انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 87–113

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 65–87في هذه الصفحة 18:07
  2. 2 الآيات 88–116في هذه الصفحة 17:01

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٨٧

يعنـي بقوله تعالـى ذكره: {وَإنْ كان طائِفَةً مِنْكُمْ} وإن كانت جماعة منكم وفرقة آمنوا، يقول: صدّقوا، {بـالَّذِي أرْسِلَتُ بِهِ} من إخلاص العبـادة لله وترك معاصيه وظلـم الناس وبخسهم فـي الـمكايـيـل والـموازين، فـاتبعونـي علـى ذلك. {وَطائِفَةٌ لَـمْ يُؤْمِنُوا} يقول: وجماعة أخرى لـم يصدّقوا بذلك، ولـم يتبعونـي علـيه. {فـاصْبِرُوا حتـى يَحْكُمَ اللّهُ بَـيْنَنا} يقول: فـاحتبسوا علـى قضاء الله الفـاصل بـيننا وبـينكم. {وَهُوَ خَيْرُ الـحاكمِينَ} يقول: والله خير من يفصل وأعدل من يقضي، لأنه لا يقع فـي حكمه ميـل إلـى أحد، ولا مـحابـاة لأحد والله أعلـم.

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره: {قالَ الـمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } يعنـي بـالـملأ: الـجماعة من الرجال، ويعنـي بـالذين استكبروا: الذين تكبروا عن الإيـمان بـالله والانتهاء إلـى أمره واتبـاع رسوله شعيب لـما حذّرهم شعيب بأس الله علـى خلافهم أمر ربهم، وكفرهم به. {لَنُـخْرِجَنَّك يا شُعَيْبُ } ومن تبعك وصدّقك وآمن بك، وبـما جئت به معك من قريتنا.{ أو لَتَعُودُنَّ فـي مِلَّتِنا } يقول: لترجعَنّ أنت وهم فـي ديننا وما نـحن علـيه. قال شعيب مـجيبـا لهم:{ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِين}؟

ومعنى الكلام: أن شعيبـاً قال لقومه: أتـخرجوننا من قريتكم، وتصدُّوننا عن سبـيـل الله، ولو كنا كارهين لذلك؟ ثم أدخـلت ألف الاستفهام علـى واو «أوَلَوْ».

قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ ۝٨٩

يقول جلّ ثناؤه: قال شعيب لقومه، إذ دعوه إلـى العود إلـى ملتهم والدخول فـيها، وتوعدوه بطرده ومن تبعه من قريتهم إن لـم يفعل ذلك هو وهم:{ قَدِ افْتَرَيْنا علـى اللَّهِ كَذِبـاً} يقول: قد اختلقنا علـى الله كذبـاً، وتـخرّصنا علـيه من القول بـاطلاً إن نـحن عدنا فـي ملتكم، فرجعنا فـيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصواب الهدى الذي نـحن علـيه، وما يكون لنا أن نرجع فـيها فندينَ بها ونترك الـحقّ الذي نـحن علـيه. {إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا}: إلا أن يكون سبق لنا فـي علـم الله أنا نعود فـيها، فـيـمضيَ فـينا حينئذ قضاء الله، فـينفذ مشيئته علـينا. {وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْـما} يقول: فإن علْـمَ ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفـى علـيه شيء كان ولا شيء هو كائن فإن يكن سبق لنا فـي علـمه أنا نعود فـي ملتكم ولا يخفـى علـيه شيء كان ولا شيء هو كائن، فلا بد من أن يكون ما قد سبق فـي علـمه، وإلا فإنا غير عائدين فـي ملتكم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {قَدِ افْتَريْنا علـى اللَّهِ كَذِبـاً إنْ عُدْنا فِـي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إذْ نَـجَّانا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِـيها إلاَّ أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْـماً علـى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ} يقول: ما ينبغي لنا أن نعود فـي شرككم بعد إذ نـجانا الله منه إلا أن يشاء الله ربنا، فـالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد علـم شيئاً، فإنه وسع كلّ شيء علـماً.

وقوله: {علـى اللَّهِ تَوَكَّلْنا} يقول: علـى الله نعتـمد فـي أمورنا وإلـيه نستند فـيـما تَعِدوننا به من شرككم أيها القوم، فإنه الكافـي من توكل علـيه. ثم فزع صلوات الله علـيه إلـى ربه بـالدعاء علـى قومه، إذ آيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بـالطاعة والإقرار له بـالرسالة، وخاف علـى نفسه وعلـى من اتبعه من مؤمنـي قومه من فَسَقَتِهم العطب والهلكة بتعجيـل النقمة، فقال: {رَبَّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ } يقول: احكم بـيننا وبـينهم بحكمك الـحقّ الذي لا جور فـيه ولا حيف ولا ظلـم، ولكنه عدل وحقّ {وأنْتَ خَيْرُ الفـاتِـحِينَ} يعنـي: خير الـحاكمين. ذكر الفراء أن أهل عمان يسمون القاضي: الفـاتـح والفتّاح. وذكر غيره من أهل العلـم بكلام العرب أنه من لغة مراد، وأنشد لبعضهم بـيتا وهو:

ألا أبْلِغْ بَنِـي عُصْمٍ رَسُولاً فإنَّـي عَنْ فُتاحَتِكُمْ غَنِـيُّ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك، قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن مسعرٍ، عن قتادة، عن ابن عبـاس، قال: ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ} حتـى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أُفـاتِـحْكَ، يعنـي: أقاضيك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {رَبَّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ} يقول: اقض بـيننا وبـين قومنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو دكين، قال: ثنا مِسعر، قال: سمعت قتادة يقول: قال ابن عبـاس: ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنا افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ} حتـى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفـاتـحك.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ}: أي اقض بـيننا وبـين قومنا بـالـحقّ.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ}: اقض بـيننا وبـين قومنا بـالـحقّ.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، أما قوله: {افْتَـحْ بَـيْنَنا} فـيقول: احكم بـيننا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال الـحسن البصري: افتـح: احكم بـيننا وبـين قومنا،

{ وإنَّا فَتَـحْنَا لَكَ فَتْـحاً مُبِـيناً }: حكمنا لك حكما مبـينا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: افتـح: اقض.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد مـحمد بن عبد الله بن الزبـير، قال: ثنا مسعر، عن قتادة، عن ابن عبـاس، قال: لـم أكن أدري ما {افْتَـحْ بَـيْنَنا وبـينَ قَوْمِنا بـالـحَقّ} حتـى سمعت ابنة ذي يِزن تقول لزوجها: انطلق أفـاتـحك.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ ۝٩٠

يقول تعالـى ذكره: وقالت الـجماعة من كَفَرَةِ رجال قوم شعيب، وهم الـملأ الذين جحدوا آيات الله وكذّبوا رسوله وتـمادوا فـي غيهم، لآخرين منهم: لئن أنتـم اتبعتـم شعيبـاً علـى ما يقول وأجبتـموه إلـى ما يدعوكم إلـيه من توحيد الله والانتهاء إلـى أمره ونهيه وأقررتـم بنبوّته، {إِنَّكُمْ إذًا لـخَاسِرُونَ } يقول: لـمغبونون فـي فعلكم، وترككم ملتكم التـي أنتـم علـيها مقـيـمون إلـى دينه الذي يدعوكم إلـيه، وهالكون بذلك من فعلكم.

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٩١

يقول: فأخذت الذين كفروا من قوم شعيب الرجفة، وقد بـينت معنى الرجفة قبل، وأنها الزلزلة الـمـحرّكة لعذاب الله. {فأصْبَحُوا فِـي دَارِهِمْ جاثِمِينَ} علـى ركبهم موتـى هلكى.

وكانت صفة العذاب الذي أهلكهم الله به كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ:

{ وَإلـى مَدْيَنَ أخاهُمْ شُعَيْبـاً }قال: إن الله بعث شعيبـاً إلـى مَدْينَ، وإلـى أصحاب الأيكة والأيكة: هي الغيضة من الشجر وكانوا مع كفرهم يبخَسُون الكيـل والـميزان، فدعاهم فكذّبوه، فقال لهم ما ذكر الله فـي القرآن، وما ردّوا علـيه، فلـما عتوا وكذّبوه، سألوه العذاب، ففتـح الله علـيهم بـابـاً من أبواب جهنـم، فأهلكهم الـحرّ منه، فلـم ينفعهم ظلّ ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فـيها ريح طيبة، فوجدوا برد الريح وطيبها، فتنادوا: الظلة، علـيكم بها فلـما اجتـمعوا تـحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبـيانهم، انطبقت علـيهم، فأهلكتهم، فهو قوله: { فَأخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمَ الظُّلَّةِ }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: كان من خبر قصة شعيب وخبر قومه، ما ذكر الله فـي القرآن، كانوا أهلَ بخْس للناس فـي مكايـيـلهم وموازينهم، مع كفرهم بـالله وتكذيبهم نبـيهم وكان يدعوهم إلـى الله وعبـادته وترك ظلـم الناس وبخسهم فـي مكايـيـلهم وموازينهم فقال نُصْحاً لهم وكان صادقاً:

{ ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ إلـى ما أنهاكُمْ عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِـيقـي إلا بـاللَّهِ عَلَـيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإلَـيْهِ أُنِـيبُ }قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فـيـما ذكر لـي يعقوب بن أبـي سلـمة إذا ذكر شعيبـاً، قال: ذَاكَ خَطِيبُ الأنْبِـياءِلـحسن مراجعته قومه فـيـما يراد بهم، فلـما كذبوه وتوعدوه بـالرجم والنفـي من بلادهم، وعتوا علـى الله، أخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيـم، فبلغنـي أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء لـما رآها قال:

يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبـاً مُرْسَلٌ فَذَرُواعَنْكُمْ سَمِيراً وعِمْرَانَ بْنَ شَدّادِ إنَّـي أرَى غَيْـمَةً يا قومِ قد طَلَعَتْتْ تَدْعُو بصَوْتٍ علـى صَمَّانَة الوَادِي وإنَّكم إنْ تَرَوْا فِـيها ضَحاةَ غَدٍ إلاَّ الرَّقِـيـمَ يُـمَشِّي بـينَ أنـجادِ

وسمير وعمران: كاهناهم، والرقـيـم: كلبهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: فبلغنـي والله أعلـم أن الله سلط علـيهم الـحرّ حتـى أنضجهم، ثم أنشأ لهم الظلة كالسحابة السوداء، فلـما رأوها ابتدروها يستغيثون ببردها مـما هم فـيه من الـحرّ، حتـى إذا دخـلوا تـحتها أُطبقت علـيهم، فهلكوا جميعا، ونـجى الله شعيبـاً والذين آمنوا معه برحمته.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: حدثنـي أبو عبد الله البجلـي، قال: أبو جاد، وهوّز، وحُطي، وسعفص، وقرشت: أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم يوم الظلة فـي زمان شعيب كلـمون، فقالت أخت كلـمون تبكيه:

كَلَـمُونُ هَدَّ رُكْنِـيهُلْكُهُ وَسْطَ الـمَـحِلَّهْ سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ الْـحَتْفُ: نارا وَسْطَ ظُلَّهُ جُعِلَتْ ناراً عَلَـيْهِمْ دَارُهُمْ كالـمُضْمَـحِلَّهْ

ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٩٢

يقول تعالـى ذكره: فأهلك الذين كذّبوا شعيبـاً فلـم يؤمنوا به، فأبـادهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاء {كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها} يقول: كأن لـم ينزلوا قطّ، ولـم يعيشوا بها حين هلكوا، يقال: غَنِـيَ فلان بـمكان كذا فهو يَغْنَى به غِنًى وغُنِـيّا: إذا نزل به وكان به، كما قال الشاعر:

وَلَقَدْ يَغْنَى بِهِ جِيرانُكِ الْـ مُـمِسْكُو مِنْكِ بعَهْدٍ وَوِصَالِ

وقال رُؤْبة:

وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعا

إنـما هو مَفْعَل من غَنِـي. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها}: كأن لـم يعيشوا، كأن لـم ينعموا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها} يقول: كأن لـم يعيشوا فـيها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها} كأن لـم يكونوا فـيها قطّ.

وقوله: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبـاً كانُوا هُمُ الـخاسِرِينَ} يقول تعالـى ذكره: لـم يكن الذين اتبعوا شعيبـاً الـخاسرين، بل الذين كذبوه كانوا هم الـخاسرين الهالكين، لأنه أخبر عنهم جلّ ثناؤه أن الذين كذّبوا شعيبـاً قالوا للذين أرادوا اتبـاعه:

{ لَئِنِ اتَّبَعْتُـمْ شُعَيْبـاً إنَّكُمْ إذًا لـخَاسِرُونَ }فكذّبهم الله بـما أحلّ بهم من عاجل نكاله، ثم قال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ما خسر تُبَّـاع شعيب، بل كان الذين كذّبوا شعيبـاً لـما جاءت عقوبة الله هم الـخاسرين دون الذين صدّقوا وآمنوا به.

فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَٰفِرِينَ ۝٩٣

يقول تعالـى ذكره: فأدبر شعيب عنهم شاخصا من بـين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله، وقال لـما أيقن بنزول نقمة الله بقومه الذين كذّبوه حزنا علـيهم: {يا قوم لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّـي} وأدّيت إلـيكم ما بعثنـي به إلـيكم من تـحذيركم غضبه علـى إقامتكم علـى الكفر به وظلـم الناس أشياءهم.{ وَنَصَحْتُ لَكُمْ } بأمري إياكم بطاعة الله ونهيكم عن معصيته. {فَكَيْفَ آسَى} يقول: فكيف أحزن علـى قوم جحدوا وحدانـية الله وكذّبوا رسوله وأتوجع لهلاكهم؟ وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {فَكَيْفَ آسَى} يعنـي: فكيف أحزن.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَكَيْفَ آسَى} يقول: فكيف أحزن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: أصاب شعيبـاً علـى قومه حزن لـما يرى بهم من نقمة الله، ثم قال يعزّي نفسه فـيـما ذكر الله عنه: {يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّـي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلـى قَوْمٍ كافِرِينَ}.

وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ۝٩٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم معرّفه سنته فـي الأمـم التـي قد خـلت من قبل أمته، ومذكِّراً من كفر به من قريش لـينزجروا عما كانوا علـيه مقـيـمين من الشرك بـالله والتكذيب لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: {وَما أرْسَلْنا فِـي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِـيّ} قبلك، {إلاَّ أخَذْنا أهْلَها بـالبَأْساءِ والضَّراءِ} وهو البؤس وشظف الـمعيشة وضيقها والضرّاء: وهي الضر وسوء الـحال فـي أسبـاب دنـياهم. {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ}: يقول: فعلنا ذلك لـيتضرّعوا إلـى ربهم، ويستكينوا إلـيه، وينـيبوا بـالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبـيائهم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل.ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أخَذْنا أهْلَها بـالبَأْساءِ والضَّرَّاءِ} يقول: بـالفقر والـجوع.

وقد ذكرنا فـيـما مضى الشواهد علـى صحة القول بـما قلنا فـي معنى البأساء والضرّاء بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقـيـل: يضرّعون، والـمعنى: يتضرّعون، ولكن أدغمت التاء فـي الضاد، لتقارب مخرجهما.

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ۝٩٥

يقول تعالـى ذكره: ثم بدّلنا أهل القرية التـي أخذنا أهلها بـالبأساء والضرّاء، مكان السيئة، وهي البأساء والضرّاء. وإنـما جعل ذلك سيئة، لأنه مـما يسوء الناس، ولا تسوؤهم الـحسنة، وهي الرخاء والنعمة والسعة فـي الـمعيشة. {حتـى عَفَوْا} يقول: حتـى كثروا، وكذلك كلّ شيء كثر، فإنه يقال فـيه: قد عفـا، كما قال الشاعر:

ولكِنَّا نُعِضُّ السَّيْفَ منْهابأسْوُقٍ عافِـياتِ الشَّحْمِ كُوم

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مَكانَ السَّيِّئَةِ الـحَسَنَةَ} قال: مكان الشدّة رخاء {حتـى عَفَوْا}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {مَكانَ السَّيِّئَةِ الـحَسَنَةَ} قال: السيئة: الشرّ، والـحسنة: الرخاء والـمال والولد.

حدثنا الـمثنى، قالَ: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مَكانَ السَّيِّئةِ الـحَسَنَةَ} قال: السيئة: الشرّ، والـحسنة: الـخير.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الـحَسَنَةَ} يقول: مكان الشدة الرخاء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ثُمَّ بدلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الـحَسَنَةَ حتـى عَفَوْا} قال: بدلنا مكان ما كرهوا ما أحبوا فـي الدنـيا، حتـى عفوا من ذلك العذاب {وَقالُوا قَدْ مَسَّ آبـاءَنا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ}.

واختلفوا فـي تأويـل قوله {حتـى عَفَوْا} فقال بعضهم نـحو الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {حتـى عَفَوْا} يقول: حتـى كثروا وكثرت أموالهم.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {حتـى عَفَوْا} قال: جمّوا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {حتـى عَفَوْا} قال: كثرت أموالهم وأولادهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {حتـى عَفَوْا} حتـى كثروا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم: {حتـى عَفَوْا} قال: حتـى جموا وكثروا.

قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: {حتـى عَفَوْا} قال: حتـى جموا.

قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {حتـى عَفَوْا} يعنـي جموا وكثروا.

قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {حتـى عَفَوْا} قال: حتـى كثرت أموالهم وأولادهم.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {حتـى عَفَوْا} كثروا كما يكثر النبـات والريش، ثم أخذهم عند ذلك بغتة وهم لا يشعرون.

وقال آخرون: معنى ذلك: حتـى سُرّوا. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {حتـى عَفَوْا} يقول: حتـى سرّوا بذلك.

وهذا الذي قاله قتادة فـي معنى {عفوا} تأويـل لا وجه له فـي كلام العرب، لأنه لا يعرف العفو بـمعنى السرور فـي شيء من كلامهم إلاَّ أن يكون أراد حتـى سُرّوا بكثرتهم وكثرة أموالهم، فـيكون ذلك وجها وإن بعُد.

وأما قوله: {وَقالُوا قَدْ مَسَّ آبـاءَنا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ} فإنه خبر من الله عن هؤلاء القوم الذين أبدلهم الـحسنة السيئة التـي كانوا فـيها استدراجاً وابتلاءً أنهم قالوا إذ فعل ذلك بهم: هذه أحوال قد أصابت مَن قبلنا من آبـائنا ونالت أسلافنا، ونـحن لا نعدو أن نكون أمثالهم يصيبنا ما أصابهم من الشدّة فـي الـمعايش والرخاء فـيها، وهي السّراء، لأنها تسرّ أهلها. وجهل الـمساكين شكر نعمة الله، وأغفلوا من جهلهم استدامة فضله بـالإنابة إلـى طاعته، والـمسارعة إلـى الإقلاع عما يكرهه بـالتوبة، حتـى أتاهم أمره وهم لا يشعرون. يقول جلّ جلاله: {فَأخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} يقول: فأخذناهم بـالهلاك والعذاب فجأة، أتاهم علـى غرّة منهم بـمـجيئه، وهم لا يدرون، ولا يعلـمون أنه يجيئهم، بل هم بأنه آتـيهم مكذّبون حتـى يعاينوه ويروه.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٩٦ أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ ۝٩٧ أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ۝٩٨ أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝٩٩

يقول تعالـى ذكره: أفأمن يا مـحمد هؤلاء الذين يكذّبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بـما أنعم به علـيهم فـي دنـياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قصّ علـيهم قصصهم من الأمـم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجاً مع مقامهم علـى كفرهم وإصرارهم علـى معصيتهم إلاَّ القوم الـخاسرون وهم الهالكون.

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ۝١٠٠

يقول: أو لـم يبـين للذين يستـخـلفون فـي الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم {أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ بِذُنُوبهِمْ} يقول: إن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بـمن قبلهم، فأخذناهم بذنوبهم، وعجَّلنا لهم بأسنا كما عجلناه لـمن كان قبلهم مـمن ورثوا عنه الأرض، فأهلكناهم بذنوبهم. {وَنَطْبَعُ علـى قُلُوبِهِمْ} يقول: ونـختـم علـى قلوبهم فهم {لا يَسْمَعونَ} موعظة ولا تذكيراً سماع منتفع بهما.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أوَ لـمْ يَهْدِ} قال: يبَّـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أوَ لَـمْ يَهْدِ } أو لـم يبـين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {أو لَـمْ يَهْدِ للَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها} يقول: أولـم يبـين لهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أوَلَـمْ يَهْدِ للَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها} يقول: أولـم يتبـين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها هم الـمشركون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أوَ لَـمْ يَهْدِ للَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها} أو لـم نبـين لهم، {أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} قال: والهدى: البـيان الذي بعث هاديا لهم مبـينا لهم، حتـى يعرفوا، ولولا البـيان لـم يعرفوا.

تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝١٠١

يقول تعالـى ذكره: هذه القرى التـي ذكرت لك يا مـحمد أمرها وأمر أهلها، يعنـي: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب {نَقُصُّ عَلَـيْكَ مِنْ أنْبَـائِها} فنـخبرك عنها وعن أخبـار أهلها، وما كان من أمرهم، وأمر رسل الله التـي أرسلت إلـيهم، لتعلـم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا فـي الـحياة الدنـيا علـى أعدائنا وأهل الكفر بنا، ويعلـم مكذّبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذّب رسل الله، فـيرتدعوا عن تكذيبك، وينـيبوا إلـى توحيد الله وطاعته. {وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهم بـالبـيِّناتِ} يقول: ولقد جاءت أهل القرى التـي قصصت علـيك نبأها رسلهم بـالبـينات يعنـي بـالـحجج: البـينات. {فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فما كان هؤلاء الـمشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى لـيؤمنوا عند إرسالنا إلـيهم بـما كذّبوا من قبل ذلك، وذلك يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ} قال: ذلك يوم أخذ منهم الـميثاق فآمنوا كُرْهاً. وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لـيؤمنوا عند مـجيء الرسل بـما سبق فـي علـم الله أنهم يكذّبون به يوم أخرجهم من صلب آدم علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب: {فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبُوا مِنْ قَبْلُ} قال: كان فـي علـمه يوم أقرّوا له بـالـميثاق.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، قال: يحقّ علـى العبـاد أن يأخذوا من العلـم ما أبدى لهم ربهم والأنبـياء ويدَعوا علـم ما أخفـى الله علـيهم، فإن علـمه نافذ فـيـما كان وفـيـما يكون، وفـي ذلك قال: {وَلَقَدْ جاءتْهُمْ رُسُلُهمْ بـالبَـيِّناتِ فَمَا كانُوا لِـيُؤْمِنُوا بِـمَا كَذّبوُا مِنْ قَبْلُ كذلكَ يَطْبَعُ اللَّهُ علـى قُلُوبِ الكافِرِينَ} قال: نفذ علـمه فـيهم أيهم الـمطيع من العاصي حيث خـلقهم فـي زمان آدم، وتصديق ذلك حيث قال لنوح

{ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَـمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ ألِـيـمٌ }، وقال فـي ذلك: { وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنَّهُمْ لَكاذِبُونَ }، وفـي ذلك قال { وَما كُنَّا مُعَذّبِـينَ حتـى نَبْعَثَ رَسُولاً }وفـي ذلك قال: { لِئَلاَّ يَكُونَ للنَّاسِ علـى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل }، ولا حجة لأحد علـى الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: فما كانوا لو أحيـيناهم بعد هلاكهم ومعاينتهم ما عاينوا من عذاب الله لـيؤمنوا بـما كذّبوا من قبل هلاكهم، كما قال جلّ ثناؤه:

{ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ }. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {بِـمَا كَذّبوا مِنْ قَبْلُ} قال: كقوله:

{ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِـمَا نُهُوا عَنْهُ }

قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بتأويـل الآية وأولاها بـالصواب، القول الذي ذكرناه عن أبـيّ بن كعب والربـيع، وذلك أن من سبق فـي علـم الله تبـارك وتعالـى أنه لا يؤمن به، فلن يؤمن أبداً، وقد كان سبق فـي علـم الله تعالـى لـمن هلك من الأمـم التـي قصّ نبأهم فـي هذه السورة أنه لا يؤمن أبداً، فأخبر جلّ ثناؤه عنهم، أنهم لـم يكونوا لـيؤمنوا بـما هم به مكذّبون فـي سابق علـمه قبل مـجيء الرسل وعند مـجيئهم إلـيهم. ولو قـيـل تأويـله: فما كان هؤلاء الذين ورثوا الأرض يا مـحمد من مشركي قومك من بعد أهلها الذين كانوا بها من عاد وثمود، لـيؤمنوا بـما كذّب به الذين ورثوها عنهم من توحيد الله ووعده ووعيده، كان وجهاً ومذهبـاً، غير أني لا أعلـم قائلاً قاله مـمن يعتـمد علـى علـمه بتأويـل القرآن. وأما الذي قاله مـجاهد من أن معناه: لو ردّوا ما كانوا لـيؤمنوا، فتأويـل لا دلالة علـيه من ظاهر التنزيـل، ولا من خبر عن الرسول صحيح. وإذا كان ذلك كذلك، فأولـى منه بـالصواب ما كان علـيه من ظاهر التنزيـل دلـيـل.

وأما قوله: {كذلكَ يَطْبَعُ اللَّهُ علـى قُلُوبِ الكافِرِينَ} فإنه يقول تعالـى ذكره: كما طبع الله علـى قلوب هؤلاء الذين كفروا بربهم وعصوا رسله من هذه الأمـم التـي قصصنا علـيك نبأهم يا مـحمد فـي هذه السورة حتـى جاءهم بأس الله فهلكوا به، كذلك يطبع الله علـى قلوب الكافرين الذين كُتب علـيهم أنهم لا يؤمنون أبداً من قومك.

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَٰسِقِينَ ۝١٠٢

يقول تعالـى ذكره: ولـم نـجد لأكثر أهل هذه القرى التـي أهلكناها واقتصصنا علـيك يا مـحمد نبأها من عهد، يقول: من وفـاء بـما وصيناهم به من توحيد الله، واتبـاع رسله، والعمل بطاعته، واجتناب معاصيه وهجر عبـادة الأوثان والأصنام. والعهد: هو الوصية، وقد بـينا ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. {وَإنْ وَجَدْنآ أكْثَرَهُمْ لَفَـاسِقِـينَ} يقول: وما وجدنا أكثرهم إلا فسقة عن طاعة ربهم، تاركين عهده ووصيته. وقد بـيَّنا معنى الفسق قبل.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {وَإنْ وَجَدْنا أكْثَرَهُمْ لَفَـاسِقِـينَ} قال: القرون الـماضية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {وَما وَجَدْنا لإِكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ}... الآية، قال: القرون الـماضية وعهده الذي أخذه من بنـي آدم فـي ظهر آدم ولـم يفوا به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، عن أُبـيّ بن كعب: {وَما وَجَدْنا لإِكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} قال: فـي الـميثاق الذي أخذه فـي ظهر آدم علـيه السلام.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَما وَجَدْنا لإِكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإنْ وَجَدْنا أكْثَرَهُمْ لَفَـاسِقِـينَ} وذلك أن الله إنـما أهلك القُرى لأنهم لـم يكونوا حفظوا ما أوصاهم به.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ۝١٠٣

يقول تعالـى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح وهود وصالـح ولوط وشعيب موسى بن عمران. والهاء والـميـم اللتان فـي قوله: {مِنْ بَعْدِهِمْ} هي كناية ذكر الأنبـياء علـيهم السلام التـي ذكرت من أوّل هذه السورة إلـى هذا الـموضع. {بآيَاتِنَا} يقول: بحججنا وأدلتنا إلـى فرعون وملئه، يعنـي: إلـى جماعة فرعون من الرجال. {فَظَلَـمُوا بِها} يقول: فكفروا بها. والهاء والألف اللتان فـي قوله «بها» عائدتان علـى الآيات. ومعنى ذلك: فظلـموا بآياتنا التـي بعثنا بها موسى إلـيهم. وإنـما جاز أن يقال: فظلـموا بها، بـمعنى: كفروا بها، لأن الظلـم: وضع الشيء فـي غير موضعه، وقد دللت فـيـما مضى علـى أن ذلك معناه بـما أغنى عن إعادته. والكفر بآيات الله: وضع لها فـي غير موضعها، وصرف لها إلـى غير وجهها الذي عنـيت به. {فـانْظُرْ كَيْف كانَ عاقِبَةُ الـمُفْسِدِينَ} يقول جلّ ثناؤه لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـانظر يا مـحمد بعين قلبك كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا فـي الأرض، يعنـي فرعون وملأه، إذ ظلـموا بآيات الله التـي جاءهم بها موسى علـيه السلام، وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعاً فـي البحر.

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٠٤

يقول جلّ ثناؤه: وقال موسى لفرعون: يا فرعون إنـي رسول من ربّ العالـمين.

حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ۝١٠٥ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝١٠٦

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {حَقِـيقٌ عَلـى أن لا أقُولَ علـى اللَّهِ إلاَّ الـحَقَّ} فقرأه جماعة من قرّاء الـمكيـين والـمدنـيـين والبصرة والكوفة: {حَقِـيقٌ علـى أن لا أقُولَ} بإرسال الـياء من «علـى» وترك تشديدها، بـمعنى: أنا حقـيق بأن لا أقول علـى الله إلا الـحقّ، فوجهوا معنى علـى إلـى معنى البـاء، كما يقال: رميت بـالقوس وعلـى القوس، وجئت علـى حال حسنة، وبحال حسنة. وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب يقول: إذا قرىء ذلك كذلك، فمعناه: حريص علـى أن لا أقول إلا بحقّ. وقرأ ذلك جماعة من أهل الـمدينة: «حَقِـيقٌ عَلـىَّ أنْ لا أقُولَ» بـمعنى: واجب علـيّ أن لا أقول، وحُقّ علـيّ أن لا أقول.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا الـمعنى، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب فـي قراءته الصواب.

وقوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول: قال موسى لفرعون وملئه: قد جئتكم ببرهان من ربكم يشهد أيها القوم علـى صحة ما أقول وصدق ما أذكر لكم من إرسال الله إياي إلـيكم رسولاً، فأرسل يا فرعون معي بنـي إسرائيـل، فقال له فرعون: إن كنت جئت بآية، يقول: بحجة وعلامة شاهدة علـى صدق ما تقول. فأت بها إن كنت من الصادقـين.

فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ۝١٠٧ وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِىَ بَيْضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ۝١٠٨

يقول جلّ ثناؤه: {فَألْقَـى مُوسَى عَصَاهُ فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} قال حية، {مُبِـينٌ} يقول: تتبـين لـمن يراها أنها حية.

وبـما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} قال: تـحوّلت حية عظيـمة. وقال غيره: مثل الـمدينة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} يقول: فإذا هي حية كادت تتسوّره، يعنـي كادت تثب علـيه.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} والثعبـان: الذكر من الـحيات، فـاتـحة فـاها، واضعة لـحيها الأسفل فـي الأرض، والأعلـى علـى سور القصر. ثم توجهت نـحو فرعون لتأخذه، فلـما رآها ذعر منها، ووثب فأحدث، ولـم يكن يُحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى خذها وأنا مؤمن بك وأرسل معك بنـي إسرائيـل فأخذها موسى فعادت عصا.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} قال: ألقـى العصا فصارت حية، فوضعت فَقْماً لها أسفل القبة، وفقماً لها أعلـى القبة قال عبد الكريـم: قال إبراهيـم: وأشار سفـيان بأصبعه الإبهام والسبـابة هكذا شبه الطاق فلـما أرادت أن تأخذه، قال فرعون: يا موسى خذها فأخذها موسى بـيده، فعادت عصا كما كانت أوّل مرّة.

حدثنا العبـاس بن الولـيد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: ألقـى عصاه، فتـحوّلت حيَّة عظيـمة فـاغرة فـاها، مسرعة إلـى فرعون فلـما رأى فرعون أنها قاصدة إلـيه، اقتـحم عن سريره، فـاستغاث بـموسى أن يكفها عنه، ففعل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} قال: الـحية الذكر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول: لـما دخـل موسى علـى فرعون، قال له موسى: أعرفك؟ قال: نعم، قال:

{ ألَـمْ نُرَ بِّكَ فِـينا وَلِـيداً }؟ قال: فردّ إلـيه موسى الذي ردّ، فقال فرعون: خذوه فبـادره موسى فألقـى عصاه، فإذا هي ثعبـان مبـين، فحملت علـى الناس فـانهزموا، فمات منهم خمسة وعشرون ألفـاً، قتل بعضهم بعضاً، وقام فرعون منهزماً حتـى دخـل البـيت.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي قوله: {فَألْقَـى عَصَاهُ فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} قال: ما بـين لَـحيـيها أربعون ذراعاً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة بن سلـيـمان، عن جويبر، عن الضحاك: {فإذَا هِيَ ثُعْبـانٌ مُبِـينٌ} قال: الـحية الذكر.

قال أبو جعفر: وأما قوله: {وَنَزَعَ يَدَهُ فإذَا هِيَ بَـيْضَآءُ للنَّاظِرِينَ} فإنه يقول: وأخرج يده فإذا هي بـيضاء تلوح لـمن نظر إلـيها من الناس، وكان موسى فـيـما ذكر لنا آدم، فجعل الله تـحوّل يده بـيضاء من غير برص له آية وعلـى صدق قوله

{ إنّـي رَسُولٌ مِنْ رَبّ العالَـمِينَ }حُجَّة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا العبـاس، قال: أخبرنا يزيد، قال: ثنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: أخرج يده من جيبه فرآها بـيضاء من غير سوء يعنـي: من غير برص ثم أعادها إلـى كمه، فعادت إلـى لونها الأوّل.

حدثنـي الـمثنى، قال: قال: عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {بَـيْضَاءُ للنَّاظِرِينَ} يقول: من غير برص.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَنَزَعَ يَدَهُ فإذَا هِيَ بَـيْضَاءُ للنَّاظِرِينَ } قال: نزع يده من جيبه بـيضاء من غير برص.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَنَزَعَ يَدَهُ} أخرجها من جيبه، {فإذَا هِيَ بَـيْضَاءُ للنَّاظِرِينَ}.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهدا يقول فـي قوله: {وَنَزَعَ يَدَهُ} قال: نزع يده من جيبه، {فإذَا هِيَ بَـيْضَاءُ للنَّاظِرِينَ} وكان موسى رجلا آدم، فأخرج يده، فإذا هي بـيضاء أشدّ بـياضاً من اللبن مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، قال: من غير برص آية لفرعون.

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ ۝١٠٩ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝١١٠

يقول تعالـى ذكره: قالت الـجماعة من رجال قوم فرعون والأشراف منهم: إن هذا، يعنون موسى صلوات الله علـيه، {لَساحِرٌ عَلِـيـمٌ} يعنون: أنه يأخذ بأعين الناس بخداعه إياهم حتـى يخيـل إلـيهم العصا حية والآدم: أبـيض، والشيء بخلاف ما هو به. ومنه قـيـل: سحر الـمطر الأرض: إذا جادها فقطع نبـاتها من أصوله، وقلب الأرض ظهراً لبطن، فهو يسحرها سحراً، والأرض مسحورة إذا أصابها ذلك. فشبه سحر الساحر بذلك لتـخيـيـله إلـى من سحره أنه يرى الشيء بخلاف ما هو به ومنه قول ذي الرمَّة فـي صفة السراب:

وَساحِرَةُ العُيُونِ منَ الـمَوَامي تَرَقَّصُ فـي نَوَاشِزِها الأُرُومُ

وقوله {عَلـيـمٌ} يقول: ساحر علـيـم بـالسحر، يريد أن يخرجكم من أرضكم أرض مصر معشر القبط السحرة. وقال فرعون للـملإ: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} يقول: فأيّ شيء تأمرون أن نفعل فـي أمره، بأيّ شيء تشيرون فـيه. وقـيـل: {فماذا تأمرون} والـخبر بذلك عن فرعون، ولـم يذكر فرعون، وقلَّـما يجيء مثل ذلك فـي الكلام، وذلك نظير قوله: { قالَتِ امْرأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الـحَقُّ أنا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإنَّهُ لَـمنَ الصَّادِقـينَ ذلكَ لِـيَعْلَـمُ أنْـي لَـمْ أخُنْهُ بـالغَيْبِ }فقـيـلَ: { ذلكَ لَـيْعَلَـم أنّـي لـم أَخُنْهُ بـالغَيْبِ }من قول يوسف، ولـم يذكر يوسف. ومن ذلك أن يقول: قلت لزيد: قم فإنـي قائم، وهو يريد: فقال زيد: إنـي قائم.

قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ۝١١١

يقول تعالـى ذكره: قال الـملأ من قوم فرعون لفرعون: أرجئه: أي أخره. وقال بعضهم: معناه: احبس. والإرجاء فـي كلام العرب: التأخير، يقال منه: أرجيت هذا الأمر وأرجأته إذا أخرته، ومنه قول الله تعالـى: {تُرْجي مَنْ تَشاءُ مِنهُنَّ}: تؤخر، فـالهمز من كلام بعض قبـائل قـيس يقولون: أرجأت هذا الأمر، وترك الهمز من لغة تـميـم وأسد يقولون: أرجيته.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة وبعض العراقـيـين: «أرْجِهِ» بغير الهمز وبجرّ الهاء. وقرأه بعض قرّاء الكوفـيـين: {أرْجِهْ} بترك الهمز وتسكين الهاء علـى لغة من يقـف علـى الهاء فـي الـمكنِّـي فـي الوصل إذا تـحرّك ما قبلها، كما قال الراجز:

أنْـحَى علـيَّ الدَّهْرُ رِجْلا وَيَدَايُقْسِمُ لا يُصْلِـحُ إلاَّ أفْسَدَافَـيُصْلِـحُ الَـيْومَ ويُفْسِدُهُ غَدَا

وقد يفعلون مثل هذا بهاء التأنـيث فـيقولون: هذه طلـحه قد أقبلت، كما قال الراجز:

لَـمَّا رأى أنْ لا دَعَهْ وَلا شِبَعْ مالَ إلـى أرْطاةِ حِقْـفٍ فـاضْطَجَعْ

وقرأه بعض البصريـين: «أرْجِئْهُ» بـالهمز وضمّ الهاء، علـى لغة من ذكرت من قـيس.

وأولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب أشهرها وأفصحها فـي كلام العرب، وذلك ترك الهمز وجرّ الهاء، وإن كانت الأخرى جائزة، غير أن الذي اخترنا أفصح اللغات وأكثرها علـى ألسن فصحاء العرب.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {أرْجِهْ} فقال بعضهم: معناه: أخره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرنـي عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس، قوله: {أرْجِهْ وأخاهُ} قال: أخره.

وقال آخرون: معناه احبسه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أرْجِهْ وأخاهُ}: أي احبسه وأخاه.

وأما قوله: {وأرْسِلْ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ} يقول: من يحشر السحرة فـيجمعهم إلـيك، وقـيـل: هم الشُّرَط. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا الـحكم بن ظهير، عن السديّ، عن ابن عبـاس: {وأرْسِلْ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ} قال: الشّرط.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسماعيـل بن إبراهيـم بن مهاجر، عن أبـيه، عن مـجاهد: {وأرْسِلْ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ} قال: الشرط.

قال ثنا حميد، عن قـيس، عن السديّ: {وأرْسِلْ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ} قال: الشرط.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم بن مهاجر، عن أبـيه، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ} قال: الشرط.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: وأرْسِلْ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ قال: الشرط.

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍ ۝١١٢ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوٓا۟ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَٰلِبِينَ ۝١١٣

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن مَشْوَرَةِ الـملإ من قوم فرعون علـى فرعون، أن يرسل فـي الـمدائن حاشرين، يحشرون كلّ ساحر علـيـم. وفـي الكلام مـحذوف اكتفـي بدلالة الظاهر من إظهاره، وهو: فأرسل فـي الـمدائن حاشرين يحشرون السحرة، فجاء السحرة فرعون {قالُوا إنَّ لَنَا لأجْراً} يقول: إن لنا لثوابـا علـى غلبتنا موسى عندك، {إنْ كُنَّا} يا فرعون {نَـحْنُ الغَالِبـينَ}.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا العبـاس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبـي أيوب، قال: ثنـي سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: فأرسل فـي الـمدائن حاشرين، فحشر له كلّ ساحر متعالـم فلـما أتوا فرعون، قالوا: بـم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بـالـحيات، قالوا: والله ما فـي الأرض قوم يعملون بـالسحر والـحيات والـحبـال والعصيّ أعلـم منَّا، فما أجرنا إن غلبنا؟ فقال لهم: أنتـم قرابتـي وحاميتي، وأنا صانع إلـيكم كلّ شيء أحببتـم.

حدثنـي عبد الكريـم بن الهيثم قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال فرعون: لا نغالبه يعنـي موسى إلا بـمن هو منه. فأعدّ علـماء من بنـي إسرائيـل، فبعث بهم إلـى قرية بـمصر يقال لها الفرما، يعلِّـمونهم السحر، كما يُعَلَّـمُ الصبـيان الكتَّاب فـي الكتاب. قال: فعلـموهم سحرا كثـيرا. قال: وواعد موسى فرعون موعدا فلـما كان فـي ذلك الـموعد بعث فرعون، فجاء بهم وجاء بـمعلـمهم معهم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علـمتهم من السحر سحراً لا يطيقه سحر أهل الأرض، إلا أن يكون أمراً من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، فأما سحر أهل الأرض فإنه لن يغلبهم فلـما جاءت السحرة قالوا لفرعون: {إنَّ لَنَا لأجْراً إنْ كُنَّا نَـحْنُ الغالِبِـينَ} قال: نعم

{ وَإنَّكُمْ إذَنْ لَـمِنَ الـمُقَرّبِـينَ }

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ:

{ فَأرْسِلَ فِرْعَوْنُ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ }فحشروا علـيه السحرة، فلـما جاء السحرة فرعون قالُوا {إنَّ لَنَا لأجْرا إنْ كُنَّا نَـحْنُ الغالِبِـينَ} يقول: عطية تعطينا {إنْ كُنَّا نَـحْنُ الغالِبـينَ قالَ نَعَمْ وَإنَّكُمْ لَـمِنَ الـمُقَرِّبِـينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق: {أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ فِـي الـمَدَائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحِرٍ عَلِـيـمٌ}: أي كاثره بـالسحرة لعلك أن تـجد فـي السحرة من يأتـي بـمثل ما جاء به، وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطانه، وبعث فرعون فـي مـملكته، فلـم يترك فـي سلطانه ساحر إلا أتـي به. فذكر لـي والله أعلـم أنه جمع له خمسة عشر ألف ساحر فلـما اجتـمعوا إلـيه أمرهم أمره، وقال لهم: قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قطّ، وإنكم إن غلبتـموه أكرمتكم وفضلتكم، وقرّبتكم علـى أهل مـملكتـي، قالوا: وإن لنا ذلك إن غلبناه؟ قال: نعم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الـحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قال: السحرة كانوا سبعين. قال أبو جعفر: أحسبه أنه قال: ألفـا.

قال ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا موسى بن عبـيدة، عن ابن الـمنذر، قال: كان السحرة ثمانـين ألفـا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفـيع، عن خيثمة، عن أبـي سودة، عن كعب، قال: كان سحرة فرعون اثنـي عشر ألفـاً.

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ