انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير القرطبيالآيات 58–102

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ۝٥٨

قوله تعالى: {وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} أي التُّربة الطيبة. والخَبِيثُ الذي في تربته حجارة أو شوك؛ عن الحسن. وقيل: معناه التشبيه، شبَّه تعالى السريعَ الفهم بالبلد الطيب، والبَلِيدَ بالذي خَبُثَ؛ عن النحاس. وقيل: هذا مثل للقلوب؛ فقلب يقبل الوعظ والذِّكْرى، وقلب فاسق يَنْبُو عن ذلك؛ قاله الحسن أيضاً. وقال قتادة: مَثَلُ للمؤمن يعمل محتسِباً متطوّعاً، والمنافق غير محتسب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

والذِي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مِرْمَاتَيْن حسَنَتَين لشهد العِشاء. {نَكِداً} نصب على الحال، وهو العَسِر الممتنع من إعطاء الخير. وهذا تمثيل. قال مجاهد: يعني: أن في بني آدم الطيب والخبيث. وقرأ طلحة «إلاَّ نَكْداً» حذف الكسرة لثقلها. وقرأ ٱبن القَعْقَعاع «نَكَداً» بفتح الكاف، فهو مصدر بمعنى ذا نكد. كما قال:

فإنَّمَـا هِيَ إِقْبَـالٌ وإدْبَـارِ

وقيل: «نَكِداً» بنصب الكاف وخفضها بمعنًى؛ كالدّنَف والدّنِف، لغتان. {كَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ} أي كما صرفنا من الآيات، وهي الحجج والدّلالات، في إبطال الشرك؛ كذلك نصرف الآيات في كل ما يحتاج إليه الناس. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} وخصّ الشاكرين لأنهم المنتفعون بذلك.

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٥٩

قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} لما بيّن أنه الخالق القادر على الكمال ذكر أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار. واللام في «لقد» للتأكيد المنبِّه على القسم. والفاء دالة على أن الثاني بعد الأوّل. {يَاقَوْمِ} نداء مضاف. ويجوز «يا قومي» على الأصل. ونوح أوّل الرسل إلى الأرض بعد آدم عليهما السلام بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات. قال النحاس: وانصرف لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يشتق من ناح ينوح؛ وقد تقدّم في «آل عمران» هذا المعنى وغيره فأغنى عن إعادته. قال ابن العربيّ: ومن قال إن إدْرِيسَ كان قبله من المؤرّخينَ فقد وَهِم. والدليل على صحة وهمِه الحديث الصحيح في الإسراء حين لقي النبيّ صلى الله عليه وسلم آدم وإدريس فقال له آدم: «مرحباً بالنبيّ الصالح والابن الصالح». وقال له إدْريسٌ: «مَرْحَباً بالنبيّ الصالح والأخ الصالح». فلو كان إدريس أبا لنوح لقال مرحباً بالنبيّ الصالح والابن الصالح. فلما قال له والأخ الصالح دَلّ ذلك على أنه يجتمع معه في نوح، صلوات الله عليهم أجمعين. ولا كلام لمنصف بعد هذا. قال القاضي عِياض: وجاء جواب الآباء ها هنا كنوح وإبراهيم وآدم «مرحباً بالابن الصالح». وقال عن إدريس «بالأخ الصالح» كما ذكر عن موسى وعيسى ويوسف وهارون ويحيـى ممن ليس بِأب بٱتفاق للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال المازِريّ: قد ذكر المؤرخون أن إدريس جدّ نوح عليهما السلام. فإن قام الدليل على أنّ إدريس بُعِثَ أيضاً لم يصح قول النسابين أنه قبل نوح؛ لما أخبر عليه السلام من قول آدم أن نوحاً أوّل رسول بعث، وإن لم يقم دليل جاز ما قالوا: وصح أن يحمل أن إدريس كان نبياً غير مرسل. قال القاضي عِياض: قد يجمع بين هذا بأن يقال: اختص بعث نوح لأهل الأرض ـ كما قال في الحديث ـ كافَّة كنبينا عليه السلام. ويكون إدريس لقومه كموسى وهود وصالح ولوط وغيرهم. وقد استدل بعضهم على هذا بقوله تعالى:

{ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } [الصافات: 123 و124]. وقد قيل: إن إلياس هو إدريس. وقد قرىء «سلام على إِدْرَاسِين». قال القاضي عياض: وقد رأيت أبا الحسن بن بَطّال ذهب إلى أن آدم ليس برسول؛ ليسلم من هذا الاعتراض. وحديث أبي ذَرٍّ الطويل: يدل على أن آدم وإدريس رسولان. قال ابن عطية: ويجمع ذلك بأن تكون بعثة نوح مشهورة لإصلاح الناس وحملهم بالعذاب والإهلاك على الإيمان؛ فالمراد أنه أوّل نبيّ بُعث على هذه الصفة. والله أعلم. وروي عن ابن عباس أن نوحاً عليه السلام بعث وهو ابن أربعين سنة. قال الكلبيّ: بعد آدم بثمانمائة سنة. وقال ابن عباس: وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً؛ كما أخبر التنزيل. ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثُر الناس وفَشَوْا. وقال وهب: بعث نوح وهو ابن خمسين سنة. وقال عَوْن بن شدّاد: بعث نوح وهو ابن ثلثمائة وخمسين سنة. وفي كثير من كتب الحديث: الترمذيّ وغيره أن جميع الخلق الآن من ذرية نوح عليه السلام. وذكر النقّاشُ عن سليمان بن أَرْقَم عن الزهريّ: أن العرب وفارس والروم وأهل الشام وأهل اليمن من ولد سَامِ بن نوح. والسند والهند والزّنج والحبشة والزُّطّ والنُّوبة، وكلُّ جلد أسود من ولد حَامِ بن نوح. والترك وبَرْبَر ووراء الصين ويأجوج ومأجوج والصقالبة كلهم من ولد يَافِثَ بن نوح. والخلق كلهم ذرية نوح.

قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ} برفع «غَيْرُهُ» قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم وحمزة. أي ما لكم إله غيره. نعت على الموضع. وقيل: «غير» بمعنى إلا؛ أي ما لكم من إله إلا الله. قال أبو عمرو: ما أعرف الجر ولا النصب. وقرأ الكسائي بالخفض على الموضع. ويجوز النصب على الاستثناء، وليس بكثير؛ غير أن الكسائي والفراء أجازا نصب «غير» في كل موضع يحسن فيه «إلاّ» تَمَّ الكلام أو لم يتم. فأجازا: ما جاءني غيرك. قال الفراء: هي لغة بعض بني أُسْد وقُضَاعَة. وأنشد:

لم يَمْنَع الشُّرْبَ منها غيَر أن هتفَتْحمامةٌ في سَحُوق ذاتِ أوْقَال

قال الكسائيّ: ولا يجوز جاءني غيرك، في الإيجاب؛ لأن إلا لا تقع ها هنا. قال النحاس: لا يجوز عند البصريين نصب «غير» إذا لم يتم الكلام. وذلك عندهم من أقبح اللحن.

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٦٠ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦١ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٢

«المَلأُ» أشراف القوم ورؤساؤهم. وقد تقدّم بيانه في «البقرة». والضَّلاَلُ والضَّلاَلَةُ: العدول عن طريق الحق، والذهاب عنه. أي إنا لنراك في دعائنا إلى إله واحد في ضلال عن الحق. {أُبَلِّغُكُمْ} بالتشديد من التبليغ، وبالتخفيف من الإبلاغ. وقيل: هما بمعنًى واحد لغتان؛ مثلُ كرَّمه وأكرمه. {وَأَنصَحُ لَكُمْ} النُّصح: إخلاص النية من شَوَائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغَشِّ. يقال: نصحته ونصحت له نَصيحةً ونَصاحة ونُصحا. وهو باللام أفصح. قال الله تعالى: «وَأَنْصَحُ لَكُمْ» والاسم النصيحة. والنّصِيح الناصِحُ، وقوم نُصحاء. ورجل ناصح الجَيْب أي نقيّ القلب. قال الأصمعيّ: الناصح الخالص من العسل وغيره. مثلُ الناصع. وكل شيء خَلَص فقد نَصَح. وانتَصَح فلان أقبل على النصيحة. يقال: انْتَصِحْني إنني لك ناصح. والناصح الخياط. والنِّصاح السلك يُخاط به. والنِّصاحات أيضاً الجلود. قال الأعشى:

فَتَرى الشُّرْبَ نَشَاوَى كلَّهممثل ما مُدّتْ نِصاحاتُ الرُّبَحْ

الرُّبَحُ لغة في الرُّبَع، وهو الفَصِيل. والرُّبَح أيضاً طائر. وسيأتي لهذا زيادة معنًى في «براءة» إن شاء الله تعالى

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٦٣ فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ ۝٦٤

قوله تعالى: {أَوَ عَجِبْتُمْ} فتحت الواو لأنها واو عطف، دخلت عليها ألف الاستفهام للتقرير. وسبيل الواو أن تدخل على حروف الاستفهام إلا الألف لقوتها. {أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ} أي وعظ من ربكم. {عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ} أي على لسان رجل. وقيل: «على» بمعنى «مَعَ»، أي مع رجل. وقيل: المعنى أن جاءكم ذكر من ربكم مُنَزَّل على رجل منكم، أي تعرفون نسبه. أي على رجل من جنسكم. ولو كان مَلَكاً فربما كان في اختلاف الجنس تنافر الطبع. و«الفُلْك» يكون واحداً ويكون جمعاً. وقد تقدّم في «البقرة». و{عَمِينَ} أي عن الحق؛ قاله قتادة. وقيل: عن معرفة الله تعالى وقدرته، يقال: رجلٌ عَمٍ بكذا، أي جاهل.

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٦٥ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٦٦ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٧ أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ۝٦٨ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةً فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٦٩

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً. قال ابن عباس: أي ٱبن أبيهم. وقيل: أخاهم في القبيلة. وقيل: أي بشراً من بني أبيهم آدم. وفي مصنف أبي داود أن أخاهم هودا أي صاحبهم. وعاد من ولد سام بن نوح. قال ابن إسحاق: وعاد هو ابن عوص بن إرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وهود هو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص ابن إرم بن سام بن نوح. بعثه الله إلى عاد نبياً. وكان من أوسطهم نسباً وأفضلهم حسباً. و«عاد» من لم يصرفه جعله اسماً للقبيلة، ومن صرفه جعله اسماً للحيّ. قال أبو حاتم: وفي حرف أبيّ وابن مسعود «عاد الأولى» بغير ألف. و«هود» أعجمي، وانصرف لخفته؛ لأنه على ثلاثة أحرف. وقد يجوز أن يكون عربياً مشتقاً من هاد يهود. والنصب على البدل. وكان بين هود ونوح فيما ذكر المفسرون سبعة آباء. وكانت عاد فيما رُوي ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمال، رمل عالج. وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارة، وكانت بلادهم أخصب البلاد، فسخط الله عليهم فجعلها مفاوز، وكانت فيما روي بنواحي حضرموت إلى اليمن، وكانوا يعبدون الأصنام. ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا. {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} أي في حمق وخفة عقل. قال:

مَشَيْنَ كما اهتزّتْ رِماحٌ تسفّهتْأعالِيهَا مَرُّ الرياح النَّواسِم

وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». والرؤية هنا وفي قصة نوح قيل: هي من رؤية البصر. وقيل: يجوز أن يراد بها الرأي الذي هو أغلب الظن.

قوله تعالى: {وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} «خلفاء» جمع خليفة على التذكير والمعنى، وخلائف على اللفظ. منّ عليهم بأن جعلهم سُكَّان الأرض بعد قوم نوح. {وَزَادَكُمْ فِي ٱلْخَلْقِ بَسْطَةً} ويجوز «بصطة» بالصاد لأن بعدها طاء؛ أي طولاً في الخلق وعظم الجسم. قال ٱبن عباس: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين ذراعاً. وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم. وقيل: على خلق قوم نوح. قال وهب: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة، وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: أن كان الرجل من قوم عاد يتخذ المِصراعين من حجارة لو ٱجتمع عليها خمسمائة رجل من هذه الأمّة لم يطيقوه، وأن كان أحدهم ليغمِز برجله الأرض فتدخل فيها. {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} أي نِعم الله، واحدها إِلًى وإليٌ وإلْوٌ وأَلًى. كالآناء واحدها إِنًى وإِنْيٌ وإِنْوٌ وأَنًى. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تقدّم.

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٧٠ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝٧١ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٧٢

طلبوا العذاب الذي خوّفهم به وحذرهم منه فقال لهم: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ}. ومعنى وقع أي وجب. يقال: وقع القول والحُكْم أي وجب، ومثله: {وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ}. أي نزل بهم. {وَإِذَا وَقَعَ ٱلْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ ٱلأَرْضِ}. والرِّجْسُ العذابُ وقيل: عُني بالرجس الرَّيْن على القلب بزيادة الكفر. {أَتُجَادِلُونِي فِيۤ أَسْمَآءٍ} يعني الأصنام التي عبدوها، وكان لها أسماء مختلفة. {مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} أي من حُجّة لكم في عبادتها. فالاسم هنا بمعنى المسمّى. نظيره

{ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ }[يوسف: 40]. وهذه الأسماء مثل العُزّى من العِزّ والأعز والّلات، وليس لها من العزّ والإلٰهيّة شيء. {دَابِرَ} آخِر. وقد تقدّم. أي لم يبق لهم بقية.

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٣

وهو ثمود بن عاد بن إرم بن سام بن نوح. وهو أخو جدِيس، وكانوا في سعة من معايشهم؛ فخالفوا أمر الله وعبدوا غيره، وأفسدوا في الأرض. فبعث الله إليهم صالحاً نبيًّا، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد بن حاذر بن ثمود. وكانوا قوماً عُرْباً. وكان صالح من أوسطهم نَسَباً وأفضلهم حَسَباً فدعاهم إلى الله تعالى حتى شَمِطَ ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعَفون. ولم ينصرف «ثمود» لأنه جُعل ٱسماً للقبيلة. وقال أبو حاتم: لم ينصرف لأنه ٱسم أعجميّ. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه مشتق من الثَّمد وهو الماء القليل. وقد قرأ الفراء

{ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ } [هود: 68]على أنه ٱسم للحيّ. وكانت مساكن ثمود الحِجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. وهم من ولد سام بن نوح. وسميت ثمود لقلة مائها. وسيأتي بيانه في «الحجر» إن شاء الله تعالى

{هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً} أخرج لهم الناقة حين سألوه من حجر صَلْد؛ فكان لها يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم مثله لبنا لم يشرب قط ألذ وأحلى منه. وكان بقدر حاجتهم على كثرتهم؛ قال الله تعالى:

{ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ }[الشعراء: 155]. وأضيفت الناقة إلى الله عز وجل على جهة إضافة الخلق إلى الخالق. وفيه معنى التشريف والتخصيص.

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ} أي ليس عليكم رزقها ومؤونتها.

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٧٤

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} فيه محذوف، أي وبوأكم في الأرض منازل. {تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً} أي تبنون القصور بكل موضع. {وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتاً} ٱتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم؛ فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وقرأ الحسن بفتح الحاء، وهي لغة. وفيه حرف من حروف الحلق؛ فلذلك جاء على فعل يفعل.

الثانية: استدل بهذه الآية من أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله:

{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ }[الأعراف: 32]. ذُكر أن ٱبناً لمحمد بن سِيرين بَنَى داراً وأنفق فيها مالاً كثيراً؛ فذُكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال: ما أرى بأساً أن يبني الرجل بناء ينفعه. وروي أنه عليه السلام قال: إذا أنعم الله على عبد أحبّ أن يُرى أثر النعمة عليه. ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة. ألا ترى أنه لو اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك؛ فكذلك البناء. وكره ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره. واحتجوا بقوله عليه السلام:إذا أراد الله بعبد شراً أهلك ماله في الطين واللَّبِن. وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال: من بَنَى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه».

قلت: بهذا أقول؛ لقوله عليه السلام:

وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية. رواه جابر بن عبد الله وخرّجه الدَّارَقُطْنِيّ. وقوله عليه السلام: ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارِي عورته وجِلْف الخبز والماءأخرجه الترمِذيّ.

الثالثة: قوله تعالى: {فَٱذْكُرُوۤاْ آلآءَ ٱللَّهِ} أي نِعمه. وهذا يدلّ على أن الكفار منعم عليهم. وقد مضى في «آل عمران» القول فيه. {وَلاَ تَعْثَوْا فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ} تقدّم في «البقرة». والعِثيّ والعُثَوُّ لغتان. وقرأ الأعمش «تعثوا» بكسر التاء أخذه من عَثِي يَعْثَى لا من عثا يعثو.

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ۝٧٥ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٧٦

قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} الثاني بدل من الأوّل، لأن المستضعفين هم المؤمنون. وهو بدل البعض من الكل.

فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٧٧ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٧٨ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ۝٧٩

قوله تعالى: {فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ} العَقْر الجرح. وقيل: قطع عضو يؤثّر في النفس. وعقرت الفرس: إذا ضربت قوائمه بالسيف. وخيل عَقْرَى. وعقرت ظهر الدابة: إذا أدْبَرْته. قال ٱمرؤ القيس:

تقولُ وقدْ مالَ الغَبِيطُ بنا معاًعَقَرْتَ بعِيري يا ٱمرأ القيس فٱنزِلِ

أي جَرَحتَه وأدْبَرتَه. قال القشيريّ: العقر كشف عُرقوب البعير؛ ثم قيل للنحر عَقر؛ لأن العقر سبب النحر في الغالب. وقد ٱختلف في عاقر الناقة على أقوال. أصحّها ما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن زَمْعَة قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: «إذ ٱنبعث أشقاها ٱنبعث لها رجل عزيز عَارِم مَنِيع في رَهْطِه مثل أبي زَمْعَة» وذكر الحديث. وقيل في ٱسمه: قُدار بن سالف. وقيل: إن ملكهم كان إلى ٱمرأة يقال لها ملكى، فحسدت صالحاً لمّا مال إليه الناس، وقالت لامرأتين كان لهما خليلان يعشقانِهما: لا تطيعاهما وٱسألاهما عقر الناقة؛ ففعلتا. وخرج الرجلان وألجآ الناقة إلى مَضِيق ورماها أحدهما بسهم وقتلاها. وجاء السَّقْبُ وهو ولدها إلى الصخرة التي خرجت الناقة منها فَرَغَا ثلاثاً وٱنفجرت الصخرة فدخل فيها. ويقال: إنه الدّابة التي تخرج في آخر الزمان على الناس؛ على ما يأتي بيانه في «النمل». وقال ٱبن إسحاق: أتْبع السّقْبَ أربعةُ نفر ممن كان عقر الناقة، مِصْدَع وأخوه ذُؤَاب. فرماه مصدع بسهم فٱنتظم قلبه، ثم جرّه برجله فألحقه بأمّه، وأكلوه معها. والأوّل أصح؛ فإن صالحاً قال لهم: إنه بَقِي من عمركم ثلاثة أيام، ولهذا رَغَا ثلاثاً. وقيل: عقرها عاقرها ومعه ثمانية رجال، وهم الذين قال الله فيهم: { وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ }[النمل: 48] على ما يأتي بيانه في «النمل». وهو معنى قولِه { فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ } [القمر: 29]. وكانوا يشربون فأعوزهم الماء ليمزجوا شرابهم، وكان يوم لبن الناقة، فقام أحدهم وترصد الناس وقال: لأرِيحَنّ الناس منها؛ فعقرها.

قوله تعالى: {وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ} أي ٱستكبروا. عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا أي ٱستكبر. وتَعَتَّى فلان إذا لم يُطِع. والليل العاتِي: الشديد الظلمة؛ عن الخليل.

{وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} أي من العذاب. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي الزلزلة الشديدة. وقيل: كانت صيحة شديدة خَلعت قلوبَهم؛ كما في قصة ثمود في سورة «هود» في قصة ثمود فأخذتهم الصيحة. يقال: رَجَف الشيء يرْجُف رَجْفاً وَرَجَفَاناً. وأرجفت الريحُ الشجرَ حرّكته. وأصله حركة مع صوت؛ ومنه قوله تعالى

{ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } [النازعات: 6] قال الشاعر:

ولما رأيت الحج قد آنَ وَقتُهوظلت مطايا القوم بالقوم تَرْجُفُ

{فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ} أي بلدهم. وقيل: وُحِّد على طريق الجنس، والمعنى: في دورهم. وقال في موضع آخر: { فِي دِيَارِهِمْ } [هود: 67 و94] أي في منازلهم. {جَاثِمِينَ} أي لاصقين بالأرض على رُكَبهم ووجوههم؛ كما يجْثُم الطائر. أي صاروا خامدين من شدّة العذاب. وأصل الجُثُوم للأرنب وشبهها، والموضع مَجْثَم. قال زهير:

بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِين خِلْفَةوأطلاؤها يَنْهَضْن مِن كل مَجْثِمَ

وقيل: احترقوا بالصاعقة فأصبحوا مَيِّتين، إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله؛ فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه. {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ} أي عند اليأس منهم. {وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} يحتمل أنه قال ذلك قبل موتهم. ويحتمل أنه قاله بعد موتهم؛ كقوله عليه السلام لِقَتْلَى بَدْر: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً» فقيل: أتكلم هؤلاء الجِيَف؟ فقال: «ما أنتم بأسمَع منهم ولكنهم لا يقدرون على الجواب». والأوّل أظهر. يدل عليه {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} أي لم تقبلوا نُصْحِي.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨٠

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} قال الفرّاء: لوط مشتق من قولهم: هذا ألْيَط بقلبي، أي ألصق. وقال النحاس: قال الزجاج زعم بعض النحويين ـ يعني الفرّاء ـ أن لوطاً يجوز أن يكون مشتقاً من لُطْتُ الحوض إذا ملسته بالطين. قال: وهذا غلط؛ لأن الأسماء الأعجمية لا تشتقّ كإسحاق، فلا يقال: إنه من السُّحق وهو البُعد. وإنما صرف لوط لخفته لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط. قال النقاش: لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية. فأما لُطْتُ الحوض، وهذا ألْيَط بقلبي من هذا، فصحيح. ولكن الاسم أعجميّ كإبراهيم وإسحاق. قال سيبويه: نُوحٌ ولُوطٌ أسماء أعجمية، إلا أنها خفيفة فلذلك صرِفت. بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم، وكان ابن أخي إبراهيم. ونَصْبُه إما بـ«أَرْسَلْنَا» المتقدّمة فيكون معطوفاً. ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى وٱذكر.

الثانية: قوله تعالى: {أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ} يعني إتْيَان الذكور. ذكرها الله باسم الفاحشة ليبيِّن أنها زِنًى؛ كما قال تعالى:

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } [الإسراء: 32].

وٱختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه؛ فقال مالك: يُرْجَم؛ أحْصِن أو لم يُحصَن. وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلماً. وروي عنه أيضاً: يرجم إن كان مُحْصَناً، ويحبس ويؤدّب إن كان غير محصن. وهو مذهب عطاء والنخعيّ وٱبن المسيب وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يُعَزَّز المحصن وغيره؛ وروي عن مالك. وقال الشافعِيّ: يحدّ حَدّ الزِّنَى قياساً عليه. احتج مالك بقوله تعالى:

{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } [الحجر: 74]. فكان ذلك عقوبة لهم وجزاءً على فعلهم. فإن قيل: لا حجة فيها لوجهين؛ أحدهما ـ أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم. الثاني ـ أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها؛ فدلّ على خروجها من باب الحدود. قيل: أمّا الأوّل فغلط؛ فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصي فأخذهم بها؛ منها هذه. وأمّا الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راضٍ، فعُوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه. وهي حكمة الله وسنته في عباده. وبَقِي أمرُ العقوبة على الفاعلين مستمراً. والله أعلم. وقد رَوَى أبو داود وابن ماجه والترمِذيّ والنسائِي والدَّارَقُطْنِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فٱقتلوا الفاعل والمفعول به. لفظ أبي داود وابن ماجه. وعند الترمذِيّأحْصنا أو لم يحصنا. وروى أبو داود والدارقطنِيّ عن ٱبن عباس في البِكر يوجد على اللُّوطِية قال: يرجم. وقد رُوي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه حرَّق رجلاً يُسمّى الفُجاءة حين عمل عمل قوم لوط بالنار. وهو رأي عليّ بن أبي طالب؛ فإنه لما كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر في ذلك جمع أبو بكر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وٱستشارهم فيه؛ فقال عليّ: إن هذا الذنب لم تَعْصِ به أُمّةٌ من الأُمم إلا أُمّة واحدة صنع الله بها ما علمتم، أرى أن يُحرق بالنار. فٱجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد ابن الوليد أن يحرقه بالنار فأحرقه. ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه. ثم أحرقهم هشام بن الوليد. ثم أحرقهم خالد القَسْرِي بالعراق. ورُوي أن سبعة أُخذوا في زمن ابن الزبير في لِوَاط؛ فسأل عنهم فوجد أربعة قد أُحْصِنوا فأمر بهم فخرجوا بهم من الحرم فرُجِموا بالحجارة حتى ماتوا، وحدّ الثلاثة؛ وعنده ابن عباس وابن عمر فلم ينكرا عليه. وإلى هذا ذهب الشافعيّ. قال ابن العربِيّ: والذي صار إليه مالك أحقُّ، فهو أصحّ سنداً وأقوى معتَمَداً. وتعلّق الحنفيون بأن قالوا: عقوبة الزِّنَى معلومة؛ فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألاّ يشاركها في حدّها. ويأثرون في هذا حديثاً: مَن وضع حدّاً في غير حَدٍّ فقد تعدّى وظَلَم. وأيضاً فإنه وطء في فرج لا يتعلّق به إحلالٌ ولا إحصان، ولا وجوبُ مهر ولا ثبوتُ نسب؛ فلم يتعلق به حدّ.

الثالثة ـ فإن أتى بهيمة فقد قيل: لا يقتل هو ولا البهيمة. وقيل: يقتلان؛ حكاه ابن المنْذِر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. وفي الباب حديث رواه أبو داود والدّارقطني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من وقع على بهيمة فٱقتلوه وٱقتلوا البهيمة معه. فقلنا لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه كره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. قال ٱبن المنذر: إن يَكُ الحديث ثابتاً فالقول به يجب، وإن لم يثبت فليستغفر الله من فعل ذلك كثيراً، وإن عزّره الحاكم كان حسناً. والله أعلم. وقد قيل: إن قتل البهيمة لئلا تُلْقِي خَلْقاً مُشَوَّهاً؛ فيكون قتلها مصلحة لهذا المعنى مع ما جاء من السنة. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: ليس على الذي زنى بالبهيمة حد. قال أبو داود: وكذا قال عطاء. وقال الحكَم: أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحدّ. وقال الحسن: هو بمنزلة الزاني. وقال الزهرِيّ: يجلد مائة أحصِن أو لم يحصن. وقال مالك والثّوريّ وأحمد وأصحاب الرأي يعزّر. ورُوي عن عطاء والنّخعيّ والحكَم. وٱختلفت الرواية عن الشافعيّ، وهذا أشبه على مذهبه في هذا الباب. وقال جابر بن زيد: يقام عليه الحدّ، إلا أن تكون البهيمة له.

الرابعة ـ قوله تعالى: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن ٱلْعَالَمِينَ} «مِن» لاستغراق الجنس، أي لم يكن اللِّواط في أُمّة قبل قوم لوط. والملحِدون يزعمون أن ذلك كان قبلهم. والصدق ما ورد به القرآن. وحكى النقاش أن إبليس كان أصْلَ عملهم بأن دعاهم إلى نفسه لعنه الله، فكان يُنكح بعضهم بعضاً. قال الحسن: كانوا يفعلون ذلك بالغُرَبَاء، ولم يكن يفعله بعضهم ببعض. وروى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن أخوف ما أخاف على أُمّتي عمل قوم لوط. وقال محمد بن سِيرين: ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار.

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۝٨١

قوله تعالى: {إِنَّكُمْ} قرأ نافع وحفص على الخبر بهمزة واحدة مكسورة، تفسيراً للفاحشة المذكورة، فلم يحسن إدخال الاستفهام عليه لأنه يقطع ما بعده مما قبله. وقرأ الباقون بهمزتين على لفظ الاستفهام الذي معناه التوبيخ، وحسُن ذلك لأن ما قبله وبعده كلام مستقل. واختار الأوّل أبو عبيد والكِسائي وغيرهما؛ وٱحتجوا بقوله عز وجل:

{ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ } [الأنبياء: 34] ولم يقل أفهم. وقال: { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] ولم يقل أنقلبتم. وهذا من أقبح الغلط لأنهما شبَّها شيئين بما لا يشتبهان؛ لأن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد كالمبتدأ والخبر؛ فلا يجوز أن يكون فيهما استفهامان. فلا يجوز: أفإن مِت أفهم، كما لا يجوز أزيد أمنطلق. وقصة لوط عليه السلام فيها جملتان، فلك أن تستفهم عن كل واحدة منهما. هذا قول الخليل وسيبويه، واختاره النحاس ومكِّي وغيرهما {شَهْوَةً} نصب على المصدر، أي تشتهونهم شهوة. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} نظيره { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } [الشعراء: 166] في جمعكم إلى الشرك هذه الفاحشة.

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ۝٨٢ فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٨٣

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَخْرِجُوهُمْ} أي لُوطاً وأتباعه. ومعنى {يَتَطَهَّرُونَ} عن الإتيان في هذا المأتى. يقال: تطهّر الرجل أي تنزّه عن الإثم. قال قتادة: عابوهم واللَّهِ بغير عَيْب. {مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} أي الباقين في عذاب الله؛ قاله ٱبن عباس وقتادة. غَبَر الشيء إذا مَضَى، وغبر إذا بَقَى. وهو من الأضداد. وقال قوم: الماضي عابر بالعين غير معجمة. والباقي غابر بالغين معجمة. حكاه ٱبن فارس في المجمل. وقال الزجاج: «مِنَ الْغَابِرِينَ» أي من الغائبين عن النجاة وقيل؛ لطول عمرها. قال النحاس: وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من المعمِّرين؛ أي أنها قد هرمت. والأكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي؛ قال الراجز:

فما وَنَى محمدٌ مذْ أن غَفَرْله الإلۤهُ ما مضى وما غَبَرْ

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٨٤

سَرَى لُوطٌ بأهله كما وصف الله

{ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ } [هود: 81 والحجر: 65] ثم أمر جبريل عليه السلام فأدخل جناحه تحت مدائنهم فاقتلعها ورفعها حتى سمع أهل السماء صياح الدِّيَكَة ونباح الكلاب، ثم جعل عاليها سافلها، وأمطرت عليهم حجارة من سِجِّيل، قيل: على من غاب منهم. وأدرك ٱمرأةَ لوط، وكانت معه حجرٌ فقتلها. وكانت فيما ذُكر أربع قُرًى. وقيل: خمس فيها أربعمائة ألف. وسيأتي في سورة «هود» قصة لوط بأبين من هذا، إن شاء الله تعالى

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨٥ وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٨٦ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٨٧

فيه أربع مسائل:

الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ} قيل في مَدْين: ٱسم بلد وقُطْر. وقيل: اسم قبيلة كما يقال: بَكْر وتَمِيم. وقيل: هم من ولد مَدْيَن بن إبراهيم الخليل عليه السلام. فمن رأى أن مدين ٱسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجميّ. ومن رآه اسماً للقبيلة أو الأرض فهو أحْرَى بألاّ يصرفه. قال المهدويّ: ويروى أنه كان ابن بنت لوط. وقال مكيّ: كان زوج بنت لوط. وٱختلف في نسبه؛ فقال عطاء وابن إسحاق وغيرهما: وشعيب هو ٱبن ميكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام. وكان ٱسمه بالسريانية بَيْرُوت. وأُمه ميكائيل بنت لوط. وزعم الشرقِيّ بن القُطَامِيّ أن شعيباً بن عَيْفَاء بن يَوْبَبَ بن مدين بن إبراهيم. وزعم ابن سَمْعَان أن شعيباً بن جزي بن يشجر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وشُعَيْب تصغير شَعْب أو شِعْب. وقال قتادة: هو شعيب بن يَوْبَبَ. وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم. والله أعلم. وكان أعمى؛ ولذلك قال قومه:

{ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً } [هود: 91]. وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه أهل كفر بالله وبخسٍ للمكيال والميزان.

{قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} أي بيان، وهو مجيء شعيب بالرسالة. ولم يذكر له معجزة في القرآن. وقيل: معجزته فيما ذكر الكسائي في قصص الأنبياء.

الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} البخس النقص. وهو يكون في السِّلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيّد في الكيل والنقصان منه. وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وذلك مَنْهِيٌّ عنه في الأُمم المتقدّمة والسالفة على ألسنة الرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

الثالثة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} عطف على «وَلاَ تَبْخَسُوا». وهو لفظ يعمّ دقيق الفساد وجليله. قال ابن عباس: كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيباً رسولاً يُعمل فيها بالمعاصي وتُسْتَحَلُّ فيها المحارم وتُسفك فيها الدماء. قال: فذلك فسادها. فلما بعث الله شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض. وكل نبيّ بعث إلى قومه فهو صلاحهم.

الرابعة ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ} نهاهم عن القعود بالطرق والصَّدِّ عن الطريق الذي يؤدّي إلى طاعة الله، وكانوا يوعِدون العذاب من آمن. واختلف العلماء في معنى قعودهم على الطرق على ثلاثة معان؛ قال ٱبن عباس وقتادة ومجاهد والسدي: كانوا يقعدون على الطرقات المفِضية إلى شعيب فيتوَعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه؛ كما كانت قريش تفعله مع النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا ظاهر الآية. وقال أبو هريرة: هذا نهي عن قطع الطريق، وأخذ السَّلْب؛ وكان ذلك من فعلهم. وروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:

رأيت ليلة أسرِي بي خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مَثَلٌ لقوم من أُمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ـ ثم تلا ـ {وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} الآية. وقد مضى القول في اللصوص والمحاربين، والحمد لله. وقال السدي أيضاً: كانوا عَشّارين متقبلين. ومثلهم اليوم هؤلاء المكّاسون الذين يأخذون من الناس ما لا يلزمهم شرعاً من الوظائف المالية بالقهر والجَبْر؛ فضمَّنوا مالاً يجوز ضمان أصله من الزكاة والمواريث والملاهي. والمترتبون في الطرق إلى غير ذلك مما قد كثر في الوجود وعمل به في سائر البلاد. وهو من أعظم الذنوب وأكبرها وأفحشها؛ فإنه غَصْب وظُلْم وعَسْفٌ على الناس وإذَاعَةٌ للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له، وأعظمه تضمين الشرع والحكم للقضاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! لم يبق من الإسلام إلا رَسْمه، ولا من الدين إلا ٱسمه. يَعْضُد هذا التأويل ما تقدّم من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والبخس.

قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِهِ} الضمير في «به» يحتمل أن يعود على ٱسم الله تعالى، وأن يعود إلى شعيب في قول من رأى القعود على الطريق للصدّ، وأن يعود على السبيل. {عِوَجاً} قال أبو عبيدة والزجاج: كسر العين في المعاني. وفتحها في الأجرام.

قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} أي كثّر عددكم، أو كثركم بالغنى بعد الفقر. أي كنتم فقراء فأغناكم. «فَاصْبرُوا» ليس هذا أمراً بالمقام على الكفر، ولكنه وعيد وتهديد. وقال: {وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مَّنكُمْ} فذكّر على المعنى، ولو راعى اللفظ قال: كانت.

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ ۝٨٨ قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ ۝٨٩

قوله تعالى: {قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} تقدّم معناه. ومعنى «أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا» أي لتصِيرُنّ إلى ملتنا. وقيل: كان أتباع شعيب قبل الإيمان به على الكفر، أي لتعودُنّ إلينا كما كنتم من قبل. قال الزجاج: يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء؛ يقال: عاد إليّ من فلان مكروه، أي صار، وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك، أي لحقني ذلك منه. فقال لهم شعيب؛ {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي ولو كنا كارهين تجبروننا عليه، أي على الخروج من الوطن أو العود في مِلتكم. أي إن فعلتم هذا أتيتم عظيماً.

{قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا ٱللَّهُ مِنْهَا} إياس من العود إلى مِلتهم. {وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا} قال أبو إسحاق الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل، قال: وهذا قول أهل السنة؛ أي وما يقع منا العود إلى الكفر إلى أن يشاء الله ذلك. فالاستثناء منقطع. وقيل: الاستثناء هنا على جهة التسليم للَّه عز وجل؛ كما قال:

{ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ } [هود: 88]. والدليل على هذا أن بعده {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا}. وقيل: هو كقولك لا أُكلمك حتى يبيض الغراب، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. والغراب لا يبيض أبداً، والجمل لا يلج في سم الخياط.

قوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} أي علِم ما كان وما يكون. «عِلْماً» نصب على التمييز. وقيل: المعنى «وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا» أي في القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا، بل نخرج من قريتكم مهاجرين إلى غيرها. «إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» ردّنا إليها. وفيه بعد؛ لأنه يقال: عاد للقرية ولا يقال عاد في القرية.

قوله تعالى: {عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا} أي ٱعتمدنا. وقد تقدّم في غير موضع. {رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ} قال قتادة: بعثه الله إلى أُمتين: أهل مدين، وَأَصْحَاب الأَيْكَة. قال ٱبن عباس: وكان شعيب كثير الصلاة، فلما طال تمادي قومه في كفرهم وغيهم، ويئس من صلاحهم، دعا عليهم فقال:

{ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ } [الأعراف: 89]. فٱستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالرجفة.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝٩٠ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٩١ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٩٢ فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ۝٩٣

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} أي قالوا لِمن دونهم. {لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} أي هالكون. {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي الزلزلة. وقيل: الصيحة. وأصحاب الأَيْكَة أهلِكوا بالظُّلّة، على ما يأتي.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا} قال الجرجانِيّ: قيل هذا كلام مستأنف؛ أي الذين كذبوا شعيبا صاروا كأنهم لم يزالوا موتى. و «يَغْنَوْا» يقيموا؛ يقال: غَنِيت بالمكان إذا أقمت به. وغنِي القوم في دارهم أي طال مُقامهم فيها. والمَغْنَى: المنزل؛ والجمع المَغَاني. قال لَبِيد:

وغَنِيت سِتاً قبلَ مَجْرَى دَاحِسٍلو كان للنفس اللَّجُوجِ خُلود

وقال حاتم طيّ:

غنِينا زمانا بالتَّصَعْلُكِ والغِنَىكما الدّهرُ في أيامه العسرُ واليسرُ كسبنا صُروفَ الدَّهْر لِيناً وغِلظةوكلاًّ سقاناه بكأْسِهما الدهرُ فما زادنا بَغْياً على ذِي قرابةغِنَانَا ولا أَزْرَى بأحسابنا الفَقْرُ

{ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْباً كَانُواْ هُمُ ٱلْخَاسِرِينَ} ابتداء خطاب، وهو مبالغة في الذم والتوبيخ وإعادة لتعظيم الأمر وتفخيمه. ولما قالوا: من ٱتبع شعيباً خاسِر قال الله الخاسرون هم الذين قالوا هذا القول. {فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ } أي أحزن. أسيت على الشيء آسَى أسىً، وأنا آسٍ.

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ۝٩٤ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٩٥

قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ} فيه إضمار، وهو فكذب أهلها إلا أخذناهم. {بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} تقدّم القول فيه. {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ} أي أبدلناهم بالجدب خِصباً. {حَتَّىٰ عَفَوْاْ} أي كثروا؛ عن ٱبن عباس. وقال ابن زيد: كثرت أموالهم وأولادهم. وعفا: من الأضداد. عفا: كثر. وعفا: درس. أعلم الله تعالى أنّه أخذهم بالشدّة والرخاء فلم يزدجِروا ولم يشكروا. {وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ} فنحن مثلهم. {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} أي فجأة ليكون أكثر حسرة.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٩٦

قوله تعالىٰ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ} يقال للمدينة قرية لاجتماع الناس فيها. من قريت الماء إذا جمعته. وقد مضى في «البقرة» مستوفى {آمَنُواْ} أي صدقوا. {وَٱتَّقَواْ} أي الشرك. {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} يعني المطر والنبات. وهذا في أقوام على الخصوص جرىٰ ذكرهم. إذ قد يمتحن المؤمنون بضيق العيش ويكون تكفيراً لذنوبهم. ألا ترىٰ أنه أخبر عن نوح إذ قال لقومه

{ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً } [نوح: 10 و 11]. وعن هود { ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً }[هود: 52]. فوعدهم المطر والخصب على التخصيص. يدل عليه {وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي كذبوا الرسل. والمؤمنون صدقوا ولم يكذبوا.

أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝٩٧ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝٩٨

قوله تعالىٰ: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ} الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف. نظيره:

{ أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ } [المائدة: 50]. والمراد بالقرى مكة وما حولها؛ لأنهم كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو عام في جميع القرىٰ. {أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} أي عذابنا. {بَيَاتاً} أي ليلاً {وَهُمْ نَآئِمُونَ } {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا} قرأه الحرميان وابن عامر بإسكان الواو للعطف، على معنىٰ الإباحة؛ مثل { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } [الإنسان: 24]. جالس الحسن أو ٱبن سيرين. والمعنىٰ: أو أمنوا هذه الضروب من العقوبات. أي إن أمنتم ضرباً منها لم تأمنوا الآخر. ويجوز أن يكون «أو» لأحد الشيئين، كقولك: ضربت زيداً أو عمراً. وقرأ الباقون بفتحها بهمزة بعدها. جعلها واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام؛ نظيره { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً }[البقرة: 100]. ومعنىٰ {ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} أي وهم فيما لا يجدي عليهم؛ يقال لكل من كان فيما يضره ولا يجدي عليه لاعب، ذكره النحاس. وفي الصحاح. اللعب معروف، واللّعْب مثله. وقد لعِب يلعَب. وتَلَعَّب: لَعِبَ مرة بعد أُخرىٰ. ورجل تِلْعَابَة: كثير اللعب، والتلعاب (بالفتح) المصدر. وجارية لَعُوبٌ.

أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٩٩

قوله تعالىٰ: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ} أي عذابه وجزاءه على مكرهم. وقيل: مكره استدراجه بالنعمة والصحة.

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝١٠٠

قوله تعالىٰ: {أَوَلَمْ يَهْدِ} أي يُبيِّن. {لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ} يريد كفار مكة ومن حولهم. {أَصَبْنَاهُمْ} أي أخذناهم {بِذُنُوبِهِمْ} أي بكفرهم وتكذيبهم. {وَنَطْبَعُ} أي ونحن نطبع؛ فهو مستأنف. وقيل: هو معطوف على أصبنا، أي نصيبهم ونطبع؛ فوقع الماضي موقع المستقبل.

تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٠١

قوله تعالىٰ: {تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ} أي هذه القرىٰ التي أهلكناها؛ وهي قُرىٰ نُوحٍ وعادٍ ولُوطٍ وهُودٍ وشُعَيْب المتقدّمة الذكر. {نَقُصُّ} أي نتلو. {عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا} أي من أخبارها. وهي تسلية للنبيّ عليه السلام والمسلمين. {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي فما كان أولئك الكفار ليؤمنوا بعد هلاكهم لو أحييناهم؛ قاله مجاهد. نظيره

{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ }[الأنعام: 28]. وقال ابن عباس والرّبيع: كان في علم الله تعالىٰ يوم أخذ عليهم الميثاق أنهم لا يؤمنون بالرسل. {بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ} يريد يوم الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرهاً لا طوعاً. قال السدي: آمنوا يوم أخذ عليهم الميثاق كرهاً فلم يكونوا ليؤمنوا الآن حقيقة. وقيل: سألوا المعجزات، فلما رأوها ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤية المعجزة. نظيره { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 110]. {كَذَلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَافِرِينَ} أي مثل طبعه على قلوب هؤلاء المذكورين كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ۝١٠٢

قوله تعالىٰ: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ}:

«مِن» زائدة، وهي تدل على معنىٰ الجِنس؛ ولولا «مِن» لجاز أن يتوهم أنه واحد في المعنىٰ. قال ابن عباس: يريد العهد المأخوذ عليهم وقت الذَّرِّ، ومن نقض العهد قيل له إنه لا عهد له، أي كأنه لم يعهد. وقال الحسن: العهد الذي عهد إليهم مع الأنبياء أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. وقيل: أراد أن الكفار منقسمون؛ فالأكثرون منهم من لا أمانة له ولا وفاء، ومنهم من له أمانة مع كفره وإن قلّوا؛ روي عن أبي عبيدة.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ