انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير القرطبيالآيات 103–143

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٠٣

قوله تعالىٰ: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب. {مُّوسَىٰ} أي موسىٰ بن عمران. {بِآيَاتِنَآ} أي بمعجزاتنا. {فَظَلَمُواْ بِهَا} أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

قوله تعالىٰ: {فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي آخر أمرهم.

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٤ حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٠٥ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝١٠٦ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ۝١٠٧ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ۝١٠٨ قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ ۝١٠٩ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝١١٠ قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝١١١ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ ۝١١٢

{حَقِيقٌ عَلَى} أي واجب. ومن قرأ «عَلَىٰ ألاَّ» فالمعنىٰ حريص على ألا أقول. وفي قراءة عبد الله «حقِيق ألا أقول» بإسقاط «على». وقيل: «علىٰ» بمعنىٰ الباء، أي حقيق بألا أقول. وكذا في قراءة أُبيّ والأعمش «بألا أقول». كما تقول: رميت بالقوس وعلى القوس. فـ «ـحقِيقٌ» على هذا بمعنىٰ محقوق ومعنىٰ «فَأَرْسِلْ معي بَنِي إسْرِائِيلَ» أي خلّهم. وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة. {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ} يستعمل في الأجسام والمعاني. وقد تقدّم. والثعبان: الحية الضخم الذكر، وهو أعظم الحيات. {مُّبِينٌ} أي حية لا لبس فيها. {وَنَزَعَ يَدَهُ} أي أخرجها وأظهرها. قيل: من جيبه أو من جناحه؛ كما في التنزيل

{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ } [النمل: 12] أي من غير بَرَص. وكان موسىٰ أسمر شديد السّمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأوّل. قال ابن عباس: كان لِيَدِهِ نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض. وقيل: كانت تخرج يده بيضاء كالثلج تَلُوح. فإذا ردّها عادت إلى مثل سائر بدنه. ومعنى {عَلِيمٌ} أي بالسحر. {مِّنْ أَرْضِكُمْ} أي من مُلْكِكم معاشِرَ القبط، بتقديمه بني إسرائيل عليكم. {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي قال فرعون: فماذا تأمرون. وقيل: هو من قول الملأ؛ أي قالوا لفرعون وحده: فماذا تأمرون. كما يخاطب الجبّارون والرؤساء: ما تَرَوْن في كذا. ويجوز أن يكون قالوا له ولأصحابه. و «ما» في موضع رفع، على أن «ذا» بمعنىٰ الذي. وفي موضع نصب، على أن «ما» و «ذا» شيء واحد. {قَالُوۤاْ أَرْجِهْ} قرأ أهل المدينة وعاصم والكسائيّ بغير همز؛ إلاّ أنّ وَرْشاً والكسائيّ أَشْبعا كسرة الهاء. وقرأ أبو عمرو بهمزة ساكنة والهاء مضمومة. وهما لغتان؛ يقال: أرجأته وأرجيته، أي أخرته. وكذلك قرأ ابن كَثير وابن مُحَيْصِن وهشام؛ إلا أنهم أشبعوا ضَمّة الهاء. وقرأ سائر أهلِ الكوفة «أرجِهْ» بإسكان الهاء. قال الفرّاء: هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكنّى عنها في الوصل إذا تحرّك ما قبلها، وكذا هذه طلحةُ قد أقبلت. وأنكر البصريون هذا. قال قتادة: معنىٰ «أرْجِهِ» ٱحبسه. وقال ٱبن عباس: أخرّه. وقيل: «أرجِه» مأخوذ من رجا يرجو؛ أي أطْمِعه ودَعْه يرجو؛ حكاه النحاس عن محمد بن يزيد. وكسرُ الهاء على الاتباع. ويجوز ضَمّها على الأصل. وإسكانها لَحْنٌ لا يجوز إلا في شذوذ من الشعر. {وَأَخَاهُ} عطف على الهاء. {حَاشِرِينَ} نصب على الحال. {يَأْتُوكَ} جزم؛ لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون. قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «بِكُلِّ سَحَّارِ» وقرأ سائر الناس «ساحِرٍ» وهما متقاربان؛ إلا أنّ فَعّالاً أشدّ مبالغة.

وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝١١٣ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝١١٤

قوله تعالىٰ: {وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ} وحُذف ذِكر الإرسال لعلم السامع. قال ابن عبد الحكم: كانوا اثني عشر نَقِيباً، مع كل نَقِيب عشرون عَرِيفا، تحت يدي كل عريف ألفُ ساحرٍ. وكان رئيسهم شمعون في قول مقاتل بن سليمان. وقال ابن جُريح: كانوا تسعمائة من العريش والفيوم والإسكندرية أثلاثا. وقال ابن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألف ساحر؛ وروي عن وهب. وقيل: كانوا ٱثني عشر ألفاً.، وقال ٱبن المنكدر ثمانين ألفاً. وقيل: أربعة عشر ألفاً. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الرِّيف، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد، وثلاثمائة ألف ساحر من الفيُّوم وما والاها. وقيل: كانوا سبعين رجلاً. وقيل: ثلاثة وسبعين؛ فالله أعلم. وكان معهم فيما رُوي حِبالٌ وِعصِيّ يحملها ثلاثمائة بعير. فٱلتقمت الحية ذلك كله. قال ٱبن عباس والسُّدّي: كانت إذا فتحت فَاهَا صار شِدْقُها ثمانين ذراعاً؛ واضعة فكَّها الأسفل على الأرض، وفكّها الأعلى على سُور القصر. وقيل: كان سعة فمها أربعين ذراعاً؛ والله أعلم. فقصدت فرعون لتبتلعه، فوثب من سريره فهرب منها واستغاث بموسىٰ؛ فأخذها فإذا هي عصاً كما كانت. قال وهب: مات من خوف العَصَا خمسة وعشرون ألفاً. {قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً} أي جائزة ومالاً. ولم يقل فقالوا بالفاء؛ لأنه أراد لما جاءوا قالوا: وقرىء «إنَّ لَنَا» على الخبر. وهي قراءة نافع وابن كثير. ألزموا فرعونَ أن يجعل لهم مالاً إن غَلَبوا؛ فقال لهم فرعون: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} أي لمن أهل المنزلة الرفيعة لدينا، فزادهم على ما طلبوا. وقيل: إنهم إنما قطعوا ذلك لأنفسهم في حكمهم إن غلبوا. أي قالوا: يجب لنا الأجر إن غلبنا. وقرأ الباقون بالاستفهام على جهة الاستخبار. استخبروا فرعون: هل يجعل لهم أجراً إن غلبوا أولا ؛ فلم يقطعوا على فرعون بذلك: إنما استخبروه هل يفعل ذلك؛ فقال لهم «نعم» لكم الأجر والقُرْب إن غلَبَتم.

قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ۝١١٥ قَالَ أَلْقُوا۟ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ۝١١٦ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝١١٧

تأدّبوا مع موسىٰ عليه السلام فكان ذلك سبب إيمانهم. و «أن» في موضع نصب عند الكسائي والفراء، على معنىٰ إما أن تفعل الإلقاء. ومثلهُ قول الشاعر:

قالوا الرُّكوبَ فقلنا تلك عادتنا

{قَالَ أَلْقَوْاْ} قال الفراء: في الكلام حذف. والمعنىٰ: قال لهم موسىٰ إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تُبطلوا آياته. وهذا من معجز القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس، ولا يقدرون عليه. يأتي اللفظ اليسير بجمع المعاني الكثيرة. وقيل: هو تهديد. أي ابتدئوا بالإلقاء، فسترون ما يحلّ بكم من الافتضاح؛ إذ لا يجوز على موسىٰ أن يأمرهم بالسحر. وقيل: أمرهم بذلك ليبيّن كذبهم وتمويههم. {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ} أي الحبال والعِصِيّ. {سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} أي خَيّلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها، بما يُتخيّل من التمويه الذي جرىٰ مجرىٰ الشعوذة وخفة اليد؛ كما تقدم في «البقرة» بيانه. ومعنىٰ {عَظِيمٍ} أي عندهم؛ لأنه كان كثيراً وليس بعظيم على الحقيقة. قال ابن زيد كان الاجتماع بالإسكندرية فبلغ ذَنَب الحيّة وراء البحيرة. وقال غيره: وفتحت فَاهَا فجعلت تلقف ـ أي تلتقم ـ ما ألقوا من حبالهم وعِصيّهم. وقيل: كان ما ألقوا حبالاً من أَدَم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حيّات. وقرأ حَفْص «تَلْقف» بإسكان اللام والتخفيف. جعله مستقبل لَقِف يَلْقَف. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة «تِلْقَف» لأنه من لَقِف. وقرأ الباقون بالتشديد وفتح اللام، وجعلوه مستقبل تَلقّف؛ فهي تَتَلَقّف. يقال: لقِفت الشيء وتلقفته إذا أخذته أو بَلَعته. تَلْقَف وتَلْقَم وتَلْهَم بمعنىً واحد. قال أبو حاتم: وبلغني في بعض القراءات «تَلَقّم» بالميم والتشديد. قال الشاعر:

أنت عَصَا موسى التي لم تزلْتَلْقَمُ ما يأْفِكُه الساحرُ

ويروى: تلقف. {مَا يَأْفِكُونَ} أي ما يكذبون، لأنهم جاؤوا بحبال وجعلوا فيها زئبقاً حتى تحركت.

فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١١٨ فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ ۝١١٩ وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ۝١٢٠ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٢١ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١٢٢

قوله تعالىٰ: {فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ} قال مجاهد: فظهر الحق. {وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ} نصب على الحال. والفعل منه صَغِر يَصْغَر صَغَراً وصِغَراً وصَغاراً. أي ٱنقلب قوم فرعونَ وفرعونُ معهم أذِلاّء مَقْهُورين مغلوبين. فأما السحرة فقد آمنوا.

قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝١٢٣ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ۝١٢٤ قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ۝١٢٥ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ۝١٢٦

قوله تعالىٰ: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ} إنكار منه عليهم. {إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا} أي جرت بينكم وبينه مُواطأة في هذا لتستولوا على مصر، أي كان هذا منكم في مدينة مصر قبل أن تبرزوا إلى هذه الصحراء {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} تهديد لهم. قال ٱبن عباس: كان فرعون أوّلَ من صَلبَ، وقَطَع الأيدي والأرجل من خلافٍ، الرجل اليُمْنَىٰ واليد اليسرىٰ، واليد اليمنىٰ والرجل اليسرىٰ، عن الحسن. {وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا} قرأ الحسن بفتح القاف. قال الأخفش هي لغة يقال: نَقِمت الأمر ونقمته أنكرته، أي لست تكره منا سوى أن آمنا بالله وهو الحق. {لَمَّا جَآءَتْنَا} آياته وبيناته. {رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً} الإفراغ الصَّبّ، أي ٱصببه علينا عند القطع والصلب. {وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} فقيل: إن فرعون أخذ السحرة وقطعهم على شاطىء النهر، وإنه آمن بموسىٰ عند إيمان السحرة ستمائة ألف.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ ۝١٢٧ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝١٢٨

قوله تعالىٰ: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشَّمل. {وَيَذَرَكَ} بنصب الراء جواب الاستفهام، والواو نائبة عن الفاء. {وَآلِهَتَكَ} قال الحسن: كان فرعون يعبد الإصنام، فكان يَعْبُد ويُعْبَد. قال سليمان التيِميُّ: بلغني أن فرعون كان يعبد البقر. قال التيِميّ: فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئاً؟ قال نعم، إنه كان يعبد شيئاً كان قد جعله في عنقه. وقيل: معنىٰ «وآلهتك» أي وطاعتك، كما قيل في قوله تعالىٰ:

{ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ }[التوبة: 31] إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم؛ فصار تمثيلاً. وقرأ نُعيم بن ميسرة «وَيَذَرُكَ» بالرفع على تقدير وهو يَذرُكَ. وقرأ الأشهب العقيليّ «وَيَذرْك» مجزوماً مخفف يذرُك لثقل الضمة. وقرأ أنس ابن مالك «ونذرُك» بالرفع والنون. أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسىٰ حيَّاً. وقرأ عليّ بن أبي طالب وابن عباس والضحّاك «وإلاَهتك» ومعناه وعبادتك. وعلى هذه القراءة كان يُعْبَد ولا يَعْبُد، أي ويترك عبادته لك. قال أبو بكر الأنباريّ: فَمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال: { أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }[النازعات: 24] و { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي } [القصص: 38] نفىٰ أن يكون له رب وإلاهة. فقيل له: ويذرك وإلاهتك؛ بمعنىٰ ويتركك وعبادة الناس لك. وقراءة العامة «وَآلهِتَكَ» كما تقدّم وهي مبنية على أن فرعون ٱدّعىٰ الرُّبُوبيّة في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مَرْبُوب. ودليل هذا قولُه عند حضور الحمام { آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ }[يونس: 90] فلم يقبل هذا القول منه لما أتىٰ به بعد إغلاق باب التوبة. وكان قبل هذه الحال له إله يعبده سراً دون رب العالمين جل وعز؛ قاله الحسن وغيره. وفي حرف أبَيّ «أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك». وقيل: والإهتك» قيل: كان يعبد بقرة، وكان إذا ٱستحسن بقرة أمر بعبادتها، وقال: أنا ربكم ورب هذه. ولهذا قال: { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً }[طۤه: 18]. ذكره ابن عباس والسُّدِّي. قال الزجاج: كان له أصنام صغار يعبدها قومُه تقرباً إليه فنُسبت إليه؛ ولهذا قال: «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ». قال إسماعيل بن إسحاق: قول فرعون: «أنا ربُّكُم الأعلىٰ». يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئاً غيره. وقد قيل: إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها. وقيل: أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها. قال الشاعر:

وأعْجَلْنَا الإلاهـة أن تَؤُبَـا

ثم آنس قومه فقال: «سَنَقْتُلُ أبْنَاءَهُمْ» بالتخفيف، قراءة نافع وابن كثير. والباقون بالتشديد على التكثير. {وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ} أي لا تخافوا جانبهم. {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} آنسهم بهذا الكلام. ولم يقل سنقتل موسىٰ لعلمه أنه لا يقدر عليه. وعن سعيد بن جُبير قال: كان فرعون قد مُلىء من موسىٰ رُعْباً؛ فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار. ولما بلغ قوم موسىٰ من فرعون هذا قال لهم موسىٰ: {ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ} أطمعهم في أن يورثهم الله أرض مصر. {وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي الجنة لمن ٱتقىٰ وعاقبة كل شيء. آخره. ولكنها إذا أطلقت فقيل: العاقبة لفلان فُهِم منه في العُرْف الخير.

قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ۝١٢٩

قوله تعالى: {قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا} أي في ابتداء ولادتك بقتل الأبناء وٱسترقاق النساء. {وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} أي والآن أُعِيد علينا ذلك؛ يعنون الوعيد الذي كان من فرعون. وقيل: الأذى من قبلُ تسخيرهم لبني إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النهار، وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم. والأذى من بعدُ: تسخيرُهم جميع النهار كله بلا طعام ولا شراب؛ قاله جُوَيْبر. وقال الحسن: الأذى من قبلُ ومن بعدُ واحد، وهو أخذ الجزية. {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} «عسى» من الله واجب؛ جدّد لهم الوعد وحقّقه. وقد ٱستُخلِفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما السلام، وفَتحُوا بيت المقدس مع يُوشَع بن نون؛ كما تقدّم. ورُوي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم، فحقّق الله الوعيد بأن غرّق فرعون وقومه وأنجاهم. {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تقدّم نظائره. أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء؛ لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، إنما يجازيهم على ما يقع منهم.

وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ۝١٣٠

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ} يعني الجدوب. وهذا معروف في اللغة؛ يقال: أصابتهم سَنَة، أي جَدب. وتقديره جَدْبُ سنة. وفي الحديث:

اللَّهُمَّ ٱجعلها عليهم سِنين كسِني يوسفَ. ومن العرب من يُعرب النون في السنين؛ وأنشد الفراء:

أرَى مَرّ السنينِ أخَذْنَ مِنّيكما أخَذَ السِّرار من الهلال

قال النحاس: وأنشد سيبويه هذا البيت بفتح النون؛ ولكن أنشد في هذا مالا يجوز غيره، وهو قوله:

وقد جَـاوَزْتُ رأسَ الأربعيـنِ

وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون: أقمتُ عنده سِنِيناً يا هذا؛ مصروفاً. قال: وبنو تميم لا يصرفون ويقولون: مضت له سنينُ يا هذا. وسنينُ جمع سنة، والسنة هنا بمعنى الجدب لا بمعنى الحَوْل. ومنه أسْنَتَ القوم أي أجدبوا. قال عبد الله بن الزِّبَعْرى:

عَمْرُو العُلاَ هَشَمَ الثَّرِيد لقومهورجالُ مكةَ مُسنِتُون عِجافُ

{لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي ليتعظوا وترِق قلوبهم.

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٣١

فيه مسألتان:

الأُولى ـ قوله تعالى: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ} أي الخِصْب والسَّعة. {قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ} أي أعْطيناها باستحقاق. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي قَحْط ومرض، وهي المسألة: ـ

الثانية ـ {يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ} أي يتشاءموا به. نظيره

{ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ } [النساء: 78]. والأصل «يتطيروا» أدغمت التاء في الطاء. وقرأ طلحة: «تطيّروا» على أنه فعل ماض. والأصل في هذا من الطِّيرةِ وزَجْر الطَّير، ثم كثُرَ استعمالهم حتى قيل لكل من تشاءم: تَطَيَّر. وكانت العرب تتيمّن بالسّانح: وهو الذي يأتي من ناحية اليمين. وتتشاءم بالبارح؛ وهو الذي يأتي من ناحية الشّمال. وكانوا يتطيرون أيضاً بصوت الغراب؛ ويتأوّلونه البَيْن. وكانوا يستدِلون بمجاوبات الطيور بعضِها بعضاً على أُمور، وبأصواتها في غير أوقاتها المعهودة على مثل ذلك. وهكذا الظِّباء إذا مضت سانحة أو بارحة، ويقولون إذا بَرَحت: «مَنْ لي بالسّانح بعد البارح». إلا أنّ أقوى ما عندهم كان يقع في جميع الطير؛ فسمَّوْا الجميع تَطَيُّراً من هذا الوجه. وتطيّر الأعاجمُ إذا رأُوا صبِيّاً يذهب به إلى المُعَلِّم بالغداة، ويتيمَّنون برؤية صبيّ يرجع من عند المعلم إلى بيته، ويتشاءمون برؤية السَّقاء على ظهره قِربة مملوءةٌ مشدودة، ويتيمّنون برؤية فارغ السِّقاء مفتوحة قربته؛ ويتشاءمون بالحَمّال المثقّل بالحِمْل، والدابة المُوقرة، ويتيمنون بالحَمّال الذي وضع حِمله، وبالدابة يُحَطّ عنها ثِقْلُها. فجاء الإسلام بالنَّهْي عن التّطيّر والتشاؤم بما يُسمع من صوتِ طائرٍ ما كان، وعلى أيّ حال كان؛ فقال عليه السلام: أقِرُّوا الطير على مَكِناتها. وذلك إن كثيراً من أهل الجاهلية كان إذا أراد الحاجة أتى الطير في وَكْرها فنفّرها؛ فإذا أخذت ذات اليمين مضى لحاجته، وهذا هو السانح عندهم. وإن أخذت ذات الشمال رجع، وهذا هو البارح عندهم. فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذا بقوله:أَقِرُّوا الطير على مكناتها هكذا في الحديث. وأهل العربية يقولون: «وُكُناتها» قال ٱمرؤ القيس:

وقد أغْتَـدِي والطّيْر في وُكناتـها

والوُكْنة: ٱسم لكلّ وكْر وعُشّ. والوكن: موضع الطائر الذي يبيض فيه ويُفْرِخ، وهو الخرق في الحيطان والشجر. ويقال: وَكَن الطائر يَكِن وكُوناً إذا حضن بيضه. وكان أيضاً من العرب من لا يرى التطيّر شيئاً، ويمدحون من كذّب به. قال المُرَقَّش:

ولقد غَدَوْتُ وكنتُ لاأغدُو على وَاقٍ وحاتم فإذا الأشائِمُ كالأيامِنِ والأيامِنُ كالأشائم

وقال عكرمة: كنت عند ٱبن عباس فمرّ طائر يصيح؛ فقال رجل من القوم: خير، خير. فقال ٱبن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. قال علماؤنا: وأما أقوال الطير فلا تعلّق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم بكائن فضلاً عن مستقبل فتُخبِر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطير؛ إلا ما كان الله تعالى خصّ به سليمان صلى الله عليه وسلم من ذلك، فٱلتحق التطيّر بجملة الباطل. والله أعلم. وقال صلى الله عليه وسلم:ليس مِنّا من تحلّم أو تكهّن أو ردّه عن سفره تطيّر. وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الطِّيَرة شرك ـ ثلاثاً ـ وما مِنا إلاّ ـ ولكِنّ الله يذهبه بالتوكّل. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من رجّعته الطِّيرة عن حاجته فقد أشرك». قيل: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال: «أن يقول أحدهم اللَّهُمّ لا طَيْرَ إلا طَيْرُكَ ولا خَيْرَ إلاَّ خَيْرُكَ ولا إلۤه غيرُك ثم يمضي لحاجته». وفي خبر آخر: «إذا وجد ذلك أحدكم فليقل اللَّهُمّ لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت لا حول ولا قوة إلا بك». ثم يذهب متوكّلاً على الله؛ فإن الله يكفيه ما وجد في نفسه من ذلك، وكفاه الله تعالى ما يُهِمّه. وقد تقدم في «المائدة» الفرق بين الفأل والطيرة. {أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهُ} وقرأ الحسن «طَيْرُهم» جمع طائر. أي ما قُدِّر لهم وعليهم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن ما لحِقهم من القَحط والشدائد إنما هو من عند الله عز وجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه.

وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۝١٣٢

قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ} أي قال قوم فرعون لموسى «مهما». قال الخليل: الأصل ما، ما؛ الأُولى للشرط، والثانية زائدة توكيد للجزاء؛ كما تزاد في سائر الحروف، مثلُ إمّا وحيثما وأينما وكيفما. فكرِهوا حرفين لفظهما واحد؛ فأبدلوا من الألف الأُولى هاء فقالوا مهما. وقال الكسائيّ: أصله مَهْ؛ أي ٱكفف، ما تأتنا به من آية. وقيل: هي كلمة مفردة، يجازى بها ليُجزم ما بعدها على تقدير إنْ. والجواب {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} {لِّتَسْحَرَنَا} لتصرفنا عما نحن عليه. وقد مضى في «البقرة» بيان هذه اللفظة. قيل: بقي موسى في القبط بعد إلقاء السحرة سُجَّداً عشرين سنة يريهم الآيات إلى أن أغرق الله فرعون، فكان هذا قولهم.

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍ مُّفَصَّلَٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ۝١٣٣

فيه خمس مسائل:

الأُولى ـ روى إسرائيل عن سِمَاك عن نَوْف الشاميّ قال: مكث موسى صلى الله عليه وسلم في آل فرعون بعد ما غلب السحرةَ أربعين عاماً. وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن مِنجاب: عشرين سنة، يريهم الآيات: الجراد والقُمَّل والضفادع والدّم.

الثانية ـ قوله تعالى: {ٱلطُّوفَانَ} أي المطر الشديد حتى عامُوا فيه. وقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت قال الأخفش: واحدته طوفانة. وقيل: هو مصدر كالرُّجْحَان والنُّقْصان؛ فلا يطلب له واحد. قال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مُهْلِكاً من موت أو سَيْل؛ أي ما يطيف بهم فيهلكهم. وقال السُّدِّي: ولم يُصِب بني إسرائيل قطرةٌ من ماء، بل دخل بيوتَ القبط حتى قاموا في الماء إلى تَراقِيهم، ودام عليهم سبعةَ أيام. وقيل: أربعين يوماً. فقالوا: ٱدع لنا ربك يكشف عنا فنؤمن بك؛ فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان فلم يؤمنوا. فأنبت الله لهم في تلك السنة ما لم يُنبته قبل ذلك من الكلأ والزرع. فقالوا: كان ذلك الماء نعمة؛ فبعث الله عليهم الجراد وهو الحيوان المعروف، جمع جرادة في المذكر والمؤنث. فإن أردت الفصل نعتَّ فقلت رأيت جرادة ذكراً ـ فأكل زروعهم وثمارهم حتى أنها كانت تأكل السقوف والأبواب حتى تنهدِم ديارهم. ولم يدخل دُور بني إسرائيل منها شيء.

الثالثة ـ وٱختلف العلماء في قتل الجراد إذا حَلّ بأرض فأفسد؛ فقيل: لا يقتل. وقال أهل الفقه كلهم: يُقتل. ٱحتج الأوّلون بأنه خَلْق عظيم من خلق الله يأكل من رزق الله ولا يَجْرِي عليه القلم. وبما روي:

لا تقتلوا الجراد فإنه جند الله الأعظمُ. وٱحتج الجمهور بأن في تركها فساد الأموال، وقد رخص النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتال المسلم إذا أراد أخذ ماله؛ فالجراد إذا أرادت فساد الأموال كانت أولى أن يجوز قتلها. ألا ترى أنهم قد ٱتفقوا على أنه يجوز قتل الحية والعقرب؟ لأنهما يؤذيان الناس فكذلك الجراد. روى ٱبن ماجه عن جابر وأنس بن مالك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا على الجراد قال: «اللَّهُمّ أهلك كباره وٱقتل صغاره وأفسده بيضه وٱقطع دابره وخُذْ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء». قال رجل: يا رسول الله، كيف تدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ قال: «إن الجراد نَثَرة الحوت في البحر»

الرابعة ـ ثبت في صحيح مسلم

عن عبد الله بن أبي أَوْفَى قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه. ولم يختلف العلماء في أكله على الجملة، وأنه إذا أخذ حيّاً وقطعت رأسه أنه حلال باتفاق. وأنّ ذلك يتنزل منه منزلة الذكاة فيه. وإنما ٱختلفوا هل يحتاج إلى سبب يموت به إذا صِيد أم لا؛ فعامّتهم على أنه لا يحتاج إلى ذلك، ويؤكل كيفما مات. وحكمه عندهم حكم الحِيتان، وإليه ذهب ٱبن نافع ومُطَرِّف وذهب مالك إلى أنه لا بُدّ له من سبب يموت به؛ كقطع رؤوسه أو أرجله أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يُسْلق أو يطرح في النار؛ لأنه عنده من حيوان البر فَمَيْتَتُه محرّمة. وكان اللّيث يكره أكل ميت الجراد، إلا ما أخذ حيّاً ثم مات فإن أخذه ذكاة. وإليه ذهب سعيد بن المُسَيِّب. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحِلّ لنا ميتتان الحُوت والجراد ودمان الكَبِد والطِّحال. وقال ابن ماجه: حدّثنا أحمد بن مَنيع حدّثنا سفيان بن عُيينة عن أبي سعيد سمع أنس بن مالك يقول: كُنّ أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم يتهادَيْن الجراد على الأطباق. ذكره ابن المنذر أيضاً.

الخامسة ـ روى محمد بن المنْكَدِر عن جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إن الله تعالى خلق ألف أُمّة ستمائة منها في البحر وأربعمائة في البر وإن أوّل هلاك هذه الأُمم الجراد فإذا هلكت الجراد تتابعت الأُمم مثل نظام السِّلك إذا انقطع. ذكره الترمذيّ الحكيم في (نوادر الأُصول) وقال: وإنما صار الجراد أوّل هذه الأُمم هلاكاً لأنه خُلق من الطينة التي فَضَلت من طينة آدم. وإنما تهلك الأُمم لهلاك الآدميّين لأنها مسخّرة لهم.

رجعنا إلى قصة القبط ـ فعاهدوا موسى أن يؤمنوا لو كُشف عنهم الجراد، فدعا فكشف وكان قد بَقِيَ من زروعهم شيء فقالوا: يكفينا ما بَقِيَ؛ ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم القُمّل، وهو صغار الدَّبَى؛ قاله قَتادة. والدَّبَى: الجراد قبل أن يطير، الواحد دَباة. وأرض مَدْبِيّة إذا أكل الدَّبَى نباتها. وقال ابن عباس: القُمّل السُّوس الذي في الحِنطة. وقال ابن زيد: البراغيث. وقال الحسن: دوابّ سود صغار. وقال أبو عبيدة: الحَمْنَان، وهو ضرب من القُرَاد، واحدها حَمْنانة. فأكلت دوابَّهم وزروعهم، ولزمت جلودهم كأنها الجُدَريّ عليهم، ومنعهم النومَ والقرار. وقال حبيب بن (أبي) ثابت: القُمّل الجِعلان. والقُمّل عند أهل اللغة ضرب من القِردان. قال أبو الحسن الأعرابِيّ العدويّ: القُمّل دواب صغار من جنس القردان؛ إلا أنها أصغر منها، واحدتها قُمّلة. قال النحاس: وليس هذا بناقض لما قاله أهل التفسير؛ لأنه يجوز أن تكون هذه الأشياء كلّها أرسلت عليهم، وهي أنها كلها تجتمع في أنها تؤذيهم. وذكر بعض المفسرين أنه كان «بعَيْن شمس» كَثِيب من رمل فضربه موسى بعصاه فصار قَمَّلاً. وواحد القَمْل قَمْلة. وقيل: القُمَّلُ القَمْلُ، قاله عطاء الخُراسانيّ. وفي قراءة الحسن «والقَمْل» بفتح القاف وإسكان الميم. فتضرّعوا فلما كُشف عنهم لم يؤمنوا؛ فأرسل الله عليهم الضفادع، جمع ضِفْدِع وهي المعروفة التي تكون في الماء، وفيه مسألة واحدة وهي أن النهي ورد عن قتلها؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح. أخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق وابن ماجه عن محمد بن يحيى النيسابورِيّ الذُّهْليّ عن أبي هريرة قال:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصُّرَد والضِّفْدع والنّملة والهُدهد. وخرج النسائِيّ عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيباً ذكر ضِفْدعاً في دواء عند النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله. صححه أبو محمد عبد الحق. وعن أبي هريرة قال: الصُّرَد أوّل طير صام. ولَمّا خرج إبراهيم عليه السلام من الشأم إلى الحرم في بناء البيت كانت السَّكِينة معه والصرد؛ فكان الصُّرد دليلَه إلى الموضع، والسّكِينة مقداره. فلما صار إلى البقعة وقعت السَّكِينة على موضع البيت ونادت: ٱبْنِ يا إبراهيم على مقدار ظِلِّي؛ فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتل الصَرد لأنه كان دليل إبراهيم على البيت، وعن الضفدع لأنها كان تصبّ الماء على نار إبراهيم. ولَمّا تسلّطت على فرعون جاءت فأخذت الأمكنة كلها، فلما صارت إلى التَّنُّور وَثَبَتْ فيها وهي نار تسعر، طاعة لله. فجعل الله نقِيقها تسبيحاً. يقال: إنها أكثر الدواب تسبيحاً. قال عبد الله بن عمرو: لا تقتلوا الضّفدع فإن نقيقه الذي تسمعون تسبيح. فرُوي أنها ملأت فرشَهم وأوعيتهم وطعامهم وشرابهم؛ فكان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، وإذا تكلّم وثب الضّفدع في فيه. فشكَوْا إلى موسى وقالوا: نتوب؛ فكشف الله عنهم ذلك فعادوا إلى كفرهم؛ فأرسل الله عليهم الدّم فسال النيل (عليهم) دَماً. وكان الإسرائيليّ يغترف منه الماء، والقبطيُّ الدّمَ. وكان الإسرائيلي يَصُبّ الماء في فم القبطي فيصير دَماً، والقبطيُّ يصب الدّم في فم الإسرائيلي فيصير ماء زلالاً. {آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} أي مبيَّنات ظاهرات؛ عن مجاهد. قال الزجاج: «آيات مفصّلات» نصب على الحال. ويروى أنه كان بين الآية والآية ثمانية أيام. وقيل: أربعون يوماً. وقيل: شهر؛ فلهذا قال «مفصلات». {فَٱسْتَكْبَرُواْ} أي ترفّعوا عن الإيمان بالله تعالى

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٣٤ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ۝١٣٥ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ ۝١٣٦

قوله تعالى: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ} أي العذاب. وقرىء بضم الراء، لغتان. قال ٱبن جبير: كان طاعوناً مات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفاً. وقيل: المراد بالرجز ما تقدم ذكره من الآيات. {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} «ما» بمعنى الذي، أي بما ٱستودعك من العلم، أو بما ٱختصّك به فنبّأك. وقيل: هذا قَسَم، أي بعهده عندك إلاّ ما دعوت لنا؛ فـ «ما» صلة. {لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ} أي بدعائك لإلۤهك حتى يكشف عنا. {لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ} أي نصدّقك بما جئت به. {وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ } وكانوا يستخدمونهم؛ على ما تقدم. {إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ} يعني أجلهم الذي ضرب لهم في التغريق. {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم. {فَٱنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} والْيَمُّ البحر. «وَكَانُوا عَنْهَا» أي النقمة. دلّ عليها «فَانْتَقَمْنَا». وقيل: عن الآيات أي لم يعتبروا بها حتى صاروا كالغافلين عنها.

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ ۝١٣٧

قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ} يريد بني إسرائيل. {ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} أي يُسْتَذَلُّون بالخدمة. {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} زعم الكِسائي والفرَّاء أن الأصل «في مشارق الأرض ومغاربها» ثم حُذِفَ «في» فنصب. والظاهر أنهم وَرِثوا أرض القبط. فهما نصبٌ على المفعول الصريح؛ يقال: ورِثت المال وأورثته المال؛ فلما تعدّى الفعل بالهمزة نصب مفعولين. والأرض هي أرض الشأم ومصر. ومشارقها ومغاربها جهاتُ الشرق والغرب بها؛ فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقَتادة وغيرهما. وقيل: أراد جميع الأرض؛ لأنّ مِن بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض. {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أي بإخراج الزروع والثمار والأنهار. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} هي قوله:

{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } [القصص: 5]. {بِمَا صَبَرُواْ} أي بصبرهم على أذى فرعون، وعلى أمر الله بعد أن آمنوا بموسى. {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} يقال: عَرَش يَعْرِش إذا بَنَى. قال ابن عباس ومجاهد: أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها. وقال الحسن: هو تعريش الكَرْم. وقرأ ٱبن عامر وأبو بكر عن عاصم «يَعْرُشون» بضم الراء. قال الكسائيّ: هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة «يُعرِّشون» بتشديد الراء وضم الياء.

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ۝١٣٨

قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} قرأ حمزة والكِسائيّ بكسر الكاف، والباقون بضمها. يقال: عَكَف يَعْكِف وَيَعْكُف بمعنى أقام على الشيء ولزمه. والمصدر منهما على فُعول. قال قتادة: كان أُولئك القوم من لَخْم، وكانوا نزولاً بالرِّقّة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيلَ بقر؛ ولهذا أخرج لهم السامِرِيّ عجلاً. {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} نظيره

قول جُهّال الأعْراب وقد رأُوا شجرة خضراء للكفار تُسَمَّى ذاتَ أنْوَاط يعظّمونها في كل سنة يوماً: يا رسول الله، ٱجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنْوَاط. فقال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر. قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } لتركَبُنّ سنَن مَن قبلكم حَذْوَ القُذّة بالقُذّة حتى إنهم لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه». وكان هذا في مَخْرَجه إلى حُنَين، على ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله تعالى

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٣٩ قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٤٠

قوله تعالى: {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} أي مُهْلَك، والتّبار: الهلاك. وكل إناء مكسر مُتَبَّرٌ. وأمر مُتَبِّر. أي إن العابد والمعبود مهلكان. وقوله: {وَبَاطِلٌ} أي ذاهب مضمَحِلٌّ. {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} «كَانُوا» صلة زائدة. {قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً} أي أطلب لكم إلهاً غير الله تعالى. يقال: بغيته وبغيت له. {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي على عَالَمِي زمانكم. وقيل: فضلهم بإهلاك عدوّهم، وبما خصهم به من الآيات.

وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ۝١٤١

ذكَّرهم مِنَّتَه. وقيل: هو خطاب ليهود عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم. أي وٱذكروا إذا أنجينا أسلافكم؛ حسب ما تقدم بيانه في سورة «البقرة».

وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٤٢

قوله تعالىٰ: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}.

فيه ثلاث مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} ذكر أن مما كرّم (الله) به موسىٰ صلى الله عليه وسلم هذا. فكان وعده المناجاة إكراماً له. {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} قال آبن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم: هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة؛ فلما صامه أنكر خُلُوف فَمِه فٱستاك. قيل: بعود خَرْنُوب؛ فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسِّواك. فزيد عليه عشرُ ليال من ذي الحجة. وقيل: إن الله تعالىٰ أَوْحىٰ إليه لما ٱستاك: «يا موسىٰ لا أكلمك حتى يعود فُوك إلى ما كان عليه قبلُ، أما علمت أن رائحة الصائم أحبّ إليّ من ريح المسك». وأمره بصيام عشرة أيام. وكان كلام الله تعالىٰ لموسىٰ صلى الله عليه وسلم غداة النحر حين فَدَىٰ إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد صلى الله عليه وسلم الحج. وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث. والفائدة في قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها؛ فبين أن العشر سوى الثلاثين. فإن قيل: فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين؛ فيكون ذلك من البداء. قيل: ليس كذلك؛ فقد قال: «وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ» والأربعون، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف. وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف؛ قال أربعين في قولٍ مؤلف، وقال ثلاثين، يعني شهراً متتابعاً وعشراً. وكل ذلك أربعون؛ كما قال الشاعر:

عشـر وأربـع...

يعني أربع عشرة، ليلة البدر. وهذا جائز في كلام العرب.

الثانية ـ قال علماؤنا: دلّت هذه الآية على أن ضَرْب الأجل للمواعَدة سُنَّة ماضية، ومعنىٰ قديم أسسه الله تعالىٰ في القضايا، وحكم به للأمم، وعرّفهم به مقادير التأنِّي في الأعمال. وأوّل أجل ضربه الله تعالىٰ الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ }[قۤ: 38]. وقد بينا معناه فيما تقدّم في هذه السورة من قوله: { إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الأعراف: 54]. قال ٱبن العربيّ: فإذا ضُرِب الأجلُ لمعنىً يحاول فيه تحصيلُ المؤجّل فجاء الأجل ولم يتيّسر زيد فيه تبصرةً ومعذرةً. وقد بيّن الله تعالىٰ ذلك لموسىٰ عليه السلام فضرب له أجلاً ثلاثين ثم زاده عشراً تتمة أربعين. وأبطأ موسىٰ عليه السلام في هذه العشر على قومه؛ فما عقلوا جواز التأنِّي والتأخر حتى قالوا: إن موسى ضَلَّ أو نَسيَ. ونكثوا عهده وبدّلوا بعده، وعبدوا إلهاً غير الله. قال ابن عباس: إن موسى قال لقومه: إنّ ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف فيكم هارون، فلما فَصَل موسىٰ إلى ربه زاده الله عشراً؛ فكانت فتنتهم في العشر الذي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل؛ على ما يأتي بيانه. ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدّرة؛ كما أن الأجل مقدر. ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر: من وقت وحال وعمل، فيكون مثل ثلث المدة السالفة؛ كما أجل الله لموسىٰ. فإن رأىٰ الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدّة واحدة جاز، ولكن لا بدّ من التربّص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر، قاله ٱبن العربيّ. روى البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: أعْذَر الله إلى ٱمرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة».

قلت: وهذا أيضاً أصلٌ لإعذار الحُكّام إلى المحكوم عليه مرة بعد أُخرىٰ. وكان هذا لُطْفاً بالخلق، ولينفذ القُيَّام عليهم بالحق. يقال: أعْذَر في الأمر أي بالغ فيه؛ أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم،

{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }[الإسراء: 15]. وقال: { وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ } [فاطر: 37] قيل: هم الرسل. ابن عباس: هو الشيب. فإنه يأتي في سنّ الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العبّاد، وهو سنّ الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله؛ ففيه إعذار بعد إعذار. الأوّل بالنبيّ عليه السلام، والثاني بالشيب؛ وذلك عند كمال الأربعين؛ قال الله تعالىٰ: { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ } [الأحقاف: 15]. فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نِعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها. قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة؛ فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.

الثالثة ـ ودلت الآية أيضاً على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام؛ لقوله تعالىٰ: {ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} لأن الليالي أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام؛ حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام لأن معوّلها على الشمس. ابن العربيّ: وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك؛ ولهذا قال: «وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً». فيقال: أرّخت تاريخاً. وورّخت توريخاً؛ لغتان.

قوله تعالىٰ: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} المعنىٰ: وقال موسى حين أراد المضِيّ للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي؛ فدلّ على النيابة. وفي صحيح مسلم

عن سعد بن أبي وقّاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ حين خلّفه في بعض مغازيه: «أما تَرْضىٰ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلا أنه لا نبيّ بعدي». فاستدل بهذا الروافضُ والإمامية وسائر فِرَقِ الشَّيعة على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم استخلف علياً على جميع الأمّة؛ حتى كفر الصحابة الإمامية ـ قبحهم الله ـ لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على استخلاف عليّ واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم. ومنهم من كفر عَلِيّاً إذ لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم، ولم يعلموا أن هذا ٱستخلاف في حياةٍ كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكَّل أو بموته، لا يقتضي أنه متمادٍ بعد وفاته؛ فينْحَلّ على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم. وقد ٱستخلف النبيّ صلى الله عليه وسلم على المدينة ٱبن أمِّ مكتوم وغيره، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائماً بالاتفاق. على أنه قد كان هارون شُرِّك مع موسىٰ في أصل الرسالة، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دِلالة. والله الموفق للهداية.

قوله تعالىٰ: {وَأَصْلِحْ} أمرٌ بالإصلاح. قال ٱبن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامريّ ويغيِّر عليه. وقيل: أي ٱرفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك؛ أي كن مصلحاً. {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عوناً للظالمين.

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۝١٤٣

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} أي في الوقت الموعود. {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} أي أسمعه كلامه من غير واسطة. {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} سأل النظر إليه؛ واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. فـ{قَالَ لَن تَرَانِي} أي في الدنيا. ولا يجوز الحَمْل على أنه أراد: أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك؛ لأنه قال «إلَيْكَ» و «قَالَ لَنْ تَرَانِي». ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل، كما أعطاه سائر الآيات. وقد كان لموسىٰ عليه السلام فيها مَقْنَع عن طلب آية أُخرىٰ؛ فبطل هذا التأويل. {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ضرب له مثالاً مما هو أقوىٰ من بِنْيته وأثبت. أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي. وذكر القاضي عِياض عن القاضي أبي بكر بن الطّيب ما معناه: أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خَرَّ صَعِقاً. وأن الجبل رأىٰ ربّه فصار دَكاًّ بإدراكٍ خلقه الله له. وٱستَنْبط ذلك من قوله: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}. ثم قال: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} وتجلّىٰ معناه ظهر؛ من قولك: جَلَوْت العروس أي أبرزتها. وجَلَوْت السيف أبرزته من الصّدإ؛ جِلاءً فيهما.وتجلّىٰ الشيء انكشف. وقيل: تجلّىٰ أمره وقدرته؛ قاله قُطْرُب وغيره. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة «دَكاًّ»؛ يدل على صحتها

{ دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً } [الفجر: 21] وأن الجبل مذكّر. وقرأ أهل الكوفة «دَكَّاءَ» أي جعله مثل أرض دكاء، وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلاً. والمذكّر أدَكّ، وجمع دَكَّاء دكّاوات ودُكٌّ؛ مثل حَمْراوات وحُمْرٌ. قال الكسائي: الدّكّ من الجبال: العِراض، واحدها أدَكّ. غيره: والدّكّاوات جمع دَكّاء: رَوَابٍ من طين ليست بالغِلاظ. والدَّكْداكُ كذلك من الرمل: ما التبد بالأرض فلم يرتفع. وناقة دَكّاء لا سَنام لها. وفي التفسير: فساخ الجبل في الأرض، فهو يذهب فيها حتى الآن. وقال ٱبن عباس: جعله تراباً. عَطِيّة العَوْفي: رملاً هائلاً. {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} أي مغشيَّاً عليه؛ عن ٱبن عباس والحسن وقتادة. وقيل: ميتاً؛ يقال صَعِق الرجل فهو صَعِق. وصُعق فهو مصعوق. وقال قتادة والكلبيّ: خَرّ موسىٰ صعِقاً يوم الخميس يوم عَرَفة، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} قال مجاهد: من مسألة الرؤية في الدنيا. وقيل: سأل من غير ٱستئذان؛ فلذلك تاب. وقيل: قاله على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات. وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية؛ فإن الأنبياء معصومون. وأيضاً عند أهل السنة والجماعة الرؤيةُ جائزةٌ. وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبيّن لهم أنها غير جائزة. وهذا لا يقتضي التوبة. فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي؛ ذكره القُشَيْرِي. وقد مضىٰ في «الأنعام» بيان أن الرؤية جائزة. قال عليّ بن مهدِيّ الطبريّ: لو كان سؤال موسىٰ مستحيلاً ما أقدم عليه مع معرفته بالله؛ كما لم يجز أن يقول له يا رب ألك صاحبة وولد. وسيأتي في «القيامة» مذهب المعتزلة والرد عليهم، إن شاء الله تعالىٰ.

قوله تعالىٰ: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قيل: مِن قومي. وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر. وقيل: بأنك لا تُرىٰ في الدنيا لوعدك السابق في ذلك. وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا تُخَيِّروا بين الأنبياء فإن الناس يَصعَقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسىٰ آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حُوسب بصفته الأولىٰ. أو قال كفته صعقته الأولىٰ. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالىٰ قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلىٰ الله وسلم عليهما؛ فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ