انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 155–159

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 142–155في هذه الصفحة 15:42
  2. 2 الآيات 156–170في هذه الصفحة 17:17

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَٰتِنَا فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ ۝١٥٥

يقول تعالـى ذكره: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً للوقت والأجل الذي وعده الله أن يـلقاه فـيه بهم للتوبة مـما كان من فعل سفهائهم فـي أمر العجل. كما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: إن الله أمر موسى علـيه السلام أن يأتـيه فـي ناس من بنـي إسرائيـل يعتذرون إلـيه من عبـادة العجل، ووعدهم موعداً. فـاختار موسى قومه سبعين رجلاً علـى عينه، ثم ذهب بهم لـيعتذروا، فلـما أتوا ذلك الـمكان، قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتـى نرى الله جهرة، فإنك قد كلـمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا. فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبنـي إسرائيـل إذا أتـيتهم وقد أهلكت خيارهم، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: اختار موسى من بنـي إسرائيـل سبعين رجلاً الـخِّير فـالـخير، وقال: انطلقوا إلـى الله فتوبوا إلـيه مـما صنعتـم، واسألوه التوبة علـى من تركتـم وراءكم من قومكم، صوموا، وتطهَّروا، وطهِّروا ثـيابكم فخرج بهم إلـى طور سينا لـميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتـيه إلا بإذن منه وعلـم، فقال السبعون فـيـما ذكر لـي حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه لـموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال: أفعل. فلـما دنا موسى من الـجبل، وقع علـيه عمود الغمام حتـى تغشى الـجبل كله، ودنا موسى فدخـل فـيه، وقال للقوم: ادنوا وكان موسى إذا كلـمه الله، وقع علـى جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد من بنـي آدم أن ينظر إلـيه. فضُرب دونه بـالـحجاب، ودنا القوم حتـى إذا دخـلوا فـي الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلـم موسى، يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل فلـما فرغ الله تعالى من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، أقبل إلـيهم، فقالوا لـموسى:

{ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتـى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَأخَذتْهُمُ الرَّجْفَةُ }وهي الصاعقة، فـالتقت أرواحهم فماتوا جميعاً، وقام موسى علـيه السلام يناشد ربه ويدعوه ويرغب إلـيه، ويقول: ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل؟

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} قال: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً، فـاختار سبعين رجلاً، فبرز بهم لـيدعوا ربهم، فكان فـيـما دعوا الله أن قالوا: اللهمّ أعطنا ما لـم تعط أحداً بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة. قال موسى: {رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإيَّايَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان، عن جعفر، عن ميـمون: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} قال: لـموعدهم الذي وعدهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} قال: اختارهم لتـمام الوعد.

وقال آخرون: إنـما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم علـى موسى قتل هارون. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا يحيى بن يـمان، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنـي أبو إسحاق، عن عمارة بن عبد السلولـي، عن علـيّ رضي الله عنه، قال: انطلق موسى وهارون وشَبِّر وشَبِـير، فـانطلقوا إلـى سفح جبل، فنام هارون علـى سرير، فتوفـاه الله. فلـما رجع موسى إلـى بنـي إسرائيـل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفـاه الله. قالوا: أنت قتلته، حسدتنا علـى خـلقه ولـينه أو كلـمة نـحوها قال: فـاختاروا من شئتـم قال: فـاختاروا سبعين رجلاً. قال: فذلك قوله: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا}. قال: فلـما انتهوا إلـيه قالوا: يا هارون من قتلك؟ قال: ما قتلنـي أحد، ولكننـي توفـانـي الله. قالوا: يا موسى لن نعصيَ بعد الـيوم قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل موسى يرجع يـميناً وشمالاً، وقال: يا {رَبّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإيَّايَ أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إنْ هِيَّ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتهْدِي مَنْ تَشاءُ} قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبـياء كلهم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، عن رجل من بنـي سلول، أنه سمع علـيًّا رضي الله عنه يقول فـي هذه الآية: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} قال: كان هارون حسن الـخـلق مـحببـاً فـي بنـي إسرائيـل. قال: فلـما مات دفنه موسى. قال: فلـما أتـى بنـي إسرائيـل، قالوا له: أين هاون؟ قال: مات. فقالوا: قتلته قال: فـاختار منهم سبعين رجلاً. قال: فلـما أتوا القبر، قال موسى: أُقتلت أو متّ؟ قال: متّ. قال: فأصعقوا، فقال موسى: ربّ ما أقول لبنـي إسرائيـل إذا رجعت؟ يقولون: أنت قتلتهم قال: فأحيوا وجعلوا أنبـياء.

حدثنـي عبد الله بن الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا الربـيع بن حبـيب، قال: سمعت أبـا سعيد، يعنـي الرقاشيّ، وقرأ هذه الآية: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} فقال: كانوا أبناء ما عدا عشرين ولـم يتـجاوزوا الأربعين، وذلك أن ابن عشرين قد ذهب جهله وصبـاه، وأن من لـم يتـجاوز الأربعين لـم يفقد من عقله شيئاً.

وقال آخرون: إنـما أخذت القوم الرجفة لتركهم فراق عبدة العجل، لا لأنهم كانوا من عبَدته. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} فقرأ حتـى بلغ: {السُّفَهاءُ مِنا} ذكر لنا أن ابن عبـاس كان يقول: إنـما تناولتهم الرجفة لأنهم لـم يزايـلوا القوم حين نصبوا العجل، وقد كرهوا أن يجامعوهم علـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} مـمن لـم يكن قال ذلك القول علـى أنهم لـم يجامعوهم علـيه، فأخذتهم الرجفة من أجل أنهم لـم يكونوا بـاينوا قومهم حين اتـخذوا العجل. فلـما خرجوا ودعوا، أماتهم الله ثم أحياهم. {فَلَـمَّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وأيَّايَ أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا}.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: قال مـجاهد: {وَاخْتارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} والـميقات: الـموعد. فلـما أخذتهم الرجفة بعد أن خرج موسى بـالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء، فلـم يستـجب لهم علـم موسى أنهم قد أصابوا من الـمعصية ما أصابه قومهم. قال ابن سعد: فحدثنـي مـحمد بن كعب القرظي، قال: لـم يستـجب لهم من أجل أنهم لـم ينهوهم عن الـمنكر ويأمروهم بـالـمعروف. قال: فأخذتهم الرجفة فماتوا، ثم أحياهم الله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن عون، عن سعيد بن حيان، عن ابن عبـاس: إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه، إنـما أخذتهم الرجفة أنهم لـم يرضوا ولـم ينهوا عن العجل.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا عون، قال: ثنا سعيد بن حيان، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

واختلف أهل العربـية فـي وجه نصب قوله: {قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} فقال بعض نـحويـي البصرة: معناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فلـما نزع «مِن» أعمل الفعل، كما قال الفرزدق:

وَمِنَّا الَّذِي اخْتِـيرَ الرّجالَ سمَاحَةوَجُوداً إذَا هَبَّ الرّياحُ الزَّعازِعُ

وكما قال الآخر:

أمَرْتُكَ الـخَيْرَ فـافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهفَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مالٍ وَذَا نَشبِ

وقال الراعي:

اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إذْ غَثَّتْ خَلائِقُهُمْواعْتَلِّ مَن كانَ يُرْجَى عندَهُ السُّولُ

وقال بعض نـحوّيـي الكوفة: إنـما استـجيز وقوع الفعل علـيهم إذا طرحت مِن، لأنه مأخوذ من قولك: هؤلاء خير القوم، وخير من القوم، فإذا جازت الإضافة مكان «من» ولـم يتغير الـمعنى، استـجازوا أن يقولوا: اخترتكم رجلاً، واخترت منكم رجلاً وقد قال الشاعر:

لَهُ اخْتَرْها قَلُوصاً سَمِينَةً

وقال الراجز:

تَـحْتَ التـي اخْتارَ لَهُ اللَّهُ الشَّجَرْ

بـمعنى: اختارها له الله من الشجر.

وهذا القول الثانـي أولـى عندي فـي ذلك بـالصواب لدلالة الاختـيار علـى طلب «من» التـي بـمعنى التبعيض، ومن شأن العرب أن تـحذف الشيء من حشو الكلام إذا عرف موضعه، وكان فـيـما أظهرت دلالة علـى ما حذفت، فهذا من ذلك إن شاء الله.

وقد بـيِّنا معنى الرجفة فـيـما مضى بشواهدها، وأنها ما رجف بـالقوم وأرعبهم وحرّكهم وأهلكهم بعد، فأماتهم أو أصعقهم، فسلب أفهامهم. وقد ذكرنا الرواية فـي غير هذا الـموضع، وقول من قال: إنها كانت صاعقة أماتتهم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلَـمَّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ماتوا ثم أحياهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {سَبْعِينَ رَجُلاً لِـمِيقاتِنا} اختارهم موسى لتـمام الـموعد. {فَلَـمَّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ماتوا ثم أحياهم الله.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم، قال: ثنا سفـيان، قال: قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {فَلَـمَّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} قال: رجف بهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتهْدِي مَنْ تَشاءُ أنْتَ وَلِـيُّنا فـاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: أتهلك هؤلاء الذين أهلكتهم بـما فعل السفهاء منا: أي بعبـادة من عبد العجل. قالوا: وكان الله إنـما أهلكهم لأنهم كانوا مـمن يعبد العجل، وقال موسى ما قال ولا علـم عنده بـما كان منهم من ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا} فأوحى الله إلـى موسى: إن هؤلاء السبعين مـمن اتـخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتهْدى مَنْ تَشاءُ}.

وقال آخرون: معنى ذلك: أن إهلاكك هؤلاء الذين أهلكتهم هلاك لـمن وراءهم من بنـي إسرائيـل إذا انصرفتُ إلـيهم، ولـيسوا معي، والسفهاء علـى هذا القول كانوا الـمهلكين الذين سألوا موسى أن يريهم ربهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما أخذت الرجفة السبعين فماتوا جميعاً، قام موسى يناشد ربه ويدعوه، ويرغب إلـيه يقول: ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قد سفهوا أفتهلك من ورائي من بنـي إسرائيـل بـما فعل السفهاء منا؟ أي إن هذا لهم هلاك، قد اخترت منهم سبعين رجلاً الـخير فـالـخير، أرجع إلـيهم ولـيس معي رجل واحد؟ فما الذي يصدّقوننـي به أو يأمنوننـي علـيه بعد هذا؟

وقال آخرون فـي ذلك بـما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا}: أتؤاخذنا ولـيس منا رجل واحد ترك عبـادتك ولا استبدل بك غيرك؟

وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: إن موسى إنـما حزن علـى هلاك السبعين بقوله: {أُتهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا} وأنه إنـما عنى بـالسفهاء: عبدة العجل وذلك أنه مـحال أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم كان تـخير من قومه لـمسألة ربه ما أراه أن يسأل لهم إلا الأفضل فـالأفضل منهم، ومـحال أن يكون الأفضل كان عنده من أشرك فـي عبـادة العجل واتـخذه دون الله إلها.

قال: فإن قال قائل: فجائز أن يكون موسى علـيه السلام كان معتقداً أن الله سبحانه يعاقب قوما بذنوب غيرهم، فـيقول: أتهلكنا بذنوب من عبد العجل، ونـحن من ذلك برآء؟ قـيـل: جائز أن يكون معنى الإهلاك: قبض الأرواح علـى غير وجه العقوبة، كما قال جلّ ثناؤه:

{ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ }يعنـي: مات، فـيقول: أتـميتنا بـما فعل السفهاء منا.

وأما قوله: {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ} فإنه يقول جلّ ثناؤه: ما هذه الفعلة التـي فعلها قومي من عبـادتهم ما عبدوا دونك، إلا فتنة منك أصابتهم. ويعنـي بـالفتنة: الابتلاء والاختبـار. يقول: ابتلـيتهم بها لـيتبـين الذي يضلّ عن الـحقّ بعبـادته إياه والذي يهتدي بترك عبـادته. وأضاف إضلالهم وهدايتهم إلـى الله، إذ كان ما كان منهم من ذلك عن سبب منه جلّ ثناؤه.

وبنـحو ما قلنا فـي الفتنة قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ} قال: بلـيتك.

قال: ثنا حبويه الرازي، عن يعقوب، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير: {إلاَّ فِتْنَتُكَ}: إلا بلـيتك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا ابن جعفر، عن الربـيع بن أنس: {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ} قال: بلـيتك.

قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـي بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس: {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ} إن هو إلا عذابك تصيب به من تشاء، وتصرفه عمن تشاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنْ هِيَ إلاَّ فِتْنَتُكَ} أنت فتنتهم.

وقوله: {أنْتَ وَلِـيُّنا} يقول: أنت ناصرنا. {فـاغْفِرْ لَنا} يقول: فـاستر علـينا ذنوبنا بتركك عقابنا علـيها. {وَارْحَمْنا}: تعطَّف علـينا برحمتك. {وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ} يقول: خير من صفح عن جُرم وستر علـى ذنب.

وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝١٥٦

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن دعاء نبـيه موسى علـيه السلام أنه قال فـيه: {وَاكْتُبْ لَنا}: أي اجعلنا مـمن كتبت له {فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةً} وهي الصالـحات من الأعمال، {وَفـي الآخِرَةِ} مـمن كتبت له الـمغفرة لذنوبه. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَاكْتُبْ لَنا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةً} قال: مغفرة.

وقوله: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} يقول: إنا تبنا إلـيك.

وبنـحو ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير وابن فضيـل وعمران بن عيـينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير وقال عمران، عن ابن عبـاس: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} قال: إنا تبنا إلـيك.

قال: ثنا زيد بن حبـاب، عن حماد بن سلـمة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي رَوْق عن الضحاك، عن ابن عبـاس قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا عبد الله بن بكر، عن حاتـم بن أبـي مغيرة، عن سِماك: أن ابن عبـاس قال فـي هذه الآية: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} قال: تبنا إلـيك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، قال: أحسبه عن ابن عبـاس: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} قال: تبنا إلـيك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} يقول: تبنا إلـيك.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنـي يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا عبد الرحمن بن الأصبهانـيّ عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا عبد الرحمن ووكيع بن الـجراح، قالا: ثنا سفـيان عن عبد الرحمن بن الأصبهانـيّ، عن سعيد بن جبـير بـمثله.

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن ابن الأصبهانـي، عن سعيد بن جبـير، مثله.

قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم، قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا مـحمد بن زيد، عن العوام، عن إبراهيـم التـيـميّ، قال: تبنا إلـيك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن العوّام، عن إبراهيـم التـيـمي مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} أي إنا تبنا إلـيك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {هُدْنا إلَـيْكَ} قال: تبنا.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} يقول: تبنا إلـيك.

قال: حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} يقول: تبنا إلـيك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، قال: {هُدْنَا إلَـيْكَ} قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا أبـي، عن أبـي جحير، عن الضحاك، قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويـير، عن الضحاك، قال: تبنا إلـيك.

وحُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول، فذكر مثله.

قال: ثنا أبـي وعبـيد الله، عن شريك، عن جابر، عن مـجاهد، قال: تبنا إلـيك.

قال: ثنا حبوية أبو يزيد، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، مثله.

قال: ثنا أبـي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن علـيّ علـيه السلام، قال: إنـما سميت الـيهود لأنهم قالوا {هُدْنا إلَـيْكَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} يعنـي: تبنا إلـيك.

حدثنا ابن البرقـي، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت رجلاً يسأل سعيداً: {إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} قال: إنا تبنا إلـيك.

وقد بـيَّنا معنى ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قالَ عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: {قالَ} الله لـموسى: هذا الذي أصبت به قومك من الرجفة {عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ} من خـلقـي، كما أصيب به هؤلاء الذين أصبتهم به من قومك. {وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} يقول: ورحمتـي عمت خـلقـي كلهم.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم مخرجه عامّ ومعناه خاصّ، والـمراد به: ورحمتـي وسعت الـمؤمنـين بـي من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. واستشهد بـالذي بعده من الكلام، وهو قوله: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ...} الآية. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو سلـمة الـمنقري، قال: ثنا حماد بن سلـمة، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس أنه قرأ: {وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} قال: جعلها الله لهذه الأمة.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: قال سفـيان، قال أبو بكر الهذلـيّ: فلـما نزلت: {وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قال إبلـيس: أنا من الشيء. فنزعها الله من إبلـيس، قال: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ} فقال الـيهود: نـحن نتقـي ونؤتـي الزكاة، ونؤمن بآيات ربنا. فنزعها الله من الـيهود، فقال:

{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِـيَّ الأُمِّيَّ... }الآيات كلها. قال: فنزعها الله من إبلـيس ومن الـيهود وجعلها لهذه الأمة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: لـما نزلت: {وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قال إبلـيس: أنا من كلّ شيء، قال الله: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ...} الآية. فقالت الـيهود: ونـحن نتقـي ونؤتـي الزكاة. فأنزل الله:

{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِـيَّ الأُمِّيَّ }قال: نزعها الله عن إبلـيس وعن الـيهود، وجعلها لأمة مـحمد، سأكتبها للذين يتقون من قومك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عَذَابـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} فقال إبلـيس: أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} معاصي الله، {والَّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ}. فتـمنتها الـيهود والنصارى. فأنزل الله شرطاً وثـيقاً بـيناً، فقال:

{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِـيَّ الأُمِّيَّ }فهو نبـيكم كان أمياً لا يكتب، صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: أخبرنا خالد الـحذّاء، عن أنـيس بن أبـي العريان، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَاكْتُبْ لَنا فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً وفِـي الآخِرَةِ إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ } قال: فلـم يعطها، فقال: {عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} إلـى قوله:

{ الرَّسُولَ النَّبِـيَّ الأُمِّيَّ }

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنا ابن علـية وعبد الأعلـى، عن خالد، عن أنـيس بن أبـي العربـان قال عبد الأعلـى: عن أنـيس أبـي العريان وقال: قال ابن عبـاس: {وَاكْتُبْ لَنا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةً وفِـي الآخِرَةِ إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} قال: فلـم يعطها موسى. {قالَ عَذَابِـي أُصيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها...} إلـى آخر الآية.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: كان الله كتب فـي الألواح ذكر مـحمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسَّر علـيهم فـي دينهم وما وسَّع علـيهم فـيـما أحلّ لهم، فقال: {عَذَابِـي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أشاءُ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسأكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} يعنـي الشرك، الآية.

وقال آخرون: بل ذلك علـى العموم فـي الدنـيا وعلـى الـخصوص فـي الآخرة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الـحسن وقتادة، فـي قوله: {وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} قالا: وسعت فـي الدنـيا البرّ والفـاجر، وهي يوم القـيامة للذين اتقوا خاصة.

وقال آخرون: هي علـى العموم، وهي التوبة. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أنْتَ وَلِـيُّنا فـاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةً وفِـي الآخِرَةِ إنَّا هُدْنا إلَـيْكَ} فقال: سأل موسى هذا، فقال الله: {عَذَابـي أُصِيبُ به مَنْ أَشَاءُ} العذاب الذي ذكر {ورَحْمتـي} التوبةُ {وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ}. قال: فرحمته: التوبة التـي سأل موسى علـيه السلام كتبها الله لنا.

وأما قوله: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} فإنه يقول: فسأكتب رحمتـي التـي وسعت كلّ شيء. ومعنى «أكتب» فـي هذا الـموضع: أكتب فـي اللوح الذي كتب فـيه التوراة {للَّذين يَتَّقُونَ} يقول: للقوم الذين يخافون الله ويخشون عقابه علـى الكفر به والـمعصية له فـي أمره ونهيه، فـيؤدون فرائضه، ويجتنبون معاصيه.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنى الذي وصف الله هؤلاء القوم بأنهم يتقونه، فقال بعضهم: هو الشرك. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} يعنـي الشرك.

وقال آخرون: بل هو الـمعاصي كلها. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ} معاصي الله.

وأما الزكاة وإيتاؤها، فقد بـيَّنا صفتها فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وقد ذُكر عن ابن عبـاس فـي هذا الـموضع أنه قال فـي ذلك ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ} قال: يطيعون الله ورسوله.

فكأن ابن عبـاس تأوّل ذلك بـمعنى أنه العمل بـما يزكي النفس ويطهِّرها من صالـحات الأعمال.

وأما قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ } فإنه يقول: وللقوم الذين هم بأعلامنا وأدلتنا يصدّقون ويقرّون.

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ۝١٥٧

وهذا القول إبـانة من الله جلّ ثناؤه عن أن الذين وعد موسى نبـيه علـيه السلام أن يكتب لهم الرحمة التـي وصفها جلّ ثناؤه بقوله:

{ وَرَحْمَتِـي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ }هم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يعلـم لله رسول وصف بهذه الصفة أعنـي الأميّ غير نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك جاءت الروايات عن أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيـينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ }قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

قال: ثنا زيد بن حُبـاب، عن حماد بن سلـمة، عن عطاء، عن ابن عبـاس، قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا يحيى بن يـمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ }قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم، فقال موسى علـيه السلام: لـيتنـي خُـلقت فـي أمة مـحمد

حدثنا ابن حميد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ }قال: الذين يتبعون مـحمداً صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن شهر بن حَوْشَب، عن نَوْف الـحميريّ، قال: لـما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لـميقات ربه قال الله تعالى لـموسى: أجعل لكم الأرض مسجداً وطَهُوراً، وأجعل السكينة معكم فـي بـيوتكم، وأجعلكم تقرؤون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرؤها الرجل منكم والـمرأة والـحرّ والعبد والصغير والكبـير. فقال موسى لقومه: إن الله قد يجعل لكم الأرض طَهُوراً ومسجدا. قالوا: لا نريد أن نصلـي إلاَّ فـي الكنائس. قال: ويجعل السكينة معكم فـي بـيوتكم. قالوا: لا نريد إلاَّ أن تكون كما كانت فـي التابوت. قال: ويجعلكم تقرءون التوراة عن ظهور قلوبكم، ويقرؤها الرجل منكم والـمرأة والـحرَ والعبد الصغير والكبـير. قالوا: لا نريد أن نقرأها إلاَّ نظراً. فقال الله:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزَّكاةَ... }إلـى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن نوف البِكالـيِّ، قال: لـما انطلق موسى بوفد بنـي إسرائيـل كلـمه الله، فقال: إنـي قد بسطت لهم الأرض طَهوراً ومساجد يصلون فـيها حيث أدركتهم الصلاة إلاَّ عند مرحاض أو قبر أو حمام، وجعلت السكينة فـي قلوبهم، وجعلتهم يقرءون التوراة عن ظهر ألسنتهم. قال: فذكر ذلك موسى لبنـي إسرائيـل، فقالوا: لا نستطيع حمل السكينة فـي قلوبنا، فـاجعلها لنا فـي تابوت، ولا نقرأ التوراة إلاَّ نظرا، ولا نصلـي إلاَّ فـي الكنـيسة فقال الله:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزَّكاةَ... }حتـى بلغ: {أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ}. قال: فقال موسى علـيه السلام: يا رب اجعلنـي نبـيهم قال: نبـيهم منهم. قال: ربّ اجعلنـي منهم قال: لن تدركهم. قال: يا ربّ أتـيتك بوفد بنـي إسرائيـل، فجعلت وفـادتنا لغيرنا فأنزل الله: { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقَّ وبِهِ يَعْدِلُونَ }. قال نوف البِكالـي: فـاحمدوا الله الذي حفظ غيبتكم، وأخذ لكم بسهمكم، وجعل وفـادة بنـي إسرائيـل لكم.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنـي أبـي، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن نوف البِكالـي بنـحوه، إلاَّ أنه قال: فإنـي أنزل علـيكم التوراة تقرءونها عن ظهر ألسنتكم، رجالكم ونساؤكم وصبـيانكم. قالوا: لا نصلـي إلاَّ فـي كنـيسة، ثم ذكر سائر الـحديث نـحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيـل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ }قال: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ } قال: هؤلاء أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: لـما قـيـل:

{ فَسأَكْتُبُها للَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتَونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بآياتِنا يُؤْمِنُونَ }تـمنتها الـيهود والنصارى، فأنزل الله شرطاً بَـيِّناً وثـيقاً، فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِـيَّ الأُمِّيَّ} وهو نبـيكم صلى الله عليه وسلم كان أميًّا لا يكتب.

وقد بـيَّنا معنى الأميّ فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {الَّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوبـاً عنْدَهُمْ فِـي التَّوْرَاةِ والإنْـجِيـل} فإن الهاء فـي قوله: {يَجِدُونَهُ} عائدة علـى الرسول، وهو مـحمد صلى الله عليه وسلم. كالذي:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِـيَّ الأُمِّيَّ} هذا مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي ابن الـمثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا فلـيح عن هلال بن علـيّ، عن عطاء بن يسار، قال: لقـيت عبد الله بن عمرو، فقلت: أخبرنـي عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي التوراة قال: أجل والله إنه لـموصوف فـي التوراة كصفته فـي القرآن:

{ يا أيُّهَا النَّبـيُّ إنَّا أرْسلناكَ شاهِداً ومبشِّراً ونذِيراً }وحرزاً للأميـين، أنت عبدي ورسولـي، سميتك الـمتوكل، لـيس بفظّ ولا غلـيظ ولا صخَّاب فـي الأسواق، ولا يَجْزِي بـالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن نقبضه حتـى نقـيـم به الـملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فنفتـح به قلوبـاً غُلْفـاً وآذاناً صُمًّا، وأعيناً عُمْياً. قال عطاء: ثم لقـيت كعبـاً فسألته عن ذلك، فما اختلفـا حرفـاً، إلاَّ أن كعبـاً قال بلغته: قلوبـاً غُلُوفِـيَا. وآذاناً صمومياً، وأعيناً عموميَا.

حدثنـي أبو كريب، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا فلـيح بن سلـيـمان، عن هلال بن علـيّ، قال: ثنـي عطاء، قال: لقـيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكر نـحوه. إلاَّ أنه قال فـي كلام كعب: أعيناً عُمُومَا، وآذاناً صُمُومَا، وقلوبـاً غُلُوفَـا.

قال: ثنا موسى، قال: ثنا عبد العزيز بن سلـمة، عن هلال بن علـيّ، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بنـحوه، ولـيس فـيه كلام كعب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبـاً عِنْدَهُمْ} يقول: يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوبـا عندهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَأْمُرُهُمْ بـالـمَعْرُوفِ ويَنْهاهُمْ عَنِ الـمُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِبـاتِ ويُحَرّمُ عَلَـيْهِمُ الـخَبـائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ}.

يقول تعالـى ذكره: يأمر هذا النبـيّ الأميّ أتبـاعه بـالـمعروف، وهو الإيـمان بـالله ولزوم طاعته فـيـما أمر ونهى، فذلك الـمعروف الذي يأمرهم به، وينهاهم عن الـمنكر وهو الشرك بـالله، والانتهاء عما نهاهم الله عنه.

وقوله: {ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبـاتِ} وذلك ما كانت الـجاهلـية تـحرّمه من البحائر والسوائب والوصائل والـحوامي. {ويُحَرّمُ عَلَـيهِمُ الـخبَـائِثَ} وذلك لـحم الـخنزير والربـا، وما كانوا يستـحلونه من الـمطاعم والـمشارب التـي حرّمها الله. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {ويُحَرّمُ عَلَـيْهِمُ الـخَبـائِثَ} وهو لـحم الـخنزير والربـا، وما كانوا يستـحلونه من الـمـحرّمات من الـمآكل التـي حرّمها الله.

وأما قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ الَّتِـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: يعنـي بـالإصر: العده والـميثاق الذي كان أخذه علـى بنـي إسرائيـل بـالعمل بـما فـي التوراة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي رَوْق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ} قال: عهدهم.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: عهدهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن علـيّ، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن مبـارك، عن الـحسن: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ} قال: العهود التـي أعطوها من أنفسهم.

قال: ثنا ابن نـمير، عن موسى بن قـيس، عن مـجاهد: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ} قال: عهدهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ} يقول: يضع عنهم عهودهم ومواثـيقهم التـي أخذت علـيهم فـي التوراة والإنـجيـل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ} ما كان الله أخذ علـيهم من الـميثاق فـيـما حرّم علـيهم، يقول: يضع ذلك عنهم.

وقال بعضهم: عنـي بذلك أنه يضع عمن اتبع نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم التشديد الذي كان علـى بنـي إسرائيـل فـي دينهم. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ} فجاء مـحمد صلى الله عليه وسلم بإقالة منه وتـجاوز عنه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ} قال: البول ونـحوه مـما غلظ علـى بنـي إسرائيـل.

قال: ثنا الـحِمَّانـي، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: شدّة العمل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد، قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ} قال: من اتبع مـحمداً ودينه من أهل الكتاب، وضع عنهم ما كان علـيهم من التشديد فـي دينهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن أشعث، عن ابن سيرين، قال: قال أبو هريرة لابن عبـاس: ما علـينا فـي الدين من حرج أن نزنـي ونسرق؟ قال: بلـى، ولكن الإصر الذي كان علـى بنـي إسرائيـل وُضع عنكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ} قال:، قال: قال أبو هريرة لابن عبـاس: ما علـينا فـي الدين من حرج أن نزنـي ونسرق؟ قال: بلـى، ولكن الإصر الذي كان علـى بنـي إسرائيـل وُضع عنكم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ} قال: ها من الأعمال الشديدة كقطع الـجلد من البول، وتـحريـم الغنائم، ونـحو ذلك من الأعمال التـي كانت علـيهم مفروضة، فنسخها حكم القرآن.

وأما الأغلال التـي كانت علـيهم، فكان ابن زيد يقول بـما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب عنه فـي قوله: {والأغْلالَ التـي كانَتْ عَلَـيْهِمْ} قال: الأغلال. وقرأ

{ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ }قال: تلك الأغلال، قال: ودعاهم إلـى أن يؤمنوا بـالنبـيّ، فـيضع ذلك عنهم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: فـالذين صدّقوا بـالنبـيّ الأميّ، وأقرّوا بنبوّته، {وعَزَّرُوهُ} يقول: وَقَّروه وعظموه وحموه من الناس. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وعَزَّروه} يقول: حَموه ووقروه.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنـي موسى بن قـيس، عن مـجاهد: {وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} قال: عزّروه: سدّدوا أمره، وأعانوا رسوله ونصروه.

وقوله {نَصَرُوهُ} يقول: وأعانوه علـى أعداء الله وأعدائه بجهادهم ونصب الـحرب لهم. {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} يعنـي القرآن والإسلام. {أُولَئِكَ هُمُ الـمُفْلِـحُونَ} يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التـي وصف بها جلّ ثناؤه أتبـاع مـحمد صلى الله عليه وسلم هم الـمنـجحون. الـمدركون ما طلبوا ورجوا بفعلهم ذلك.

حدثنـي بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: فما نقموا، يعنـي الـيهود إلاَّ أن حسدوا نبـيّ الله، فقال الله: {الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} فأما نصره وتعزيره فقد سُبقتـم به، ولكن خياركم من آمن بـالله واتبع النور الذي أنزل معه.

يريد قتادة بقوله: «فما نقموا إلاَّ أن حسدوا نبـيّ الله» أن الـيهود كان مـحمد صلى الله عليه وسلم بـما جاء به من عند الله رحمة علـيهم لو اتبعوه، لأنه جاء بوضع الإصر والأغلال عنهم، فحملهم الـحسد علـى الكفر به وترك قبول التـخفـيف لغلبة خذلان الله علـيهم.

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد للناس كلهم: {إنِّـي رَسولُ الله إلـيْكمْ جَمِيعاً} لا إلـى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلـي من الرسل، مرسلاً إلـى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتـي لـيست إلـى بعضكم دون بعض ولكنها إلـى جميعكم. وقوله: {الَّذِي} من نعت اسم الله. وإنـما معنى الكلام: قا يا أيها الناس، إنـي رسول الله الذي له ملك السموات والأرض إلـيكم.

ويعنـي جل ثناؤه بقوله: {الَّذِي لَه مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ}: الذي له سلطان السموات والأرض وما فـيهما، وتدبـير ذلك وتصريفه. {لا إلَهَ إلاَّ هُوَ} يقول: لا ينبغي أن تكون الألوهة والعبـادة إلاَّ له جلّ ثناؤه دون سائر الأشياء غيره من الأنداد والأوثان، إلاَّ لـمن له سلطان كلّ شيء والقادر علـى إنشاء خـلق كل ما شاء وإحيائه وإفنائه إذا شاء إماتته. {فآمِنُوا بـاللّهِ وَرَسُولِهِ} يقول جلّ ثناؤه: قل لهم: فصدّقوا بآيات الله الذي هذه صفته، وأقرّوا بوحدانـيته، وأنه الذي له الألوهة والعبـادة، وصدّقوا برسوله مـحمد صلى الله عليه وسلم أنه مبعوث إلـى خـلقه داع إلـى توحيده وطاعته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {النَّبِـيّ الأمِّيّ الَّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.

وأما قوله: {النَّبِـيّ الأمِّيّ} فإنه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بـينت معنى النبـيّ فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. ومعنى قوله: {الأمِّيّ الذِي يؤْمنُ بـاللّهِ} يقول: الذي يصدّق بـالله وكلـماته. ثم اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وكَلِـماتِهِ} فقال بعضهم: معناه: وآياته. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الَّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ} يقول: آياته.

وقال آخرون: بل عنـي بذلك عيسى ابن مريـم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد، قوله: {الَّذي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ} قال: عيسى ابن مريـم.

وحدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {الَّذِي يُؤْمِنُ بـاللّهِ وكَلِـماتِهِ} فهو عيسى ابن مريـم.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن الله تعالـى ذكره أمر عبـاده أن يصدّقوا بنبوّة النبـيّ الأميّ الذي يؤمن بـالله وكلـماته. ولـم يخصص الـخبر جلّ ثناؤه عن إيـمانه من كلـمات الله ببعض دون بعض، بل أخبرهم عن جميع الكلـمات، فـالـحقّ فـي ذلك أن يعمّ القول، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمن بكلـمات الله كلها علـى ما جاء به ظاهر كتاب الله.

وأما قوله: {وَاتَّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فـاهتدوا به أيها الناس، واعملوا بـما أمركم أن تعملوا به من طاعة الله {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} يقول: لكي تهتدوا فَتَرشُدوا، وتصيبوا الـحقّ فـي اتبـاعكم إياه.

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ۝١٥٩

يقول تعالـى ذكره: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى} يعنـي بنـي إسرائيـل، {أُمَّةٌ} يقول: جماعة، {يَهْدُونَ بـالـحَقّ} يقول: يهتدون بـالـحقّ: أي يستقـيـمون علـيه ويعملون، {وَبِهِ يَعْدِلونَ}: أي وبـالـحقّ يعطون ويأخذون، وينصفون من أنفسهم فلا يجورون. وقد قال فـي صفة هذه الأمة التـي ذكرها الله فـي الآية جماعة أقوالاً نـحن ذاكرو ما حضَرَنا منها:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، عن صدقة أبـي الهذيـل، عن السديّ: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال: قوم بـينكم وبـينهم نهر من شهد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال: بلغنـي أن بنـي إسرائيـل لـما قتلوا أنبـياءهم كفروا، وكانوا اثنـي عشر سبطاً، تبرأ سبط منهم مـما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله أن يفرّق بـينهم وبـينهم، ففتـح الله لهم نَفَقاً فـي الأرض، فساروا فـيه حتـى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفـاء مسلـمون، يستقبلون قبلتنا. قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: فذلك قوله:

{ وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِـي إسْرَائِيـلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فإذَا جاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِـيفـاً }ووعد الآخرة عيسى ابن مريـم يخرجون معه. قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: ساروا فـي السَّرَب سنة ونصفـاً.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ