انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 70–86

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 65–87في هذه الصفحة 18:07

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٧٠

يقول تعالى ذكره: قالت عاد لهود: أجئتنا تتوعدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدين كي نعبد الله وحده وندين له بالطاعة خالصاً ونهجر عبادة الآلهة والأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها ونتبرأ منها؟ فلسنا فاعلي ذلك ولا متبعيك على ما تدعونا إليه، فأتنا بما تعدنا من العقاب والعذاب على تركنا إخلاص التوحيد لله، وعبادتنا ما نعبد من دونه من الأوثان إن كنت من أهل الصدق على ما تقول وتعد.

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَٰنٍ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ۝٧١

يقول تعالى ذكره: قال هود لقومه: قد حلّ بكم عذاب وغضب من الله. وكان أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لنا عنه، يزعم أن الرجز والرجس بمعنى واحد، وأنها مقلوبة، قُلبت السين زاياً، كما قلبت شئز وهي من شئس بسين، وكما قالوا قربوس وقربوز، وكما قال الراجز:

ألا لَحَى اللّهُ بَنِي السِّعْلاتِعَمْرِو بْنِ يَرْبُوعٍ لِئامِ النَّاتِ لَيْسُوا بأعْفافٍ وَلا أكْياتِ

يريد الناس. وأكياس فقُلبت السين تاء، كما قال رؤبة:

كَمْ قَدْ رأيْنا مِنْ عَدِيدِ مُبْزِيحتى وَقَمْنا كَيْدَهُ بالرّجْزِ

رُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: الرجز: السخط.

حدثني بذلك المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ} يقول: سخط.

وأما قوله: {أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ سَمَّيْتمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ} فإنه يقول: أتخاصمونني في أسماء سميتموها أصناماً لا تضرّ ولا تنفع أنتم وآباؤكم {ما نَزَّلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ} يقول: ما جعل الله لكم في عبادتكم إياها من حجة تحتجون بها ولا معذرة تعتذرون بها. لأن العبادة إنما هي لمن ضرّ ونفع وأثاب على الطاعة وعاقب على المعصية ورزق ومنع، فأما الجماد من الحجارة والحديد والنحاس فإنه لا نفع فيه ولا ضرّ، إلاَّ أن تتخذ منه آلة، ولا حجة لعابد عبده من دون الله في عبادته إياه لأن الله يأذن بذلك، فيعذر من عبده بأنه يعبده اتباعاً منه أمر الله في عبادته إياه، ولا هو إذ كان الله لم يأذن في عبادته مما يرجى نفعه أو يخاف ضرّه في عاجل أو آجل، فيعبد رجاء نفعه أو دفع ضرّه. {فانْتَظِرُوا إنّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرينَ} يقول: فانتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني معكم من المنتظرين حكمه وفصل قضائه فينا وفيكم.

فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ ۝٧٢

يقول تعالى ذكره: فأنجينا نوحاً والذين معه من أتباعه على الإيمان به والتصديق به وبما عاد إليه من توحيد الله وهجر الآلهة والأوثان {برَحْمَةٍ مِنَّا وقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِنا} يقول: وأهلكنا الذين كذّبوا من قوم هود بحججنا جميعاً عن آخرهم، فلم نبق منهم أحداً. كما:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَقَطَعْنا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِنا} قال: استأصلناهم.

وقد بيَّنا فيما مضى معنى قوله: فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِين ظَلَمُوا بشواهده بما أغنى عن إعادته. {وَما كانُوا مُؤمِنِينَ} يقول: لم يكونوا مصدّقين بالله ولا برسوله هود.

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَٰلِحًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٧٣

يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً. وثمود: هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عابر، وكانت مساكنهما الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله. ومعنى الكلام: وإلى بني ثمود أخاهم صالحاً. وإنما منع ثمود، لأن ثمود قبيلة كما بكر قبيلة، وكذلك تميم. قال: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَه غيرُهُ} يقول: قال صالح لثمود: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فما لكم إله يجوز أن تعبدوه غيره، وقد جاءتكم حجة وبرهان على صدق ما أقول وحقيقة ما إليه أدعو من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالعبادة دون ما سواه وتصديقي على أني له رسول وبينتى على ما أقول وحقيقة ما جئتكم به من عند ربي، وحجتي عليه هذه الناقة التي أخرجها الله من هذه الهضبة دليلاً على نبوتي وصدق مقالتي، فقد علمتم أن ذلك من المعجزات التي لا يقدر على مثلها أحد إلاَّ الله. وإنما استشهد صالح فيما بلغني على صحة نبوّته عند قومه ثمود بالناقة لأنهم سألوه إياها آية ودلالة على حقيقة قوله.

ذكر من قال ذلك، وذكر سبب قتل قوم صالح الناقة:

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، قال: قالت ثمود لصالح:

{ ائْتِنا بآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }قال: فقال لهم صالح: اخرجوا إلى هضبة من الأرض فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل. ثم إنها انفرجت، فخرجت من وسطها الناقة، فقال صالح: {هَذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُل فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذابٌ ألِيمٌ} { لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ }فلما ملوها عقروها، { فَقَالَ لَهُمْ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ ذَلِكَ وَعْد غَيْرُ مَكْذوبٍ }}. قال عبد العزيز، وحدثني رجل آخر أن صالحاً قال لهم: إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حمراً، واليوم الثاني صفراً، واليوم الثالث سوداً. قال: فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنطوا واستعدّوا.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وإلى ثَمُودَ أخاهُمْ صَالِحاً} قال: إن الله بعث صالحاً إلى ثمود، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوه أن يأتيهم بآية، فجاءهم بالناقة، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، وقال: {فذَرُوها تَأْكُلْ فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسُّوها بسُوءٍ} فأقّروا بها جميعاً، فذلك قوله:

{ فَهَدَيْناهُمْ فاسْتَحَبوا العَمَى على الهُدَى }وكانوا قد أقرّوا به على وجه النفاق والتَّقية، وكانت الناقة لها شرب، فيوم تشرب فيه الماء تمر بين جبلين فيرجمونها، ففيهما أثرها حتى الساعة، ثم تأتي فتقف لهم حتى يحلبوا اللبن فيرويهم، فكانت تصبّ اللبن صبًّا، ويوم يشربون الماء لا تأتيهم. وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح: إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم وُلد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك شيء، فكان ابن العاشر أزرق أحمر، فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مرّ بالتسعة فرأوه، قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، فَتَقاسَمُوا بالله { لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ وَإنَّا لَصَادِقونَ }}. قالوا: نخرج، فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد أتيناه فقتلناه ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، ثم رجعنا فقلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون، يصدّقوننا يعلمون أنا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فذلك قوله: { وكانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحَونَ... }حتى بلغ ههنا: { فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ }}. وكبر الغلام ابن العاشر، ونبت نباتاً عجباً من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتدّ ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة: ما نصنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة، فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيراً لنا فقال: الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدّت عليه، فهرب منها فلما رأى ذلك، دخل خلف صخرة على طريقها فاستتر بها، فقال: أحيشوها عليّ فأحاشوها عليه، فلما جازت به نادوه: عليكَ فتناولها فعقرها، فسقطت فذلك قوله تعالى: { فَنادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعاطَى فَعَقَرَ }وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح ائتنا بما تعدنا وفزع ناس منهم إلى صالح وأخبروه أن الناقة قد عقرت، فقال: عليَّ بالفصيل فطلبوا الفصيل فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلَّقت به في السماء، فلم يقدرا عليه. ثم دعا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح: { تَمَتَّعُوا فِي دَاركُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ }وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أوّل يوم مصفرّة، والثاني محمرّة، واليوم الثالث مسودة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفنوا وتحنطوا ولطَّخوا أنفسم بالمرّ، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب فهلكوا فذلك قوله: { فَدَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أجمَعِينَ }}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما أهلك الله عاداً وتقضى أمرها، عمرت ثمود بعدها واستُخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها وانتشروا. ثم عتوا على الله، فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله، بعث إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً، وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم موضعاً رسولاً. وكانت منازلهم الحِجر إلى قُرْح، وهو وادي القُرى، وبين ذلك ثمانية عشر ميلاً فيما بين الحجاز والشام. فبعث الله إليهم غلاماً شاباً، فدعاهم إلى الله، حتى شمط وكبر، لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء، وأكثر لهم التحذير، وخوّفهم من الله العذاب والنقمة، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقاً لما يقول فيما يدعوهم إليه، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان لهم عيد يخرجون إليه بأصنامهم وما يعبدون من دون الله في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا. فقال لهم صالح: نعم. فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك، وخرج صالح معهم إلى الله، فدعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال له جندع بن عمرو بن حراش بن عمرو بن الدميل، وكان يومئذ سيد ثمود وعظيمهم: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقةً مخترجة جوفاء وبراء والمخترجة: ما شاكلت البخت من الإبل. وقالت ثمود لصالح مثل ما قال جندع بن عمرو فإن فعلت آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو حقّ وأخذ عليهم صالح مواثيقهم: لئن فعلت وفعل الله لتُصدقنِّي ولتؤمننّ بي؟ قالوا: نعم، فأعطوه على ذلك عهودهم، فدعا صالح ربه بأن يخرجها لهم من تلك الهضبة كما وصفت.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدث: أنهم نظروا إلى الهضبة حين دعا الله صالح بما دعا به تتمخض بالناقة تمخض النَّتُوج بولدها، فتحركت الهضبة ثم أسقطت الناقة، فانصدعت عن ناقة كما وصفوا جوفاء وَبْراء نتوج، ما بين جنبيها لا يعلمه إلا الله عظماً. فآمن به جندع بن عمرو ومن كان معه على أمره من رهطه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدّقوا، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلهس، وكانوا من أشراف ثمود، وردّوا أشرافها عن الإسلام، والدخول فيما دعاهم إليه صالح من الرحمة والنجاة. وكان لجندع ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد بن جواس، فأراد أن يسلم فنهاه أولئك الرهط عن ذلك، فأطاعهم، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فقال رجل من ثمود يقال له مهوس بن عنمة بن الدميل، وكان مسلماً:

وكانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْروٍإلى دينِ النَّبِيّ دَعَوْا شِهابا عَزِيزَ ثَمودَ كُلَّهمُ جَمِيعاًفَهَمَّ بِأنْ يُجِيبَ وَلَوْ أجابا لأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينا عَزِيزاًوَما عَدَلُوا بصَاحِبِهِمْ ذُؤَابا وَلكنَّ الغُوَاةَ مِنْ آلِ حِجْرٍتَوَّلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذِئابا

فمكثت الناقة التي أخرجها الله لهم معها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فقال لهم صالح عليه السلام: {هَذِهِ ناقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكلْ فِي أرْضِ اللّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيأْخُذَكُمْ عَذابٌ ألِيمٌ} وقال الله لصالح: إن الماء قسمة بينهم، كلّ شرب محتضر أي إن الماء نصفان: لهم يوم ولها يوم وهي محتضرة، فيومها لا تدع شربها وقال { لها شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ }}. فكانت فيما بلغني والله أعلم إذا وردت وكانت ترد غِبًّا وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة، فيزعمون أنها منها كانت تشرب، إذا وردت تضع رأسها فيها، فما ترفعه حتى تشرب كلّ قطرة ماء في الوادي، ثم ترفع رأسها فتفسح يعني تفحَّج لهم، فيحتلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون ويدّخرون حتى يملئوا كلّ آنيتهم، ثم تصدر من غير الفجّ الذي منه وردت، لا تقدر على أن تصدر من حيث ترد لضيقه عنها، فلا ترجع منه حتى إذا كان الغد كان يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء، ويدّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة. وكانت الناقة فيما يذكرون تصِيف إذا كان الحرّ بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي أغنامهم وأبقارهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه وذلك أن المواشي تنفر منها إذا رأتها، وتشتو في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار. وكانت مراتعها فيما يزعمون الجِناب وحِسمى، كل ذلك ترعى مع وادي الحجر. فكبر ذلك عليهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأجمعوا في عقر الناقة رأيهم. وكانت امرأة من ثمود يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز، تكنى بأم غنم، وهي من بني عبيد بن المهل أخي دميل بن المهل، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو، وكانت عجوزاً مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأةٌ أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا بن زهير بن المحيا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأوّل. وكان الوادي يقال له وادي المحيا، وهو المحيا الأكبر جد المحيا الأصغر أبي صدوف. وكانت صدوف من أحسن الناس، وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر، وكانتا من أشدّ امرأتين في ثمود عداوة لصالح وأعظمهم به كفراً، وكانتا تحبان أن تعقر الناقة مع كفرهما به لما أضرّت به من مواشيهما. وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف من بني هليل، فأسلم فحسن إسلامه، وكانت صدوف قد فوّضت إليه مالها، فأنفقه على من أسلم معه من أصحاب صالح حتى رقّ المال. فاطلعت على ذلك من إسلامه صدوف، فعاتبته على ذلك، فأظهر لها دينه ودعاها إلى الله وإلى الإسلام، فأبت عليه، وسبَتْ ولده، فأخذت بنيه وبناته منه فغيبتهم في بني عبيد بطنها الذي هي منه. وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها، فقال لها: ردّي عليَّ ولدي فقالت: حتى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني جندع بن عبيد. فقال لها صنتم: بل أنا أقول إلى بني مرداس بن عبيد وذلك أن بني مرداس بن عبيد كانوا قد سارعوا في الإسلام وأبطأ عنه الآخرون، فقالت: لا أنافرك إلاَّ إلى من دعوتك إليه فقال بنو مرداس: والله لتعطينه ولده طائعة أو كارهة فلما رأت ذلك أعطته إياهم. ثم إن صدوف وعنيزة تحيلا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل، فدعت صدوف رجلاً من ثمود يقال له الحباب لعقره الناقة، وعرضت عليه نفسها بذلك إن هو فعل، فأبى عليها. فدعت ابن عم لها يقال مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس، وكانت غنية كثيرة المال، فأجابها إلى ذلك. ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف بن جندع رجلاً من أهل قرح، وكان قدار رجلاً أحمر أزرق قصيراً يزعمون أنه كان لزنية من رجل يقال له صهياد، ولم يكن لأبيه سالف الذي يُدعى إليه ولكنه قد ولد على فراش سالف، وكان يدعى له ويُنسب إليه، فقالت: أعطيك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة وكانت عنيزة شريفة من نساء ثمود، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو من أشراف رجال ثمود، وكان قدار عزيزاً منيعاً في قومه. فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج، فاستنفرا غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر، فكانوا تسعة نفر، أحد النفر الذين اتبعوهما رجل يقال له هويل بن ميلغ خال قدار بن سالف أخو أمه لأبيها وأمها، وكان عزيزاً من أهل حجر، ودعير بن غنم بن داعر، وهو من بني حلاوة بن المهل، ودأَب بن مهرج أخو مصدع بن مهرج، وخمسة لم تحفظ لنا أسماؤهم. فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرّت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها. وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس وجهاً، فأسفرت عنه لقدار وأرته إياه، ثم ذمرته، فشدّ على الناقة بالسيف، فكشف عرقوبها، فخرّت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها، ثم طعن في لبّتها فنحرها. وانطلق سقبها حتى أتى جبلاً منيعاً، ثم أتى صخرة في رأس الجبل فرغا ولاذ بها واسم الجبل فيما يزعمون صور فأتاهم صالح، فلما رأى الناقة قد عقرت، قال: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذاب الله تبارك وتعالى ونقمته فاتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع بن مهرج، فرماه مصدع بسهم، فانتظم قلبه، ثم جرّ برجله فأنزله، ثم ألقوا لحمه مع لحم أمه. فلما قال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ونقمته قالوا له وهم يهزأون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد: أوّل، والاثنين: أهون، والثلاثاء: دبار، والأربعاء: جبار، والخميس: مؤنس، والجمعة: العروبة، والسبت: شيار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مؤنس يعني يوم الخميس ووجوهكم مصفرّة. ثم تصبحون يوم العروبة يعني يوم الجمعة ووجوهكم محمرّة. ثم تصبحون يوم شيار يعني يوم السبت ووجوهكم مسودّة. ثم يصبحكم العذاب يوم الأوّل يعني يوم الأحد. فلما قال لهم صالح ذلك، قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلموا فلنقتل صالحاً إن كان صادقاً عجلناه قبلنا، وإن كان كاذباً يكون قد ألحقناه بناقته فأتوه ليلاً ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة. فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح، فوجدوهم مشدَّخين قد رُضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبداً، فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقاً لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضباً، وإن كان كاذباً فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك، والنفر الذين رضختهم الملائكة بالحجارة التسعة الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن بقوله تعالى: { وكانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ... }إلى قوله: { لآَيَةً لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ }فأصبحوا من تلك الليلة التي انصرفوا فيها عن صالح وجوههم مصفرّة، فأيقنوا بالعذاب، وعرفوا أن صالحاً قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هارباً منها حتى لجأ إلى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم، فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له نفيل يكنى بأبي هدب، وهو مشرك، فغيبه فلم يقدروا عليه. فغدوا على أصحاب صالح، فعذّبوهم ليدلّوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له ميدع بن هرم: يا نبيّ الله إنهم ليعذّبوننا لندلهم عليك، أفندلهم عليك؟ قال: نعم فدلهم عليه ميدع بن هرم، فلما علموا بمكان صالح أتوا أبا هدب فكلموه، فقال لهم: عندي صالح، وليس لكم إليه سبيل. فأعرضوا عنه وتركوه، وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضاً بما يرون في وجوههم حين أصبحوا من يوم الخميس، وذلك أن وجوههم أصبحت مصفرّة، ثم أصبحوا يوم الجمعة ووجوههم محمرّة، ثم أصبحوا يوم السبت ووجوههم مسودة، حتى إذا كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين، وتخلَّف رجل من أصحابه يقال له ميدع بن هرم، فنزل قرح وهي وادي القرى، وبين القرح وبين الحجر ثمانية عشر ميلاً، فنزل على سيدهم رجل يقال له عمرو بن غنم، وقد كان أكل من لحم الناقة ولم يشترك في قتلها، فقال له ميدع بن هرم: يا عمرو بن غنم، اخرج من هذا البلد، فإن صالحاً قال من أقام فيه هلك ومن خرج منه نجا فقال عمرو: ما شركت في عقرها، وما رضيت ما صُنع بها. فلما كانت صبيحة الأحد أخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك، إلا جارية مقعدة يقال لها الدريعة، وهي كليبة ابنة السلق، كانت كافرة شديدة العداوة لصالح، فأطلق الله لها رجليها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قطّ، حتى أتت حيًّا من الأحياء، فأخبرتهم بما عاينت من العذاب وما أصاب ثمود منه، ثم استسقت من الماء فسُقيت، فلما شربت ماتت.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني من سمع الحسن يقول: لما عقرت ثمود الناقة ذهب فصيلها حتى صعد تلاًّ، فقال: يا ربّ أين أمي؟ ثم رغا رغوة، فنزلت الصيحة، فأخمدتهم.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن بنحوه، إلا أنه قال: أصعد تلاًّ.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام وقال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم مصفرّة، ثم تصبح اليوم الثاني محمرّة، ثم تصبح اليوم الثالث مسودّة فأصبحت كذلك. فلما كان اليوم الثالث وأيقنوا بالهلاك تكفنوا وتحنطوا، ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم. قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين. فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها، فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم والصبيّ، حتى رضوا أجمعين، فعقرها.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خُيْثَم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: لما مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال:

لا تَسْأَلُوا الآياتِ، فَقَدْ سَأَلَها قَوْمُ صَالِحٍ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الفَجِّ وتَصْدُرُ مِنْ الفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فعَقَرُوهَا. وكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْماً ويَشْرَبُونَ لَبَنَها يَوْماً، فعَقَرُوهَا فأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ أَهْمَدَ الله مَنْ تَحْتَ أدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إلاَّ رَجُلاً وَاحِداً كَانَ في حَرَمِ الله».قِيل: من هو؟ قال: أبُو رِغَالٍ، فلمَّا خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ أصَابَهُ ما أصَابَ قَوْمَهُ».

قال: عبد الرزاق، قال معمر: وأخبرني إسماعيل بن أمية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ بقبر أبي رغال، فقال:

أتَدْرُونَ ما هَذَا؟قالوا: الله ورسوله أعلم. قال:هَذَا قَبْرُ أبي رِغالٍ». قالوا فمن أبو رغال؟ قال:رَجُلٌ مِنْ ثَمُودَ كانَ فِي حَرَمِ اللّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللّهِ عَذَابَ الله، فَلَمَّا خَرَجَ أصَابَهُ ما أصَابَ قَوْمَهُ، فَدُفِنَ هَهُنا، وَدُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ». فَنَزَلَ القَوْمُ فابْتَدَرُوهُ بأسْيافِهِمْ، فَبَحَثُوا عَلَيْهِ فاسْتَخْرَجُوا الغُصْنَ.

قال عبد الرزاق: قال: معمر: قال الزهري: أبو رغال: أبو ثقيف.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن جابر، قال: مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحجر، ثم ذكر نحوه إلا أنه قال في حديثه: قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال:

أبُو رِغالٍ».

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، قال: كان يقال إن أحمر ثمود الذي عقر الناقة، كان ولد زِنْية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، قال: ثنا عنبسة، عن أبي إسحاق، قال: قال أبو موسى: أتيت أرض ثمود، فذرعتُ مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، وأخبرني إسماعيل بن أمية بنحو هذا، يعني بنحو حديث عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن جابر، قال: ومرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بقبر أبي رغال، قالوا: ومن أبو رغال؟ قال:

أبُو ثَقِيفٍ، كَانَ في الحَرَمِ لما أهْلَكَ اللّهِ قَوْمَهُ، مَنَعَهُ حَرَمُ الله مِنْ عَذَابِ الله فلما خَرَجَ أصَابَهُ ما أصَابَ قَوْمَهُ فدُفِنَ هَهُنا ودُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ». قال: فابتدره القوم يبحثون عنه حتى استخرجوا ذلك الغصن.

وقال الحسن: كان للناقة يوم ولهم يوم، فأضرّ بهم.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، قال: لما مرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحجر قال:

لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، إلاَّ أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ الَّذِي أصَابَهُمْ». ثم قال:هَذَا وَادِي النَّفْرِ». ثُمَّ رَفَعَ رأسَهُ وأسْرَعَ السَّيْرَ حتى أجازَ الوَادِيَ.

وأما قوله: {وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ} فإنه يقول: ولا تمسوا ناقة الله بعقر ولا نحر، {فيأخذَكُمْ عذابٌ أليمٌ} يعني موجع.

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٧٤

يقول تعالى ذكره مخبراً عن قيل صالح لقومه واعظاً لهم: {وَاذْكُرُوا} أيها القوم نعمة الله عليكم، {إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ} يقول تخلفون عاداً في الأرض بعد هلاكها. وخلفاء: جمع خليفة، وإنما جمع خليفة خلفاء وفعلاء إنما هي جمع فعيل، كما الشركاء جمع شريك، والعلماء جمع عليم، والحلماء جمع حليم لأنه ذهب بالخليفة إلى الرجل، فكأن واحدهم خليف، ثم جمع خلفاء. فأما لو جمعت الخليفة على أنها نظيرة كريمة وحليلة ورغيبة قيل خلائف، كما يقال: كرائم وحلائل ورغائب، إذ كانت من صفات الإناث، وإنما جمعت الخليفة على الوجهين اللذين جاء بهما القرآن، لأنها جمعت مرّة على لفظها، ومرّة على معناها.

وأما قوله: {وَبَوَّأكُمْ فِي الأرْضِ} فإنه يقول: وأنزلكم في الأرض، وجعل لكم فيها مساكن وأزواجاً. {تَتَّخذُونَ منْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتاً} ذكر أنهم كانوا ينقبون الصخر مساكن، كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وتَنْحِتون الجِبالِ بُيُوتاً} كانوا ينقبون في الجبال البيوت.

وقوله: {فاذْكُرُوا آلأَ اللّهِ} يقول: فاذكروا نعمة الله التي أنعمها عليكم. {وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْض مُفْسِدِينَ} وكان قتادة يقول في ذلك، ما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول: لا تسيروا في الأرض مفسدين.

وقد بينت معنى ذلك بشواهده واختلاف المختلفين فيه فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ ۝٧٥ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ۝٧٦

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} قال الجماعة الذين استكبروا من قوم صالح عن اتّباع صالح والإيمان بالله وبه، {للَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} يعني: لأهل المسكنة من أتباع صالح والمؤمنين به منهم، دون ذوي شرفهم وأهل السؤدد منهم: أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه أرسله الله إلينا وإليكم؟ قال الذين آمنوا بصالح من المستضعفين منهم: إنا بما أَرْسَلَ الله به صالحاً من الحقّ والهدى مؤمنون يقول: مصدّقون مقرّون أنه من عند الله وأن الله أمر به وعن أمر الله دعانا صالح إليه. قال الذين استكبروا عن أمر الله وأمر رسوله صالح: {إنَّا} أيها القوم {بالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ} يقول: صدّقتم به من نبوّة صالح، وأن الذي جاء به حقّ من عند الله {كَافِرُونَ} يقول: جاحدون منكرون، لا نصدّق به ولا نقرّ.

فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَٰصَٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٧٧

يقول تعالى ذكره: فعقرت ثمود الناقة التي جعلها الله لهم آية. {وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ} يقول: تكبروا وتجبروا عن اتباع الله، واستعلَوْا عن الحقّ. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَعَتَوْا} علوّاً عن الحقّ لا يبصرونه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: {عَتَوْا عَنْ أمْر رَبِّهِمْ}: علوًّا في الباطل.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد في قوله: {وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ} قال: عتوا في الباطل وتركوا الحقّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ} قال: علوًّا في الباطل.

وهو من قولهم: جبار عات: إذا كان عالياً في تجبره. {وَقالُوا يا صَالِحُ ائْتِنا بِمَا تَعِدُنا} يقول: قالوا: جئنا يا صالح بما تعدنا من عذاب الله ونقمته استعجالاً منهم للعذاب {إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ} يقول: إن كنت لله رسولاً إلينا، فإن الله ينصر رسله على أعدائه. فعجل ذلك لهم كما استعجلوه، يقول جلّ ثناؤه: {فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ}.

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٧٨

يقول تعالى ذكره: فأخذت الذين عقروا الناقة من ثمود الرجفة، وهي الصيحة، والرجفة: الفَعْلة، من قول القائل: رجَف بفلان كذا يَرْجُف رَجْفاً، وذلك إذا حرّكه وزعزعه، كما قال الأخطل:

إمَّا تَرَيْنِـي حنَانِـي الشَّيْبُ مِنْ كِبَرٍكالنَّسْرِ أرْجُفُ وَالإنْسانُ مَهْدُودُ

وإنـما عنى بـالرجفة ههنا: الصيحة التـي زعزعتهم وحرّكتهم للهلاك، لأن ثمود هلكت بـالصيحة فـيـما ذكر أهل العلـم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {الرجفة}، قال: الصيحة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} وهي الصيحة.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مـجاهد: {فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} قال: الصيحة.

وقوله: {فَأصْبَحُوا فِـي دَارِهِمْ جاثِمِينَ} يقول: فأصبح الذين أهلك الله من ثمود فـي دارهم، يعنـي فـي أرضهم التـي هلكوا فـيها وبلدتهم ولذلك وحد الدار ولـم يجمعها فـيقول «فـي دورهم». وقد يجوز أن يكون أريد بها الدور، ولكن وجه بـالواحدة إلـى الـجمع، كما قـيـل: {وَالعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفِـي خُسْرٍ}.

وقوله: {جاثِمِينَ} يعنـي: سقوطاً صرعى لا يتـحرّكون لأنهم لا أرواح فـيهم قد هلكوا، والعرب تقول للبـارك علـى الركبة: جاثم، ومنه قول جرير:

عَرَفْتُ الـمُنْتَأَى وعَرَفْتُ منها مَطايا القِدْرِ كالـحِدَإِ الـجُثُوم

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَأصْبَحُوا فِـي دَارِهِمْ جاثِمِينَ} قال: ميتـين.

فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره: فأدبر صالـح عنهم حين استعجلوه العذاب وعقروا ناقة الله خارجاً عن أرضهم من بـين أظهرهم لأن الله تعالـى ذكره أوحى إلـيه: إنـي مهلكهم بعد ثلاثة. وقـيـل: إنه لـم تهلك أمة ونبـيها بـين أظهرها، فأخبر الله جلّ ثناؤه عن خروج صالـح من بـين قومه الذين عتوا علـى ربهم حين أراد الله إحلال عقوبته بهم، فقال: فتولَّـى عنهم صالـح، وقال لقومه ثمود: لقد أبلغتكم رسالة ربـي، وأدّيت إلـيكم ما أمرنـي بأدائه إلـيكم ربـي من أمره ونهيه، ونصحت لكم فـي أدائي رسالة الله إلـيكم فـي تـحذيركم بأسه بإقامتكم علـى كفركم به وعبـادتكم الأوثان، {وَلَكِنْ لا تُـحِبُّونَ النَّاصحِينَ} لكم فـي الله الناهين لكم عن اتبـاع أهوائكم الصادّين لكم عن شهوات أنفسكم.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٨٠

يقول تعالـى ذكره: ولقد أرسلنا لوطاً. ولو قـيـل: معناه: واذكر لوطاً يا مـحمد إذ قال لقومه إذ لـم يكن فـي الكلام صلة الرسالة كما كان فـي ذكر عاد وثمود كان مذهبـاً.

وقوله: {إذْ قالَ لِقَوْمِه} يقول: حين قال لقومه من سدوم، وإلـيهم كان أرسل لوط: {أتَأْتُونَ الفـاحِشَةَ}، وكانت فـاحشتهم التـي كانوا يأتونها التـي عاقبهم الله علـيها: إتـيان الذكور. {ما سَبَقَكُمْ بها مِنْ أحَد مِنَ العالَـمِينَ} يقول: ما سبقكم بفعل هذه الفـاحشة أحد من العالـمين. وذلك كالذي:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسماعيـل بن علـية، عن ابن أبـي نـجيح، عن عمرو بن دينار، قوله: {ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أحَدٍ مِنَ العالَـمِينَ} قال: ما رؤي ذكر علـى ذكر حتـى كان قوم لوط.

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ۝٨١

يخبر بذلك تعالـى ذكره عن لوط أنه قال لقومه، توبـيخاً منه لهم علـى فعلهم: {إنَّكُمْ} أيها القوم {لَتأْتون الرِّجَالَ} فِـي أدبـارهم، {شَهْوَةً} منكم لذلك، {مِنْ دُونِ} الذي أبـاحه الله لكم وأحله من {النِّساءِ بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} يقول: إنكم لقوم تأتون ما حرم الله علـيكم وتعصونه بفعلكم هذا، وذلك هو الإسراف فـي هذا الـموضع. والشهوة: الفَعلة، وهي مصدر من قول القائل: شهيت هذا الشيء أشهاه شهوة ومن ذلك قول الشاعر:

وأشْعَثَ يَشْهَى النَّوْمَ قُلْتُ لَهُ ارْتَـحِلإذَا ما النُّـجُومُ أعْرَضَتْ واسْبَطَرَّتِ فَقامَ يَجُرُّ البُرْدَ لَوْ أنَّ نَفْسَهُيُقالُ لَهُ خُذْها بِكَفَّـيْكَ خَرَّتِ

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ۝٨٢

يقول تعالـى ذكره: وما كان جواب قوم لوط للوط إذ وبخهم علـى فعلهم القبـيح وركوبهم ما حرّم الله علـيهم من العمل الـخبـيث إلا أن قال بعضهم لبعض: أخرجوا لوطاً وأهله ولذلك قـيـل: أخرجوهم، فجمع وقد جرى قبل ذكر لوط وحده دون غيره. وقد يحتـمل أن يكون إنـما جمع بـمعنى: أخرجوا لوطاً ومن كان علـى دينه من قريتكم، فـاكتفـى بذكر لوط فـي أوّل الكلام عن ذكر أتبـاعه، ثم جمع فـي آخر الكلام، كما قـيـل:

{ يا أيُّها النَّبِـيُّ إذَا طَلَّقْتُـمُ النِّساءَ }وقد بـيَّنا نظائر ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} يقول: إن لوطاً ومن تبعه أناس يتنزّهون عما نفعله نـحن من إتـيان الرجال فـي الأدبـار.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا هانىء بن سعيد النـخعي، عن الـحجاج، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: من أدبـار الرجال وأدبـار النساء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن مـجاهد: {إنَّهُم أُناسٌ يَتطَهَّرُونَ} من أدبـار الرجال وأدبـار النساء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن الـحجاج، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد فـي قوله: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: يتطهرون من أدبـار الرجال والنساء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الـحسن بن عمارة، عن الـحكم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: من أدبـار الرجال ومن أدبـار النساء.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال: يتـحرّجون.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ} يقول: عابوهم بغير غيب، وذموهم بغير ذم.

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره: فلـما أبى قوم لوط مع توبـيخ لوط إياهم علـى ما يأتون من الفـاحشة، وإبلاغه إياهم رسالة ربه بتـحريـم ذلك علـيهم، إلا التـمادي فـي غيهم، أنـجينا لوطا وأهله الـمؤمنـين به إلا امرأته فإنها كانت للوط خائنة وبـالله كافرة.

وقوله: {مِنَ الغابِرينَ} يقول: من البـاقـين. وقـيـل «من الغابرين» ولـم يقل «الغابرات»، لأنه يريد أنها مـمن بقـي مع الرجال، فلـما ضمّ ذكرها إلـى ذكر الرجال قـيـل من الغابرين، والفعل منه: غَبَرَ يَغْبُرُ غُبُوراً وغَبْراً، وذلك إذا بقـي كما قال الأعشى:

عَضَّ بِـمَا أبْقَـى الـمَوَاسِي لَهُمِنْ أمِّهِ فِـي الزَّمَنِ الغابِرِ

وكما قال الآخر:

وأبِـي الَّذي فَتَـحَ البِلادَ بسَيْفِهِفَأذَلَّها لِبَنِـي أبـانَ الغابِرِ

يعنـي: البـاقـي.

فإن قال قائل: فكانت امرأة لوط مـمن نـجا من الهلاك الذي هلك به قوم لوط؟ قـيـل: لا، بل كانت فـيـمن هلك. فإن قال: فكيف قـيـل: {إلاَّ امْرأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ} وقد قلت إن معنى الغابر البـاقـي، فقد وجب أن تكون قد بقـيت؟ قـيـل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إلـيه وإنـما عنى بذلك: إلا مرأته كانت من البـاقـين قبل الهلاك والـمعمرين الذين قد أتـى علـيهم دهر كبـير ومرّ بهم زمن كثـير، حتـى هرمت فـيـمن هرم من الناس، فكانت مـمن غبر الدهر الطويـل قبل هلاك القوم، فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم العذاب. وقـيـل: معنى ذلك: من البـاقـين فـي عذاب الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:

{ إلاَّ عَجُوزًا فِـي الغابِرينَ }}: فـي عذاب الله.

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره: وأمطرنا علـى قوم لوط الذين كذّبوا لوطاً ولـم يؤمنوا به مطراً من حجارة من سجيـل أهلكناهم به. {فـانُظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الـمُـجْرِمِينَ} يقول جلّ ثناؤه: فـانظر يا مـحمد إلـى عاقبة هؤلاء الذين كذّبوا الله ورسوله من قوم لوط، فـاجترموا معاصي الله وركبوا الفواحش واستـحلوا ما حرّم الله من أدبـار الرجال، كيف كانت وإلـى أي شيء صارت هل كانت إلا البوار والهلاك؟ فإن ذلك أو نظيره من العقوبة، عاقبة من كذّبك واستكبر عن الإيـمان بـالله وتصديقك إن لـم يتوبوا، من قومك.

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره: وأرسلنا إلـى ولد مدين. ومدين: هم ولد مدين بن إبراهيـم خـلـيـل الرحمن، فـيـما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق.

فإن كان الأمر كما قال: فمدين قبـيـلة كتـميـم. وزعم أيضاً ابن إسحاق أن شعيبـاً الذي ذكر الله أنه أرسله إلـيهم من ولد مدين هذا، وأنه شعيب بن ميكيـل بن يشجر، قال: واسمه بـالسريانـية بثرون.

فتأويـل الكلام علـى ما قاله ابن إسحاق: ولقد أرسلنا إلـى ولد مدين أخاهم شعيب بن ميكيـل، يدعوهم إلـى طاعة الله والانتهاء إلـى أمره وترك السعي فـي الأرض بـالفساد والصدّ عن سبـيـله، فقال لهم شعيب: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، ما لكم من إله يستوجب علـيكم العبـادة غير الإله الذي خـلقكم وبـيده نفعكم وضرّكم. {قَدْ جاءَتْكُمْ بَـيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول: قد جاءتكم علامة وحجة من الله بحقـيقة ما أقول وصدق ما أدعوكم إلـيه. {فَأَوْفُوا الكَيْـلَ والـمِيزَانَ} يقول: أتـموا للناس حقوقهم بـالكيـل الذي تكيـلون به وبـالوزن الذي تزنون به. {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْياءَهُمْ} يقول ولا تظلـموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها. ومن ذلك قولهم: تـحسبها حمقاء وهي بـاخسة، بـمعنى ظالـمة، ومنه قول الله:

{ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ }يعنـي به: رديء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {وَلا نَبْخَسُوا النَّاسَ أشْياءَهُّمْ} يقول: لا تظلـموا الناس أشياءهم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْياءَهمْ}: قال: لا تظلـموا الناس أشياءهم.

وقوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِـي الأرْض} يقول: ولا تعملوا فـي أرض الله بـمعاصيه وما كنتـم تعملونه قبل أن يبعث الله إلـيكم نبـيه، من عبـادة غير الله والإشراك به وبخس الناس فـي الكيـل والوزن. {بَعْدَ إصْلاحِها} يقول: بعد أن قد أصلـح الله الأرض بـابتعاث النبـيّ علـيه السلام فـيكم، ينهاكم عما لا يحلّ لكم وما يكرهه الله لكم. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} يقول: هذا الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من إخلاص العبـادة لله وحده لا شريك له وإيفـاء الناس حقوقهم من الكيـل والوزن وترك الفساد فـي الأرض، خير لكم فـي عاجل دنـياكم وآجل آخرتكم عند الله يوم القـيامة. {إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ} يقول: إن كنتـم مصدقـيّ فـيـما أقول لكم وأؤدّي إلـيكم عن الله من أمره ونهيه.

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝٨٦

يعنـي بقوله: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِراطٍ تُوعِدُونَ}: ولا تـجلسوا بكلّ طريق وهو الصراط توعدون الـمؤمنـين بـالقتل. وكانوا فـيـما ذكر يقعدوه علـى طريق من قصد شعيبـاً وأراده لـيؤمن به، فـيتوعدونه ويخوّفونه ويقولون: إنه كذّاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} قال: كانوا يوعدون من أتـى شعيبـاً وغشيه فأراد الإسلام.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَقْعَدُوا بِكُلّ صِراطٍ تُوعِدُونَ} والصراط: الطريق، يخوّفون الناس أن يأتوا شعيبـاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: كانوا يجلسون فـي الطريق، فـيخبرون من أتـى علـيهم أن شعيبـاً علـيه السلام كذّاب، فلا يفتنْكم عن دينكم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {بِكُل صِراطٍ تُوعِدُونَ}: كلّ سبـيـل حقّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} كانوا يقعدون علـى كلّ طريق يوعدون الـمؤمنـين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قـيس، عن السديّ: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} قال: العشّارون.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، عن ابـي هريرة أو غيره، شكّ أبو جعفر الرازي قال: أتـى النبـيّ صلى الله عليه وسلم لـيـلة أُسري به علـى خشبة علـى الطريق لا يـمرّ بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال:

ما هَذَا يا جُبْريـلُ؟ قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون علـى الطريق فـيقطعونه ثم تلا: {وَلا تَقْعُدُوا بكُلّ صِرَاطٍ تُوعَدُونَ وَتَصُدُّونَ}.

وهذا الـخبر الذي ذكرناه عن أبـي هريرة يدلّ علـى أن معناه كان عند أبـي هريرة أن نبـيّ الله شعيبـاً إنـما نهى قومه بقوله: {وَلا تَقْعُدُا بِكُلّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} عن قطع الطريق، وأنهم كانوا قطاع الطريق. وقـيـل: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلّ صِراطٍ تُوعِدُونَ} ولو قـيـل فـي غير القرآن: لا تقعدوا فـي كل صراط كان جائزاً فصيحاً فـي الكلام وإنـما جاز ذلك لأن الطريق لـيس بـالـمكان الـمعلوم، فجاز ذلك كما جاز أن يقال: قعد له بـمكان كذا، وعلـى مكان كذا، وفـي مكان كذا. قال: {تُوعِدونَ} ولـم يقل: «تعدون»، لأن العرب كذلك تفعل فـيـما أبهمت ولـم تفصح به من الوعيد، تقول: «أوعدته» بـالألف «وتقدّم منـي إلـيه وعيد»، فإذا بـينتْ عما أوعدت وأفصحت به، قالت: «وعدته خيراً، ووعدته شرًّا» بغير ألف، كما قال جلّ ثناؤه:

{ النَّارُ وَعَدَها اللّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا }}.

وأما قوله: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} فإنه يقول: وتردّون عن طريق الله وهو الردّ عن الإيـمان بـالله والعمل بطاعته من آمن به، يقول: تردّون عن طريق الله من صدّق بـالله ووحده. {وتَبْغُونَها عِوَجاً} يقول: وتلتـمسون لـمن سلك سبـيـل الله وآمن به وعمل بطاعته، عوجاً عن القصد والـحقّ إلـى الزَّيغ والضلال. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} قال: أهلها، {وتَبْغُونَها عِوَجاً} تلتـمسون لها الزيغ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وتَبْغُونَها عِوَجاً} قال: تبغون السبـيـل عن الـحقّ عوجاً.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ} عن الإسلام تبغون السبـيـل {عِوَجاً}: هلاكاً.

وقوله: {وَاذْكُرُوا إذْ كُنْتُـمْ قَلِـيلاً فَكَثَّرَكُمْ} يذكرهم شعيب نعمة الله عندهم بأن كثر جماعتهم بعد أن كانوا قلـيلاً عددهم، وأن رفعهم من الذلة والـخساسة. يقول لهم: فـاشكروا الله الذي أنعم علـيكم بذلك وأخـلصوا له العبـادة، واتقوا عقوبته بـالطاعة، واحذروا نقمته بترك الـمعصية. {وَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الـمُفْسِدِينَ} يقول: وانظروا ما نزل بـمن كان قبلكم من الأمـم حين عتوا علـى ربهم وعصوا رسله من الـمثلات والنقمات، وكيف وجدوا عقبى عصيانهم إياه، ألـم يهلك بعضهم غرقاً بـالطوفـان وبعضهم رجماً بـالـحجارة وبعضهم بـالصيحة؟ والإفساد فـي هذا الـموضع معناه: معصية الله.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ