انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 168–172

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 156–170في هذه الصفحة 17:17
  2. 2 الآيات 171–188في هذه الصفحة 15:42

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝١٦٨

يقول تعالـى ذكره: وفرّقنا بنـي إسرائيـل فـي الأرض أمـماً، يعنـي جماعات شتـى متفرّقـين. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيـل، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن حبـير، عن ابن عبـاس: {وَقَطَّعناهُمْ فِـي الأرْضِ أُمَـماً} قال: فـي كلّ أرض يدخـلها قوم من الـيهود.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَقَطَّعناهُمْ فِـي الأرْضِ أُمَـماً} قال: يهود.

وقوله: {مِنْهُمُ الصَّالِـحُونَ} يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بنـي إسرائيـل الصالـحون، يعنـي: من يؤمن بـالله ورسله. {وَمِنْهُمْ دُونَ ذلكَ} يعنـي: دون الصالـح. وإنـما وصفهم الله جلّ ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وقبل كفرهم بربهم، وذلك قبل أن يُبعث فـيهم عيسى ابن مريـم صلوات الله علـيه.

وقوله: {وَبَلَوْناهُمْ بـالـحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يقول: واختبرناهم بـالرخاء فـي العيش، والـخفض فـي الدنـيا، والدعة والسعة فـي الرزق، وهي الـحسنات التـي ذكرها جلّ ثناؤه. ويعنـي بـالسيئات: الشدّة فـي العيش، والشظف فـيه، والـمصائب والرزايا فـي الأموال. {لَعلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يقول: لـيرجعوا إلـى طاعة ربهم، وينـيبوا إلـيها، ويتوبوا من معاصيه.

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ وَٱلدَّارُ ٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝١٦٩

يقول تعالـى ذكره: فخـلف من بعد هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم خـلْف يعنـي خـلف سَوْء، يقول: حدث بعدهم وخلافهم، وتبدّل منهم بدل سوء، يقال منه: هو خَـلَفُ صدق، وخَـلْفُ سَوْءٍ، وأكثر ما جاء فـي الـمدح بفتـح اللام وفـي الذمّ بتسكينها، وقد تـحرّك فـي الذمّ وتسكن فـي الـمدح، ومن ذلك فـي تسكينها فـي الـمدح قول حسان:

لنا القَدَمُ الأُولـى إلـيكَ وخَـلْفُنالأَوَّلِنا فـي طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ

وأحسب أنه إذا وجه إلـى الفساد مأخوذ من قولهم: خـلف اللبن: إذا حمض من طول تركه فـي السقاء حتـى يفسد، فكأنَّ الرجل الفـاسد مشبَّه به، وقد يجوز أن يكون منه قولهم: خَـلَف فم الصائم: إذا تغيرت ريحه. وأما فـي تسكين اللام فـي الذمّ، فقول لبـيد:

ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ فِـي أكْنافِهِمْوَبَقِـيتُ فِـي خَـلْفِ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

وقـيـل: إن الـخـلْف الذي ذكر الله فـي هذه الآية أنهم خـلَفوا من قبلهم هم النصارى. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَـلْفٌ} قال: النصارى.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالـى إنـما وصف أنه خـلَف القوم الذي قصّ قصصهم فـي الآيات التـي مضت خـلف سوْء رديء، ولـم يذكر لنا أنهم نصارى فـي كتابه، وقصتهم بقصص الـيهود أشبه منها بقصص النصارى. وبعدُ، فإن ما قبل ذلك خبر عن بنـي إسرائيـل وما بعده كذلك، فما بـينهما بأن يكون خبراً عنهم أشبه، إذ لـم يكن فـي الآية دلـيـل علـى صرف الـخبر عنهم إلـى غيرهم، ولا جاء بذلك دلـيـل يوجب صحة القول به.

فتأويـل الكلام إذن: فتبدّل من بعدهم بَدَلُ سوْء، ورثوا كتاب الله: تعلـموه، وضيعوا العمل به فخالفوا حكمه، يُرْشَوْنَ فـي حكم الله، فـيأخذون الرشوة فـيه من عرض هذا العاجل الأدنى، يعنـي بـالأدنى: الأقرب من الآجل الأبعد، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا تـمنـيا علـى الله الأبـاطيـل، كما قال جلّ ثناؤه فـيهم:

{ فَوَيْـلٌ للَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثَّم يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِـيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِـيلاً فَوَيْـلٌ لَهُمْ مِـمَّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْـلٌ لَهُمْ مِـمَّا يَكْسِبونَ }. {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ} يقول: وإن شرع لهم ذنب حرام مثله من الرشوة بعد ذلك أخذوه واستـحلوه، ولـم يرتدعوا عنه. يخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرار علـى ذنوبهم، ولـيسوا بأهل إنابة ولا توبة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل وإن اختلفت عنه عبـاراتهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن الـمقدام، قال: ثنا فضيـل بن عياض، عن منصور، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ}. قال: يعملون الذنب ثم يستغفرون الله، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن سعيد بن جبـير: {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ} قال: من الذنوب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبـير: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا} قال: يعملون بـالذنوب. {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ}: قال: ذنب آخر يعملون به.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن سعيد بن جبـير: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} قال: الذنوب. {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ} قال: الذنوب.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} قال: ما أشرف لهم من شيء فـي الـيوم من الدنـيا حلال أو حرام يشتهونه أخذوه، ويبتغون الـمغفرة، فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه، إلا أنه قال: يتـمنون الـمغفرة.

حدثنا الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مـجاهد: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} قال: لا يشرف لهم شيء من الدنـيا إلا أخذوه حلالاً كان أو حراماً، ويتـمنون الـمغفرة، {وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا} وإن يجدوا عرضا مثله يأخذوه.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدهِمْ خَـلْفٌ}: أي والله لـخـلْف سَوْء ورثوا الكتاب بعد أنبـيائهم ورسلهم، ورّثهم الله وعهد إلـيهم، وقال الله فـي آية أخرى:

{ فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدهِمْ خَـلْفٌ أضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ }قال: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا} تـمنوا علـى الله أمانـي وغرّة يغترّون بها. {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه} لا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم عن ذلك، كلـما أشرف لهم شيء من الدنـيا أكلوه لا يبـالون حلالاً كان أو حراماً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} قال: يأخذونه إن كان حلالاً وإن كان حراماً. {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه} قال: إن جاءهم حلال أو حرام أخذوه.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدهِمْ خَـلْفٌ...} إلـى قوله: {وَدَرَسُوا ما فِـيهِ} قال: كانت بنو إسرائيـل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى فـي الـحكم. وإن خيارهم اجتـمعوا فأخذ بعضهم علـى بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجل منهم إذا استُقْضِي ارتشى، فقال له: ما شأنك ترتشي فـي الـحكم؟ فـيقول: سيغفر لـي فـيطعن علـيه البقـية الآخرون من بنـي إسرائيـل فـيـما صنع. فإذا مات أو نُزِع، وجُعل مكانه رجل مـمن كان يطعن علـيه فـيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنـيا يأخذوه. وأما عَرَض الأدنى، فعرض الدنـيا من الـمال.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدهِمْ خَـلْفٌ وَرِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا} يقول: يأخذون ما أصابوا، ويتركون ما شاءوا من حلال أو حرام، ويقولون: سيغفر لنا.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} قال: الكتاب الذي كتبوه، ويقولون: {سَيُغْفَرُ لَنا} لا نشرك بـالله شيئا. {وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُه يأخُذُوهُ} يأتهم الـمـحقّ برشوه، فـيخرجوا له كتاب الله ثم يحكموا له بـالرشوة. وكان الظالـم إذا جاءهم برشوة أخرجوا له الـمثناة، وهو الكتاب الذي كتبوه، فحكموا له بـما فـي الـمثناة بـالرشوة، فهو فـيها مـحقّ، وهو فـي التوراة ظالـم، فقال الله: {ألَـمْ يُؤخَذْ عَلَـيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ألاَّ يَقُولُوا عَلـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ وَدَرَسوا ما فِـيهِ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبـير، قوله: {فَخَـلَفَ مِنْ بَعْدهِمْ خَـلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى} قال: يعملون الذنوب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ألَـمْ يُؤخَذْ عَلَـيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ألاَّ يَقُولُوا علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقّ وَدَرَسُوا ما فِـيهِ والدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ للَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: ألـم يؤخذ علـى هؤلاء الـمرتشين فـي أحكامهم، القائلـين: سيغفر الله لنا فعلنا هذا، إذا عوتبوا علـى ذلك ميثاقُ الكتاب، وهو أخذ الله العهود علـى بنـي إسرائيـل بإقامة التوراة والعمل بـما فـيها. فقال جلّ ثناؤه لهؤلاء الذين قصّ قصتهم فـي هذه الآية موبخاً لهم علـى خلافهم أمره ونقضهم عهده وميثاقه: ألـم يأخذ الله علـيهم ميثاق كتابه {ألاَّ يَقُولُوا علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقّ} ولا يضيفوا إلـيه إلا ما أنزله علـى رسوله موسى صلى الله عليه وسلم فـي التوراة، وأن لا يكذبوا علـيه؟ كما:

حدثنا القاسم،قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {ألَـمْ يُؤخَذْ عَلَـيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ ألاَّ يَقُولُوا علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقّ} قال: فـيـما يوجبون علـى الله من غفران ذنوبهم التـي لا يزالون يعودون فـيها ولا يتوبون منها.

وأما قوله: {وَدَرَسُوا ما فِـيهِ} فإنه معطوف علـى قوله: {وَرِثُوا الكِتابَ} ومعناه: فخـلف من بعدهم خـلف ورثوا الكتاب، ودرسوا ما فـيه. ويعنـي بقوله: {وَدَرَسُوا ما فِـيهِ} قرءوا ما فـيه. يقول: ورثوا الكتاب فعلـموا ما فـيه ودرسوه، فضيعوه وتركوا العمل به، وخالفوا عهد الله إلـيهم فـي ذلك. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَدَرَسُوا ما فِـيهِ} قال: علـموه وعلـموا ما فـي الكتاب الذي ذكر الله وقرأ: {بِـمَا كُنْتُـمْ تُعَلِّـمُونَ الكِتابَ وَبِـمَا كُنْتُـمْ تَدْرُسُونَ}.

{والدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ للَّذِينَ يَتَّقُونَ} يقول جلّ ثناؤه: وما فـي الدار الآخرة، وهو ما فـي الـمعاد عند الله مـما أعدّ لأولـيائه والعاملـين بـما أنزل فـي كتابه الـمـحافظين علـى حدوده، خير للذين يتقون الله ويخافون عقابه، فـيراقبونه فـي أمره ونهيه، ويطيعونه فـي ذلك كله فـي دنـياهم. {أفَلا تَعْقِلونَ} يقول: أفلا يعقل هؤلاء الذين يأخذون عرض هذا الأدنى علـى أحكامهم، ويقولون سيغفر لنا، أن ما عند الله فـي الدار الآخرة للـمتقـين العادلـين بـين الناس فـي أحكامهم، خير من هذا العرض القلـيـل الذي يستعجلونه فـي الدنـيا علـى خلاف أمر الله والقضاء بـين الناس بـالـجوار؟

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ ۝١٧٠

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعضهم: «يُـمْسِكُونَ» بتـخفـيف الـميـم وتسكينها، من أمسك يـمسك. وقرأه آخرون: {يُـمَسِّكُونَ} بفتـح الـميـم وتشديد السين، من مسَّك يـمسِّك. ويعنـي بذلك: والذين يعملون بـما فـي كتاب الله، وأقاموا الصلاة بحدودها، ولـم يضيعوا أوقاتها {إنَّا لا نُضِيعُ أجْرَ الـمُصْلِـحِينَ} يقول تعالـى ذكره: فمن فعل ذلك من خـلقـي، فإنـي لا أضيع أجر عمله الصالـح. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {وَالَّذِينَ يُـمَسِّكُونَ بـالكِتابِ} قال: كتاب الله الذي جاء به موسى صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد، قوله: {والَّذِينَ يُـمَسِّكُونَ بـالكِتابِ} من يهود أو نصارى {إنَّا لا نُضِيعُ أجْرَ الـمُصْلِـحِينَ}.

وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝١٧١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد إذ اقتلعنا الـجبل، فرفعناه فوق بنـي إسرائيـل، كأنه ظلة غمام من الظلام، وقلنا لهم: خذوا ما آتـيناكم بقوّة من فرائضنا، وألزمناكم من أحكام كتابنا، فـاقبلوه، واعملوا بـاجتهاد منكم فـي أدائه من غير تقصير ولا توان. {واذْكُرُوا ما فِـيهِ} يقول ما فـي كتابنا من العهود والـمواثـيق التـي أخذنا علـيكم بـالعمل بـما فـيه. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يقول: كي تتقوا ربكم، فتـخافوا عقابه بترككم العمل به إذا ذكرتـم ما أخذ علـيكم فـيه من الـمواثـيق.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ نَتَقْنا الـجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأنَّهُ ظُلَّةٌ} فقال لهم موسى: خذوا ما آتـيناكم بقوّة يقول: من العمل بـالكتاب وإلا خرّ علـيكم الـجبل، فأهلككم فقالوا: بل نأخذ ما آتانا الله بقوّة ثم نكثوا بعد ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ نَتَقْنا الـجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأنَّهُ ظُلَّةٌ} فهو قوله: {وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِـمِيثاقِهِمْ} فقال: {خُذُوا مَا آتَـيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، وإلا أرسلته علـيكم.

حدثنـي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عبـاس، قال: إنـي لأعلـمُ خـلق الله لأيّ شيء سجدت الـيهود علـى حرف وجوههم، لـما رفع الـجبل فوقهم سجدوا وجعلوا ينظرون إلـى الـجبل مخافة أن يقع علـيهم، قال: فكانت سجدة رضيها الله، فـاتـخذوها سنة.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الأعلـى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذْ نَتَقْنا الـجَبَلَ فَوْقَهُمْ كأنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَـيْناكُمْ بِقُوَّةٍ}: أي بجدّ. {واذْكُرُوا ما فِـيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} جبل نزعه الله من أصله ثم جعله فوق رءوسهم، فقال: لتأخذنّ أمري، أو لأرمينَّكم به

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: {وَإذْ نَتَقْنا الـجَبَلَ} قال: كما تنتق الزّبدة. قال ابن جريج: كانوا أبوا التوراة أن يقبلوها أو يؤمنوا بها. {خُذُوا ما آتَـيْناكُمْ بِقُوَّةٍ} قال: يقول: لتؤمننّ بـالتوراة ولتقبلنها، أو لـيقعن علـيكم

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر بن عبد الله، قال: هذا كتاب الله أتقبلونه بـما فـيه، فإن فـيه بـيان ما أحلّ لكم وما حرّم علـيكم وما أمركم وما نهاكم. قالوا: انشر علـينا ما فـيها، فإن كانت فرائضها يسيرة وحدودها خفـيفة قبلناها قال: اقبلوها بـما فـيها قالوا: لا، حتـى نعلـم ما فـيها كيف حدودها وفرائضها. فراجعوا موسى مراراً، فأوحى الله إلـى الـجبل، فـانقلع فـارتفع فـي السماء حتـى إذا كان بـين رءوسهم وبـين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربـي؟ لئن لـم تقبلوا التوراة بـما فـيها لأرمينكم بهذا الـجبل قال: فحدثنـي الـحسن البصري، قال: لـما نظروا إلـى الـجبل خرّ كلّ رجل ساجداً علـى حاجبه الأيسر، ونظر بعينه الـيـمنى إلـى الـجبل، فرَقاً من أن يسقط علـيه فلذلك لـيس فـي الأرض يهوديّ يسجد إلا علـى حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التـي رفُعت عنا بها العقوبة. قال أبو بكر: فلـما نشَرَ الألواح فـيها كتاب الله كتبه بـيده، لـم يبق علـى وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتزّ، فلـيس الـيوم يهوديّ علـى وجه الأرض صغير ولا كبـير تقرأ علـيه التوراة إلا اهتزّ ونغض لها رأسه.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى قوله: {نَتَقْنا} فقال بعض البصريـين: معنى نتقنا: رفعنا واستشهد بقول العجَّاج:

يَنْتُقُ أقْتادَ الشَّلِـيـلِ نَتْقا

وقال: يعنـي بقوله: «ينتق» يرفعها عن ظهره. وبقول الآخر:

وَنَتَقُوا أحْلامَنا الأثاقِلا

وقد حُكي عن قائل هذه الـمقالة قول آخر، وهو أن أصل النتق والنتوق كلّ شيء قلعته من موضعه فرميت به، يقال منه: نتقت نتقا. قال: ولهذا قـيـل للـمرأة الكبـيرة ناتق لأنها ترمي بأولادها رميا، واستشهد ببـيت النابغة:

لَـمْ يُحْرَمُوا حُسْنَ الغِذَاءِ وأُمُّهُمْدَحَقَتْ عَلَـيْكَ بِناتقٍ مِذْكارِ

وقال آخر: معناه فـي هذا الـموضع: رفعناه. وقال: قالوا: نتقنـي السير: حرّكنـي. وقال: قالوا: ما نتق برجله لا يركض، والنتق: نتق الدابة صاحبها حين تعدو به وتتعبه حتـى يربو، فذلك النتق والنتوق، ونتقتنـي الدابة، ونتقت الـمرأة تنتق نتوقاً: كثر ولدها. وقال بعض الكوفـيـين: نتقنا الـجبل: علقنا الـجبل فوقهم فرفعناه ننتقه نتقاً، وامرأة منتاق: كثـيرة الولد، قال: وسمعت أخذ الـجراب ونَتَقَ ما فـيه: إذا نثر ما فـيه.

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ۝١٧٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا مـحمد ربك إذ استـخرج ولد آدم من أصلاب آبـائهم، فقرّرهم بتوحيده، وأشهد بعضهم علـى بعض شهادتهم بذلك، وإقرارهم به. كما:

حدثنـي أحمد بن مـحمد الطوسي، قال: ثنا الـحسين بن مـحمد، قال: ثنا جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبـير، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

أخَذَ اللَّهُ الـمِيثاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمانَيعنـي عرفة «فَأخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرّيَّةٍ ذَرأها، فَنَثرَهُمْ بَـينَ يَدَيْهِ كالذَّرّ، ثُمَّ كَلَّـمَهُمْ فَتَلا فَقالَ: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلـى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا...} الآية إلـى {ما فَعَلَ الـمبْطِلونَ}».

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا كلثوم بن جبر، قال: سألت سعيد بن جبـير عن قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: سألت عنها ابن عبـاس، فقال: مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة بنعمان هذا، وأشار بـيده، فأخذ مواثـيقهم، وأشهدهم علـى أنفسهم {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى}.

حدثنا ابن وكيع ويعقوب قالا: ثنا ابن علـية، قال: ثنا كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا} قال: مسح ربك ظهر آدم، فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة بنعمان هذا الذي وراء عرفة، وأخذ ميثاقهم {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا} اللفظ لـحديث يعقوب.

وحدثنـي يعقوب قال: ثنا ابن علـية، قال ربـيعة بن كلثوم، عن أبـيه فـي هذا الـحديث: {قالُوا بَلـى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِـيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِـينَ}.

حدثنا عمرو، قال: ثنا عمران بن عيـينة، قال: أخبرنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: أوّل ما أهبط الله آدم، أهبطه بدجنـي، أرض بـالهند، فمسح الله ظهره، فأخرج منه كلّ نسمة هو بـارئها إلـى أن تقوم الساعة، ثم أخذ علـيهم الـميثاق: {وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِـيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِـينَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيـينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: أُهبِط آدم حين أهبط، فمسح الله ظهره، فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة، ثم قال {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى}، ثم تلا: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} فجفّ القلـم من يومئذ بـما هو كائن إلـى يوم القـيامة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: لـما خـلق الله آدم، أخذ ذرّيته من ظهره مثل الذرّ، فقبض قبضتـين، فقال لأصحاب الـيـمين ادخـلوا الـجنة بسلام، وقال للآخرين: ادخـلوا النار ولا أبـالـي.

حدثنا ابن وكيع،قال: ثنا أبـي، عن الأعمش، عن حبـيب، عن ابن عبـاس، قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج كلّ طيب فـي يـمينه، وأخرج كلّ خبـيث فـي الأخرى.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن علـية، عن شريك، عن عطاء، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس قال: مسح الله ظهر آدم، فـاستـخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو بن أبـي قـيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عبـاس: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: لـما خـلق الله آدم مسح ظهره بدجنـي، وأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة، فقال: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى} قال: فـيرون يومئذ جفّ القلـم بـما هو كائن إلـى يوم القـيامة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن علـيّ بن بذيـمة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما خـلق الله آدم علـيه السلام أخذ ميثاقه، فمسح ظهره، فأخذ ذرّيته كهيئة الذرّ، فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، وأشهدهم علـى أنفسهم {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى}.

قال: ثنا يزيد بن هارون، عن الـمسعودي، عن علـيّ بن بذيـمة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: لـما خـلق الله آدم، أخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ومصائبه، واستـخرج ذرّيته كالذرّ، وأخذ ميثاقهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ربـيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبـيه سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ وأشْهَدَهُمْ عَلـى أنْفُسهِمْ} قال: مسح الله ظهر آدم علـيه السلام وهو ببطن نعمان، واد إلـى جنب عرفة، وأخرج ذرّيته من ظهره كهيئة الذرّ، ثم أشهدهم علـى أنفسهم {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا}.

قال: ثنا أبـي، عن أبـي هلال، عن أبـي حمزة الضُّبَعي، عن ابن عبـاس، قال: أخرج الله ذرّية آدم علـيه السلام من ظهره كهيئة الذرّ، وهو فـي آذيّ من الـماء.

حدثنـي علـيّ بن سهل، قال: ثنا ضمرة بن ربـيعة، قال: ثنا أبو مسعود، عن جويبر، قال: مات ابن للضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام، قال: فقال: يا جابر إذا أنت وضعت ابنـي فـي لـحده، فأبرز وجهه، وحلّ عنه عقْده، فإن ابنـي مُـجْلَس ومسؤول ففعلت به الذي أمرنـي، فلـما فرغت، قلت: يرحمك الله، عمّ يُسئل ابنك؟ قال: يُسأل عن الـميثاق الذي أقرّ به فـي صلب آدم علـيه السلام. قلت: يا أبـا القاسم، وما هذا الـميثاق الذي أقرّ به فـي صلب آدم؟ قال: ثنـي ابن عبـاس أن الله مسح صلب آدم، فـاستـخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلـى يوم القـيامة، وأخذ منهم الـميثاق أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، فلن تقوم الساعة حتـى يولد من أعطَى الـميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الـميثاق الآخر فوفـى به نفعه الـميثاق الأوّل، ومن أدرك الـميثاق الآخر فلـم يف به لـم ينفعه الـميثاق الأوّل، ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الـميثاق الآخر مات علـى الـميثاق الأوّل علـى الفطرة.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي السريّ بن يحيى، أن الـحسن بن أبـي الـحسن، حدثهم عن الأسود بن سريع من بنـي سعد، قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات، قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا الـمقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـاشتدّ علـيه، ثم قال:

ما بـالُ أقْوَامٍ يَتَناوَلُونَ الذُّرّيَّة؟فقال رجل: يا رسول الله، ألـيسوا أبناء الـمشركين؟ فقال:إنَّ خِيارَكُمْ أوْلادُ الـمُشْركِينَ، ألاَّ إنَّها لَـيْسَتْ نَسَمَةٌ تُولَدُ إلاَّ وُلِدَتْ علـى الفِطْرَة، فَمَا تَزَالُ عَلَـيْها حتـى يَبِـينَ عَنْها لِسانُها، فأبَوَاها يُهَوّدَانِها أوْ يُنَصِّرَانِها. قال الـحسن: والله لقد قال الله ذلك فـي كتابه، قال: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ}.

حدثنا عبد الرحمن بن الولـيد، قال: ثنا أحمد بن أبـي طيبة، عن سفـيان، عن سعيد، عن الأجلـح، عن الضحاك، وعن منصور، عن مـجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال:

أخِذُوا مِنْ ظَهْره كمَا يُؤْخَذُ بـالـمِشْطِ مِنَ الرأس، فَقالَ لَهُمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلـى، قالَتِ الـمَلائِكَةُ: {شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِـيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِـينَ}

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، عن عبد الله بن عمرو، فـي قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: أخذهم كما يأخذ الـمشط من الرأس.

حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن مـجاهد، عن عبد الله بن عمرو: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: أخذهم كما يأخذ الـمشط عن الرأس. قال ابن حميد: كما يؤخذ بـالـمشط.

حدثنا إبراهيـم بن سعيد الـجوهري، قال: ثنا روح بن عبـادة، وسعد بن عبد الـحميد بن جعفر بن مالك بن أنس، عن زيد بن أبـي أنـيسة، عن عبد الـحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الـخطاب، عن مسلـم بن يسار الـجهنـي: أن عمر بن الـخطاب سئل عن هذه الآية: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ} فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ اللَّهَ خَـلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِـيَـمينِهِ فـاسْتَـخْرَجَ مِنْهُ ذُرّيَّةً، فَقالَ: خَـلَقْتُ هَؤُلاءِ للْـجَنَّة، وَبِعَمَل أهْل الـجَنَّةِ يَعْمَلُونَ. ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فـاسْتَـخْرَجَ مِنْهُ ذُرّيَّةً، فَقالَ: خَـلَقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ، وَبِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ. فقال رجل: يا رسول الله ففـيـم العمل؟ قال:إنّ اللَّهَ إذَا خَـلَقَ العَبْدَ للْـجَنَّةَ اسْتَعْمَلَهُ بَعَملِ أهْلِ الـجَنَّةِ حتـى يَـمُوتَ علـى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ أهْلِ الـجَنَّة فَـيُدْخِـلَهُ الـجَنَّةَ وإذَا خَـلَقَ العَبْدَ للنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حتـى يَـمُوتَ علـى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ أهْلِ النَّارِ فَـيُدْخِـلَهُ النَّار

حدثنا إبراهيـم، قال: ثنا مـحمد بن الـمصفـي، عن بقـية عن عمرو بن جعثم القرشي، قال: ثنـي زيد بن أبـي أنـيسة، عن عبد الـحميد بن عبد الرحمن، عن مسلـم بن يسار، عن نعيـم بن ربـيعة، عن عمر، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عمارة، عن أبـي مـحمد رجل من الـمدينة، قال: سألت عمر بن الـخطاب عن قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: سألت النبـيّ صلى الله عليه وسلم عنه كما سألتنـي، فقال:

خَـلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِـيَدِهِ، وَنَفَخَ فِـيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ أجْلَسَهُ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِـيَدِهِ الـيُـمْنَى، فَأخْرَجَ ذَرْأً، فقال: ذَرْءٌ ذَرأْتُهُمْ للْـجَنَّةِ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِـيَدِهِ الأُخْرَى، وكِلْتا يَدَيْهِ يَـمِينٌ، فَقالَ: ذَرْءٌ ذَرَأتُهُمْ للنَّارِ، يَعْمَلُونَ فِـيـما شِئْتَ مِنْ عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِـمُ لَهُمْ بِأسْوإ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِـلُهُمْ النَّارِ

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: إن الله خـلق آدم، ثم أخرج ذرّيته من صلبه مثل الذرّ، فقال لهم: من ربكم؟ قالوا: الله ربنا، ثم أعادهم فـي صلبه، حتـى يولد كلّ من أخذ ميثاقه لا يزاد فـيهم ولا ينقص منهم إلـى أن تقوم الساعة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ...} إلـى قوله: {قالُوا بَلـى شَهِدْنا} قال ابن عبـاس: إن الله لـمَّا خـلق آدم مسح ظهره، وأخرج ذرّيته كلهم كهيئة الذرّ، فأنطقهم فتكلـموا، وأشهدهم علـى أنفسهم، وجعل مع بعضهم النور، وإنه قال لآدم: هؤلاء ذرّيتك آخذ علـيهم الـميثاق، أنا ربهم، لئلا يشركوا بـي شيئاً، وعلـيّ رزقهم. قال آدم: فمن هذا الذي معه النور؟ قال: هو داود. قال: يا ربّ كم كتبت له من الأجل؟ قال: ستـين سنة. قال: كم كتبت لـي؟ قال: ألف سنة، وقد كتبت لكلّ إنسان منهم كم يعمَّر وكم يـلبث. قال: يا ربّ زده قال: هذا الكتاب موضوع فأعطه إن شئت من عمرك. قال: نعم. وقد جفّ القلـم عن أجل سائر بنـي آدم، فكتب له من أجَل آدم أربعين سنة، فصار أجله مائة سنة. فلـما عمر تسع مئة سنة وستـين جاءه ملك الـموت فلـما رآه آدم، قال: ما لك؟ قال له: قد استوفـيت أجلك. قال له آدم: إنـما عمرت تسع مائة وستـين سنة، وبقـي أربعون سنة. قال: فلـما قال ذلك للـمَلك، قال الـملك: قد أخبرنـي بها ربـي. قال: فـارجع إلـى ربك فـاسأله فرجع الـملك إلـى ربه، فقال: ما لك؟ قال: يا ربّ رجعت إلـيك لـما كنت أعلـم من تكرمتك إياه. قال الله: ارجع فأخبره أنه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن الزبـير بن موسى، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: إن الله تبـارك وتعالـى ضرب منكبه الأيـمن، فخرجت كلّ نفس مخـلوقة للـجنة بـيضاء نقـية، فقال: هؤلاء أهل الـجنة. ثم ضرب منكبه الأيسر، فخرجت كلّ نفس مخـلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهودهم علـى الإيـمان والـمعرفة له ولأمره، والتصديق به وبأمره بنـي آدم كلهم، فأشهدهم علـى أنفسهم، فآمنوا وصدّقوا وعرفوا وأقرّوا. وبلغنـي أنه أخرجهم علـى كفه أمثال الـخردل. قال ابن جريج عن مـجاهد، قال: إن الله لـما أخرجهم قال: يا عبـاد الله أجيبوا الله والإجابة: الطاعة فقالوا: أطعنا، اللهمّ أطعنا، اللهمّ أطعنا، اللهمّ لبـيك قال: فأعطاها إبراهيـم علـيه السلام فـي الـمناسك: لبـيك اللهمّ لبـيك. قال: ضرب متن آدم حين خـلقه. قال: وقال ابن عبـاس: خـلق آدم، ثم أخرج ذرّيته من ظهره مثل الذرّ، فكلـمهم، ثم أعادهم فـي صلبه، فلـيس أحد إلا وقد تكلـم فقال: ربـي الله. فقال: وكلّ خـلق خـلق فهو كائن إلـى يوم القـيامة وهي الفطرة التـي فطر الناس علـيها. قال ابن جريج، قال سعيد بن جبـير: أخذ الـميثاق علـيهم بنعَمان ونَعمان من وراء عرفة أن يقولوا يوم القـيامة {إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِـينَ} عن الـميثاق الذي أخذ علـيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب، قال: جمعهم يومئذ جميعا ما هو كائن إلـى يوم القـيامة، ثم استنطقهم، وأخذ علـيهم الـميثاق {وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِـيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِـينَ أوْ تَقُولُوا إنَّـمَا أشْرَكَ آبـاؤُنا مِنْ قَبْلُ وكُنَّا ذُرّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِـمَا فَعَلَ الـمُبْطِلُونَ}؟ قال: فإنـي أشهد علـيكم السموات السبع والأرضين السبع، وأشهد علـيكم أبـاكم آدم أن تقولوا يوم القـيامة لـم نعلـم بهذا، اعلـموا أنه لا إله غيري، ولا ربّ غيري، ولا تشركوا بـي شيئاً، وسأرسل إلـيكم رسلاً يذكرونكم عهدي وميثاقـي، وسأنزل علـيكم كتبـي قالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا، لا ربّ لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك. فأقرّوا له يومئذ بـالطاعة، ورفع علـيهم أبـاهم آدم، فنظر إلـيهم، فرأى منهم الغنـيّ والفقـير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: ربّ لولا ساويت بـينهم قال: فإنـي أحبّ أن أشكر. قال: وفـيهم الأنبـياء علـيهم السلام يومئذ مثل السرج. وخصّ الأنبـياء بـميثاق آخر، قال الله:

{ وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِـيِّـينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإبْرَاهِيـمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَـمَ وأخَذْنا مِنْهُمْ ميثاقاً غَلـيظاً }وهو الذي يقول تعالـى ذكره: { فأقِمْ وَجْهَكَ للدّينِ حَنِـيفـاً فطْرَةَ اللَّهِ التـي فَطَرَ النَّاسَ عَلَـيْها لا تَبْدِيـلَ لِـخَـلْقِ اللَّهِ }وفـي ذلك قال: { هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولـىَ }يقول: أخذنا ميثاقه مع النذر الأولـى، ومن ذلك قوله: { وَما وَجَدْنا لأَكْثَرهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإنْ وَجَدْنا أكْثَرَهُمْ لَفـاسِقِـينَ }}. { { ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إلـى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهُمْ بـالبَـيِّنات فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ }قال: كان فـي علـمه يوم أقرّوا به من يصدّق ومن يكذّب.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير فـي هذه الآية: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} قال: أخرجهم من ظهر آدم، وجعل لآدم عمرَ ألف سنة، قال: فعُرِضوا علـى آدم، فرأى رجلاً من ذرّيته له نور فأعجبه، فسأل عنه، فقال: هو داود، قد جعل عمره ستـين سنة، فجعل له من عمره أربعين سنة فلـما احتضر آدم، جعل يخاصمهم فـي الأربعين سنة، فقـيـل له: إنك أعطيتها داود، قال: فجعل يخاصمهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، فـي قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: أخرج ذرّيته من ظهره كهيئة الذرّ، فعرضهم علـى آدم بأسمائهم وأسماء آبـائهم وآجالهم، قال: فعرض علـيه روح داود فـي نور ساطع، فقال: من هذا؟ قال: هذا من ذرّيتك نبـيّ خـلـيفة، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: زيدوه من عمري أربعين سنة قال: والأقلام رطبة تـجري. فأثبت لداود الأربعون، وكان عمر آدم علـيه السلام ألف سنة فلـما استكملها إلا الأربعين سنة، بعث إلـيه ملك الـموت، فقال: يا آدم أمرت أن أقبضك، قال: ألـم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: فرجع ملك الـموت إلـى ربه، فقال: إن آدم يدَّعي من عمره أربعين سنة، قال: أخبر آدم أنه جعلها لابنه داود والأقلام رطبة فأثبتت لداود.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بنـحوه.

قال: ثنا ابن فضيـل وابن نـمير، عن عبد الـملك، عن عطاء: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: أخرجهم من ظهر آدم حتـى أخذ علـيهم الـميثاق، ثم ردّهم فـي صلبه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن نضر بن عربـي: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: أخرجهم من ظهر آدم حتـى أخذ علـيهم الـميثاق، ثم ردّهم فـي صلبه.

قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، عن أبـي بسطام، عن الضحاك، قال: حيث ذرأ الله خـلقه لآدم، قال: خـلقهم وأشهدهم علـى أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلـى.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: قال ابن عبـاس: خـلق الله آدم، ثم أخرج ذرّيته من ظهره، فكلـمهم الله وأنطقهم، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلـى، ثم أعادهم فـي صلبه، فلـيس أحد من الـخـلق إلا قد تكلـم فقال ربـي الله، وإن القـيامة لن تقوم حتـى يولد من كان يومئذ أشهد علـى نفسه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمر بن طلـحة، عن أسبـاط، عن السديّ: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى} وذلك حين يقول تعالـى ذكره:

{ وَلَهُ أسْلَـمَ مَنْ فِـي السَّمَوَات والأرْض طَوْعاً وَكَرْهاً }وذلك حين يقول: { فللَّهِ الـحُجَّةُ البـالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ }يعنـي: يوم أخذ منهم الـميثاق، ثم عرضهم علـى آدم علـيه السلام.

قال: ثنا عمر، عن أسبـاط، عن السديّ، قال: أخرج الله آدم من الـجنة، ولـم يهبط من السماء، ثم مسح صفحة ظهره الـيـمنى، فأخرج منه ذرّية بـيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذرّ، فقال لهم: ادخـلوا الـجنة برحمتـي ومسح صفحة ظهره الـيسرى، فأخرج منه ذرّية سوداء كهيئة الذرّ، فقال: ادخـلوا النار ولا أبـالـي فذلك حين يقول: «وأصْحابُ الـيَـمِين وأصْحابُ الشِّمال» ثم أخذ منهم الـميثاق، فقال: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى}، فأطاعه طائفة طائعين، وطائفة كارهين علـى وجه التقـيَّة.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرُ، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ بنـحوه، وزاد فـيه بعد قوله: وطائفة علـى وجه التقـية، فقال هو والـملائكة: شهدْنَا أن يقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين أو يقولوا إنـما أشرك آبـاؤنا من قبل وكنا ذرّية من بعدهم. فلذلك لـيس فـي الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله، ولا مشرك إلا وهو يقول لابنه:

{ إنَّا وَجَدْنا آبـاءَنا علـى أُمَّةٍ }والأمَّة: الدين { وإنَّا علـى آثارهِمْ مُقْتَدُونَ }، وذلك حين يقول الله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى} وذلك حين يقول: { وَلَهُ أسْلَـمَ مَنْ فِـي السَّمَوَات والأرْض طَوْعاً وكَرْهاً }وذلك حين يقول: { فللَّه الـحُجَّةُ البـالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ }يعنـي يوم أخذ منهم الـميثاق.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبـي: {مِنْ ظُهُورهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: مسح الله علـى صلب آدم، فأخرج من صلبه من ذرّيته ما يكون إلـى يوم القـيامة، وأخذ ميثاقهم أنه ربهم، فأعطوه ذلك، ولا يُسأل أحد كافر ولا غيره: من ربك؟ إلا قال: الله. وقال الـحسن مثل ذلك أيضاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حفص بن غياث، عن جعفر، عن أبـيه، عن علـيّ بن حسين أنه كان يعزل، ويتأوّل هذه الآية: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القرظي فـي قوله: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِـي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّاتِهِمْ} قال: أقرّت الأرواح قبل أن تـخـلق أجسادها.

حدثنا أحمد بن الفرج الـحمصي، قال: ثنا بقـية بن الولـيد، قال: ثنـي الزبـيدي، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النضري، عن أبـيه، عن هشام بن حكيـم: أن رجلاً أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أتُبدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنَّ اللَّهَ أخَذَ ذُرّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظُهُورهِمْ، ثُمَّ أشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسهِمْ، ثُمَّ أفـاضَ بهِمْ فِـي كَفَّـيْه ثُمَّ قالَ: هَؤُلاء فِـي الـجَنَّة وَهَؤُلاء فِـي النَّار، فأهْلُ الـجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الـجنَّةِ، وأهْلُ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لعَمَلِ أهْلِ النَّارِ

حدثنـي مـحمد بن عوف الطائي، قال: ثنا حيوة ويزيد، قالا: ثنا بقـية، عن الزبـيديّ، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة النضري، عن أبـيه، عن هشام بن حكيـم، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم مثله.

حدثنـي أحمد بن شبويه، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيـم، قال: ثنا عمرو بن الـحرث، قال: ثنا عبد الله بن مسلـم، عن الزبـيدي، قال: ثنا راشد بن سعد أن عبد الرحمن بن قتادة، حدثه أن أبـاه حدثه أن هشام بن حكيـم حدثه أنه قال: أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل... فذكر مثله.

حدثنا مـحمد بن عوف، قال: ثنـي أبو صالـح، قال: ثنا معاوية، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن قتادة، عن هشام بن حكيـم، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، بنـحوه.

واختلف فـي قوله: {شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِـيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِـينَ} فقال السديّ: هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنه جلّ ثناؤه قال هو وملائكته إذ أقرّ بنو آدم بربوبـيته حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلـى.

فتأويـل الكلام علـى هذا التأويـل: وإذ أخذ ربك من بنـي آدم من ظهورهم ذرّياتهم، وأشهدهم علـى أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلـى. فقال الله وملائكته: شهدنا علـيكم بـاقراركم بأن الله ربكم كيلا تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين. وقد ذكرت الرواية عنه بذلك فـيـما مضى والـخبر الآخر الذي رُوي عن عبد الله بن عمرو عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بـمثل ذلك.

وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قـيـل بعض بنـي آدم لبعض، حين أشهد الله بعضهم علـى بعض. وقالوا: معنى قوله: {وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ} وأشهد بعضهم علـى بعض بإقرارهم بذلك، وقد ذكرت الرواية بذلك أيضاً عمن قاله قبل.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان صحيحاً، ولا أعلـمه صحيحاً لأن الثقات الذين يعتـمد علـى حفظهم وإتقانهم حدّثوا بهذا الـحديث عن الثوري، فوقـفوه علـى عبد الله بن عمرو ولـم يرفعوه، ولـم يذكروا فـي الـحديث هذا الـحرف الذي ذكره أحمد بن أبـي طيبة عنه. وإن لـم يكن ذلك عنه صحيحاً، فـالظاهر يدلّ علـى أنه خبر من الله عن قـيـل بنـي آدم بعضهم لبعض، لأنه جلّ ثناؤه قال: {وأشْهَدَهُمْ علـى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلـى شَهِدْنا} فكأنه قـيـل: فقال الذين شهدوا علـى الـمقرّين حين أقرّوا، فقالوا: بلـى شهدنا علـيكم بـما أقررتـم به علـى أنفسكم كيلا تقولوا يوم القـيامة إنا كنا عن هذا غافلـين.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ