباء مفتوحة والهمزة مكسورة والسين مفتوحة. السابعة ـ قراءة الأعمش «بَيْئسٍ» على وزن فيعل. وروى عنه «بَيْأسٍ» على وزن فيعل. وروى عنه «بَئِسٍ» بباء مفتوحة وهمزة مشددة مكسورة، والسين في كله مكسورة منوّنة، أعني قراءة الأعمش. العاشرة ـ قراءة نصر بن عاصم «بعذاب بَيّس» الباء مفتوحة والياء مشدّدة بغير همز. قال يعقوب القارىء: وجاء عن بعض القراء «بِئيسٍ» الباء مكسورة بعدها همزة ساكنة بعدها ياء مفتوحة. فهذه إحدى عشرة قراءة ذكرها النحاس. قال عليّ بن سليمان: العرب تقول جاء ببنات بِيسٍ أي بشيء رديء. فمعنى «بِعَذَابٍ بِيسٍ» بعذاب رديء. وأما قراءة الحسن فزعم أبو حاتم أنه لا وجه لها، قال: لأنه لا يقال مررت برجل بِئس، حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلاً. قال النحاس: وهذا مردود من كلام أبي حاتم؛ حكى النحويون: إن فعلت كذا وكذا فبِهَا ونِعْمَتْ. يريدون فبها ونعمت الخصلة. والتقدير على قراءة الحسن: بعذاب بئس العذاب.

فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ۝١٦٦

قوله تعالى: {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ} أي فلما تجاوزوا في معصية الله. {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} يقال: خسأته فخسأ؛ أي باعدته وطردته. وقد تقدّم في «البقرة». ودلّ على أن المعاصي سبب النقمة: وهذا لا خفاء به فقيل: قال لهم ذلك بكلام يُسمع، فكانوا كذلك. وقيل: المعنى كوّناهم قردة.

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٦٧

أي أعلم أسلافهم أنهم إن غيّروا ولم يؤمنوا بالنبيّ الأُميّ بعث الله عليهم من يعذّبهم. وقال أبو عليّ: «آذن» بالمد، أعلم. و «أذّن» بالتشديد، نادى. وقال قوم: آذن وأذّن بمعنى أعلم؛ كما يقال: أيقن وتيقّن. قال زهير:

فقلتُ تَعَلَّمْ إن للصيد غرّةًفإلاّ تُضَيّعها فإنك قاتِلُهْ

وقال آخر:

تعلّم إن شر الناس حيّيُنَادَى في شعارهم يَسار

أي ٱعلم. ومعنى {يَسُومُهُمْ} يذيقهم؛ وقد تقدّم في «البقرة». قيل: المراد بُخْتَنصّر. وقيل: العرب. وقيل: أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم. وهو أظهر؛ فإنهم الباقون إلى يوم القيامة. والله أعلم. قال ابن عباس: «سُوءَ الْعَذَابِ» هنا أخذ الجِزْية. فإن قيل: فقد مُسِخوا، فكيف تؤخذ منهم الجزية؟ فالجواب أنها تؤخذ من أبنائهم وأولادهم، وهم أذلّ قوم، وهم اليهود. وعن سعيد بن جبير «سُوءَ الْعَذَابِ» قال: الخَراج، ولم يَجْب نبيّ قطّ الخَراج، إلا موسى عليه السلام هو أوّل من وضع الخراج، فجباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك، ونبينا عليه السلام

وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝١٦٨

قوله تعالى: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} أي فرّقناهم في البلاد. أراد به تشتيت أمرهم، فلم تُجمع لهم كلمة. {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ} رفع على الابتداء. والمراد من آمن بمحمد عليه السلام، ومن لم يبدّل منهم ومات قبل نسخ شرع موسى. أو هم الذين وراء الصين؛ كما سبق. {وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} منصوب على الظرف. قال النحاس: ولا نعلم أحداً رفعه. والمراد الكفار منهم. {وَبَلَوْنَاهُمْ} أي ٱختبرناهم. {بِٱلْحَسَنَاتِ} أي بالخصْب والعافية. {وَٱلسَّيِّئَاتِ} أي الجدب والشدائد. {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} ليرجعوا عن كفرهم.

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٦٩

قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} يعني أولاد الذين فرّقهم في الأرض. قال أبو حاتم: «الخَلْف» بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجميع فيه سواء. و «الخلَف» بفتح اللام البَدَل، ولداً كان أو غريباً. وقال ٱبن الأعرابيّ: «الْخَلَفُ» بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح. قال لَبِيد:

ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافِهموبقيْتُ في خلْف كجِلْد الأجْرَبِ

ومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْف. ومنه المثل السائر «سَكَت ألْفاً ونطق خَلْفاً». فخلفٌ في الذَّم بالإسكان، وخَلَفٌ بالفتح في المدح. هذا هو المستعمل المشهور. قال صلى الله عليه وسلم:يَحمِل هذا العلم مِن كل خَلَف عدولُه. وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. قال حسان بن ثابت:

لنا القَدَمُ الأُولَى إليك وخَلْفُنالأوّلنا في طاعة اللّه تابع

وقال آخر:

إنا وجدنا خَلَفاً بئس الخلَفْأغلق عنا بابَه ثم حلف لا يُدخل البوابُ إلا من عرفعبداً إذا ما ناء بالحِمل وَقَفْ

ويروى: خَضَف؛ أي رَدَم. والمقصود من الآية الذّمّ. {وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ} قال المفسرون: هم اليهود، ورِثوا كتاب الله فقرؤوه وعلموه، وخالفوا حكمه وأتَوْا محارمه مع دراستهم له. فكان هذا توبيخاً لهم وتقريعاً. {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ} ثم أخبر عنهم أنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدّة حرصهم ونهمهم. {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} وهم لا يتوبون. ودلّ على أنهم لا يتوبون.

قوله تعالى: {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} والعَرَض: متاع الدنيا؛ بفتح الراء. وبإسكانها ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير. والإشارة في هذه الآية إلى الرَشا والمكاسب الخبيثة. ثم ذمّهم بٱغترارهم في قولهم «سَيُغْفَرُ لَنَا» وأنهم بحال إذا أمكنتهم ثانية ٱرتكبوها، فقطعوا باغترارهم بالمغفرة وهم مصِرّون، وإنما يقول سيغفر لنا من أقْلَع وندم.

قلت: وهذا الوصف الذي ذمّ الله تعالى به هؤلاء موجود فينا. أسند الدارمِيّ أبو محمد: حدّثنا محمد بن المبارك حدّثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن شيخ يُكْنَى أبا عمرو عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سَيَبْلَى القرآنُ في صدور أقوام كما يَبْلَى الثّوب فيتهافَت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يَلْبَسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالُهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصّروا قالوا سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا سيغفر لنا، إنا لا نشرك بالله شيئاً. وقيل: إن الضمير في «يَأْتِهِمْ» ليهود المدينة؛ أي وإن يأت يهودَ يَثْرِبَ الذين كانوا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم عَرَضٌ مثْلُه يأخذوه كما أخذه أسلافهم.

قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} فيه مسألتان.

الأُولى: قوله تعالى: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ} يريد التوراة. وهذا تشديد في لزوم قول الحق في الشرع والأحكام، وألاّ يميل الحكام بالرُّشَا إلى الباطل.

قلت: وهذا الذي لزم هؤلاء وأُخذ عليهم به الميثاق في قول الحق، لازم لنا على لسان نبيّنا صلى الله عليه وسلم وكتابِ رَبِّنا، على ما تقدّم بيانه في «النساء». ولا خلاف فيه في جميع الشرائع، والحمد لله.

الثانية: قوله تعالى: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} أي قرؤوه، وهم قَرِيبُو عهد به. وقرأ أبو عبد الرحمن «وٱدّارسوا ما فيه» فأدغم التاء في الدال. قال ٱبن زيد: كان يأتيهم المُحِقّ بِرشوة فيُخرجون له كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاء المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم وحكموا له. وقال ٱبن عباس: «أَلاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْحَقَّ» وقد قالوا ٱلباطل في غُفران ذنوبهم الذي يوجبونه ويقطعون به. وقال ابن زيد يعني في الأحكام التي يحكمون بها؛ كما ذكرنا. وقال بعض العلماء: إن معنى «وَدَرَسُوا مَا فِيهِ» أي مَحَوْه بترك العمل به والْفَهْم له؛ من قولك: درستِ الريح الآثار، إذا مَحَتْها. وخط دارس ورَبْع دارس، إذا ٱمّحى وعفا أثره. وهذا المعنى مواطىء ـ أي موافق ـ لقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} الآية. وقوله:

{ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ } [آل عمران: 187] حسب ما تقدّم بيانه في «البقرة».

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ۝١٧٠

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ} أي بالتوراة، أي بالعمل بها؛ يقال: مسك به وتمسك به أي ٱستمسك به. وقرأ أبو العالِية وعاصم في رواية أبي بكر «يُمْسِكُونَ» بالتخفيف من أمسك يمسك. والقراءة الأُولى أوْلى؛ لأن فيها معنى التكرير والتكثير للتمسك بكتاب الله تعالى وبدينه فبذلك يُمدحون. فالتمسك بكتاب الله والدِّين يحتاج إلى الملازمة والتكرير لفعل ذلك. وقال كعب بن زهير:

فما تَمسّكُ بالعهد الذي زعمتْإلاّ كما تُمسك الماءَ الغرابيلُ

فجاء به على طبعه يذمّ بكثرة نقض العهد.

وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝١٧١

قوله تعالى: {وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ} «نتقنا» معناه رفعنا. وقد تقدّم بيانه في «البقرة». {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي كأنه لارتفاعه سحابة تُظلّ. {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} أي بِجدّ. وقد مضى في «البقرة» إلى آخر الآية.

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ۝١٧٢ أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنۢ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝١٧٣ وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝١٧٤

فيه ست مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} أي وٱذكر لهم مع ما سبق من تذكير المواثيق في كتابهم ما أخذتُ من المواثيق من العباد يوم الذّرّ. وهذه اية مشِكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها وأحكامها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنىٰ الآية أن الله تعالىٰ أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض. قالوا: ومعنىٰ «أشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» دلّهم بخلقه على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورةً أن له ربَّاً واحداً. {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} أي قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، والإقرار منهم؛ كما قال تعالىٰ في السموات والأرض.

{ قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ } [فصلت: 11]. ذهب إلى هذا القَفّالُ وأطنب. وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المَعْرفة ما علمت به ما خاطبها.

قلت: وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم غيرُ هذين القولين، وأنه تعالى أخرج الأشباح فيها الأرواح من ظهر آدم عليه السلام. وروىٰ مالك في موطَّئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} فقال عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عنها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن الله تعالىٰ خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذُرِّية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذُرِّية فقال خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: ففيم العمل؟ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا خلق العبد للجنة ٱستعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فُيدخلَه الجنة وإذا خلق العبد للنار ٱستعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار». قال أبو عمر: هذا حديث منقطع الإسناد؛ لأن مسلم بن يسار لم يَلْق عمر. وقال فيه يحيىٰ بن مَعين: مسلم بن يسار لا يُعرف، بينه وبين عمر نعيمُ بن ربيعة، ذكره النسائيّ، ونعيم غير معروف بحمل العلم. لكن معنىٰ هذا الحديث قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعبد الله بن مسعود وعليّ بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم. روىٰ الترمِذِيّ وصححه عن أبي هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كلُّ نَسَمة هو خالقها (من ذُرِّيته) إلى يوم القيامة وجعل بين عَيْنَيْ كلِّ رجل منهم وَبيصاً من نور ثم عَرَضَهُمْ على آدم فقال يا ربّ من هؤلاء قال هؤلاء ذُرِّيتك فرأىٰ رجلاً منهم فأعجبه وبيِصُ ما بين عينيه فقال أيْ ربِّ من هذا؟ فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذُرِّيتك يقال له داود فقال ربِّ كم جعلت عُمْرَه قال ستين سنة قال أي رَبِّ زِدْه من عُمْرِي أربعين سنةً فلما ٱنقضىٰ عُمْر آدم عليه السلام جاءه مَلَك الموت فقال أو لم يبق من عُمْري أربعون سنةً قال أوَ لم تُعْطِها ٱبنك داود قال فجَحَد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته. في غير الترمذي: فحينئذ أمر بالكُتّاب والشهود. في رواية: فرأىٰ فيهم الضعيف والغنيّ والفقير والذليل والمبتلى والصحيح. فقال له آدم: يا ربّ، ما هذا؟ ألا سوّيت بينهم! قال: أردت أن أشكر. وروى عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: أخِذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس. وجعل الله لهم عقولاً كنملة سليمان. وأخذ عليهم العهد بأنه ربّهم وأن لا إله غيره. فأقرّوا بذلك وٱلتزموه، وأعلمهم بأنه سيبعث إليهم الرسل؛ فشهد بعضهم على بعض. قال أُبيّ بن كعب: وأشهد عليهم السموات السّبع، فليس من أحد يُولد إلى يوم القيامة إلا وقد أُخِذ عليه العهد.

واخُتلف في الموضع الذي أخذ فيه الميثاق حين أخرجوا على أربعة أقوال؛ فقال ابن عباس: ببطن نَعْمان، وادٍ إلى جنب عَرفة. وروىٰ عنه أن ذلك برَهْبَا ـ أرض بالهند ـ الذي هبط فيه آدم عليه السلام. وقال يحيىٰ بن سلام قال ابن عباس في هذه الآية: أهبط الله آدم بالهند، ثم مسح على ظهره فأخرج منه كل نَسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ} قال يحيىٰ قال الحسن: ثم أعادهم في صُلب آدم عليه السلام. وقال الكَلْبِي: بين مكة والطائف. وقال السُّدِّيّ: في السماء الدنيا حين أهبط من الجنة إليها مسح على ظهره فأخرج من صفحة ظهره اليمنىٰ ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ، فقال لهم ٱدخلوا الجنة برحمتي. وأخرج من صفحة ظهره اليسرىٰ ذرّية سوداء وقال لهم ٱدخلوا النار ولا أبالي. قال ابن جُريج: خرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء. وكل نفس مخلوقة للنار سوداء.

الثانية ـ قال ابن العربيّ (رحمه الله): «فإن قيل فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يُذنبوا، أو يُعاقبهم على ما أراده منهم وكتبه عليهم وساقهم إليه، قلنا: ومن أين يمتنع ذلك، أعقلاً أم شرعاً؟ فإن قيل: لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك. قلنا: لأن فوقه آمراً يأمره وناهياً ينهاه، وربنا تعالىٰ لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ولا يجوز أن يقاس الخلق بالخالق. ولا تُحمل أفعال العباد على أفعال الإله، وبالحقيقة الأفعال كلها لله جل جلاله، والخلُق بأجمعهم له، صَرْفهم كيف شاء، وحَكَم بينهم بما أراد، وهذا الذي يجده الآدميّ إنما تبعث عليه رِقة الجِبِلّة وشفقة الجنسيّة وحبُّ الثناء والمدح؛ لما يتوقع في ذلك من الانتفاع، والباري تعالىٰ متقدّس عن ذلك كله، فلا يجوز أن يعتبر به».

الثالثة ـ واختلف في هذه الآية، هل هي خاصّة أو عامّة. فقيل: الآية خاصة؛ لأنه تعالىٰ قال: {مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ} فخرج من هذا الحديث من كان من ولد آدم لصُلْبه. وقال جل وعز: {أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ} فخرج منها كلُّ مَن لم يكن له آباء مشركون. وقيل: هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء. وقيل: بل هي عامّة لجميع الناس؛ لأن كلّ أحد يعلم أنه كان طفلاً فغُذّي ورُبِّيَ، وأن له مُدَبِّراً وخالقاً. فهذا معنى {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. ومعنىٰ {قَالُواْ بَلَى} أي إن ذلك واجب عليهم. فلما ٱعترف الخلق لله سبحانه بأنه الربّ ثم ذهلوا عنه ذكّرهم بأنبيائه وختم الذِّكر بأفضل أصفيائه لتقوم حجته عليهم فقال له:

{ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ }[الغاشية: 22]. ثم مكّنه من السيطرة، وأتاه السلطنة، ومكّن له دينه في الأرض. قال الطَّرْطوشي: إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة، كما يلزم الطلاقُ من شُهد عليه به وقد نَسِيَه.

الرابعة ـ وقد استدل بهذه الآية من قال: إن من مات صغيراً دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأوّل. ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأوّل. وهذا القائل يقول: أطفال المشركين في الجنة، وهو الصحيح في الباب. وهذه المسألة اختُلف فيها لاختلاف الآثار، والصحيح ما ذكرناه. وسيأتي الكلام في هذا في «الرُّوم» إن شاء الله. وقد أتينا عليها في كتاب «التّذكرة» والحمد لله.

الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {مِن ظُهُورِهِمْ} بدل ٱشتمال من قوله {مِن بَنِيۤ آدَمَ}. وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم، وليس لآدم في الآية ذكْر بحسب اللفظ. ووجه النظم على هذا: وإذ أخذ ربُّك من ظهور بني آدم ذرّيتهم. وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلّهم بَنُوه، وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره. فاستغنىٰ عن ذكره لقوله: {مِن بَنِيۤ آدَمَ}. {ذُرِّيَّتَهُمْ} قرأ الكوفيون وابن كَثير بالتوحيد وفتح التاء، وهي تقع للواحد والجمع؛ قال الله تعالىٰ:

{ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } [آل عمران: 38] فهذا للواحد؛ لأنه إنما سأل هبة ولد فَبشِّر بيحيىٰ. وأجمع القراء على التوحيد في قوله: { مِن ذُرِّيَّةِ ءادَمَ } [مريم: 58] ولا شيء أكثر من ذريّة آدم. وقال: {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} فهذا للجمع. وقرأ الباقون «ذُرِّيَّاتِهِمْ» بالجمع، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتىٰ بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يُشركها فيه شيء وهو الجمع؛ لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذرّيات كثيرة متناسبة، أعقاب بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله؛ فجمع لهذا المعنىٰ.

السادسة ـ قوله تعالىٰ: {بَلَىٰ} تقدّم القول فيها في «البقرة» عند قوله: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} مستوفىٰ، فتأمله هناك. {أَن يَقُولُوۤاْ} «أَوْ يَقُولُوا» قرأ أبو عمرو بالياء فيهما. ردّهما على لفظ الغَيْبة المتكرر قبله، وهو قوله: {مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}. وقوله: {قَالُواْ بَلَىٰ} أيضاً لفظ غيبة. وكذا {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} «وَلَعلَّهُمْ» فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة. وقرأ الباقون بالتاء فيهما؛ ردّوه على لفظ الخطاب المتقدّم في قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}. ويكون «شَهِدْنَا» من قول الملائكة. لما قالوا «بَلىٰ» قالت الملائكة: {شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ} «أَوْ تَقُولُوا» أي لئلا تقولوا: وقيل: معنىٰ ذلك أنهم لما قالوا بلىٰ، فأقروا له بالربوبية، قال الله تعالىٰ للملائكة ٱشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا. وهذا قول مجاهد والضحاك والسُّدِّي. وقال ٱبن عباس وأبي بن كعب: قوله «شَهِدْنَا» هو من قول «بني آدم» والمعنى: شهدنا أنك ربُّنا وإلٰهُنَا، وقال ابن عباس: أشهد بعضهم على بعض؛ فالمعنىٰ على هذا قالوا بلىٰ شهد بعضنا على بعض؛ فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على «بلىٰ» ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم؛ لأن «أن» متعلقة بما قبل بلىٰ، من قوله: {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} لئلا يقولوا: وقد روىٰ مجاهد عن ابن عمر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا. أي شهدنا عليكم بالإقرار بالرُّبوبية لئلا تقولوا. فهذا يدلّ على التاء. قال مَكِّيّ: وهو الاختيار لصحة معناه، ولأن الجماعة عليه. وقد قيل: إن قوله «شَهِدْنَا» من قول الله تعالى والملائكة. والمعنىٰ: فشهدنا على إقراركم؛ قاله أبو مالك، وروي عن السّدِّي أيضاً. {وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ} أي اقتدينا بهم. {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} بمعنى: لست تفعل هذا. ولا عذر للمقلِّد في التوحيد.

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ۝١٧٥

ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة. وٱختُلف في تعيين الذي أوتي الآيات. فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بَلْعَامُ بن باعُوراء، ويقال ناعم، من بني إسرائيل في زمن موسىٰ عليه السلام، وكان بحيث إذا نظر رأىٰ العرش. وهو المعني بقوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف مِحْبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه. ثم صار بحيث أنه كان أوّل من صنّف كتاباً في أن «ليس للعالم صانع». قال مالك بن دينار: بُعث بلعام بن باعوراء إلى مَلِك مَدْين ليدعوه إلى الإيمان؛ فأعطاه وأقطعه فٱتبع دينه وترك دين موسىٰ؛ ففيه نزلت هذه الآيات. روىٰ المُعْتَمِر بنُ سليمان عن أبيه قال: كان بلعام قد أوتي النّبوّة، وكان مجابَ الدعوة، فلما أقبل موسىٰ في بني إسرائيل يريد قتال الجبّارين، سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعُوَ على موسىٰ فقام ليدعُوَ فتحوّل لسانه بالدعاء على أصحابه. فقيل له في ذلك؛ فقال: لا أقدر على أكثر مما تسمعون؛ وٱندلع لسانه على صدره. فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، وسأمكر لكم، فإني أرى أن تُخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنىٰ، فإن وقعوا فيه هلكوا؛ ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنىٰ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً، وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثَّعْلبيّ وغيره. ورُوي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين، فاستُجيب له وبقي في التِّيه. فقال موسىٰ: يا ربّ بأي ذنب بقينا في التِّيه. فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه. فدعا موسىٰ أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم؛ فسلخه الله ما كان عليه، وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له: وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالىٰ عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالىٰ: لم يشكرني يوماً من الأيام على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مَرّة لما سلبته. وقال عكرمة: كان بلعام نبياً وأوتي كتاباً. وقال مجاهد: إنه أوتي النبوّة؛ فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه. قال الماوردِيّ: وهذا غير صحيح؛ لأن الله تعالىٰ لا يصطفي لنبوّته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم: نزلت في أميّة بن أبي الصَّلْت الثَّقفِيّ، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسِل رسولاً في ذلك الوقت، وتمنّىٰ أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به. وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

آمن شِعْره وَكَفر قلبه. وقال سعيد بن المُسَيِّب: نزلت في أبي عامر بن صَيْفي، وكان يلبس المُسُوح في الجاهلية؛ فكفر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة فقال: يا محمد، ما هذا الذي جئت به؟ قال:جئتُ بالحنيفيّة دينِ إبراهيم. قال: فإني عليها. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:لستَ عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها. فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً وحيداً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: نعم أمات الله الكاذب منا كذلك وإنما قال هذا يُعَرّض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة. فخرج أبو عامر إلى الشام ومَرّ إلى قَيْصر وكتب إلى المنافقين: ٱستعدُّوا فإني آتيكم من عند قَيْصر بجند لنُخرج محمداً من المدينة؛ فمات بالشام وحيداً. وفيه نزل: { وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ }[التوبة: 107] وسيأتي في براءة. وقال ابن عباس في رواية: نزلت في رجل كان له ثلاث دعوات يُستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها «البَسُوس» فكان له منها ولد؛ فقالت: ٱجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: لك واحدة، فما تأمرين؟ قالت: ٱدع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه؛ فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة. فذهب فيها دعوتان؛ فجاء بنوها وقالوا: لا صبر لنا عن هذا، وقد صارت أمنا كلبة يعيّرنا الناس بها، فٱدع الله أن يردها كما كانت؛ فدعا فعادت إلى ما كانت، وذهبت الدعوات فيها. والقول الأوّل أشهر وعليه الأكثر. قال عبادة ابن الصامت: نزلت في قريش، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله تعالىٰ على محمّد صلى الله عليه وسلم فٱنسلخوا منها ولم يقبلوها. قال ٱبن عباس: كان بلعام من مدينة الجبارين. وقيل: كان من اليمن. {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي من معرفة الله تعالىٰ، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالىٰ على آبن آدم. فهذا مثل علم بَلْعَام وأشباهه، نعوذ بالله منه؛ ونسأله التوفيق والممات على التحقيق. والانسلاخ: الخروج؛ يقال: ٱنسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه. وقيل: هذا من المقلوب، أي انسلخت الآيات منه. {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لحِق به؛ يقال: أتبعت القوم أي لحقتهم. وقيل: نزلت في اليهود والنصارىٰ، ٱنتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به.

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ۝١٧٦ سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ۝١٧٧

قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ} يريد بلعام. أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. {بِهَا} أي بالعمل بها. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي ركن إليها؛ عن ٱبن جبير والسدي. مجاهد: سكن إليها؛ أي سكن إلى لذّاتها. وأصل الإخلاد اللزوم. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه. قال زهير:

لمن الديار غشيتَها بالغَرْقَدكالَوْحي في حجرَ المِسيل المخلد

يعني المقيم؛ فكأن المعنى لزم لذّات الأرض فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على وجه الأرض. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} أي ما زينّ له الشيطان. وقيل: كان هواه مع الكفار. وقيل: اتبع رِضا زوجته، وكانت رغِبت في أموالٍ حتى حملته على الدعاء على موسىٰ. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} ابتداء وخبر. {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} شرط وجوابه. وهو في موضع الحال، أي فمثله كمثل الكلب لاهثاً. والمعنىٰ: أنه على شيء واحد لا يَرْعَوِي عن المعصية؛ كمثل الكلب الذي هذه حالته فالمعنىٰ: أنه لاهث على كل حال، طردته أو لم تطرده. قال ٱبن جُرَيْج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؛ كذلك الذي يترك الهدىٰ لا فؤاد له، وإنما فؤاده منقطع. قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضَلّ وإن تركته ضلّ؛ فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث؛ كقوله تعالىٰ: { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ }[الأعراف: 193]. قال الجوهري: لهث الكلب (بالفتح) يلهث لهْثاً ولُهاثاً (بالضم) إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش؛ وكذلك الرجل إذا أعْيَى. وقوله: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} لأنك إذا حملت على الكلب نبح ووَلّىٰ هارباً، وإذا تركته شدّ عليك ونبح؛ فيتعِب نفسه مقبلاً عليك ومدبراً عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد، وإنما لهاثه لموت فؤاده. وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن. وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمِت به العدو، فذهب إلى السباع فأشلاهم على آدم، فكان الكلب من أشدّهم طلباً. فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسىٰ بمَدْيَن وجعلها آية له إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطاناً عظيماً وكانت من آس الجنة؛ فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا، وألِف به وبولده إلى يومنا هذا، لوضع يده على رأسه وصار حارساً مِن حُرّاس ولده. وإذا أُدِّب وعلم الاصطياد تأدّب وقبل التعليم؛ وذلك قوله: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ } [المائدة: 5]. السّدّي: كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب. وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عامٌّ في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في كل منافق. والأوّل أصح. قال مجاهد في قوله تعالىٰ: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث. وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه. وقال غيره: هذا شرُّ تمثيل؛ لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً بكلب لاهثٍ أبداً، حُمِل عليه أو لم يحمل عليه؛ فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان. وقيل: من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يَخِفه على جهة الابتداء بالجفاء، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس. ضربه الله مثلاً للذي قَبِل الرِّشوة في الدِّين حتى انسلخ من آيات ربِّه. فدلّت الآية لمن تدبرها على ألاّ يغترّ أحد بعمله ولا بعلمه؛ إذ لا يدري بما يُختم له. ودلّت على منع أخد الرشوة لإبطال حَقٍّ أو تغييره. وقد مضىٰ بيانه في «المائدة». ودلّت أيضاً على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها؛ لأن الله تعالىٰ أخبر أنه أعطىٰ هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألاّ يقبل منه إلا بحجة.

قوله تعالى: {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي هو مثل جميع الكفار. وقوله: {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} يقال: ساء الشيءُ قَبُح، فهو لازم، وساء يسوء مَساءة، فهو متعَدٍّ؛ أي قَبُح مَثَلُهم. وتقديره: ساء مَثَلاً مَثَلُ القوم؛ فحذف المضاف، ونصب «مثلاً» على التمييز. قال الأخفش: فجُعِل المثلُ القومَ مجازاً. والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ. التقدير: ساء المثل مثلاً هو مثل القوم. وقدّره أبو عليّ: ساء مثلاً مثلُ القوم. وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ والأعمش «ساء مثل القوم» رفع مثلاً بساء.

السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ