انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير القرطبيالآيات 1–26

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓمٓصٓ ۝١ كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٢

قوله تعالى: {الۤمۤصۤ } تقدّم في أوّل «البقرة» وموضعه رفع بالابتداء. و{كِتَابٌ} خبره. كأنه قال: «المص» حروف {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ}. وقال الكسائيّ: أي هذا كتاب.

قوله تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {حَرَجٌ} أي ضِيق؛ أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ؛ لأنه رُوي عنه عليه السلام أنه قال: «إني أخاف أن يَثْلغُو رأسي فيدعوه خبزَة» الحديث. خرّجه مسلم. قال الكِيا: فظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه؛ أي لا يضيق صدرك ألاّ يؤمنوا به، فإنما عليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم، ومثله قوله تعالى:

{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ }[الكهف: 6] الآية. وقال: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 3]. ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرَج هنا الشك، وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق. وكذلك قوله تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97]. وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته. وفيه بعدٌ. والهاء في «مِنْهُ» للقرآن. وقيل للإنذار؛ أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوّة الكلام. أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له.

الثانية: قوله تعالى: {وَذِكْرَىٰ} يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض. فالرفع من وجهين؛ قال البصريون: هي رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائيّ: عطف على «كتاب». والنصب من وجهين؛ على المصدر، أي وذكِّر به ذكرى؛ قاله البصريون. وقال الكسائي: عطف على الهاء في «أنزلناه». والخفض حملاً على موضع «لِتُنْذِرَ بِهِ». والإنذار للكافرين، والذكرى للمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به.

ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝٣

فيه مسألتان:

الأولى: قوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى:

{ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } [الحشر: 7]. وقالت فرقة: هذا أمر يعمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته. والظاهر أنه أمرٌ لجميع الناس دونَه. أي ٱتبعوا ملَّة الإسلام والقرآن، وأحِلوا حلالَه وحرِّموا حرامه، وٱمتثلوا أمره، وٱجتنبوا نهيه. ودلّت الآية على ترك ٱتباع الآراء مع وجود النصِّ.

الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} «مِنْ دُونِهِ» من غيره. والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا مَن عدلَ عن دين الله ولِياً. وكل من رضي مذهباً فأهل ذلك المذهب أولياؤه. وروي عن مالك ابن دِينار أنه قرأ {وَلاَ تَبْتَغُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي ولا تطلبوا. ولم ينصرف «أولياء» لأن فيه ألف التأنيث. وقيل: تعود على «ما» من قوله: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} «ما» زائدة. وقيل: تكون مع الفعل مصدراً.

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ۝٤ فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ۝٥

قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} «كم» للتكثير؛ كما أن «رُبَّ» للتقليل. وهي في موضع رفع بالابتداء، و«أهلكنا» الخبر. أي وكثير من القرى ـ وهي مواضع اجتماع الناس ـ أهلكناها. ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها، ولا يقدّر قبلها؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ويقوّي الأوّل قوله:

{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ } [الإسراء: 17]. ولولا اشتغال «أَهْلَكْنَا» بالضمير لانتصب به موضع «كم». ويجوز أن يكون «أَهْلَكْنَا» صفة للقرية، و«كم» في المعنى هي القرية؛ فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم. يدل على ذلك قوله تعالى: { وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً } [النجم: 26] فعاد الضمير على «كم» على المعنى؛ إذ كانت الملائكة في المعنى. فلا يصح على هذا التقدير أن يكون «كم» في موضع نصب بإضمار فعل بعدها. {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} فيه إشكال للعطف بالفاء. فقال الفرّاء: الفاء بمعنى الواو، فلا يلزم الترتيب. وقيل: أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ كقوله: { فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ }. [النحل: 98]. وقيل: إن الهلاك واقع ببعض القوم؛ فيكون التقدير: وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل: المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال. والبأس: العذاب الآتي على النفس. وقيل: المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا؛ فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك. وقيل: البأس غير الإهلاك؛ كما ذكرنا. وحكى الفرّاء أيضاً أنه إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدّمت أيهما شئت؛ فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها؛ مثل دَنَا فقَرُب، وقَرُب فدنا، وشتمني فأساء، وأساء فشتمني؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد. وكذلك قوله: { ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ } [القمر: 1]. المعنى ـ والله أعلم ـ ٱنشق القمر فاقتربت الساعة. والمعنى واحد. {بَيَاتاً} أي ليلاً؛ ومنه البيت، لأنه يبات فيه. يقال: بات يبِيت بيتاً وبياتاً. {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي أو وهم قائلون، فاستثقلوا فحذفوا الواو؛ قاله الفرّاء. وقال الزجاج: هذا خطأ، إذا عاد الذكرُ ٱستُغْنِي عن الواو، تقول: جاءني زيد راكباً أو هو ماش، ولا يحتاج إلى الواو. قال المهدويّ: ولم يقل بياتاً أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميراً يرجع إلى الأوّل فٱستغنى عن الواو. وهو معنى قول الزجاج سواء، وليس أو للشك بل للتفصيل؛ كقولك: لأكرِمنّك منصفاً لي أو ظالماً. وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت. و«قَائِلُونَ» من القائلة وهي القيْلُولة؛ وهي نوم نصف النهار. وقيل: الاستراحة نصفَ النهار إذا اشتدّ الحرّ وإن لم يكن معها نوم. والمعنى: جاءهم عذابنا وهم غافلون إمّا ليلاً وإمّا نهاراً. والدعوى الدعاء؛ ومنه قوله: { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ }[يونس: 10]. وحكى النحويون: اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك. وقد تكون الدّعوى بمعنى الادّعاء. والمعنى: أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. و{دَعْوَاهُمْ} في موضع نصب خبر كان، وٱسمها {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ}. نظيره { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [العنكبوت: 29] ويجوز أن تكون الدعوى رفعاً، و«أَنْ قَالُوا» نصباً؛ كقوله تعالى: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ } [البقرة: 177] برفع «البر» وقوله: { ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ } [البقرة: 10] برفع «عاقبة».

فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٦ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ۝٧

قوله تعالىٰ: {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} دليل على أن الكفار يحاسبون. وفي التنزيل

{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ }. [الغاشية: 26]. وفي سورة القصص { وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } [القصص: 78] يعني إذا استقرّوا في العذاب. والآخرة مَواطنُ: موطن يسألون فيه للحساب. وموطن لا يسألون فيه. وسؤالهم سؤال تقرير وتوبيخ وإفضاح. وسؤال الرسل سؤال ٱستشهادٍ بهم وإفصاح؛ أي عن جواب القوم لهم. وهو معنى قوله: { لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ }[الأحزاب: 78] على ما يأتي. وقيل: المعنى {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أي الأنبياء {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي الملائكة الذين أرسلوا إليهم. واللام في «فلنسألنّ» لام القسم وحقيقتها التوكيد. وكذا {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ}. قال ابن عباس: ينطق عليهم. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} أي كنا شاهدين لأعمالهم. ودلت الآية على أن الله تعالىٰ عالمٌ بعلم.

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝٨ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ ۝٩

قوله تعالىٰ: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} ابتداء وخبر. ويجوز أن يكون {ٱلْحَقِّ} نعته، والخبر {يَوْمَئِذٍ}. ويجوز نصب {ٱلْحَقِّ} على المصدر. والمراد بالوزن وزن أعمال العباد بالميزان. قال ابن عمر: توزن صحائف أعمال العباد. وهذا هو الصحيح، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي. وقيل: الميزان الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وقال مجاهد: الميزان الحسنات والسيئات بأعيانها. وعنه أيضاً والضحاكِ والأعمش: الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء، وذِكر الوزن ضربُ مثلٍ؛ كما تقول: هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه، أي يعادله ويساويه وإن لم يكن هناك وَزْنٌ. قال الزجاج: هذا سائغٌ من جهة اللسان، والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيرِيّ: وقد أحسن فيما قال، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدِّين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطينُ والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة. وقد أجمعت الأُمة في الصدر الأوّل على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً. قال ابن فُورَك: وقَدْ أنكرت المعتزلة الميزان بناءً منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها، إذ لا تقوم بأنفسها. ومن المتكلِّمين من يقول: إن الله تعالىٰ يقلِب الأعراض أجساماً فيزنها يوم القيامة. وهذا ليس بصحيح عندنا، والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب التي فيها الأعمال مكتوبة، وبها تخف. وقد روي في الخبر ما يحقِّق ذلك، وهو أنه روي:

أن ميزان بعضِ بني آدم كاد يخف بالحسنات فيوضع فيه رِق مكتوب فيه «لا إله إلاَّ الله» فيثقل. فقد عُلِمَ أن ذلك يرجع إلى وزن ما كتب فيه الأعمال لا نفس الأعمال، وأن الله سبحانه يخفف الميزان إذا أراد، ويثقله إذا أراد بما يُوضع في كِفتيه من الصحف التي فيها الأعمال. وفي صحيح مسلم عن صَفْوان بن مُحْرِز قال قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النَّجْوى؟ قال سمعته يقول:يُدْنَى المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع عليه كَنَفه فيُقَرِّره بذنوبه فيقول هل تعرف فيقول أي ربِّ أعرف قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيُعْطَى صحيفة حسناته وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله. فقوله: فيعطى صحيفة حسناته دليل على أن الأعمال تكتب في الصحف وتوزن. وروى ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يُصاح برجل من أُمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سِجِلاًّ كل سِجِل مدّ البصر ثم يقول الله تبارك وتعالىٰ هل تنكر من هذا شيئاً فيقول لا يا ربّ فيقول أظَلَمْتك كَتَبتِي الحافظون فيقول لا ثم يقول ألك عذر ألك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فيقول بلى إن لك عندنا حسنات وإنه لا ظلم عليك اليوم فتُخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البِطاقة مع هذه السِّجِلاّت فيقول إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كِفة والبطاقة في كِفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. زاد الترمذيّفلا يثقل مع اسم الله شيء وقال: حديث حسن غريب. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في «الكهف والأنبياء» إن شاء الله تعالىٰ.

قوله تعالىٰ: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} «مَوَازِينُهُ» جمع ميزان، وأصله مِوزان، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل: يجوز أن يكون هناك موازين للعامل الواحد يوزن بكل ميزان منها صِنف من أعماله. ويمكن أن يكون ذلك ميزاناً واحداً عُبِّرَ عنه بلفظ الجمع؛ كما تقول: خرج فلان إلى مكة على البغال، وخرج إلى البصرة في السفن. وفي التنزيل: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ}.

{ كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ } [الشعراء: 123]. وإنما هو رسول واحد في أحد التأويلين. وقيل: الموازين جمع موزون، لا جمع ميزان. أراد بالموازين الأعمال الموزونة. {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} مثله. وقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكِفّتان؛ فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان فتثقل حسناته على سيئاته؛ فذلك قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} ويؤتى بعمل الكافر في أقبح صورة فيوضع في كِفّة الميزان فيخف وزنه حتى يقع في النار. وما أشار إليه ابن عباس قريب مما قيل: يخلق الله تعالىٰ كل جزء من أعمال العباد جوهراً فيقع الوزن على تلك الجواهر. وردّه ٱبن فُورك وغيره. وفي الخبر:إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بِطاقة كالأنملة فيلقيها في كِفّة الميزان اليمنَى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبيّ صلى الله عليه وسلم بأبِي أنت وأُميّ! ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت؟ فيقول أنا محمد نبيك وهذه صلواتك التي كنت تُصلّي عليّ قد وفيتك أحوج ما تكون إليها. ذكره القشيرِيّ في تفسيره. وذكر أن البطاقة (بكسر الباء) رُقعة فيها رقم المتاع بلغة أهل مصر. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: البِطاقة الرُّقعة، وأهل مصر يقولون للرُّقْعة بِطاقة. وقال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السَّلام، يقول الله تعالىٰ:يا جبريل زِنْ بينهم فرُدّ من بعض على بعض. قال: وليس ثمّ ذهب ولا فضة؛ فإن كان للظالم حسناتٌ أخِذ من حسناته فردّ على المظلوم، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتحمل على الظالم؛ فيرجع الرجل وعليه مثل الجبال. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالىٰ يقول يوم القيامة يا آدم ٱبرز إلى جانب الكرسي عند الميزان وٱنظر ما يرفع إليك من أعمال بَنِيك فمن رجح خيرُه على شره مثقالَ حَبّة فله الجنة ومن رجح شره على خيره مثقال حبة فله النار حتى تعلم أني لا أَعذب إلاَّ ظالماً».

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ۝١٠

أي جعلناها لكم قراراً ومِهاداً، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. والمَعايش جمع مَعيشة، أي ما يُتعيَّش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. يُقال: عاش يَعِيش عَيْشاً ومَعاشاً ومَعِيشاً ومَعِيشة وعِيشَة. وقال الزجاج: المَعِيشة ما يُتوصّل به إلى العيش. ومعِيشة في قول الأخفش وكثيرٍ من النحويين مَفْعِلة. وقرأ الأعرج: «مَعَائِشَ» بالهمز. وكذا روى خارجة بن مُصْعَب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز؛ لأن الواحدة معِيشة، أصلها معيِشة، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة، فلا بدّ من تحريكٍ إذ لا سبيل إلى الحذف، والألف لا تحرّك فحرّكت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ونظيره من الواو مَنارة ومَناوِر، ومَقام ومَقاوِم: كما قال الشاعر:

وَإنِّي لقَوّامٌ مَقاوِمُ لم يكنجرير ولا مَوْلَىٰ جريرٍ يَقُومها

وكذا مصيبة ومَصَاوِب. وهذا الجيد، ولغة شاذة مصائب، قال الأخفش: إنما جاز مصائب لأن الواحدة مُعْتَلّة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة، وقيل: لم يجز الهمز في مَعايش لأن المعيشة مَفْعِلة؛ فالياء أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه.

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝١١

قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدّم معنى الخلق في غير موضع. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» أي خلقناكم نُطفاً ثم صوّرناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة ٱسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صوّرناكم في ظهره. وقال الأخفش: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: المعنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم عليه السَّلام، ثم قلنا للملائكة ٱسجدوا لآدم، ثم صورناكم؛ على التقديم والتأخير. وقيل: «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم؛ ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» راجع إليه أيضاً. كما يُقال: نحن قتلناكم؛ أي قتلنا سيدكم. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير؛ عن ابن عباس أيضاً. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحوّاء؛ فآدم من التراب وحوّاء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبوَيْكم ثم صوّرناهما؛ قاله الحسن. وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صوّرناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وٱبن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صوّرهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوّي هذا

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ }[الأعراف: 172]. والحديث. أنه أخرجهم أمثال الذَّرِّ فأخذ عليهم الميثاق. وقيل: «ثم» للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم صَوّرناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس.

قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يَعْضُده التنزيل؛ قال الله تعالىٰ:

{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ }[المؤمنون: 12] يعني آدم. وقال: { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }[النساء: 1]. ثم قال: «جَعَلْنَاهُ» أي جعلنا نسله وذريته { نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ }[ المؤمنون: 13] الآية. فآدم خُلِق من طين ثم صوّر وأكرم بالسجود، وذريته صُوِّروا في أرحام الأُمهات بعد أن خُلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدّم في أوّل سورة «الأنعام» أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتُرْبَة؛ فتأمله. وقال هنا: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} وقال في آخر الحشر: { هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ }[الحشر: 24]. فذكر التصوير بعد البَرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالىٰ. وقيل: معنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» أي خلقنا الأرواح أوّلاً ثم صوّرنا الأشباح آخراً.

قوله تعالىٰ: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} استثناء من غير الجنس. وقيل: من الجنس. وقد اختلف العلماء: هل كان من الملائكة أم لا؛ كما سبق بيانه في «البقرة».

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ ۝١٢

فيه أربع مسائل:

الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {مَا مَنَعَكَ} «ما» في موضع رفع بالابتداء؛ أي أي شيء منعك. وهذا سؤال توبيخ. {أَلاَّ تَسْجُدَ} في موضع نصب، أي من أن تسجد. و «لا» زائدة. وفي صۤ

{ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [صۤ: 75] وقال الشاعر:

أبَى جُودُه لا البخلَ فاستعجلت بهنَعَمْ من فتًى لا يمنع الجودَ نائلُه

أراد أبى جوده البخل، فزاد «لا». وقيل؛ ليست بزائدة؛ فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألاّ تسجد؟ أو من دعاك إلى ألاّ تسجد؟ كما تقول: قد قلت لك ألاّ تفعل كذا. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألاّ تسجد. قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد: وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك. وكان أمره من قبل خلق آدم؛ يقول الله تعالىٰ: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}. فكأنه دخله أمر عظيم من قوله {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}. فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفاً لمن وقع له فأضمر في نفسه ألاّ يسجد إذا أمره في ذلك الوقت. فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سُجَّداً، وبَقِيَ هو قائماً بين أظهرهم؛ فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره. فقال الله تعالىٰ: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} أي ما منعك من الانقياد لأمري؛ فأخرج سِرّ ضميره فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ أَمَرْتُكَ} يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قَرِينَة؛ لأن الذّمّ عُلِّق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عزّ وجلّ للملائكة: {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} وهذا بيّن.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} أي منعني من السجود فضلِي عليه؛ فهذا من إبليس جواب على المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطَب: مالكها زيد. فليس هذا عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب. {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فرأى أن النار أشرف من الطين؛ لعلوّها وصعودها وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أوّل من قاس إبليس فأخطأ القياس. فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس. قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلاَّ بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدوّ الله من حيث فضل النار على الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق. فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة:

أحدها ـ أن من جوهر الطين الرّزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر. وذلك هو الداعي لآدم عليه السَّلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والإجتباء والهداية. ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدّة، والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار؛ فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء؛ قاله القفّال.

الثاني ـ إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مِسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة ناراً وأن في النار تراباً.

الثالث ـ أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه؛ وليس التراب سبباً للعذاب.

الرابع ـ أن الطين مستغنٍ عن النار، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب.

قلت ـ ويحتمل قولاً خامساً وهو أن التراب مسجد وطهور؛ كما جاء في صحيح الحديث. والنار تخويف وعذاب؛ كما قال تعالىٰ:

{ ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ }[الزمر: 16]. وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وهو أوّل من قاس برأيه. والقياس في مخالفة النصِّ مردود.

الرابعة ـ وٱختلف الناس في القياس إلى قائل به، ورادٍّ له؛ فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعبد به جائز عقلاً واقع شرعاً، وهو الصحيح. وذهب القفّال من الشافعية وأبو الحسين البصرِيّ إلى وجوب التعبّد به عقلاً. وذهب النظّام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلاً وشرعاً؛ وردّه بعض أهل الظاهر. والأوّل الصحيح. قال البخارِيّ في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): المعنى لا عصمة لأحد إلاَّ في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وُجد فيها الحكُم فإن لم يوجد فالقياس. وقد ترجم على هذا (باب من شبّه أصلاً معلوماً بأصل مبيَّن قد بيّن الله حكمها ليفهم السائل). وترجم بعد هذا (باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها). وقال الطبريّ: الإجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأُمة هو الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكيّ: أجمعت الأُمة على القياس؛ فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والوَرِق في الزكاة. وقال أبو بكر: أقِيلوني بيعتي. فقال عليّ: واللَّهِ لا نقيلك ولا نستقيلك، رضِيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ فقاس الإمامة على الصَّلاة. وقاس الصدّيقُ الزكاة على الصَّلاةِ وقال: والله لا أفرق بين ما جمع الله. وصرّح عليّ بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال: إنه إذا سكِر هَذَى، وإذا هَذَى افْترى؛ فحدّه حدّ القاذف. وكتب عمر إلى أبي موسىٰ الأشعري كتاباً فيه: الفَهْم الفَهْمَ فيما يختلِجُ في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، ٱعرف الأمثال والأشباه، ثم قِسِ الأُمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبِّها إلى الله تعالىٰ وأشبهها بالحق فيما ترى. الحديثَ بطوله ذكره الدارقطنيّ. وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوَبَاء، حين رجع عمر من سَرْغ: نَفِرّ من قَدَر الله؟ فقال عمر: نعم! نفِرّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله. ثم قال له عمر: أرأيت... فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار، وحسبُك. وأما الآثار وآي القرآن في هذا المعنى فكثير. وهو يدل على أن القياس أصل من أُصول الدين، وعِصمة من عِصم المسلمين، يرجع إليه المجتهدون، ويفزع إليه العلماء العاملون، فيستنبطون به الأحكام. وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة، ولا يلتفت إلى من شذَّ عنها. وأما الرأي المذموم والقياس المتكّلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأُصول المذكورة؛ لأن ذلك ظنٌّ ونَزَغٌ من الشيطان؛ قال الله تعالىٰ:

{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [الإسراء: 36]. وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذمّ القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم، الذي ليس له في الشرع أصل معلوم. وتتميم هذا الباب في كتب الأُصول.

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ۝١٣

قوله تعالىٰ: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي من السماء. {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} لأن أهلها الملائكة المتواضعون. {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} أي من الأذلين. ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل. وقال أبو رَوْق والبَجَلِيّ: «فَاهْبِطْ مِنْهَا» أي من صورتك التي أنت فيها؛ لأنه افتخر بأنه من النار فشوّهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه. وقيل: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار؛ كما يُقال: هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر، فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها، فلا يدخل الأرض إلاَّ كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها. والقول الأوّل أظهر. وقد تقدّم في «البقرة».

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝١٤ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝١٥

سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب. طلب ألاّ يموت لأن يوم البعث لا موت بعده؛ فقال الله تعالىٰ: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}. قال ابن عباس والسدّي وغيرهما: أنْظَره إلى النفخة الأُولىٰ حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين؛ فأبى الله ذلك عليه. وقال: {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ولم يتقدّم ذِكْرُ من يبعث؛ لأن القصة في آدم وذريته، فدلّت القرينةُ على أنهم هم المبعوثون.

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ۝١٦ ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ ۝١٧

فيه ثلاث مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} الإغواء إيقاعُ الغيّ في القلب؛ أي فبما أوقعت في قلبي من الغيّ والعِناد والاستكبار. وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل، بل هو كفر عناد وٱستكبار. وقد تقدّم في «البقرة». قيل: معنىٰ الكلام القسَمُ، أي فبإغوائك إياي لأقعدنّ لهم على صراطك، أو في صراطك؛ فحذف. دليل هذا القول قوله في (صۤ):

{ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [صۤ: 82] فكأن إبليسَ أعظَم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظاماً لقدره عنده. وقيل: الباء بمعنىٰ اللام، كأنه قال: فلإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنىٰ مع، والمعنىٰ فمع إغوائك إياي. وقيل: هو ٱستفهام، كأنه سأل بأيّ شيء أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن يكون: فَبِم أغويتني؟. وقيل: المعنىٰ فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء الإهلاك، قال الله تعالىٰ: { فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً }[مريم: 59] أي هلاكاً. وقيل: فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد؛ قاله ابن عباس. وقيل: خيّبتني من رحمتك؛ ومنه قول الشاعر:

ومن يَغْولا يعدم على الغي لائماً

أي من يَخِب. وقال ابن الأعرابيّ: يقال غَوَىٰ الرجل يغَوِي غَيّاً إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحَد معاني قوله تعالىٰ: { وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 124] أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوِي الفصيل إذا لم يدِرّ لبن أمه.

الثانية ـ مذهب أهل السنة أن الله تعالىٰ أضلّه وخلق فيه الكفر، ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالىٰ. وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالىٰ. وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينَّه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: أخطأ إبليسُ، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه، تعالىٰ الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلاً للخطأ فما تصنعون في نبيّ مكرم معصومٍ. وهو نوح عليه السلام حيث قال لقومه:

{ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [هود: 34] وقد روي أن طاوساً جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متهماً بالقَدر، وكان من الفقهاء الكبار؛ فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تُقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه ٰ فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: ربِّ بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أُغْوِي نفسي.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي بالصّدّ عنه، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ضل، أو يُخَيَّبوا كما خُيِّب؛ حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في «أَغْوَيْتَنِي». والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة، و «صِرَاطَكَ» منصوب على حذف «علىٰ» أو «في» من قوله: «صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ»؛ كما حكىٰ سيبويه «ضرب زيد الظهر والبطن». وأنشد:

لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِل مَتْنُهفيه كما عَسَل الطريقَ الثَّعْلَبُ

ومن أحسن ما قيل في تأويل {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} أي لأصدّنّهم عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} حسب ما تقدم. وروىٰ سفيان عن منصور عن الحكم بن عُتَيْبَة قال: «مِنْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ» من دنياهم. «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» من آخرتهم. «وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ» يعني حسناتهم. «وَعَنْ شَمَائِلِهمْ» يعني سيئاتهم. قال النحاس: وهذا قول حسن وشرحه: أن معنىٰ «ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنَ أَيْدِيهمْ» من دنياهم، حتى يكذِّبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» من آخرتهم حتي يكذِّبوا بها. «وَعَنْ أَيْمَانِهِم» من حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: { إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ } [الصافات: 28]. «وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ» يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات؛ لأنه يزينها لهم. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي موحِّدين طائعين مظهرين الشكر.

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ۝١٨

قوله تعالىٰ: {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة. {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً}. «مَذْؤُوماً» أي مذموماً. والذَّأْمُ: العيب، بتخفيف الميم. قال ٱبن زيد: مذؤوماً ومذموماً سواء؛ يقال: ذأَمْته وذَمَمته وذِمْته بمعنىً واحد. وقرأ الأعمش «مَذُوماً». والمعنىٰ واحد؛ إلا أنه خفف الهمزة. وقال مجاهد: المذْمُوم المنفيّ. والمعنيان متقاربان. والمدحور: المبعَد المطرود: عن مجاهد وغيره. وأصله الدفع. {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} اللام لام القسم، والجواب «لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ». وقيل: «لَمَنْ تَبِعَكَ» لام توكيد. «لأَمْلأَنّ» لام قَسَم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولىٰ، ولا يجوز حذف الثانية. وفي الكلام معنىٰ الشرط والمجازاة؛ أي من تبعك عذبته. ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز؛ إلا أن تريد لأعذبه. وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عَيَّاش «لِمن تبِعك منهم» بكسر اللام. وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره ـ والله أعلم ـ من أجل من تبعك. كما يقال أكرمت فلاناً لك. وقد يكون المعنى: الدّحر لمن تبعك. ومعنىٰ {مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} أي منكم ومن بني آدم؛ لأن ذكرهم قد جرىٰ إذ قال: «وَلَقَدْ خَلْقَنَاكُمْ» خاطب ولد آدم.

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٩

قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء: ٱسكن أنت وحواء الجنة. وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان، فأغنى عن إعادته. وقد تقدّم معنىٰ

{ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ }[البقرة 35] هناك. والحمد لله.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ ۝٢٠

قوله تعالىٰ: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أي إليهما. قيل: داخل الجنة بإدخال الحية إياه. وقيل: من خارج، بالسّلطنة التي جعلت له. وقد مضىٰ هذا في «البقرة». والوسوسة: الصوت الخفيّ. والوَسْوَسَةُ: حديث النفس؛ يقال: وسوست إليه نفسُه وَسوسة ووِسواساً (بكسر الواو). والوَسواس (بالفتح): ٱسم؛ مثل الزَّلزال. ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلىٰ: وَسْوَاس. قال الأعشى:

تَسْمعُ للحَلْىٰ وَسَواساً إذا ٱنصرفَتْكما آستعانَ بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ

والوسواس: اسم الشيطان؛ قال الله تعالىٰ: {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}. {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} أي ليظهر لهما. واللام لام العاقبة؛ كما قال: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}. وقيل: لام كي. و{وُورِيَ} أي سُتر وغُطي عنهما. ويجوز في غير القرآن أُورِيَ، مثل أُقِّتَتْ و{مِن سَوْءَاتِهِمَا} (من عوراتها) وسمي الفرج عورة لأن إظهاره يسوء صاحبه. ودل هذا على قبح كشفها فقيل: إنما بدت سوءاتهما لهما لا لغيرهما؛ كان عليهما نَوْرٌ لا ترىٰ عوراتهما فزال النور. وقيل: ثوب؛ فتهافت، والله أعلم. {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} «أن» في موضع نصب، بمعنىٰ إلا، كراهيةَ أن؛ فحذف المضاف. هذا قول البصريين. والكوفيون يقولون: لئلا تكونا. وقيل: أي إلا ألاّ تكونا ملكين تعلمان الخير والشر. وقيل: طِمع آدم في الخلود؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة. قال النحاس: وبيّن الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن؛ فمنها هذا، وهو {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}. ومنه { وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } [هود: 31]. ومنه { وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ }[النساء: 172]. وقال الحسن: فضل الله الملائكة بالصور والأجنحة والكرامة. وقال غيره: فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية؛ فلهذا يقع التفضيل في كل شيء. وقال ٱبن فُورك. لا حجة في هذه الآية؛ لأنه يحتمل أن يريد مَلكيْن في ألاّ يكون لهما شهوة في طعام. وٱختيار ٱبن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة؛ وقد مضىٰ في «البقرة». وقال الكلبيّ: فضلوا على الخلائق كلهم، غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت؛ لأنهم من جملة رُسُل الله. وتمسّك كل فريق بظواهر من الشريعة، والفضل بيد الله. وقرأ ابن عباس «مَلِكين» بكسر اللام، وهي قراءة يحيىٰ بن أبي كثير والضحاك. وأنكر أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال: لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملِك فيصيرا ملكين. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام، ولا يجوز على هذه القراءة الأولىٰ لخفة الفتحة. قال ابن عباس: أتاهما الملعون من جهة الملك؛ ولهذا قال { هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } [طه: 120]. وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيىٰ بن أبي كثير بقوله: «ومُلْكٍ لاَ يبْلَىٰ» حجة بينة، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} قراءة شاذّة. وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام، وجُعِل من الخطأ الفاحش. وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة؛ وهي غاية الطالبين. وإنما معنىٰ {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } المقام في ملك الجنة، والخلود فيه.

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ۝٢١

قوله تعالىٰ: {وَقَاسَمَهُمَآ} أي حلف لهما. يقال: أقسم إقساماً؛ أي حَلف. قال الشاعر:

وقاسمها بالله جَهْداً لأنتمألَذّ من السّلْوىٰ إذا ما نَشُورها

وجاء «فاعلت» من واحد. وهو يردّ على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من ٱثنين. وقد تقدّم في «المائدة». {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} ليس «لكما» داخلاً في الصلة. والتقدير: إني ناصح لكما لمن الناصحين؛ قاله هشام النحويّ. وقد تقدّم مثله في «البقرة». ومعنىٰ الكلام: ٱتبعاني أرشدكما؛ ذكره قتادة.

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ۝٢٢ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٢٣ قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ ۝٢٤

قوله تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} أوقعهما في الهلاك. قال ابن عباس: غَرّهما باليمين. وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، فغرّهما بوسَوسته وقَسمِه لهما. وقال قتادة: حلف بالله لهما حتى خدعهما. وقد يخدع المؤمن بالله. كان بعض العلماء يقول: من خادعنا بالله خَدَعنا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:

المؤمن غِرٌّ كريم والفاجر خِبٌّ لَئيم. وأنشد نفطويه:

إنّ الكريم إذا تَشاءُ خَدَعتَهوترىٰ اللئيم مُجرِّباً لا يُخْدَعُ

{فَدَلاَّهُمَا} يقال: أدلَىٰ دَلْوَه: أرسلها. ودَلاّها: أخرجها. وقيل: «دَلاَّهُمَا» أي دلّلَهما؛ من الدالة وهي الجُرْأَة. أي جرَّأهما على المعصية فخرجا من الجنة.

قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} فيه ثلاث مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} أي أكلا منها. وقد مضىٰ في «البقرة» الخلاف في هذه الشجرة، وكيف أكل آدم منها. {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أكلت حوّاء أوّلاً فلم يصبها شيء؛ فلما أكل آدم حلّت العقوبة؛ لأن النهي ورد عليهما كما تقدّم في «البقرة». قال ابن عباس: تقلّص النورُ الذي كان لباسهما فصار أظفاراً في الأيدي والأرجل.

الثانية ـ {وَطَفِقَا} ويجوز إسكان الفاء. وحكىٰ الأخفش طَفَق يَطْفِق؛ مثل ضرب يضرب. يقال: طفِق، أي أخذ في الفعل. {يَخْصِفَانِ} وقرأ الحسن بكسر الخاء وشدّ الصاد. والأصل «يَخْتَصِفَانِ» فأدغم، وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ٱبن بريدة ويعقوب بفتح الخاء، ألقيا حركة التاء عليها. ويجوز «يُخصِّفانِ» بضم الياء، من خَصَّف يخصِّف. وقرأ الزهِريّ «يُخصِفَانِ» من أخْصَف. وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنىٰ: يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به، ومنه خَصَف النعل. والخصَّاف الذي يرقِّعها. والمِخْصف المِثْقب. قال ابن عباس: هو ورق التين. ويروىٰ أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يَسُلّ منها ورقة يغطي بها عورته؛ فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التِّين فأعطته ورقة. فـ «طَفِقَا» يعني آدم وحواء «يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» فكافأ الله التين بأن سوّىٰ ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة، وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين.

الثالثة ـ وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأنّ الله أوجب عليهما الستر؛ ولذلك ٱبتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة؛ كما قيل لهما «وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَجَرَة». وقد حكى صاحب البيان عن الشافعيّ أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها؛ كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم.

قوله تعالىٰ: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي قال لهما: ألم أنهكما. قَالاَ رَبَّنَا نداء مضاف. والأصل يا ربنا. وقيل: إن في حذف «يا» معنىٰ التعظيم. فاعترفا بالخطيئة وتابا (صلىٰ الله عليهما وسلم) وقد مضىٰ في «البقرة». ومعنىٰ قوله: {قَالَ ٱهْبِطُواْ} تقدّم أيضاً إلى آخر الآية.

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ۝٢٥

الضمائر كلها للأرض. ولم يذكر الواو في «قال»، ولو ذكرها لجاز أيضاً. وهو كقولك: قال زيد لعمرو كذا قال له كذا.

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ۝٢٦

فيه أربع مسائل:

الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} قال كثير من العلماء: هذه الآية دليل على وجوب ستر العورة؛ لأنه قال: {يُوَٰرِى سَوْءَاتِكُمْ}. وقال قوم: إنه ليس فيها دليل على ما ذكروه، بل فيها دلالة على الإنعام فقط.

قلت: القول الأوّل أصح. ومن جملة الإنعام ستر العورة؛ فبين أنه ( سبحانه وتعالىٰ) جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم، ودل على الأمر بالتستر. ولا خلاف بين العلماء في وجوب ستر العورة عن أعْيُن الناس. وٱختلفوا في العورة ما هي؟ فقال ٱبن أبي ذئب: هي من الرجل الفرج نفسه، القبل والدبر دون غيرهما. وهو قول داود وأهل الظاهر وابن أبي عَبْلة والطبري؛ لقوله تعالىٰ: {لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}، {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}، {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ}. وفي البخاريّ

عن أنس: «فأجرىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم في زُقاق خيبر ـ وفيه ـ ثم حَسَر الإزار عن فخذه حتى أني أنظر إلى بياض فخذ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم». وقال مالك: السرة ليست بعورة، وأكره للرجل أن يكشف فخذه بحضرة زوجته. وقال أبو حنيفة: الركبة عورة. وهو قول عطاء. وقال الشافعيّ: ليست السرة ولا الركبتان من العورة على الصحيح. وحكى أبو حامد الترمذي أن للشافعيّ في السرة قولين. وحجة مالك قوله عليه السلام لجَرْهَدٍ: «غطِّ فخذك فإن الفخذ عورة». خرجه البخاريّ تعليقاً وقال: حديث أنس أَسْنَدُ، وحديث جرهدٍ أحوط حتى يخرج من اختلافهم. وحديث جَرْهَدٍ هذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة. وروي أن أبا هريرة قبَّل سُرة الحسن بن عليّ وقال: أقبل منك ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منك. فلو كانت السرة عورة ما قبَّلها أبو هريرة، ولا مكّنه الحسن منها. وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين. على هذا أكثر أهل العلم. وقد قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها. ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها. وروي عن أحمد بن حنبل نحوه. وأما أمُّ الولد فقال الأثْرَم: سمعته ـ يعني أحمد بن حنبل ـ يسأل عن أم الولد كيف تصلِّي؟ فقال: تغطِّي رأسها وقدميها؛ لأنها لا تباع، وتصلي كما تصلي الحرة. وأما الأَمَة فالعورة منها ما تحت ثديها. ولها أن تبدي رأسها ومِعصميها. وقيل: حكمها حكم الرجل. وقيل: يكره لها كشف رأسها وصدرها. وكان عمر رضي الله عنه يضرب الإماء على تغطيتهن رؤوسهن ويقول: لا تَشبَّهن بالحرائر. وقال أصبغ: إن ٱنكشف فخذها أعادت الصلاة في الوقت. وقال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها. وهذا خارج عن أقوال الفقهاء؛ لإجماعهم على أن المرأة الحرة لها أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله، تباشر الأرض به. فالأمة أولىٰ، وأمُّ الولد أغلظ حالاً من الأمة. والصبيُّ الصغير لا حرمة لعورته. فإذا بلغت الجارية إلى حَدِّ تأخذها العين وتُشْتَهَى سترت عورتها. وحجة أبي بكر بن عبد الرحمن قوله تعالىٰ: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ } [الأحزاب: 59]. وحديث أم سلمة أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يُغَيِّب ظهور قدميها. وقد روُي مرفوعاً. والذين أوقفوه على أمِّ سَلَمة أكثر وأحفظ؛ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما. قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دِينار عن محمد بن زيد عن أمّه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم؛ إلا أنه قد خرّج البخاري بعض حديثه. والإجماع في هذا الباب أقوىٰ من الخبر.

الثانية ـ قوله تعالىٰ: {أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} يعني المطر الذي ينبت القطن والكتان، ويُقيم البهائم الذي منها الأصواف والأوبَار والأشعار؛ فهو مجاز مثل

{ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [الزمر: 6] على ما يأتي. وقيل: هذا الإنزال إنزال شيء من اللباس مع آدم وحوّاء، ليكون مثالاً لغيره. وقال سعيد بن جبير: «أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ» (أي) خلقنا لكم؛ كقوله: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} أي خلق. على ما يأتي. وقيل: ألهمناكم كيفية صنعته.

الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَرِيشاً} قرأ أبو عبد الرحمن والحسن وعاصم من رواية المفضّل الضبيّ، وأبو عمرو من رواية الحسين بن علي الجُعْفِيّ «ورياشا». ولم يحكه أبو عبيدة إلا عن الحسن، ولم يفسر معناه. وهو جمع ريشٍ. وهو ما كان من المال واللباس. وقال الفرّاء: رِيشٌ ورياش، كما يقال: لِبس ولِباس. وريش الطائر ما ستره الله به. وقيل: هو الخِصب ورفاهية العيش. والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وأنشد سيبويه:

فرِيشِي منكم وهَوايَ مَعْكموإنْ كانت زيارتُكم لِمَاما

وحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة: وهبتُ له دابّة بريشها أي بكسوتها وما عليها من اللباس.

الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} بين أن التقوىٰ خير لباس؛ كما قال:

إذا المرءُ لم يلبسْ ثياباً من التُّقَىٰتقلّب عرياناً وإن كان كاسياً وخيرُ لباسِ المرء طاعةُ ربهولا خيرَ فيمن كان لله عاصياً

وروىٰ قاسم بن مالك عن عوف عن مَعْبَد الجُهنِيّ قال: «لِبَاسُ التَّقْوَىٰ» الحيَاء.

وقال ابن عباس: «لِبَاسُ التَّقْوىٰ» هو العمل الصالح. وعنه أيضاً: السَّمْت الحسَن في الوجه. وقيل: ما علّمه عز وجل وهدىٰ به. وقيل: «لِبَاسُ التَّقْوىٰ» لبس الصوف والخشن من الثياب، ممّا يُتواضع به لله تعالىٰ ويتعبَّد له خيرٌ من غيره. وقال زيد بن علي: «لِبَاسُ التَّقْوىٰ» الدّرع والمِغْفَر؛ والساعدان، والساقان، يُتْقى بهما في الحرب. وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله. وقيل: هو استشعار تقوىٰ الله تعالىٰ فيما أمر به ونهىٰ عنه.

قلت: وهو الصحيح، وإليه يرجع قول ٱبن عباس وعروة. وقول زيد بن عليّ حَسَنٌ، فإنه حَضّ على الجهاد. وقال ابن زيد: هو ستر العورة. وهذا فيه تكرار؛ إذ قال أولاً: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}. ومن قال: إنه لبس الخشن من الثياب فإنه أقرب إلى التواضع وترك الرعونات فدَعْوَى؛ فقد كان الفضلاء من العلماء يلبسون الرفيع من الثياب مع حصول التقوى، على ما يأتي مبيناً إن شاء الله تعالى. وقرأ أهل المدينة والكسائيّ «لِبَاسَ» بالنصب عطفاً على «لِبَاساً» الأول. وقيل: انتصب بفعل مضمر؛ أي وأنزلنا لباس التقوى. والباقون بالرفع على الابتداء. و «ذَلِكَ» نعته و «خَيْرٌ» خبر الابتداء. والمعنى: ولباس التقوى المشار إليه، الذي علمتموه، خير لكم من لبس الثياب التي تُوارِي سوءاتكم، ومن الرّياش الذي أنزلنا إليكم؛ فٱلبسوه. وقيل: ٱرتفع بإضمار هو؛ أي وهو لباس التقوى؛ أي هو ستر العورة. وعليه يخرج قول ابن زيد. وقيل: المعنى ولباس التقوى هو خير؛ فـ «ذلك» بمعنى هو. والإعراب الأوّل أحسنُ ما قيل فيه. وقرأ الأعمش «ولباسُ التقوى خيرٌ» ولم يقرأ «ذَلِكَ». وهو خلاف المصحف. {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي مما يدل على أن له خالقاً. و «ذلك» رفع على الصفة، أو على البدل، أو عطف بيان.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ