مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ١٧٨
تقدّم معناه في غير موضع. وهذه الآية تردّ على القدرية كما سبق، وتردّ على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يُضِلّ أحداً.
تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.
مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ١٧٨
تقدّم معناه في غير موضع. وهذه الآية تردّ على القدرية كما سبق، وتردّ على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يُضِلّ أحداً.
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ ١٧٩
أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلاً بعدلِهِ، ثم وصفهم فقال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} أي بمنزلة من لا يفقه؛ لأنهم لا ينتفعون بها، ولا يعقلون ثواباً ولا يخافون عقاباً. و {أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الهدى. و {آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} المواعظ. وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم جملة كما بيناه في «البقرة». {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لأنهم لا يهتدون إلى ثوابٍ، فهم كالأنعام؛ أي هِمتهم الأكل والشرب، وهم أضل لأن الأنعام تُبصر منافعها ومضارها وتتبْع مالكها، وهم بخلاف ذلك. وقال عطاء: الأنعام تعرف الله، والكافر لا يعرفه. وقيل: الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير مطيع. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} أي تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار.
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ١٨٠
قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} فيه ست مسائل:
الأُولى ـ قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحِدين. قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربّاً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}.
الثانية ـ جاء في كتاب الترمذِيّ وسنن ابن ماجه وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نص فيه أن للٰه تسعة وتسعين اسماً؛ في أحدهما ما ليس في الآخر. وقد بينا ذلك في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). قال ابن عطية ـ وذكر حديث الترمذِي ـ وذلك الحديث ليس بالمتواتر، وإن كان قد قال فيه أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صَفْوَان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وإنما المتواتر منه قوله صلى الله عليه وسلم:
إن لله تسعة وتسعين ٱسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة. ومعنى «أحصاها» عدّها وحفِظها. وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا. وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذيّ، وذكرنا من الأسماء ما اجتُمِع عليه وما اختُلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما يُنَيِّف على مائتي اسم. وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلاً فيما يتعلق بأحكامها، فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب. والله الموفق للصواب، لا رب سِواه.الثالثة ـ واختلف العلماء من هذا الباب في الاسم والمسمى، وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في (الكتاب الأسنى). قال ابن الحصار: وفي هذه الآية وقوع الاسم على المسمى ووقوعه على التسمية. فقوله: {وَللَّهِ} وقع على المسمى، وقوله: {ٱلأَسْمَآءُ} وهو جمع ٱسم واقع على التسميات. يدل على صحة ما قلناه قوله: {فَٱدْعُوهُ بِهَا}، والهاء في قوله: {فَٱدْعُوهُ} تعود على المسمى سبحانه وتعالى، فهو المدعوّ. والهاء في قوله «بهَا» تعود على الأسماء، وهي التسمِيات التي يدعى بها لا بغيرها. هذا الذي يقتضيه لسان العرب. ومثل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمدالحديثَ. وقد تقدّم في «البقرة» شيء من هذا. والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وأنه غير التسمية. قال ابن العربيّ عند كلامه على قوله تعالى {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}: فيه ثلاثة أقوال. قال بعض علمائنا: في ذلك دليل على أن الاسم المسمى؛ لأنه لو كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى. الثاني ـ قال آخرون: المراد به التسميات؛ لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع.قلت ـ ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعاً من المتأوّلين لا يجوز غيره. وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد: وتأويل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:
للَّه تسعة وتسعون ٱسماً من أحصاها دخل الجنة أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له. ومنها صفات لذاته. ومنها صفات أفعال. وهذا هو تأويل قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} أي التسميات الحسنى. الثالث ـ قال آخرون منهم: وللَّه الصفات.الرابعة ـ سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله. والحسنى مصدر وصف به. ويجوز أن يقدّر «الْحُسْنَى» فُعْلَى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكُبَر والحُسَن. وعلى الأوّل أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل؛ كما قال تعالى:
{ مَآرِبُ أُخْرَىٰ }[طه: 18] و { يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ } [سبأ: 10].الخامسة ـ قوله تعالى: {فَٱدْعُوهُ بِهَا} أي ٱطلبوا منه بأسمائه؛ فيطلب بكل ٱسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم ٱحكم لي، يا رازق ٱرزقني، يا هادي ٱهدني، يا فتاح ٱفتح لي، يا توّاب تب عليّ؛ هكذا. فإن دعوت بٱسم عام قلت: يا مالك ٱرحمني، يا عزيز ٱحكم لي، يا لطيف ٱرزقني. وإن دعوت بالأعمّ الأعظم فقلت: يا أللَّه؛ فهو متضمن لكل ٱسم. ولا تقول: يا رزاق ٱهدني؛ إلا أن تريد يا رزاق ٱرزقني الخير. قال ابن العربيّ: وهكذا، رتب دعاءك تكن من المخلصين. وقد تقدّم في «البقرة» شرائط الدعاء، وفي هذه السورة أيضاً. والحمد لله.
السادسة ـ أدخل القاضي أبو بكر ابن العربيّ عدّة من الأسماء في أسمائه سبحانه، مثل متِم نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيّب، والمعلِّم؛ وأمثال ذلك. قال ابن الحصار: واقتدى في ذلك بابن بَرّجَان، إذ ذكر في الأسماء «النظيف» وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة.
قلت: أمّا ما ذكر من قوله «مما لم يرد في كتاب ولا سنة» فقد جاء في صحيح مسلم «الطيب». وخرج الترمذِيّ «النظيف». وخرج عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه:
رب أعنِي ولا تعِن عليّ وٱنصرني ولا تنصر عليّ وٱمكر لي ولا تمكر عليّالحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح. فعلى هذا جائز أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر عليّ. والله أعلم. وقد ذكرنا «الطيب، والنظيف» في كتابنا وغيره مما جاء ذكره في الأخبار، وعن السلف الأخيار، وما يجوز أن يسمى به ويدعى، وما يجوز أن يسمى به ولا يدعى، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى. حسب ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعريّ. وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالىقوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيه مسألتان:
الأُولى ـ قوله تعالى: {يُلْحِدُونَ} الإلحاد: الميل وترك القصد؛ يقال: ألحد الرجل في الدين. وألحد إذا مال. ومنه اللحد في القبر؛ لأنه في ناحيته. وقرىء «يَلْحَدُونَ» لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه: أحدها بالتغيير فيها كما فعله المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسمَّوا بها أوثانهم؛ فاشتقوا اللاَّتَ من الله، والعزى من العزيز، ومَنَاةَ من المنان قاله ابن عباس وقتادة. الثاني ـ بالزيادة فيها. الثالث ـ بالنقصان منها؛ كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرونه بغير ما يذكر من أفعاله؛ إلى غير ذلك مما لا يليق به. قال ابن العربيّ: «فَحَذَارِ منها، ولا يدعونّ أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة؛ وهي البخارِيّ ومسلم والترمذِيّ وأبو داود والنسائي. فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذَرُوا ما سواها، ولا يقولَنّ أحدكم أختار دعاء كذا وكذا؛ فإن الله قد ٱختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم.
الثانية ـ معنى الزيادة في الأسماء التشبيه، والنقصان التعطيل. فإن المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه، والمعطلة سلبوه ما ٱتصف به، ولذلك قال أهل الحق: إن ديننا طريق بين طريقين، لا بتشبيه ولا بتعطيل. وسئل الشيخ أبو الحسن البوشَنْجِيّ عن التوحيد فقال: إثبات ذات غيرِ مشبَّهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات. وقد قيل في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} معناه اتركوهم ولا تحاجّوهم ولا تعرضوا لهم. فالآية على هذا منسوخة بالقتال؛ قاله ابن زيد. وقيل: معناه الوعيد؛ كقوله تعالى:
{ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً }[المدثر: 11] وقوله: { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ }[الحجر: 3]. وهو الظاهر من الآية؛ لقوله تعالى: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. والله أعلم.وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ١٨١
في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
هم هذه الأُمة. وروي أنه قال: «هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها». وقرأ هذه الآية وقال: «إنّ من أُمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم». فدلّت الآية على أن الله عز وجل لا يُخْلِي الدنيا في وقت من الأوقات من داعٍ يدعُو إلى الحق.وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٢
أخبر تعالى عمن كذّب بآياته أنه سيستدرجهم. قال ابن عباس: هم أهل مكة. والاستدراج هو الأخذ بالتدريج، منزلة بعد منزلة. والدّرج: لَفُّ الشيء؛ يقال: أدرجته ودرّجته. ومنه أدرج الميت في أكفانه. وقيل: هو من الدّرجة؛ فالاستدراج أن يُحَطّ درجة بعد درجة إلى المقصود. قال الضحاك: كلما جدّدوا لنا معصية جدّدنا لهم نعمة. وقيل لذي النون: ما أقصى ما يخدع به العبد؟ قال: بالألطاف والكرامات؛ لذلك قال سبحانه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر؛ وأنشدوا:
أحسنتَ ظنّك بالأيام إذ حَسُنتْولم تَخَفْ سوءَ ما يأتي به القَدَرُ وسالمْتكَ اللَّيالي فاغتررْتَ بهاوعند صَفْوِ الليالي يحدثُ الكَدَرُ
وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ١٨٣
قوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي أطيل لهم المدة وأُمهلهم وأُؤخِّر عقوبتهم. {إِنَّ كَيْدِي} أي مكري. {مَتِينٌ} أي شديد قوِيّ. وأصله من المتن، وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب الصلب. قيل: نزلت في المستهزئين من قريش، قتلهم الله في ليلة واحدة بعد أن أمهلهم مدّة. نظيره
{ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً }[الأنعام: 44]. وقد تقدّم.أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ١٨٤
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} أي فيما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. والوقف على «يَتَفَكَّرُوا» حسن. ثم قال: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} ردّ لقولهم:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ }[الحجر: 6]. وقيل: نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة على الصّفا يدعو قريشاً، فخِذا فخذاً؛ فيقول: «يا بني فلان». يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبهم هذا لمجنون، بات يصوّت حتى الصباح.أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ١٨٥
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيه أربع مسائل:
الأُولى ـ قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ} عجب من إعراضهم عن النظر في آياته؛ ليعرفوا كمال قدرته، حسب ما بيناه في سورة «البقرة». والملكوت من أبنية المبالغة، ومعناه الملك العظيم. وقد تقدّم.
الثانية ـ استدل بهذه الآية ـ وما كان مثلها من قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وقولِهِ تعالى:
{ أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا }[قۤ: 6] وقولهِ: { أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ }[الغاشية: 17] الآية. وقولهِ: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21] ـ من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته. قالوا: وقد ذم الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الآية.وقد اختلف العلماء في أوّل الواجبات، هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة. فذهب القاضي وغيره إلى أن أوّل الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب البخارِيّ رحمه الله حيث بوّب في كتابه (باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل:
{ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ }) [محمد: 19]. قال القاضي: من لم يكن عالماً بالله فهو جاهل، والجاهل به كافر. قال ابن رشد في مقدماته: وليس هذا بالبيّن؛ لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد، وبأوّل وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية. قال: وقد استدل الباجِيّ على من قال إن النظر والاستدلال أوّل الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلِّد مؤمنين. قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحاً لما صح أن يسمى مؤمناً إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال: وأيضاً فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا؛ لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل. قال: وهذا يؤدّي إلى تركهم على كفرهم، وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدِلوا.قلت: هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إلۤه إلاَّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف (ذكر صفة كمال الإيمان) أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إلۤه إلاَّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام ـ وهو بالغ صحيح العقل ـ أنه مسلم. وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتداً يجب عليه ما يجب على المرتدّ. وقال أبو حفص الزنجانيّ وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السِّمنانيّ يقول: أوّل الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، ثم النظر والاستدلال المؤدّيان إلى معرفة الله تعالى؛ فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله. قال: وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق؛ لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال. فلو قلنا: إن أوّل الواجبات المعرفة بالله لأدّى إلى تكفير الجمّ الغفير والعدد الكثير، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس، وذلك بعيد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أُمّته، وأن أُمم الأنبياء كلهم صف واحد وأُمته ثمانون صفا. وهذا بيّن لا إشكال فيه. والحمد لله.الثالثة ـ ذهب بعض المتأخرين والمتقدّمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر؛ فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأوّل من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنّع عليّ بكثرة أهل النار. أو كما قال ـ
قلت: وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه؛ لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شِرذِمة يسيرة من المتكلمين، واقتحموا في تكفير عامّة المسلمين. أين هذا من
قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وٱنتهره أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: اللهم ٱرحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعاً». خرّجه البخاريّ والترمذيّ وغيرهما من الأئمة. أترى هذا الأعرابيّ عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شيء، وكم من مثله محكوم له بالإيمان. بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك. ألا تراه لما قال للسوداء: «أين الله»؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا»؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». ولم يكن هناك نظر ولا استدلال، بل حكم بإيمانهم من أوّل وهلة، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة. والله أعلم.الرابعة ـ ولا يكون النظر أيضاً والاعتبار في الوجوه الحِسان من المُرد والنِّسوان. قال أبو الفرج الجوزِي: قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبرِيّ بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما زينته بالحلى والمصبغات من الثياب، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع. وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم. قال أبو الفرج: وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يُحِلّ الله النظر إلا على صورةٍ لا ميل للنفس إليها، ولا حظ للهوى فيها؛ بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا يقارنها لذّة. ولذلك ما بعث الله سبحانه ٱمرأة بالرسالة، ولا جعلها قاضياً ولا إماماً ولا مؤذناً؛ كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة. فمن قال: أنا أجد من الصور المستحسنة عبراً كذّبناه. وكل من ميّز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه، وإنما هذه خُدَع الشيطان للمدّعين. وقال بعض الحكماء: كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى:
{ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4] وقال: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21]. وقد بينا وجه التمثيل في أوّل «الأنعام». فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقاً إلى كونه خلقاً سَوِيّاً، يُعان بالأغذية ويُرَبَّى بالرّفق، ويُحفظ باللّين حتى يكتسب القُوَى ويبلغ الأشدّ. وإذا هو قد قال: أنا، وأنا، ونسي حين أتى عليه حِين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، وسيعود مقبوراً؛ فياويحه إن كان محسوراً. قال الله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ـ إلى قوله ـ تُبْعَثُونَ } [المؤمنون: 12 - 16] فينظر أنه عبد مربوب مكلف، مخوّف بالعذاب إن قصر، مرتجياً بالثواب إن ٱئتمَر، فيقبِل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه و لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد من عباد الله؛ فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار. وقال ابن العربيّ: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية:كيف يَزْهُو مَن رجِيعُهأبدَ الدهر ضجيعُه فهو منه وإليهوأخوه ورضيعُه وهو يدعوه إلى الحشِّـىبصُغْر فيطيعُه
قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} معطوف على ما قبله؛ أي وفيما خلق الله من الأشياء. {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت؛ فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله. وقال ابن عباس: أراد بٱقتراب الأجل يوم بَدْر ويوم أُحُد. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } أي بأيّ قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون. وقيل: الهاء للأجل، على معنى بأيّ حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف.مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١٨٦
بيّن أن إعراضهم لأن الله أضلّهم. وهذا ردّ على القدرية. {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} بالرفع على الاستئناف. وقرىء بالجزم حملاً على موضع الفاء وما بعدها. {يَعْمَهُونَ} أي يتحيّرون. وقيل: يتردّدون. وقد مضى في أوّل «البقرة» مستوفى.
يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٧
قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} «أَيَّانَ» سؤال عن الزمان؛ مثل متى. قال الراجز:
أيّان تقضِي حاجتي أيّانأما ترى لِنجحِها أوَانَا
وكانت اليهود تقول للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً فأخبرنا عن الساعة متى تقوم. وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار. و «مُرْسَاهَا» في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر «أيان». وهو ظرف مبني على الفتح؛ بني لأن فيه معنى الاستفهام. و «مُرْسَاهَا» بضم الميم، من أرساها الله، أي أثبتها، أي متى مُثْبَتُها، أي متى وقوعها. وبفتح الميم من رَسَتْ، أي ثبتت ووقفت؛ ومنه { وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ } [سبأ: 13]. قال قتادة: أي ثابتات. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} ابتداء وخبر، أي لم يبينها لأحد؛ حتى يكون العبد أبداً على حذر {لاَ يُجَلِّيهَا} أي لا يظهرها. {لِوَقْتِهَآ} أي في وقتها {إِلاَّ هُوَ}. والتجلِية: إظهار الشيء؛ يقال: جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه. ومعنى {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خفِي علمها على أهل السموات والأرض. وكل ما خفِي علمه فهو ثقيل على الفؤاد. وقيل: كبر مجيئها على أهل السموات والأرض؛ عن الحسن وغيره. ابن جريج والسدي: عظم وصفها على أهل السموات والأرض. وقال قتادة وغيره: المعنى لا تطيقها السموات والأرض لعظمها: لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضُب. وقيل: المعنى ثقلت المسألة عنها. {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة، مصدر في موضع الحال {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي عالم بها كثير السؤال عنها. قال ابن فارس: الحفِيّ العالِم بالشيء. والحفِيّ: المستقصي في السؤال. قال الأعشى:فإن تسألي عنِّي فيا رب سائلحَفِيٍّ عن الأعشَى به حيثُ أصْعَدَا
يقال: أحفى في المسألة وفي الطلب، فهو محفٍ وحفِي على التكثير، مثل مخصِب وخصيب. قال محمد ابن يزيد: المعنى يسألونك كأنك حفِي بالمسألة عنها، أي ملحٌّ. يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير. وقال ابن عباس وغيره: هو على التقديم والتأخير، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفِيّ بهم أي حفي ببرهم وفرِح بسؤالهم. وذلك لأنهم قالوا: بيننا وبينك قرابة فأسِرّ إلينا بوقت الساعة. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس هذا تكريراً، ولكن أحد العِلمين لوقوعها والآخر لكنهها.قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ١٨٨
قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيراً ولا أدفع عنها شراً؛ فكيف أملك عِلم الساعة. وقيل: لا أملك لنفسي الهدى والضلال. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} في موضع نصب بالاستثناء. والمعنى: إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني منه. وأنشد سيبويه:
مهمـا شـاء بالنـاس يفعـل
{وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرِّفنِيه لفعلته. وقيل: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. وقال ابن عباس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفِيني. وقيل: المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها. وقيل: المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح؛ عن الحسن وابن جُريج. وقيل: المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجَبْتُ عن كل ما أُسألُ عنه. وكله مراد، والله أعلم. {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } هذا استئناف كلام، أي ليس بي جنون؛ لأنهم نسبوه إلى الجنون. وقيل: هو متصل، والمعنى لو علمتُ الغيب لما مسّني سوءٌ ولحذِرت، ودل على هذا قوله تعالى: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١٩٠
فيه سبع مسائل:
الأُولى ـ قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم. {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حوّاء. {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ليأنس بها ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة. ثم ابتدأ بحالة أُخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} كناية عن الوِقاع. {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} كلّ ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حَملٌ بالفتح. وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حِمل بالكسر. وقد حكى يعقوب في حِمل النخلة الكَسْر. وقال أبو سعيد السيرافيّ: يقال في حمل المرأة حَمل وحِمل، يشبه مرّة لاستبطانه بحَمل المرأة، ومرّة لبُروزه وظهوره بحمل الدّابّة. والْحَمل أيضاً مصدر حَمَل عليه يحمِل حَملاً إذا صال. {فَمَرَّتْ بِهِ} يعني المنيّ؛ أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. يقول: تقوم وتقعد وتَقَلَّب، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما. وقيل: المعنى فاستمر بها الحمل، فهو من المقلوب؛ كما تقول: أدخلت القَلَنْسوة في رأسي. وقرأ عبد الله ابن عمر «فَمَارَتْ بِهِ» بألف والتخفيف؛ من مَار يَمُور إذا ذهب وجاء وتصرّف. وقرأ ابن عباس ويحيى ابن يَعْمَر «فَمَرَتْ بِهِ» خفيفة من المِرْيَة، أي شكّت فيما أصابها؛ هل هو حمل أو مرض، أو نحو ذلك.
الثانية ـ قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} صارت ذات ثقل؛ كما تقول: أثمر النخل. وقيل: دخلت في الثقل؛ كما تقول: أصبح وأمسى. {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} الضمير في «دَعَوَا» عائد على آدم وحوّاء. وعلى هذا القول ما رُوي في قصص هذه الآية أن حوّاء لما حملت أوّل حمل لم تدرِ ما هو. وهذا يقوِّي قراءة من قرأ «فَمَرَتْ بِهِ» بالتخفيف. فجزِعت لذلك؛ فوجد إبليس السبيل إليها. قال الكلبيّ: إن إبليس أتى حوّاء في صورة رجل لما أثقلت في أوّل ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه السلام. فلم يزالا في هَمٍّ من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو مِن الله بمنزلةٍ، فإن دعوتُ الله فولدتِ إنساناً أفتسمّينه بي؟ قالت نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها وقد ولدت فقال: سمِّيه باسمي. فقالت: وما ٱسمك؟ قال: الحارث ـ ولو سَمَّى لها نفسه لعرفته ـ فسمته عبد الحارث. ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذِيّ وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات؛ فلا يعوِّل عليها من له قَلْبٌ، فإن آدم وحوّاء عليهما السلام وإن غرَّهما بالله الغَرُور فلا يُلدغ المؤمن من جُحْرٍ مرّتين، على أنه قد سُطِّر وكُتب. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض. وعُضِد هذا بقراءة السلمِيّ «أتشركون» بالتاء. ومعنى {صَالِحاً} يريد ولداً سوياً. {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء، وهي: ـالثالثة ـ قال المفسرون: كان شِرْكاً في التسمية والصفة، لا في العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمّياه به كما يسمِّي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربُّه؛ كما قال حاتم:
وإني لَعبد الضّيف ما دام ثاوياًوما فيّ إلاّ تِيكَ من شِيمة العبدِ
وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرّية آدم عليه السلام، وهو الذي يُعوَّل عليه. فقوله: {جَعَلاَ لَهُ} يعني الذكر والأُنثى الكافرين، ويُعنى به الجنسان. ودلّ على هذا {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ولم يقل يشركان. وهذا قولٌ حسنٌ. وقيل: المعنى «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» من هيئة واحدة وشكل واحد «وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» أي من جنسها «فَلَمَّا تَغَشَّاهَا» يعني الجنسين. وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحوّاء ذكر في الآية؛ فإذا آتاهما الولد صالحاً سليماً سوِياً كما أراداه صرفاه عن الفِطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين. قال صلى الله عليه وسلم:ما من مولود إلا يولد على الفطرة ـ في رواية على هذه الملة ـ أبواه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانِه. قال عكرمة: لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم. وقال الحسين بن الفضل: وهذا أعجب إلى أهل النظر؛ لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبيّ الله آدم. وقرأ أهل المدينة وعاصم «شِرْكاً» على التوحيد. وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع، على مثل فُعَلاَءَ، جمع شريك. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأُولى، وهي صحيحة على حذف المضاف، أي جعلا له ذا شرك؛ مثل «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ» فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء.الرابعة ـ ودلّت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال: أوّل الحمل يُسْرٌ وسرور، وآخره مرض من الأمراض. وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} وهذه الحالة مشاهدة في الحُمّال، ولأجل عظم الأمر وشدّة الخطب جُعل موتُها شهادةً؛ كما ورد في الحديث: وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يَهَب ويُحابِي في ثُلثُه. وقال أبو حنيفة والشافعيّ: إنما يكون ذلك في الحامل بحال الطَّلْقِ، فأما قبل ذلك فلا. واحتجّوا بأن الحمل عادةٌ والغالب فيه السلامة. قلنا: كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة، وقد يموت من لم يمرَض.
الخامسة ـ قال مالك: إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث. ومن طلّق زوجته وهي حامل طلاقاً بائناً فلما أتى عليها ستةُ أشهر فأراد ٱرتجاعها لم يكن له ذلك؛ لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح.
السادسة ـ قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئاً إلا في الثلث، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص. وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعيّ وغيرهما. قال ابن العربيّ: وإذا استوعبت النظر لم تَرْتَب في أن المحبوس على القتل أشدّ حالاً من المريض، وإنكار ذلك غفلة في النظر؛ فإن سبب الموت موجود عندهما، كما أن المرض سبب الموت، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}. وقال رُوَيْشَد الطائيّ:
يا أيها الراكبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهسائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ وقل لهم بادروا بالعُذْر والتمسواقولاً يُبَرّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ
ومما يدل على هذا قوله تعالى: { إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } [الأحزاب: 10]. فكيف يقول الشافعيّ وأبو حنيفة: الحال الشديدة إنما هي المبارزة؛ وقد أخبر الله عز وجل من مقاومة العدو وتَداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر، ومن سوء الظنون بالله، ومن زلزلة القلوب واضطرابها؛ هل هذه حالة ترى على المريض أم لا؟ هذا ما لا يشك فيه منصِف، وهذا لمن ثبت في اعتقاده، وجاهد في الله حق جهاده، وشاهد الرسول وآياته؛ فكيف بنا؟السابعة ـ وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهَوْل؛ هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل. فقال ٱبن القاسم: حكمه حكم الصحيح. وقال ابن وهب وأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر. قال القاضي أبو محمد: وقولهما أقيس؛ لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل. قال ابن العربي: وٱبن القاسم لم يركب البحر، ولا رأى دوداً على عود. ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقّق التوكل والتفويض فليركب البحر.
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ١٩١ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ١٩٢
قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} أي أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي الأصنام مخلوقة. وقال: «يُخْلَقُونَ» بالواو والنون لأنهم ٱعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت مجرى الناس؛ كقوله:
{ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [الأنبياء: 33]. وقوله: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } [النمل: 18]. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} أي إن الأصنام، لا تنصر ولا تنتصر.وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ ١٩٣
قوله تعالى: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} قال الأخفش: أي وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم. {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } قال أحمد بن يحيى: لأنه رأس آية. يريد أنه قال: {أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } ولم يقل أم صَمتم. وصامتون وصَمَتم عند سيبويه واحد. وقيل: المراد مَن سبق في علم الله أنه لا يؤمن. وقرىء «لاَ يَتَّبِعُوكُمْ» «مشدّداً ومخفّفاً» لغتان بمعنًى. وقال بعض أهل اللغة: «أَتْبَعَهُ» ـ مخففاً ـ إذا مضى خلفه ولم يدركه. و «ٱتَّبَعَهُ» ـ مشدّداً ـ إذا مضى خلفه فأدركه.
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ١٩٤ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥ إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦
قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} حاجّهم في عبادة الأصنام «تَدْعُونَ» تعبدون. وقيل: تدعونها آلهة. «مِنْ دُونِ اللَّهِ» أي من غير الله. وسميت الأوثان عِباداً لأنها مملوكة لله مسخّرة. الحسن: المعنى أن الأصنام مخلوقة أمثالكم. ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس فقال: {فَٱدْعُوهُمْ} ولم يقل فٱدعوهن. وقال: «عِبَادٌ»، وقال: «إنَّ الّذِينَ» ولم يقل إنّ الَّتي. ومعنى «فَٱدْعُوهُمْ» أي فاطلبوا منهم النفع والضر. {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أن عبادة الأصنام تنفع. وقال ابن عباس: معنى فادعوهم فٱعبدوهم. ثم وَبّخهم الله تعالى وسَفّه عقولهم فقال: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} الآية. أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم. والغرض بيان جهلهم؛ لأنّ المعبود يتصف بالجوارح. وقرأ سعيد بن جبير: «إن الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم» بتخفيف «إن» وكسرها لالتقاء الساكنين، ونصب «عبَاداً» بالتنوين، «أمثالَكم» بالنصب. والمعنى: ما الذين تدعون من دون الله عباداً أمثالكم، أي هي حجارة وخشب؛ فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه. قال النحاس: وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات: أحدها ـ أنها مخالفة للسّواد. والثانية ـ أن سيبويه يختار الرفع في خبر إنْ إذا كانت بمعنى ما، فيقول: إنْ زيد منطلق؛ لأن عمل «ما» ضعيف، و «إنْ» بمعناها فهي أضعف منها. والثالثة ـ إن الكسائيّ زعم أن «إنْ» لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى «ما»، إلا أن يكون بعدها إيجاب؛ كما قال عز وجل: {إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ }. «فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ» الأصل أن تكون اللام مكسورة، فحذفت الكسرة لثقلها. ثم قيل: في الكلام حذف، المعنى: فادعوهم إلى أن يتّبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة. وقرأ أبو جعفر وشيبة {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ} بضم الطاء، وهي لغة. واليد والرجل والأُذن مؤنثات يُصَغَّرْن بالهاء. وتزاد في اليد ياء في التصغير، تردّ إلى أصلها فيقال: يُدَيّة بالتشديد لاجتماع الياءين.
قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي الأصنام. {ثُمَّ كِيدُونِ} أنتم وهي. {فَلاَ تُنظِرُونِ} أي فلا تؤخرون. والأصل «كِيدُونِي» حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها. وكذا «فَلاَ تُنْظِرُونِ». والكيد المكر. والكيد الحرب؛ يقال: غزا فلم يلق كيداً. {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} أي الذي يتولَّى نصري وحفظي اللَّهُ. وولِيُّ الشيءِ: الذي يحفظه ويمنع عنه الضرر. والكتاب: القرآن. {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} أي يحفظهم. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهاراً غير سر يقول:
ألا إنّ آل أبي ـ يعني فلاناً ـ ليسوا لي بأولياء إنما وَلِيِّي اللَّهُ وصالح المؤمنين. وقال الأخفش: وقرىء «إنّ ولِيِّ اللَّهِ الذي نزّل الكتابَ» يعني جبريل. النحاس. هي قراءة عاصم الجَحْدَرِيّ. والقراءة الأُولى أبْيَن؛ لقوله: {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ}.وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ١٩٧ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ١٩٨
قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر. {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ} شرط، والجواب {لاَ يَسْمَعُواْ}. {وَتَرَاهُمْ} مستأنف. {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} في موضع الحال. يعني الأصنام. ومعنىٰ النظر فتح العينين إلى المنظور إليه؛ أي وتراهم كالناظرين إليك. وخبّر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر؛ لأن الخبر جرىٰ على فعل مَن يعقل. وقيل: كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ}. وقيل: المراد بذلك المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم.
خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ ١٩٩
فيه ثلاث مسائل:
الأولىٰ ـ هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} صلةُ الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغَضّ الأبصار، والإستعداد لدار القرار. وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} الحَضُّ على التعلّق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء. ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة.
قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم.
قال جابر بن سليم أبو جُرَىّ: ركبت قَعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلُّوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هوجالس عليه بُرْد من صوف فيه طرائقُ حُمر؛ فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام». فقلت: إنّا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء؛ فعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها. قال: «ٱدْن» ثلاثاً، فدنوت فقال: «أعِد عليّ» فأعدت عليه فقال: «ٱتق الله ولا تحقرنّ من المعروف شيئاً وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تُفرِغ من دَلْوك في إناء المستسقي وإن ٱمرؤ سبّك بما لا يعلم منك فلا تُسبّه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجراً وعليه وِزْراً ولا تسبّن شيئاً مما خَوّلك الله تعالىٰ». قال أبو جُرَى: فوالذي نفسي بيده، ما سبَبْت بعده شاة ولا بعيراً. أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه. وروى أبو سعيد المَقْبُرِيّ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق. وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عُيَيْنَة عن الشعبيّ أنه قال: إن جبريل نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا جبريل»؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل العالم» في رواية «لا أدري حتى أسأل ربي» فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال: «إن الله تعالىٰ يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك». فنظمه بعض الشعراء فقال:مكارم الأخلاق في ثلاثةٍمن كَمُلَتْ فيه فذلك الفَتَىٰ إعطاءُ مَن تحرِمه ووَصلُ مَنتَقْطَعُه والعفْوُ عَمّنِ ٱعتدَى
وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق. وقال الشاعر:كلُّ الأمور تزول عنك وتنقضيإلاّ الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خُيِّرتُ كلّ فضيلةما ٱخترت غير مكارم الأخلاق
وقال سهل بن عبد الله: كلّم الله موسىٰ بطُور سَيْنَاء. قيل له: بأيّ شيء أوصاك؟ قال: بتسعة أشياء، الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغِنَىٰ، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصَمتِي فِكْراً، ونظري عبرة.قلت: وقد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال:
أمرني ربي بتسعٍ الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنىٰ والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكراً وصمتي فكراً ونظري عبرة. وقيل: المراد بقوله: «خُذِ الْعَفْوَ» أي الزكاة؛ لأنها يسير من كثير. وفيه بعدٌ؛ لأنه من عفا إذا دَرَس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي لا تنقص عليه وسامحه. وسبب النزول يردّه، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجّة المشركين دله على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جرّ المشركين إلى الإيمان. أي ٱقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر؛ تقول: أخذت حقي عَفْواً صَفْواً، أي سهلاً.الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالمعروف. وقرأ عيسىٰ بن عمر «العُرُف» بضمتين؛ مثل الحُلُم؛ وهما لغتان. والعُرْف والمَعْرُوف والعَارِفَة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس.
قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يَعْدَم جَوازِيَهلا يذهب العُرْف بين الله والناس
وقال عطاء: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} يعني بلا إله إلا الله.الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فاعرض عنهم؛ صيانة له عليهم ورفعاً لقدره عن مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطاباً لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. وقال ابن زيد وعطاء: هي منسوخة بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة: هي مُحْكَمة؛ وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عُيَيْنَة بن حِصن بن حذيفة بن بَدْر فنزل على ابن أخيه الحرّ ابن قيس بن حِصن، وكان من النفر الذين يُدنِيهم عُمَرُ، وكان القراءُ أصحابَ مجالِس عمر ومشاورته، كُهولاً كانوا أو شُبّاناً. فقال عُيَيْنَة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه؛ فٱستأذن لعُيَيْنَة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هَمّ بأن يقع به. فقال الحُرّ؛ يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل.
قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها مُحْكَمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنهما؛ على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجَفَاء على السلطان تعمُّداً واستخفافاً بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصّفْح والعفو؛ كما فعل الخليفة العدل.