انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير القرطبيالآيات 42–57

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٤٢

قوله تعالىٰ: {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} كلام معترض. أي والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون. ومعنىٰ {لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} أي أنه لم يكلف أحداً من نفقات الزوجات إلا ما وجد وتمكن منه، دون ما لا تناله يده، ولم يرد إثبات الاستطاعة قبل الفعل؛ قاله ابن الطيب. نظيره

{ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا } [الطلاق: 7].

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٤٣

ذكر الله عز وجل فيما ينعم به على أهل الجنة نزع الغِلِّ من صدورهم. والنزع: الاستخراج. والغِل: الحقد الكامن في الصدر. والجمع غِلال. أي أذهبنا في الجنة ما كان في قلوبهم من الغِل في الدنيا. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

الغل على باب الجنة كمَبَارك الإبل قد نزعه الله من قلوب المؤمنين. وروىٰ عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالىٰ فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}. وقيل: نزع الغل في الجنة ألا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل منازلهم. وقد قيل أن ذلك يكون عن شراب الجنة، ولهذا قال: { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [الإنسان: 21] أي يطهر الأوضَار من الصدور؛ على ما يأتي بيانه في سورة «الإنْسَانِ» و «الزُّمَر» إن شاء الله تعالىٰ. {وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا} أي لهذا الثواب؛ بأن أرشدنا وخلق لنا الهداية. وهذا ردّ على القدرية. {وَمَا كُنَّا} قراءة ابن عامر بإسقاط الواو. والباقون بإثباتها. {لِنَهْتَدِيَ} لام كي. {لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ} في موضع رفع. {وَنُودُوۤاْ} أصله. نودِيوا {أَن} في موضع نصب مخففة من الثقيلة؛ أي بأنه {تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ}. وقد تكون تفسيراً لما نودوا به؛ لأن النداء قول؛ فلا يكون لها موضع. أي قيل لهم: «تِلْكُمُ الْجَنَّةُ» لأنهم وعدوا بها في الدنيا، أي قيل لهم: هذه تلكم الجنة التي وعدتم بها، أو يقال لهم ذلك قبل الدخول حين عاينوها من بعد. وقيل: «تِلْكُمُ» بمعنىٰ هذه. ومعنىٰ {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي ورثتم منازلها بعملكم، ودخولكم إياها برحمة الله وفضله. كما قال { ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ }[النساء: 70] وقال: وقال: { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ } [النساء: 175]. وفي صحيح مسلم: «لن يُدخل أحداً منكم عَمَلُه الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». وفي غير الصحيح: ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل؛ فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهلُ النار النارَ رُفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله. ثم يقال: يا أهل الجنة رِثُوهم بما كنتم تعملون؛ فتقسم بين أهل الجنة منازلهم.

قلت: وفي صحيح مسلم:

لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً. فهذا أيضاً ميراث؛ نعَّم بفضله من شاء وعذب بعدله من شاء. وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تُنال إلا برحمته؛ فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته، إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل عليهم. وقِرىء «أُورِثْتُمُوهَا» من غير إدغام. وقرىء بإدغام التاء في الثاء.

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا۟ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٤

قوله تعالىٰ: {وَنَادَىۤ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} هذا سؤال تقريع وتعيير. {أَن قَدْ وَجَدْنَا} مثل «أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ» أي أنه قد وجدنا. وقيل: هو نفس النداء. {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} أي نادىٰ وصوّت؛ يعني من الملائكة. «بَيْنَهُمْ» ظرف؛ كما تقول: أعْلَم وسطهم. وقرأ الأعمش والكِسائي «نَعِم» بكسر العين. وتجوز على هذه اللغة بإسكان العين. قال مكيّ: من قال «نعِم» بكسر العين أراد أن يفرق بين «نَعَم» التي هي جواب وبين «نعم» التي هي اسم للإبل والبقر والغنم. وقد روي عن عمر إنكار «نعَم» بفتح العين في الجواب، وقال: قل نَعِم. ونَعَم ونَعِم، لغتان بمعنىٰ العِدَة والتصديق. فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك: أيقوم زيد؟ فيقول نعم. والتصديق إذا أخبرت عما وقع، تقول: قد كان كذا وكذا، فيقول نعم. فإذا استفهمت عن منفيّ فالجواب بلىٰ نحو قولك ألم أكرمك، فيقول بلىٰ. فنعم، لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية. وبلىٰ، لجواب الاستفهام الداخل على النفي؛ كما قال تعالىٰ:

{ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]. وقرأ البَزِّي وابن عامر وحمزة والكِسائيّ «أنّ لعنة الله» وهو الأصل. وقرأ الباقون بتخفيف «أن» ورفع اللعنة على الابتداء. فـ «أن» في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض. ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب. وتكون مفسرة كما تقدّم. وحكي عن الأعمش أنه قرأ «إن لعنة الله» بكسر الهمزة؛ فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون «فَنَادَاهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمحرَابِ إنَّ الله» ويُروى أن طاووساً دخل على هشام بن عبد الملك فقال له: ٱتق الله وٱحذر يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: قوله تعالىٰ: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} فصعِق هشام. فقال طاووس: هذا ذُلُّ الصِّفة فكيف ذل المعاينة.

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ كَٰفِرُونَ ۝٤٥

قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} في موضع خفض لـ «الظالمين» على النعت. ويجوز الرفع والنصب على إضمارِهُمْ أو أعني. أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام. فهو من الصدّ الذي هو المنع. أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون. وهذا من الصدود. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} يطلبون ٱعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها. وقد مضىٰ هذا المعنى. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ كَافِرُونَ} أي وكانوا بها كافرين. فحذف وهو كثير في الكلام.

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ وَنَادَوْا۟ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ۝٤٦

قوله تعالىٰ: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي بين النار والجنة ـ لأنه جرىٰ ذكرهما ـ حاجز؛ أي سُورٌ. وهو السور الذي ذكره الله في قوله:

{ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ }[الحديد: 13]. {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} أي على أعراف السور؛ وهي شُرَفُه. ومنه عُرف الفرس وعُرف الديك. روى عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف الشيء المُشْرِف. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الأعراف سور له عُرف كُعْرف الديك. والأعراف في اللغة: المكان المُشْرف؛ جمع عُرْف. قال يحيىٰ بن آدم: سألت الكسائيّ عن واحد الأعراف فسكت، فقلت: حدثنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأعراف سور له عرف كعرف الدّيك. فقال: نعم والله، واحده يعني، وجماعته أعراف، يا غلام، هات القرطاس؛ فكتبه. وهذا الكلام خرج مخرج المدح؛ كما قال فيه: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ } [النور: 37] وقد تكلم العلماء في أصحاب الأعراف على عشرة أقوال: فقال عبد الله بن مسعود وحُذيفة ابن اليمان وابن عباس والشعبيّ والضحاك وابن جُبير: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ابن عطية: وفي مسند خيثمة بن سليمان (في آخر الجزء الخامس عشر) حديث عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُوضع الموازين يوم القيامة فتُوزن الحسنات والسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صُؤابة دخل الجنة ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار». قيل: يا رسول الله، فمن ٱستوت حسناته وسيئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون». وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء. وقيل: هم الشهداء؛ ذكره المَهْدويّ. وقال القشيريّ: وقيل هم فضلاء المؤمنين والشهداء، فرغوا من شغل أنفسهم، وتفرغوا لمطالعة حال الناس؛ فإذا رأوا أصحاب النار تعوّذوا بالله أن يُرَدّوا إلى النار، فإن في قدرة الله كل شيء، وخلاف المعلوم مقدور. فإذا رأوا أهل الجنة وهم لم يدخلوها بعدُ يرجون لهم دخولها. وقال شَرَحْبيل بن سعد: هم المستشهِدون في سبيل الله الذين خرجوا عصاة لآبائهم. وذكر الطبري في ذلك حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: وأنه تعادل عُقوقهم واستشهادهم. وذكر الثعلبيّ بإسناده عن ابن عباس في قوله عز وجل: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ} قال: الأعراف موضع عالٍ على الصراط، عليه العباس وحمزة وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبِّيهم ببياض الوجوه ومُبْغضيهم بسواد الوجوه. وحكى الزَّهرَاوِي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة. وٱختار هذا القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه؛ فهم على السور بين الجنة والنار، وقال الزجاج: هم قوم أنبياء. وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غَمٌّ فيقع في مقابلة صغائرهم. وتمنىَّ سالم مولىٰ أبي حُذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون. وقيل: هم أولاد الزِّنَىٰ؛ ذكره القُشَيريّ عن ابن عباس. وقيل: هم ملائكة موكَّلون بهذا السور، يميِّزون الكافرين من المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار؛ ذكره أبو مجلز. فقيل له: لا يقال للملائكة رجال؟ فقال: إنهم ذكور وليسوا بإناث، فلا يبعد إيقاع لفظ الرجال عليهم ـ؛ كما أوقع على الجنّ في قوله: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ } [الجن: 6]. فهؤلاء الملائكة يعرفون المؤمنين بعلاماتهم والكفار بعلاماتهم؛ فيبشِّرون المؤمنين قبل دخولهم الجنة وهم لم يدخلوها بعدُ فيطمعون فيها. وإذا رأوا أهل النار دَعَوْا لأنفسهم بالسلامة من العذاب. قال ابن عطية: واللازم من الآية أن على الأعراف رجالاً من أهل الجنة يتأخر دخولهم ويقع لهم ما وُصف من الاعتبار في الفريقين. و {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ} أي بعلاماتهم، وهي بياض الوجوه وحسنُها في أهل الجنة، وسوادُها وقبحها في أهل النار، إلى غير ذلك من معرفة حَيِّز هؤلاء وحيز هؤلاء.

قلت: فوقف عن التعيين لاضطراب الأثر والتفصيل، والله بحقائق الأمور عليم. ثم قيل: الأعراف جمع عُرْف وهو كل عالٍ مرتفع؛ لأنه بظهوره أعرف من المنخفض. قال ٱبن عباس: الأعراف شُرَف الصراط. وقيل: هو جبل أُحُد يوضع هناك. قال ابن عطية: وذكر الزَّهْرَاوِيّ حديثاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن أُحُداً جبل يُحبُّنا ونُحبّه وإنه يوم القيامة يمثّل بين الجنة والنار يُحبس عليه أقوام يعرفون كلاًّ بسيماهم هُمُ إن شاء الله من أهل الجنة. وذكر حديثاً آخر عن صَفْوان بن سُلَيم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إن أُحُداً على ركن من أركان الجنة».

قلت: وذكر أبو عمر عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أُحد جبل يحبنا ونحبه وإنه لعلىٰ تُرْعة من تُرع الجنة».

قوله تعالىٰ: {وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} أي نادىٰ أصحابُ الأعراف أصحابَ الجنة. {أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} أي قالوا لهم سلام عليكم. وقيل: المعنى سلمتم من العقوبة. {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ} أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف، أي لم يدخلوها بعدُ. «وَهُمْ يَطْمَعون» على هذا التأويل بمعنىٰ وهم يعلمون أنهم يدخلونها. وذلك معروف في اللغة أن يكون طَمِع بمعنىٰ عَلِم؛ ذكره النحاس: وهذا قول ٱبن مسعود وٱبن عباس وغيرهما، أن المراد أصحاب الأعراف. وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة، أي قال لهم أصحاب الأعراف سلام عليكم وأهل الجنة لم يدخلوا الجنة بعدُ وهم يطمعون في دخولها للمؤمنين المارِّين على أصحاب الأعراف. والوقف على قوله: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ». وعلى قوله: «لَمْ يَدْخُلُوهَا». ثم يبتدىء «وَهُمْ يَطْمَعُونَ» على معنىٰ وهم يطمعون في دخولها. ويجوز ان يكون «وَهُمْ يَطْمَعُونَ» حالاً، ويكون المعنىٰ: لم يدخلها المؤمنون المارّون على أصحاب الأعراف طامعين، وإنما دخلوها غير طامعين في دخولها؛ فلا يوقف على «لم يدخلوها».

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٧

قوله تعالى: {وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} أي جهة اللقاء وهي جهة المقابلة. ولم يأت مصدر على تِفْعال غيرُ حرفين: تِلقاء وتِبيان. والباقي بالفتح؛ مثل تَسْيار وتَهمام وتَذكار. وأما الاسم بالكسر فيه فكثير؛ مثل تِقصار وتِمثال. {قَالُواْ} أي قال أصحاب الأعراف. {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} سألوا الله ألاّ يجعلهم معهم، وقد علموا أنه لا يجعلهم معهم. فهذا على سبيل التذلّل؛ كما يقول أهل الجنة:

{ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } [التحريم: 8] ويقولون: الحمد لله. على سبيل الشكر لله عز وجل. ولهم في ذلك لَذّةٌ.

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ۝٤٨ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ۝٤٩

قوله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاٍ يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} أي من أهل النار. {قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} أي للدنيا وٱستكباركم عن الإيمان. {أَهَـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ} إشارة إلى قوم من المؤمنين الفقراء؛ كبِلاَل وسَلْمَان وخَبَّاب وغيرهم. {أَقْسَمْتُمْ} في الدنيا. {لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ} في الآخرة. {بِرَحْمَةٍ} يوبخونهم بذلك. وزيدوا غَمًّا وحسرة بأن قالوا لهم {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ} وقرأ عكرمة «دخلوا الجنة» بغير ألف والدال مفتوحة. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «أدْخِلوا الجنة» بكسر الخاء على أنه فعل ماض.

ودلّت الآية على أن أصحاب الأعراف ملائكة أو أنبياء؛ فإن قولهم ذلك إخبار عن الله تعالى ومن جعل أصحاب الأعراف المذنبين كان آخر قولهم لأصحاب النار {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}، ويكون «أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ» إلى آخر الآية من قول الله تعالى لأهل النار توبيخاً لهم على ما كان من قولهم في الدنيا. وروي عن ابن عباس، والأوّل عن الحسن. وقيل: هو من كلام الملائكة الموكلين بأصحاب الأعراف؛ فإن أهل النار يحلفون أن أصحاب الأعراف يدخلون معهم النار فتقول الملائكة لأصحاب الأعراف: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}.

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٥٠

قوله تعالى: {وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَنَادَىٰ} قيل: إذا صار أهل الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار فقالوا: يا رَبُّنَا إن لنا قرابات في الجنة فأْذن لنا حتى نراهم ونكلمهم. وأهل الجنة لا يعرفونهم لسواد وجوههم، فيقولون: {أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} فبيّن أن ٱبن آدم لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان في العذاب. {قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} يعني طعام الجنة وشرابها. والإفاضة التوسعة؛ يقال: أفاض عليه نِعمه.

الثانية: في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تَرَوْا إلى أهل النار حين ٱستغاثوا بأهل الجنة «ان أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ»؟. وروى أبو داود

أن سعداً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: أيّ الصدقة أعجب إليك؟ قال: «الماء». وفي رواية: فحفر بئراً فقال «هذه لأمّ سعد». وعن أنس قال: قال سعد: يا رسول الله، إن أمّ سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدّق عنها؟ قال: «نعم وعليك بالماء». وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن عُبادة أن يسقي عنها الماء. فدلّ على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلاً مؤمناً موحداً وأحياه. روى البخارِيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل يمشي بطريق ٱشتدّ عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا كلب يأكل الثَّرَى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلبَ مثلُ الذي بلغ بي فملأ خفّه ثم أمسكه بفِيه ثم رَقِيَ فسقى الكلب فشكر اللَّهُ له فغفر له». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجراً؟ قال: «في كل ذات كبد رَطْبة أجر». وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عُذّبت ٱمرأة في هِرّة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. وفي حديث عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم:ومن سَقَى مسلماً شَربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق رقبة ومن سقى مسلماً شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحياها. خرّجه ابن ماجه في السُّنَن.

الثالثة: وقد ٱستدلّ بهذه الآية من قال: إن صاحب الحوض والقِربة أحق بمائه، وأن له منعه ممن أراده؛ لأن معنى قول أهل الجنة: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ» لا حقّ لكم فيها. وقد بوّب البخارِيّ رحمه الله على هذا المعنى: (باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه) وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

والذي نفسي بيده لأذودنّ رجالاً عن حوضي كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض. قال المهلّب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائه؛ لقوله عليه السلام:لأذودنّ رجالاً عن حوضي».

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ ۝٥١

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ} في موضع خفض نعت للكافرين. وقد يكون رفعاً ونصباً بإضمار. قيل: هو من قول أهل الجنة. {فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ} أي نتركهم في النار. {كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا} أي تركوا العمل به وكذبوا به. و«ما» مصدرية، أي كنسيهم. {وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} عطف عليه، أي وجحدهم.

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ} يعني القرآن. {فَصَّلْنَاهُ} أي بيناه حتى يعرفه من تدبره. وقيل: «فَصَّلْنَاهُ» أنزلناه متفرّقاً. {عَلَىٰ عِلْمٍ} مِنا به، لم يقع فيه سهو ولا غلط. {هُدًى وَرَحْمَةً} قال الزجاج: أي هاديا وذا رحمة، فجعله حالاً من الهاء التي في «فصلناه». قال الزجاج: ويجوز هدًى ورحمةٌ، بمعنى هو هدى ورحمة. وقيل: يجوز هدى ورحمةٍ بالخفض على البدل من كتاب. وقال الكسائي والفرّاء: ويجوز هدى ورحمةٍ بالخفض على النعت لكتاب. قال الفرّاء: مثل

{ وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } [الأنعام: 92 و155]. {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} خص المؤمنون لأنهم المنتفعون به.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٥٣

قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ} بالهمز، من آل. وأهل المدينة يخفّفون الهمزة. والنظر: الانتظار، أي هل ينتظرون إلا ما وعدوا به في القرآن من العقاب والحساب. وقيل: «ينظرون» من النظر إلى يوم القيامة. فالكناية في «تأويله» ترجع إلى الكتاب. وعاقبة الكتاب ما وعد الله فيه من البعث والحساب. وقال مجاهد: «تأويله» جزاؤه، أي جزاء تكذيبهم بالكتاب. قال قتادة: «تأويله» عاقبته. والمعنى متقارب. {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} أي تبدو عواقبه يوم القيامة. و«يوم» منصوب بيقول، أي يقول الذين نسوه من قبل يومَ يأتي تأويله. {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ} استفهام فيه معنى التمني. {فَيَشْفَعُواْ} نصب لأنه جواب الاستفهام. {لَنَآ أَوْ نُرَدُّ} قال الفرّاء: المعنى أو هل نردّ. {فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} قال الزجاج: نردّ عطف على المعنى، أي هل يشفع لنا أحد أو نردّ. وقرأ ٱبن إسحاق «أو نرد فنعمل» بالنصب فيهما. والمعنى إلا أن نرد؛ كما قال:

فقلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنمانحاول مُلْكاً أو نموتَ فنُعْذَرَا

وقرأ الحسن «أو نرد فنعمل» برفعهما جميعاً. {قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} أي فلم ينتفعوا بها، وكل من لم ينتفع بنفسه فقد خسِرها. وقيل: خسروا النِّعَم وحَظّ أنفسهم منها. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي بطل ما كانوا يقولون من أنّ مع الله إلهاً آخر.

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٥٤

قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} بيّن أنه المنفرد بقدرة الإيجاد، فهو الذي يجب أن يعبد. وأصل «ستة» سدسة، فأرادوا إدغام الدال في السين فٱلتقيا عند مخرج التاء فغلبت عليهما. وإن شئت قلت: أبدل من إحدى السينين تاء وأدغم في الدال؛ لأنك تقول في تصغيرها: سديسة، وفي الجمع أسداس، والجمع والتصغير يردّان الأسماء إلى أصولها. ويقولون: جاء فلان سادساً وسادتا وساتا؛ فمن قال: سادتا أبدل من السين تاء. واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها. فإن لم يكن شمس فلا يوم؛ قاله القشيرِيّ. وقال: ومعنى «فِي ستَّةِ أَيَّامٍ» أي من أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة؛ لتفخيم خلق السموات والأرض. وقيل: من أيام الدنيا. قال مجاهد وغيره: أوّلها الأحد وآخرها الجمعة. وذكر هذه المدّة ولو أراد خلقها في لحظة لفعل؛ إذ هو القادر على أن يقول لها كوني فتكون. ولكنه أراد أن يعلم العباد الرفق والتثبت في الأمور، ولتظهر قدرته للملائكة شيئاً بعد شيء. وهذا عند من يقول: خلق الملائكة قبل خلق السموات والأرض. وحكمة أخرى ـ خلقها في ستة أيام لأن لكل شيء عنده أجلاً. وبين بهذا ترك معاجلة العصاة بالعقاب؛ لأن لكل شيء عنده أجلاً. وهذا كقوله:

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ } [قۤ: 38 و39]. بعد أن قال: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً}.

قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} هذه مسألة الاستواء؛ وللعلماء فيها كلام وإجراء. وقد بينا أقوال العلماء فيها في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى) وذكرنا فيها هناك أربعة عشر قولاً. والأكثر من المتقدّمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيّز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدّمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى ٱختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين. وقد كان السلف الأوّل رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكَيْف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها. وهذا القدر كافٍ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء. والاستواء في كلام العرب هو العلوّ والاستقرار. قال الجوهريّ: وٱستوى من ٱعوجاج، وٱستوى على ظهر دابته؛ أي ٱستقرّ. وٱستوى إلى السماء أي قصد. وٱستوى أي ٱستولى وظهر. قال:

قد ٱستوى بِشرٌ على العِراقمن غير سيف ودمٍ مهراق

واستوى الرجل أي ٱنتهى شبابه. واستوى الشيء إذا اعتدل. وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: { ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ }[طه: 5] قال: علا. وقال الشاعر:

فأوردتهم ماء بفَيْفَاء قفْرَةٍوقد حَلّق النجمُ اليمانِيّ فاستَوَى

أي علا وارتفع.

قلت: فعلوّ الله تعالى وٱرتفاعه عبارة عن علوّ مجده وصفاته وملكوته. أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد، ولا معه من يكون العلوّ مشتركاً بينه وبينه؛ لكنه العليّ بالإطلاق سبحانه

قوله تعالى: {عَلَى ٱلْعَرْشِ} لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد. قال الجوهري وغيره: العرش سرير الملِك. وفي التنزيل

{ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا }[النمل: 41]، { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [يوسف: 100]. والعرش: سقف البيت. وعرش القدم: ما نتأ في ظهرها وفيه الأصابع. وعرش السِّماك: أربعة كواكب صغار أسفل من العَوّاء، يقال: إنها عَجُز الأسد. وعرش البئر: طيُّها بالخشب، بعد أن يُطْوَى أسفلها بالحجارة قدر قامة؛ فذلك الخشب هو العرش، والجمع عروش. والعرش اسم لمَكَّة. والعرش الملك والسلطان. يقال: ثُلّ عرش فلان إذا ذهب ملكه وسلطانه وعزّه. قال زهير:

تداركتما عَبْساً وقد ثُلَّ عَرْشُهَاوذُبْيَانُ إذ ذَلّتْ بأقدامها النّعْلُ

وقد يؤوّل العرش في الآية بمعنى المُلْك، أي ما ٱستوى المُلْك إلا له جل وعز. وهو قول حَسَن وفيه نظر، وقد بيّناه في جملة الأقوال في كتابنا. والحمد لله.

قوله تعالى: {يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} أي يجعله كالغِشاء، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجيء الليل. فالليل للسكون، والنهار للمعاش. وقرىء «يغشى» بالتشديد؛ ومثله في «الرعد». وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي. وخفّف الباقون. وهما لغتان أغْشَى وغَشَّى. وقد أجمعوا على

{ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ } [النجم: 54] مشدّداً. وأجمعوا على { فَأغْشَيْنَاهُمْ }[يسۤ: 9] فالقراءتان متساويتان. وفي التشديد معنى التكرير والتكثير. والتغشية والإغشاء: إلباس الشيء الشيء. ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل، فاكتفى بأحدهما عن الآخر؛ مثل { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } [النحل: 81]. { بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ }[آل عمران: 26]. وقرأ حُميد بن قيس «يغشى الليلَ النهارُ» ومعناه أن النهار يغشى الليل {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} أي يطلبه دائماً من غير فتور. و«يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ» في موضع نصب على الحال. والتقدير: ٱستوى على العرش مغشياً الليل النهار. وكذا «يَطْلُبه حَثِيثاً» حال من الليل؛ أي يغشي الليل النهار طالباً له. ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال. «حَثِيثاً» بدل من طالب المقدّر أو نعت له، أو نعت لمصدر محذوف؛ أي يطلبه طلباً سريعاً. والحث: الإعجال والسرعة. ووَلَّى حثِيثاً أي مسرعاً. {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} قال الأخفش: هي معطوفة على السموات؛ أي وخلق الشمس. ورُوي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر.

قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ} فيه مسألتان:

الأولى: صدق الله في خبره، فله الخلق وله الأمر، خلقهم وأمرهم بما أحب. وهذا الأمر يقتضي النهي. قال ابن عيينة: فرق بين الخلق والأمر؛ فمن جمع بينهما فقد كفر. فالخلق المخلوق، والأمر كلامه الذي هو غير مخلوق وهو قوله: «كُنْ».

{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }[يسۤ: 82]. وفي تفرقته بين الخلق والأمر دليل بيّن على فساد قول من قال بخلق القرآن؛ إذ لو كان كلامه الذي هو أمر مخلوقاً لكان قد قال: ألا له الخلق والخلق. وذلك عِيٌّ من الكلام ومستهجَن ومسْتَغَثٌّ. والله يتعالى عن التكلم بما لا فائدة فيه. ويدل عليه قوله سبحانه. { وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ } [الروم: 25]. { وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ }[النحل: 12]. فأخبر سبحانه أن المخلوقات قائمة بأمره؛ فلو كان الأمر مخلوقاً لافتقر إلى أمر آخر يقوم به، وذلك الأمر إلى أمر آخر إلى ما لا نهاية له. وذلك محال. فثبت أن أمره الذي هو كلامه قديم أزلي غير مخلوق؛ ليصح قيام المخلوقات به. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ }[الحجر: 85]. وأخبر تعالى أنه خلقهما بالحق، يعني القول وهو قوله للمكوَّنات: «كن». فلو كان الحق مخلوقاً لما صح أن يخلق به المخلوقات؛ لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق. يدل عليه { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ } [الصافات: 171] { إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ }[الأنبياء: 101]. { وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي }[السجدة: 13]. وهذا كله إشارة إلى السبق في القول في القِدم، وذلك يوجب الأزل في الوجود. وهذه النكتة كافية في الردّ عليهم. ولهم آيات احتجوا بها على مذهبهم مثل قوله تعالى: { مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ }[الأنبياء: 2] الآية. ومثل قوله تعالى: { وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } [الأحزاب: 38]. و { مَفْعُولاً }[الأحزاب: 37] وما كان مثله. قال القاضي أبو بكر: معنى { مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ } [الأنبياء: 2] أي من وعظ من النبي صلى الله عليه وسلم ووعدٍ وتخويف «إلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ»؛ لأن وعظ الرسل صلوات الله عليهم وسلامه وتحذيرهم ذكر. قال الله تعالى: { فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ } [الغاشية: 21]. ويقال: فلان في مجلس الذكر. ومعنى «وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً» و«مفعولاً» أراد سبحانه عقابه وانتقامه من الكافرين ونصره للمؤمنين وما حكم به وقدّره من أفعاله. ومن ذلك قوله تعالى: { حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا }[هود: 40] وقال عز وجل: { وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ }[هود: 97] يعني به شأنه وأفعاله وطرائقه. قال الشاعر:

لها أمرُها حتى إذا ما تبوّأتبأخفافها مَرْعًى تبوّأ مضجَعا

الثانية: وإذا تقرّر هذا فٱعلم أن الأمر ليس من الإرادة في شيء. والمعتزلة تقول: الأمر نفس الإرادة. وليس بصحيح، بل يأمر بما لا يريد وينهى عما يريد. ألا ترى أنه أمر إبراهيمَ بذبح ولده ولم يُرده منه، وأمر نبيه أن يُصلِّي مع أُمّته خمسين صلاة،ولم يرد منه إلا خمس صلوات. وقد أراد شهادة حمزة حيث يقول: { وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ } [آل عمران: 140]. وقد نهى الكفار عن قتله ولم يأمرهم به. وهذا صحيح نفيس في بابه؛ فتأمله.

قوله تعالى: {تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} «تبارك» تفاعل، من البركة وهي الكثرة والاتساع. يقال: بورك الشيء وبورك فيه؛ قاله ابن عرفة. وقال الأزهري: «تبارك» تعالى وتعاظم وٱرتفع. وقيل: إن باسمه يُتَبَرَّك ويُتَيَمَّن. وقد مضى في الفاتحة معنى «رَبّ الْعَالَمِينَ».

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ۝٥٥

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ} هذا أمرٌ بالدعاء وتعبُّد به. ثم قرن جلّ وعز بالأمر صفاتٍ تحسُنُ معه، وهي الخشوع والاستكانة والتضرع. ومعنى «خُفْيَةً» أي سراً في النفس ليبعد عن الرياء؛ وبذلك أثنى على نبيه زكريا عليه السلام إذ قال مخبراً عنه:

{ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }[مريم: 3]. ونحوه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: خيرُ الذكر الخفيُّ وخيرُ الرزق ما يكفي. والشريعة مقرّرة أن السر فيما لم يعترض من أعمال البر أعظم أجراً من الجهر. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». قال الحسن بن أبي الحسن: لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون على أن يكون سراً فيكون جهراً أبداً. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء فلا يسمع لهم صوت، إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم. وذلك أن الله تعالى يقول: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}. وذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال: { إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً }[مريم: 3]. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذا على أن إخفاء «آمين» أولى من الجهر بها؛ لأنه دعاء. وقد مضى القول فيه في «الفاتحة». وروى مسلم عن أبي موسى قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفر ـ وفي رواية في غزاة ـ فجعل الناس يجهرون بالتكبير ـ وفي رواية فجعل رجل كلما علا ثَنِيّة قال: لا إلٰه إلا الله ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيها الناس ٱرْبَعُوا على أنفسكم إنكم لستم تدعون أصَمّ ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم. الحديث.

الثانية: وٱختلف العلماء في رفع اليدين في الدعاء؛ فكرهه طائفة منهم جُبير بن مُطْعِم وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير. ورأى شُريح رجلاً رافعاً يديه فقال: من تتناول بهما، لا أمّ لكٰ وقال مسروق لقوم رفعوا أيديهم: قطعها الله. وٱختاروا إذا دعا الله في حاجة أن يشير بأصبعه السبابة. ويقولون: ذلك الإخلاص. وكان قتادة يشير بأصبعه ولا يرفع يديه. وكره رفع الأيدي عطاء وطاوس ومجاهد وغيرهم. وروي جواز الرفع عن جماعة من الصحابة والتابعين. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ ذكره البخاريّ. قال أبو موسى الأشعري:

دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه. ومثله عن أنس. وقال ابن عمر: رفع النبيّ صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد». وفي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بَدْر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً، فاستقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم القبلة مادًّا يديه، فجعل يهتف بربه؛ وذكر الحديث. وروى الترمذيّ عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. قال: هذا حديث صحيح غريب. وروى ابن ماجه عن سَلمان عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:إن ربكم حيّ كريم يستحيـي من عبده أن يرفع يديه إليه فيردّهما صَفْراً أو قال خائبتين. احتج الأوّلون بما رواه مسلم عن عمارة بن رُوَيبة ورأى بِشر بن مَرْوان على المنبر رافعاً يديه فقال: قبّح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا؛ وأشار بأصبعه المسبِّحة. وبما روى سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة أن أنس بن مالك حدّثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء فإنه كان يرفعهما حتى يُرَى بياضُ إبطيْه. والأوّل أصحّ طُرُقاً وأثبت من حديث سعيد بن أبي عَروبة؛ فإن سعيداً كان قد تغير عقله في آخر عمره. وقد خالفه شعبة في روايته عن قتادة عن أنس بن مالك فقال فيه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيْه. وقد قيل: إنه إذا نزلت بالمسلمين نازلة أن الرفع عند ذلك جميل حسن؛ كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء ويوم بَدْر.

قلت: والدعاء حَسَن كيفما تيسر، وهو المطلوب من الإنسان لإظهار موضع الفقر والحاجة إلى الله عز وجل، والتذلل له والخضوع. فإن شاء ٱستقبل القبلة ورفع يديه فحسن، وإن شاء فلا؛ فقد فعل ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم حسبما ورد في الأحاديث. وقد قال تعالى: {ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}. ولم يرد صفة من رفع يدين وغيرها. وقال:

{ ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً } [آل عمران: 191] فمدحهم ولم يشترط حالة غير ما ذكر. وقد دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم في خطبته يوم الجمعة وهو غير مستقبل القبلة.

الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ} يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عامّاً (إلى هذا هي الإشارة). والمعتدي هو المجاوز للحدّ ومرتكب الحظر. وقد يتفاضل بحسب ما ٱعتدى فيه. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

سيكون قوم يعتدون في الدعاء. أخرجه ٱبن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة. حدّثنا عفّان حدّثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجُرَيْرِيّ عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفّل سمع ٱبنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: أي بني، سَلِ الله الجنة وعُذْ بِه من النار؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:سيكون قوم يعتدون في الدعاء. والاعتداء في الدعاء على وجوه: منها الجهر الكثير والصياح؛ كما تقدم. ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبيّ، أو يدعو في محال؛ ونحو هذا من الشطط. ومنها أن يدعو طالباً معصية وغير ذلك. ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة؛ فيتخير ألفاظاً مفقرة وكلمات مسجّعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معوّل عليها، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسولُه عليه السلام. وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء؛ كما تقدم في «البقرة» بيانه.

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٦

قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} فيه مسألة واحدة ـ وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قلّ أو كثر بعد صلاحٍ قلّ أو كثر. فهو على العموم على الصحيح من الأقوال. وقال الضحاك: معناه لا تُعَوِّروا الماء المَعِين، ولا تقطعوا الشجر المثمِر ضِراراً. وقد ورد: قطع الدنانير من الفساد في الأرض. وقد قيل: تجارة الحكام من الفساد في الأرض. وقال القُشَيرِيّ: المراد ولا تشركوا؛ فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرْج في الأرض، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسلَ، وتقرير الشرائع ووضوح مِلّة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ٱبن عطية: وقائل هذه المقالة قصد إلى أكبر فساد بعد أعظم صلاح فخصه بالذكر.

قلت: وأما ما ذكره الضحاك فليس على عمومه، وإنما ذلك إذا كان فيه ضرر على المؤمن، وأما ما يعود ضرره على المشركين فذلك جائز؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد عَوّر ماء قَلِيب بدر وقطع شجر الكافرين. وسيأتي الكلام في قطع الدنانير في «هود» إن شاء الله تعالى

{وَٱدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوّف وتأميل لله عز وجل، حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإن ٱنفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله تعالى:

{ نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } [الحجر: 49 و50]. فرجّى وخوّف. فيدعو الإنسان خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه؛ قال الله تعالى: { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } [الأنبياء: 90]. وسيأتي القول فيه. والخوف: الانزعاج لما لا يؤمن من المضار. والطمع: توقع المحبوب؛ قاله القشيري. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء طول الحياة، فإذا جاء الموت غلب الرجاء. قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظنّ بالله. صحيح أخرجه مسلم.

قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَةَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} ولم يقل قريبة. ففيه سبعة أوجه: أوّلها أن الرَّحمة والرُّحْمُ واحد، وهي بمعنى العفو والغفران؛ قاله الزجاج وٱختاره النحاس. وقال النّضْر بن شُمَيْل: الرحمة مصدر، وحقّ المصدر التذكير؛ كقوله:

{ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ } [البقرة: 275]. وهذا قريب من قول الزجاج؛ لأن الموعظة بمعنى الوعظ. وقيل: أراد بالرحمة الإحسان؛ ولأن ما لا يكون تأنيثه حقيقياً جاز تذكيره؛ ذكره الجوهريّ. وقيل: أراد بالرحمة هنا المطر؛ قاله الأخفش. قال: ويجوز أن يذكّر كما يذكّر بعض المؤنث. وأنشد:

فلا مُزْنَةٌ وَدَقَت وَدْقَهاولا أرضَ أبْقَلَ إبْقَالَها

وقال أبو عبيدة: ذُكّر «قَرِيبٌ» على تذكير المكان، أي مكاناً قريباً. قال عليّ بن سليمان: وهذا خطا، ولو كان كما قال لكان «قَرِيبٌ» منصوباً في القرآن؛ كما تقول: إن زيداً قريباً منك. وقيل: ذكّر على النسب؛ كأنه قال: إن رحمة الله ذات قُرْب؛ كما تقول: ٱمرأة طالق وحائض. وقال الفَرّاء: إذا كان القريب في معنى المسافة يذكّر ويؤنّث، وإن كان في معنى النَسب يؤنث بلا ٱختلاف بينهم. تقول: هذه المرأة قريبتي، أي ذات قرابتي؛ ذكره الجوهريّ. وذكر غيره عن الفرّاء: يقال في النسب قريبة فلان، وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث؛ يقال: دارك مِنّا قريبٌ، وفلانة منا قريب؛ قال الله تعالى: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً }[الأحزاب: 63]. وقال من ٱحتج له: كذا كلام العرب؛ كما قال ٱمرؤ القيس:

له الوَيْلُ إن أمْسَى ولا أمَّ هاشمقرِيبٌ ولا البَسْبَاسَةُ ٱبنةُ يَشْكُرا

قال الزجاج: وهذا خطأ؛ لأن سبيل المذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما.

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٥٧

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} عطف على قوله: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ». ذكر شيئاً آخر من نعمه، ودل على وحدانيته وثبوت إلَهِيّتِه. وقد مضى الكلام في الريح في «البقرة». ورياح جمع كثرة، وأرواح جمع قِلة. وأصل ريح رِوح. وقد خطىء من قال في جمع القلة أرياح. {بُشْراً} فيه سبع قراءات: قرأ أهل الحرمين وأبو عمرو «نُشُراً» بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب، أي ذات نشر؛ فهو مثلُ شاهد وشُهُد. ويجوز أن يكون جمع نَشُور كرَسُول ورُسُل. يقال: ريح النشور إذا أتت من هاهنا وهاهنا. والنَّشُور بمعنى المنشور؛ كالرّكوب بمعنى المركوب. أي وهو الذي يرسل الرياح منشرة. وقرأ الحسن وقتادة «نُشْراً» بضم النون وإسكان الشين مخفَّفاً من نُشُر؛ كما يقال: كُتْب ورُسْل. وقرأ الأعمش وحمزة «نَشْراً» بفتح النون وإسكان الشين على المصدر، أعمل فيه معنى ما قبله؛ كأنه قال: وهو الذي ينشر الرّياح نشْراً. نشرت الشيء فٱنتشر، فكأنها كانت مطوية فنُشرت عند الهُبُوب. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال من الرياح؛ كأنه قال يرسل الرياح مُنْشرة، أي مُحيية؛ من أنْشر الله الميتَ فنَشَر، كما تقول أتانا ركضاً، أي راكضاً. وقد قيل: إن نَشْراً (بالفتح) من النَّشْر الذي هو خلاف الطي على ما ذكرنا. كأن الريح في سكونها كالمطوية ثم ترسل من طَيِّها ذلك فتصير كالمنفتحة. وقد فسره أبو عبيد بمعنى متفرِّقة في وجوهها، على معنى ينشرها ها هنا وها هنا. وقرأ عاصم: «بُشْراً» بالباء وإسكان الشين والتنوين جمع بشير، أي الرياح تبشر بالمطر. وشاهده قوله:

{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ }[الروم: 46]. وأصل الشين الضم، لكن سكِّنت تخفيفاً كرسُل ورُسْل. وروى عنه «بَشْراً» بفتح الباء. قال النحاس: ويقرأ «بُشُراً» و«بَشْر مصدر بَشَره يبشره بمعنى بشَّره» فهذه خمس قراءات. وقرأ محمد اليمانِي «بُشْرَى» على وزن حُبْلَى. وقراءة سابعة «بُشُرَى» بضم الباء والشين.

قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} السحاب يذكَّر ويؤنَّث. وكذا كل جمع بينه وبين واحدته هاء. ويجوز نعته بواحد فتقول: سحاب ثقيل وثقيلة. والمعنى: حملت الريح سَحاباً ثِقَالاً بالماء، أي أثقلت بحمله. يقال: أقلّ فلان الشيء أي حمله. {سُقْنَاهُ} أي السحاب. {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي ليس فيه نبات. يقال: سقته لبلد كذا وإلى بلد كذا. وقيل: لأجل بلد ميت؛ فاللام لام أجل. والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خالٍ أو مسكون. والبلدة والبلد واحد البلاد والبُلدان. والبَلَد الأثر وجمعه أبلاد. قال الشاعر:

مِن بعد ما شَمـل البِلَـى أبلادَها

والبلد: أُدْحِيّ النَّعام. يقال: هو أذلّ من بَيْضَة البلد، أي من بيضة النعام التي يتركها. والبلدة الأرض؛ يقال: هذه بلدتنا كما يقال بَحْرَتُنا. والبَلْدَة من منازل القمر، وهي ستّة أنْجُم من القوس تنزلها الشمس في أقصر يوم في السنة. والبلدة الصّدر؛ يقال: فلان واسع البلدة أي واسع الصدر. قال الشاعر:

أُنِيخَتْ فألقتْ بَلْدَةً فوقَ بلدةقليلٍ بها الأصواتُ إلاّ بُغَامُها

يقول: بركت الناقة فألقت صدرها على الأرض. والبُلدة (بفتح الباء وضمها): نقاوة ما بين الحاجبين؛ فهما من الألفاظ المشتركة. {فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ} أي بالبلد. وقيل: أنزلنا بالسحاب الماء؛ لأن السحاب آلة لإنزال الماء. ويحتمل أن يكون المعنى فأنزلنا منه الماء؛ كقوله: { يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ } [الإنسان: 6] أي منها. {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} الكاف في موضع نصب. أي مثل ذلك الإخراج نحيـي الموتى وخرج البيهقِيّ وغيره عن أبي رَزِين العقيلي قال: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق، وما آية ذلك في خلقه؟ قال: «أمَا مَررت بوادِي قومك جَدْباً ثم مَررت به يهتز خَضِراً» قال: نعم، قال: «فتلك آية الله في خلقه». وقيل: وجه التشبيه أنّ إحياءهم من قبورهم يكون بمطر يبعثه الله على قبورهم، فتنشقّ عنهم القبور، ثم تعود إليهم الأرواح. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ثم يرسل الله ـ أو قال ينزل الله ـ مطراً كأنه الطَّلُّ فتنبت منه أجساد الناس ثم يقال يا أيها الناس هلموا إلى ربكم وقِفوهم إنهم مسؤولون. وذكر الحديث. وقد ذكرناه بكماله في كتاب (التذكرة) والحمد لله. فدل على البعث والنشور؛ وإلى الله ترجع الأمور.
الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ