انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير البغويالآيات 1–49

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓصٓ ۝١ كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٢ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝٣ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ۝٤

{آلمص}. {كِتَابٌ} أي: هذا كتاب، {أُنزِلَ إِلَيْكَ}، وهو القرآن، {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}، قال مجاهد: شكّ، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمّة. وقال أبو العالية: حرج أي ضيق، معناه: لا يضيق ما أُرسلتَ به، {لِتُنذِرَ بِهِ}، أي: كتاب أُنزل إليكَ لِتُنْذِرَ به، {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}، أي: عظة لهم، وهو رفع، مردود على الكتاب.

{ٱتَّبِعُواْ}، أي: وقلْ لهم اتَّبعوا. {مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}، أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}، تتعِظُونَ، وقرأ ابن عامر: {يتذكرون}، بالياء والتاء.

{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا}، بالعذاب، {وكم} للتكثير و"رُبّ" للتقليل {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا}، عذابنا، {بَيَـٰتًا}، ليلاً {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}، من القيلولة، تقديره: فجاءها بأسُنَا ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون، أو نائمون ظهيرة، والقيلولة: استراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسُنا وهم غير متوقّعين إمّا ليلاً أو نهاراً. قال الزجاج: و "أوْ" لتصريف العذاب، أي: مرّة ليلاً ومرة نهاراً. وقيل: معناه مِنْ أهل القرى مَنْ أهلكناهم ليلاً، ومنهم من أهلكناهم نهاراً.

فإن قيل: ما معنى أهلكناها فجاءها بأسُنا؟ فكيف يكون مجيء البأس بعد الهلاك؟ قيل: معنى "أهلكنا" أي: حَكَمْنَا بإهلاكها فجاءها بأسُنا. وقيل: فجاءها بأسنا وهو بيان قوله: "أهلكناها"، مثل قول القائل: أعطيتني فأحسنت إليّ لا فرق بينه وبين قوله: أحسنت إليّ فأعطيتني، فيكون أحدهما بدلاً من الآخر.

فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝٥ فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ۝٧ وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٨

{فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ}، أي: قولهم ودعاؤهم وتضرّعهم، والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب: اللّهمّ أشركنا في صالح دعوى المسلمين، أي في دعائهم، {إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ}، عذابنا، {إِلآ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ}، معناه لم يقدروا على ردّ العذاب، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف.

{فَلَنَسْـأََلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ}، يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يعني: نسألهم عمّا بلَّغتهم الرسل، {وَلَنَسْـأََلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ}، عن الإبلاغ.

{فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} أي: لنخبرهم عن علم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينطق عليهم كتاب أعمالهم؛ كقوله تعالى:

{ { هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ } } [الجاثية: 29]. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ}، عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا.

قوله تعالى: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}، يعني: يوم السؤال. قال مجاهد: معناه والقضاء يومئذٍ العدل. وقال الأكثرون: أرادَ به وزن الأعمال بالميزان، وذاك أن الله تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب.

واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: تُوزن صحائف الأعمال: وروينا:

أنّ رجلاً يُنشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مدَّ البصر، فيُخرج له بطاقةٌ فيها شهادة أنْ لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثَقُلَتِ البطاقةُ».

وقيل: توزن الأشخاص. وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

ليأتي الرجلُ العظيمُ السّمينُ يوم القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بَعُوضة».

وقيل: تُوزن الأعمال، روي ذلك عن ابن عباس، فيؤتَى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيّئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، والحكمةُ في وزن الأعمال امتحانُ الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجّة عليهم في العقبى، {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُ}، قال مجاهد: حسناته، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ ۝٩ وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝١٠ وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝١١ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝١٢

{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُ فَأُوْلَـٰۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ}، يجحدون، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيّته لعمر رضي الله عنه: إنّما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتّباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحُقَّ لميزانٍ يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلاً، وإنما خفتْ موازينُ من خفتْ موازينُه يومَ القيامة باتّباعهم الباطلَ في الدنيا، وخفته عليهم حق لميزان يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً.

فإن قيل: قد قال: "من ثقلت موازينه" ذكر بلفظ الجمع، والميزان واحد، قيل: يجوز أن يكون لفظه جمعاً ومعناه واحد؛ كقوله: "يا أيها الرسل"، وقيل: لكل عبد ميزان، وقيل: الأصل ميزان واحد عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلق به، وقيل: جَمَعَهُ: لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان، ولا يتم الوزن إلا باجتماعهما.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: مكنّاكم والمراد من التمكين التمليك والقدرة، {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ}، أي: أسباباً تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب والمعايش جمع المعيشة، {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}، فيما صنعتُ إليكم.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ}، قال ابن عباس: خلقناكم، أي: أصُولكم وآباءَكم ثم صوّرناكم في أرحام أمهاتكم، وقال قتادة والضحاك والسدي: أمّا "خلقناكم" فآدم، وأمّا "صوّرناكم" فذريته. وقال مجاهد في خلقناكم آدم، ثم صوّرناكم في ظهر آدم بلفظ الجمع، لأنه أبو البشر ففي خلقه خلق من يخرج من صلبه، وقيل: خلقناكم في ظهر آدم ثم صوّرناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر. وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال وصوّرناكم في أرحام النساء. وقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثم صوّره وشقّ سمعَه وبصَره وأصابعه. وقيل: الكل آدم خلقه وصوّره و"ثم" بمعنى الواو.

{ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ}، فإن قيل: الأمر بسجود الملائكة كان قبل خلق بني آدم، فما وجه قوله: "ثمّ قلنا"، وثم للترتيب والتراخي؟ قيل: على قول من يصرف الخلق والتصوير إلى آدم وحده يستقيم الكلام إما على قول من يصرفه إلى الذرية فعنه أجوبة:

أحدها "ثم" بمعنى الواو، أي: وقلنا للملائكة، فلا يكون للترتيب والتعقيب.

وقيل: أراد "ثم" أخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا.

وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد خلقناكم، يعني: آدم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ثم صوّرناكم.

قوله تعالى: {فَسَجَدُوۤاْ}، يعني: الملائكة، {إِلاَ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ}، لآدم.

{قَالَ} الله تعالى: يا إبليس {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}، أي: ولم منعك أن تسجد و"لا" زائدة كقوله تعالى:

{ وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [الأنبياء: 95]. {قال} إبليس مجيباً {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} لأنك {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}، والنار خير وأنور من الطين.

قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس.

قال ابن سيرين: ما عُبِدَتِ الشمسُ إلا بالقياس.

قال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أنّ من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والجرأة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرّقها ولأن التراب سبب الحياة، فإنّ حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك.

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ۝١٣ قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝١٥ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ۝١٦ ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ ۝١٧

قوله تعالى: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض وكان له ملك الأرض وأخرجه منها إلى جزائر البحر وعرشه في البحر الأخضر، فلا يدخل الأرض إلا خائفاً على هيئة السارِق مثل شيخ عليه أطمار يروع فيها حتى يخرج منها.

قوله تعالى: {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ}، بمخالفة الأمر، {فِيهَا}، أي: في الجنّة، فلا ينبغي أن يسكن الجنة ولا السماء متكبرٌ مخالفٌ لأمر الله، {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ}، من الأذلاّء، والصغار: الذلّ والمهانة.

{قَالَ}، إبليس عند ذلك، {أَنظِرْنِى}، أخّرني وأمهلني فلا تمتني، {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت.

{قال} الله تعالى: {إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ}، المؤخرين، وبيّن مدة النظرة والمهلة في موضع آخر، فقال:

{ { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } } [الحجر: 38]، وهي النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم.

{قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى}، اختلفوا في "ما"، قيل: هو استفهام يعني فبأيّ شيء أغويتني؟ ثم ابتدأ فقال: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ}، وقيل: "ما" الجزاء، أي: لأجل أنك أغويتني لأحقدَنَّ لهم، وقيل: هو "ما" المصدر موضع القسم تقديره: فبإغوائك إيّاي لأقعدنّ لهم؛ كقوله:

{ { بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } } [يس: 27]، يعني: لغفران ربي.

والمعنى بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك فيَّ. وقال ابن الأنباري: أي فيما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء أغويتني، أي: أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني. وقيل: خيّبتني، {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، أي: لأجلسنّ لبني آدم على طريقك القويم وهو الإسلام.

{ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}، قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: من بين أيديهم أي مِنْ قِبل الآخرة فأشكِّكُهم فيها، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}، أرغبهم في دنياهم، {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ}، أشبِّه عليهم أمر دينهم. {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}، أشهي لهم المعاصي. وروى عطية عن ابن عباس: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبَلِ دنياهم، يعني أزينها في قلوبهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}، من قِبَلِ الآخرة فأقول: لاَ بعث، ولا نشور، ولا جنّةَ، ولا نارَ، {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ} من قِبَلِ حسناتهم، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من قِبَلِ سيئاتهم.

وقال الحكم: من بين أيديهم: من قبل الدنيا يُزيّنها لهم، ومن خلفهم: من قبل الآخرة يثبطهم عنها، وعن أيمانهم: من قبل الحقّ يصدّهم عنه، وعن شمائلهم: من قبل الباطل يزينه لهم. وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم: من أمور الدنيا يزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم بطّأهم عنها، وعن شمائلهم: زيّن لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا يبصرون. وقال ابن جريج: معنى قوله حيث لا يبصرون، أي لا يخطئون وحيث لا يبصرون أي لا يعلمون أنهم يخطئون.

{وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ}، مؤمنين، فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ قيل: قاله ظناً فأصاب. قال الله تعالى:

{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } } [سبأ: 20].

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ۝١٨ وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٩ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ ۝٢٠ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ۝٢١

{قالَ} الله تعالى لإبليس: {ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا}، أي: معيباً، والذيم والذَّأْم أشد العيب، يقال: ذَأَمَهُ يَذْأمُهُ ذَأْمَاً فهو مذؤومٌ وذامه يذيمه ذاماً فهو مذيم، مثل سار يسير سيراً. المدحور: المبعد المطرود، يقال: دحره يدحره دحراً إذا أبعده وطرده. قال ابن عباس: مذؤوماً أي ممقوتاً، وقال قتادة: مذؤماً مدحوراً، أي: لعيناً شقياً. وقال الكلبي: مذؤماً (ملوماً) مدحوراً مقصياً من الجنّة ومن كل خير. {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}، من بني آدم، {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ}، اللام لام القسمُ، {مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}، أي: منك ومن ذريّتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين.

{وَيَـٰـآدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ}، أي: إليهما، والوسوسة: حديث يُلقيه الشيطان في قلب الإنسان، {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا}، أي: أظهر لهما ما غُطي وسُتر عنهما من عوراتهما، قيل: اللام فيه لام العاقبة وذلك أن إبليس لم يوسوس لهذا، ولكن كان عاقبة أمرهم ذلك، وهو ظهور عورتهما؛ كقوله تعالى:

{ { فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } } [القصص: 8]، ثم بين الوسوسة فقال: {وَقَالَ} يعني إبليس لآدم وحواء، {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}، يعني: كراهية أن تكونا من مَلَكَيْن من الملائكة يعلمان الخير والشر، {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ}، من الباقين الذين لا يموتون؛ كما قال في موضع آخر: { { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } } [طه: 120].

{وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختصّ بالواحد، وقال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يُخدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتّبِعاني أرشدكما، وإبليس أوّل من حلف بالله كاذباً فلما حلف ظنّ آدم أن أحداً لا يحلف بالله لا يحلف بالله كاذباً، فاغترَّ به.

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٢٢

{فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ}، أي: خدعهما، يقال: ما زال فلان يدلي لفلان بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من القول باطل.

وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا يكون التدلّي إلاّ من علو إلى أسفل، والتدلية إرسال الدلو في البئر، يُقال: تدلَّى بنفسه ودعا غيره، وقال الأزهري: أصله: تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا يجد الماء فيكون مُدَلّى بغرور، والغرور إظهار النصح مع إبْطانِ الغش.

{فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا}، قال الكلبي: فلما أكلا منها. ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل أن ازدردا أخذتْهُما العقوبةُ، والعقوبةُ أنْ "بدتْ" ظهرت لهما "سوآتُهما" عوراتُهما، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما وُورِيَ عنه من عورة صاحبه، وكانا لا يريان ذلك. قال وهب: كان لباسهما من النور. وقال قتادة: كان ظفراً ألبسهما الله من الظفر لباساً فلمّا وقعا في الذنب بدت لهما سوءَاتهما فاستحييا، {وَطَفِقَا}، أقبلا وجعلا {يَخْصِفَانِ}، يرقعان ويلزقان ويصلان، {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}، وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.

قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما. ورُوي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كان آدم رجلاً طِوَالاً كأنه نخلة سَحُوق كثير شعر الرأس، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأتُه، وكان لا يراها فانطلق هارباً في الجنّة، فعرضتْ له شجرةٌ من شجر الجنة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربُّه يا آدمُ أِمنَّي تفرّ؟ قال: لا يارب ولكن استحييتُك».

{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ}، يعني: عن الأكل منها، {وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}، أي: بيّن العداوة، قال محمد بن قيس: ناداه ربُّه يا آدم أكلت منها وقد نهيتُك؟ قال: يا ربِّ أطعَمَتْنِي حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمَرتني الحية، قال: للحيّةِ لِمَ أمرتيها؟ قالتْ: أمرني إبليس، فقال الله: أمّا أنتِ يا حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على بطنك ووجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأمّا أنتَ يا إبليس فملعون مدحور.

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٢٣ قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝٢٤ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ۝٢٥ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ۝٢٦

{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} الهالكين

{قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}.

{قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ}، يعني: في الأرض تعيشون، {وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}، أي: من الأرض تخرجون من قبوركم للبعث، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: {تُخْرَجُونَ} بفتح التاء هاهنا وفي الزخرف، وافق يعقوب هاهنا وزاد حمزة والكسائي: "وكذلك تخرجون" في أول الروم، والباقون بضم التاء وفتح الراء فيهن.

{يَـٰبَنِىۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ}، أي: خَلْقَنَا لكم {لِبَاسًا}، وقيل: إنّما قال: "أنزلْنا" لأنّ اللباس يكون من نبات الأرض، والنبات يكون بما ينزل من السماء، فمعنى قوله: {أَنزَلْنَا} أي: أنزلنا أسبابه. وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء؛ كما قال تعالى:

{ { وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ } } [الحديد: 25]، وإنما يستخرج الحديد من الأرض.

وسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة.

وقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول:

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُوَمَا بَدَا مِنْهُ فَلاَ أحِلُّهُ

فأمر الله سبحانه بالستر، فقال: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ}، يستر عوراتكم، واحدتها سوأة، سمّيت بها لأنه يسوء صاحبَها انكشافُها فلا تطوفوا عراةً، {وَرِيشًا}، يعني: مالاً في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي، يُقال: تريش الرجل إذا تموّل، وقيل: الريش الجمال، أي: ما يتجملون به من الثياب، وقيل: هو اللباس.

{وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ}، قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي: {ولباس} بنصب السين عطفاً على قوله: {لباساً}، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره {خير}، وجعلوا {ذلك} صلة في الكلام، وكذلك قرأ ابن مسعود وأُبيّ بن كعب: {ولباسُ التقوى خير}.

واختلفوا في {لباس التقوى}، قال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان. وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى.

وقال عطية عن ابن عباس: هو العمل الصالح. وعن عثمان بن عفان أنه قال السَّمْتُ الحسن.

وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله. وقال الكلبي: هو العفاف. والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خُلق له من اللباس للتجمل.

وقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخباراً أن ستر العورة خير من التعري في الطواف.

قال زيد بن علي: لباس التقوى الآلات التي يُتقى بها في الحرب كالدرع والمغفر والساعد والساقين.

وقيل: لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع. {ذَٰلِكَ مِنْ آيَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}.

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٢٧ وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٢٨ قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ۝٢٩

{يَابَنِيۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي: لا يضلنّكم الشيطان، {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم}، أي: كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما، {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ}، أي: ليرى كل واحد سوأة الآخر. {إِنَّهُ يَرَاكُمْ}، يعني أنّ الشيطان يراكم يا بني آدم، {هُوَ وَقَبِيلُهُ} جنوده، قال ابن عباس: هو وولده. وقال قتادة: قبيلة الجن والشياطين، {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}، قال مالك بن دينار: إنّ عدواً يراكَ ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلاّ من عصم الله، {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ} قرناء وأعواناً، {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}، قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيّهم كما قال:

{ { أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } } [مريم: 83].

{وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً}، قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة، وقال عطاء: الشرك. والفاحشة: اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح. {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَاءَنَا}، وفيه إضمار معناه: وإذا فعلوا فاحشة فَنُهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا. قيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.

{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ}، قال ابن عباس: بِلاَ إلهَ إلاّ الله. وقال الضحاك: بالتوحيد. وقال مجاهد والسدي: بالعدل. {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، قال مجاهد والسدي: يعني وجّهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلّوا فيه ولا يقولنّ أحدكم أصلي في مسجدي. وقيل: معناه اجعلوا سجودكم لله خالصاً. {وَٱدْعُوهُ}، واعبدوه، {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}، الطاعة والعبادة، {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، قال ابن عباس: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال:

{ { هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } } [التغابن: 2]، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمناً وكافراً. قال مجاهد: يبعثون على ما ماتوا عليه.

أخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنبأنا محمد بن عبدالله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُبعث كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره».

وقال أبو العالية: عادوا على عمله فيهم. قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.

قال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل بعمل أهل السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاوة، كما أن السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة.

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا عبدالرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناسُ بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنّة، وإنما الأعمال بالخواتيم».

وقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى:

{ { كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } } [الأنبياء: 104]، قال قتادة: بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون، نظير قوله تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } [طه: 25].

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ۝٣٠ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٣١ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٣٢

قوله عزّ وجلّ: {فَرِيقًا هَدَىٰ}، أي: هداهم الله، {وَفَرِيقًا حَقَّ}، وجب {عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ}، أي: بالإرادة السابقة، {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}، فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء.

قوله تعالى: {يَابَنِيۤ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله عزّ وجلّ: "يا بني آدم خذُوا زينتَكم عندَ كلِّ مسجد"، يعني: الثياب. قال مجاهد: ما يُواري عورتك ولو عباءة.

قال الكلبي: الزينة ما يُواري العورة عند كل مسجد لطواف وصلاة.

{وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ}. قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجِّهم من الطعام إلاّ قوتاً ولا يأكلون دسماً، يعظّمون بذلك حجَّهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله، فأنزل الله عزّ وجلّ: "وكلوا" يعني اللحم والدسم "واشربوا" اللبن، {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}، بتحريم ما أحلّ الله لكم من اللحم والدسم، {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}، الذين يفعلون ذلك. قال ابن عباس: كُلْ ما شئتَ والبسْ ما شئتَ ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. قال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطِبَّ كله في نصف آية فقال: {كُلوا واشربوا ولا تسرفوا}.

قوله عزّ وجلّ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}، يعني: لبس الثياب في الطواف، {وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}، يعني: اللحم والدسم في أيام الحج.

وعن ابن عباس وقتادة: والطيبات من الرزق ما حرّم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب. {قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، فيه حذف تقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشّرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظّ للمشركين فيها.

وقيل: هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم.

قرأ نافع {خَالِصَةً} رفع، أي: قلْ هي للذين آمنوا مشتركين في الدنيا، خالصة يوم القيامة للمؤمنين. وقرأ الآخرون بالنصب على القطع، {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلأَيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٣٣ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٣٤ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٣٥

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، يعني: الطواف عراة {ما ظهر} طواف الرجال بالنهار، {وما بطن} طواف النساء بالليل. وقيل: هو الزنا سرّاً وعلانيةً.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي وائل عن عبدالله قال قلت: أنت سمعت هذا من عبدالله؟ قال: نعم فرفعه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا أحدَ أغْيَرُ من الله، فلذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحدَ أحبُّ إليه المَدْحُ من الله فلذلك مَدَحَ نفسَه».

قوله عزّ وجلّ: {وَٱلإِثْمَ}، يعني: الذنب والمعصية. وقال الضحاك: الذنب الذي لا حدَّ فيه. قال الحسن: الإثم: الخمر، قال الشاعر:

شَرِبْتُ الإثْمَ حتّى ضَلَّ عَقْلِيكذاك الإثْمُ تَذْهَبُ بالعُقوُلِ

{وَٱلْبَغْىَ}، الظلم والكِبْر، {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً}، حجةً وبرهاناً، {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، في تحريم الحرث والأنعام، في قول مقاتل. وقال غيره: هو عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.

{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ}، مدّة، وأكل وشرب، وقال ابن عباس وعطاء والحسن: يعني وقتاً لنزول العذاب بهم، {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ}، وانقطع أكلهم، {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}،أي: ولا يتقدمون. وذلك حين سألوا العذاب فأنزل الله هذه الآية.

قوله تعالى: {يَـٰبَنِىۤ آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ}، أي: إن يأتكم. قيل: أراد جميع الرسل.

وقال مقاتل: أراد بقوله: {يا بني آدم} مشركي العرب وبالرسل محمداً صلى الله عليه وسلم وحده، {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى}، قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي، {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ}، أي: اتّقى الشرك وأصلح عمله. وقيل: أخلص ما بينه وبين ربّه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، إذا خاف النّاس، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، أي: إذا حزنوا.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٣٦ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ ۝٣٧

{وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ}، تكبّروا على الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذِّب وكافر متكبّر. قال الله تعالى:

{ { إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } } [الصافات: 35]، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}.

قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا}، جعل له شريكاً، {أَوْ كَذَّبَ بِـآيَـٰتِهِ}، القرآن، {أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ}، أي: حظّهم ممّا كتب لهم في اللوح المحفوظ. واختلفوا فيه، قال الحسن والسدي: ما كتب لهم من العذاب وقضى عليهم من سواد الوجوه وزرقة العيون. قال عطية عن ابن عباس: كُتب لمن يفتري على الله أنّ وجهه مسود، قال الله تعالى:

{ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } } [الزمر: 60].

وقال سعيد بن جبير ومجاهد: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة.

وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني أعمالهم التي عملوها وكتب عليهم من خير وشرّ يجزي عليها.

وقال محمد بن كعب القرظي: ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والأعمار والأعمال فإذا فنيت، {جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ}، يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه، {قَالُوۤاْ}، يعني: يقول الرسل للكفار، {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ}، تعبدون، {مِن دُونِ ٱللَّهِ}، سؤال تبكيت وتقريع، {قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا}، بطلوا وذهبوا عنّا، {وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}، اعترفوا عند معاينة الموت، {أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰفِرِينَ}.

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ ۝٣٨ وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٣٩ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٤٠

{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ}، يعني: يقول الله لهم يوم القيامة ادخلوا في أمم، أي: مع جماعات، {قَدْ خَلَتْ}، مضت، {مِن قَبْلِكُم مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِى ٱلنَّارِ}، يعني: كفار الأمم الخالية، {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}، يريد أختها في الدين لا في النسب، فتلعن اليهود اليهودَ والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن أختها وتلعن الأتباع القادة، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة، {حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا}، أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، {جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ}، قال مقاتل: يعني أخراهم دخولاً النار وهم الأتباع، {لأُولَـٰهُمْ}، أي: لأُولاهم دخولاً وهم القادة، لأن القادة يدخلون النار أوّلاً. وقال ابن عباس: يعني آخر كل أمة لأولاها. وقال السدي: أهل آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، {رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ} الذين، {أَضَلُّونَا} عن الهدى، يعني: القادة {فَـآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ}، أي: ضَعِّف عليهم العذاب، {قَالَ}، الله تعالى، {لِكُلٍّ ضِعْفٌ}، يعني: القادة والأتباع ضعف من العذاب، {وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} ما لكل فريق منكم من العذاب.

قرأ الجمهور: "ولكن لا تعلمون"، وقرأ أبو بكر "لا يعلمون" بالياء، أي: لا يعلم الأتباع ما للقادة ولا القادة ما للأتباع.

{وَقَالَتْ أُولَـٰهُمْ}، يعني: القادة، {لأُخْرَاهُمْ}، للأتباع، {فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ}، لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء، {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ}.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ}، بالتاء، خفّف أبو عمرو، وبالياء، خفف حمزة والكسائي، والباقون بالتاء والتشديد، {أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ}، لأدعيتهم ولا لأعمالهم.وقال ابن عباس: لأرواحهم لأنها خبيثة لا يُصعد بها بل يُهوى بها إلى سجين، إنما تفتّح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم، {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ}، أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة، والخياط والمخيط واحد، وهو الإبرة والمراد منه: أنهم لا يدخلون الجنّة أبداً لأن الشيء إذا عُلّق بما يستحيل كونه يدلُّ لك على تأكيد المنع، كما يقال: لا أفعل ذلك حتى يشيب الغراب أو يبيض القار، يريد: لا أفعله أبداً. {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ}.

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٤٢ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٤٣

{لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ}، أي: فراش، {وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ}، أي: لُحف. وهي جمع غاشية، يعني: ما غشّاهم وغطّاهم، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب، كما قال الله:

{ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } } [الزمر: 16]، {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلمجرمِين}.

{وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، أي: طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيّق عليه، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}.

{وَنَزَعْنَا} وأخرجنا، {مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، من غشّ وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخواناً على سُرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خصّ الله به بعضهم. {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ}، روى الحسن عن عليّ رضي الله عنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت: "ونزعنا ما في صدورهم من غلّ إخواناً على سرر متقابلين".

وقال عليّ رضي الله عنه أيضاً: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال لهم الله عزّ وجلّ: "ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍ".

أخبرنا عبدالواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبدالله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُخَلَّصُ المؤمنون من النار فَيُحْبَسُونَ على قنطرةٍ بين الجنَّةِ والنار، فَيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالم كانتْ بينهم في الدنيا حتى إذا هُذِّبوا ونُقّوا أُذن لهم في دخول الجنة، فَوَالذي نفسُ محمدٍ بيده لأحَدُهُمْ أهدى بمنزلِهِ في الجنة منه بمنزلِهِ كان في الدنيا».

وقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلّ، فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يسحنوا بعدها أبداً، أي إلى هذا، يعني طريق الجنة.

وقال سفيان الثوري: معناه هدانا لعمل هذا ثوابه، {وَمَا كُنَّا}، قرأ ابن عامر: "ما كنا" بلا واو، {لِنَهْتَدِىَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ}، هذا قول أهل الجنّة حين رأوا ما وعدهم الرسل عياناً، {وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، قيل: هذا النداء إذا رأوا الجنّة من بعيد نُودُوا أنْ تلكم الجنّة.

وقيل: هذا النداء يكون في الجنة.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة الخطيب أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبدالله بن محمود أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال حدثنا عبدالله بن المبارك عن سفيان عن أبي إسحاق عن الأغر عن: أبي سعيد عن أبي هريرة قالا: ينادي مناد: إنّ لكم أن تصحُّوا فلا تسقمُوا أبداً، وإنْ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإنّ لكم أن تشبُّوا فلا تهرمُوا أبداً، وإنّ لكم أن تنعموا فلا تَبْأسُوا أبداً، فذلك قوله: {ونُودُوا أَن تلكمُ الجنّة أورثْتُموها بِما كنتُم تعملون}. هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن حميد عن عبدالرزاق عن سفيان الثوري بهذا الإسناد مرفوعاً.

ورُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَا مِنْ أحدٍ إلاّ وله منزلةٌ في الجنة ومنزلة في النار، فأمَّا الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر ومنزله من الجنّة ».

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا۟ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٤ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ كَٰفِرُونَ ۝٤٥ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ وَنَادَوْا۟ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَنَادَىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا}، من الثواب، {حَقًّا}، أي: صدقاً، {فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ}، من العذاب، {حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ}، قرأ الكسائي بكسر العين حيث كان، والباقون بفتحها وهما لغتان، {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ}، أي: نادى منادٍ أسمع الفريقين، {أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ}، قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم: "أنْ" خفيف، "لعنةُ" رفع، وقرأ الآخرون بالتشديد، "لعنةَ الله" نصب على الظالمين، أي: الكافرين. {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ} أي: يصرفون الناس، {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، طاعة الله، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}، أي: يطلبونها زيغاً وميلاً، أي: يبطلون سبيل الله جائرين عن القصد.

قال ابن عباس: يصلّون لغير الله، يعظّمون ما لم يعظّمه الله. والعِوَج - بكسر العين - في الدِّين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائماً، وبالفتح في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ونحوهما. {وَهُم بِٱلأَخِرَةِ كَـٰفِرُونَ}.

{وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ}، يعني: بين الجنّة والنار. وقيل: بين أهل الجنة وبين أهل النار حجاب، وهو السور الذي ذكر الله في قوله:

{ { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ } } [الحديد: 13].

قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلأَعْرَافِ رِجَالٌ}، والأعراف هي ذلك السور الذي بين الجنّة والنار، وهي جمع عُرف، وهو اسم للمكان المرتفع، ومنه عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده. وقال السدي: سُمّي ذلك السور أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس.

واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف، فقال حذيفة وابن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يُدخلهم الجنة بفضل رحمته، وهم آخر من يدخل الجنة.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة ثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبدالله بن محمود أنا إبراهيم بن عبدالله الخلاّل ثنا عبدالله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير، يُحدّث: عن ابن مسعود قال: يُحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناتُه أكثرَ من سيئاته بواحدة دخل الجنّةَ، ومن كانت سيئاتُه أكثرَ من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله:

{ { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم } } [الأعراف: 8-9]. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح، قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلامٌ عليكم، وإذا صرفوا أبصارَهم إلى أصحاب النار قالوا: ربَّنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فأمّا أصحاب الحسنات فإنهم يُعطون نوراً يمشُون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعطي كل يومئذ نوراً فإذا أتوا على الصراط سَلَبَ اللَّهُ نورَ كلِّ منافق ومنافقة، فلمّا رأى أهل الجنّة ما لقي المنافقون قالوا ربَّنا أتْمِمْ لنا نورَنا.

وأمّا أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من بين أيديهم، ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا فبقي في قلوبهم الطمع إذْ لم يُنزع النورُ من بين يديهم، فهنالك يقول الله: "لمْ يدخلُوها وهمْ يَطْمَعُون" وكان الطمع للنّور الذي بين أيديهم، ثم أُدخلوا الجنّة، فكانوا آخر أهل الجنّة دخولاً.

وقال شرحبيل بن سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم. ورواه مقاتل في تفسيره مرفوعاً:

هم رجالٌ غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقُتِلُوا، فأعْتِقُوا من النار بقتلهم في سبيل الله وحُبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنّة».

ورُوي عن مجاهد: أنهم أقوام رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يُحبسون على [الأعراف] إلى أن يقضي الله بين الخلق، ثم يدخلون الجنة.

قال عبدالعزيز بن الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يُبدلوا دينهم.

وقيل: هم أطفال المشركين. قال الحسن: هم أهل الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطّلعُون على أهل الجنّة وأهل النار جميعاً، ويطالعون أحوال الفريقين.

قوله تعالى: {يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ}، أي: يعرفون أهل الجنّة ببياض وجوههم وأهل النّار بسواد وجوههم. {وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ}، أي: إذا رأوا أهل الجنة قالوا سلام عليكم، {لَمْ يَدْخُلُوهَا}، يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنّة، {وَهُمْ يَطْمَعُونَ}، في دخولها، قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة [يريد] بهم. قال الحسن: الذي جعل الطمعَ في قلوبهم يُوصلهم إلى ما يطمعون.

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٧ وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ۝٤٨ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ۝٤٩

{وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ} تعوّذُوا بالله، {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، يعني: الكافرين في النار.

{وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلأَعْرَافِ رِجَالاً}، كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار، {يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ قَالُواْ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ}، في الدنيا من المال والولد، {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}، عن الإيمان. قال الكلبي: نادوهم وهم على السور: يا وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان، ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزؤون بهم، مثل سلمان وصهيب وخباب وبلال وأشباههم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار:

{أَهَـٰۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ}، حلفتم {لاَ يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ} أي: حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة. ثم يقال لأهل الأعراف: {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}، وفيه قول آخر: أن أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار: إن دخل أولئك الجنّة وأنتم لم تدخلوها. فيعيِّرونَهم بذلك، ويُقسمون أنهم يدخلون النار، فتقول الملائكةُ الذين حَبَسُوا أصحابَ الأعراف على الصراط لأهل النار: أهؤلاء، يعني أصحاب الأعراف، الذين أقسمتم يا أهل النار أنه لا ينالهم برحمة، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: "اْدخلُوا الجنةَ لاَ خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون"، فيدخلون الجنّة.

الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ