انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 27–34

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 1–30في هذه الصفحة 20:09
  2. 2 الآيات 31–46في هذه الصفحة 18:32

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ۝٢٧

يقول تعالى ذكره: يا بني آدم لا يخدعنكم الشيطان فيبدي سوآتكم للناس بطاعتكم إياه عند اختباره لكم، كما فعل بأبويكم آدم وحوّاء عند اختباره إياهما فأطاعاه وعصيا ربهما فأخرجهما بما سبب لهما من مكره وخدْعه من الجنة، ونزع عنهما ما كان ألبسهما من اللباس ليريهما سوآتهما بكشف عورتهما وإظهارها لأعينهما بعد أن كانت مستترة. وقد بيِّنا فيما مضى أن معنى الفتنة الاختبار والابتلاء بما أغنى عن إعادته.

وقد اختلف أهل التأويل في صفة اللباس الذي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه نزعه عن أبوينا وما كان، فقال بعضهم: كان ذلك أظفاراً. ذكر من لم يذكر قوله فيما مضى من كتابنا هذا في ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عكرمة: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما} قال: لباس كلّ دابة منها، ولباس الإنسان: الظُّفُر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره، أو قال: أظفاره.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الحميد الحماني، عن نصر بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: تركت أظفاره عليه زينة ومنافع في قوله: {يَنْزِعُ عنهما لِباسَهُما}.

حدثني أحمد بن الوليد القرشيّ، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: أخبرنا مخلد بن الحسين، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، في قوله: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما} قال: كان لباسهما الظفر فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما، وتركت الأظفار تذكرة وزينة.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما} قال: كان لباسه الظفر، فانتهت توبته إلى أظفاره.

وقال آخرون: كان لباسهما نوراً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن وهب بن منبه: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما}: النور.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، قال: ثنا عمرو، قال: سمعت وهب بن منبه يقول في قوله: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوآتِهِما} قال: كان لباس آدم وحوّاء نوراً على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا.

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِباسَهُما} يسلبهما تقوى الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مطلب بن زياد، عن ليث، عن مجاهد: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما} قال: التقوى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ليث، عن مجاهد: {يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما} قال: التقوى.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن ليث، عن مجاهد، مثله.

قال أبو جعفر: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى حذّر عباده أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم آدم وحوّاء، وأن يجرّدهم من لباس الله الذي أنزله إليهم، كما نزع عن أبويهم لباسهما. واللباس المطلق من الكلام بغير إضافة إلى شيء في متعارف الناس، هو ما اختار فيه اللابس من أنواع الكساء، أو غطى بدنه أو بعضه. وإذ كان ذلك كذلك، فالحقّ أن يقال: إن الذي أخبر الله عن آدم وحوّاء من لباسهما الذي نزعه عنهما الشيطان هو بعض ما كانا يواريان به أبدانهما وعورتهما وقد يجوز أن يكون ذلك كان ظُفُراً، ويجوز أن يكون نوراً، ويجوز أن يكون غير ذلك، ولا خبر عندنا بأيّ ذلك تثبت به الحجة، فلا قول في ذلك أصوب من أن يقال كما قال جلّ ثناؤه: {يَنْزعُ عَنهُما لِباسَهُما}. وأضاف جلّ ثناؤه إلى إبليس إخراج آدم وحوّاء من الجنة، ونزع ما كان عليهما من اللباس عنهما وإن كان الله جلّ ثناؤه هو الفاعل ذلك بهما عقوبة على معصيتهما إياه، إذ كان الذي كان منهما في ذلك عن تشبيه ذلك لهما بمكره وخداعه، فأضيف إليه أحياناً بذلك المعنى، وإلى الله أحياناً بفعله ذلك بهما.

القول في تأويل قوله تعالى: {إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنا الشيَّاطِينَ أولِياءَ للَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ}.

يعني جلّ ثناؤه بذلك: إن الشيطان يراكم هو. والهاء في «إنه» عائدة على الشيطان. وقبيله: يعني وصنفه وجنسه الذي هو منه، واحد جمعه «قُبُل» وهم الجنّ. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} قال: الجنّ والشياطين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} قال: قبيله: نسله.

وقوله: {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} يقول: من حيث لا ترون أنتم أيها الناس الشيطان وقبيلَه. {إنَّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ للَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} يقول: جعلنا الشياطين نصراء الكفار الذين لا يوحدون الله ولا يصدّقون رسله.

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٢٨

ذكر أن معنى الفاحشة في هذا الموضع، ما:

حدثني عليّ بن سعيد بن مسروق الكنديّ، قال: ثنا أبو محياة عن منصور، عن مجاهد: {وَإذَا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أمَرَنا بِها} قال: كانوا يطوفون بالبيت عُراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمَّهاتنا، فتضع المرأة على قُبُلها النِّسْعة أو الشيء فتقول:

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهفَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {وَإذَا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْهَا آباءَنا} فاحشتهم أنهم كانوا يطوفون بالبيت عُراة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن مفضل، عن منصور، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير والشعبيّ: {وَإذَا فَعَلُوا فاحِشَة قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا} قال: كانوا يطوفون بالبيت عُراة.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجْدنا عَلَيْها أباءَنا وَالله أمَرَنا بِها} قال: كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإذَا فَعَلُوا فاحِشَةً} قال: طوافهم بالبيت عراة.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد: {وَإذَا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا} قال: في طواف الحُمْس في الثياب وغيرهم عراة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قوله: {وَإذَا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْهَا آباءَنا} قال: كان نساؤهم يطفن بالبيت عراة، فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم {قُلْ إن الله لا يَأمُرُ بالفَحْشاءِ}... الآية.

فتأويل الكلام إذن: وإذا فعل الذي لا يؤمنون بالله الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء قبيحاً من الفعل وهو الفاحشة، وذلك تعرّيهم للطواف بالبيت وتجرّدهم له، فعُذِلوا على ما أتوا من قَبيح فعلهم وعُوتبوا عليه، قالوا: وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم ونستنّ بسنتهم، والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فيه، يقول الله جلّ ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهم: إن الله لا يأمر بالفحشاء، يقول: لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومَساويها، أتقولون أيها الناس على الله ما لا تعلمون يقول: أتروون على الله أنه أمركم بالتعرّي والتجرّد من الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك.

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ۝٢٩ فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ۝٣٠

يقول تعالى ذكره لنبيه: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذباً على الله: ما أمر ربي بما تقولون، بل {أمَرَ رَبي بالقِسْطِ} يعني: بالعدل. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {قُلْ أمَرَ رَبي بالقِسْطِ} بالعدل.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {قُلْ أمَرَ رَبي بالقِسْطِ} والقسط: العدل.

وأما قوله: {وأقِيمُوا وَجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله فقال بعضهم: معناه: وجهوا وجوهكم حيث كنتم في الصلاة إلى الكعبة. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} إلى الكعبة حيثما صليتم في الكنيسة وغيرها.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَأقيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: إذا صليتم فاستقبلوا الكعبة في كنائسكم وغيرها.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} هو المسجد: الكعبة.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، عن عمر بن ذرّ، عن مجاهد في قوله: {وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: الكعبة حيثما كنت.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وأقيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: أقيموها للقبلة هذه القبلة التي أمركم الله بها.

وقال آخرون: بل عني بذلك: واجعلوا سجودكم لله خالصاً دون ما سواه من الآلهة والأنداد. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله: {وأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: في الإخلاص أن لا تدعوا غيره، وأن تخلصوا له الدين.

قال أبو جعفر: وأولى هذين التأويلين بتأويل الآية ما قاله الربيع، وهو أن القوم أمروا أن يتوجهوا بصلاتهم إلى ربهم، لا إلى ما سواه من الأوثان والأصنام، وأن يجعلوا دعاءهم لله خالصاً، لا مُكاءً ولا تصدية.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله إنما خاطب بهذه الآية قوماً من مشركي العرب لم يكونوا أهل كنائس وبِيَع، وإنما كانت الكنائس والبيع لأهل الكتابين، فغير معقول أن يقال لمن لا يصلي في كنيسة ولا بيعة: وجِّه وجهك إلى الكعبة في كنيسة أو بيعة.

وأما قوله: {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ} فإنه يقول: واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة، لا تخلطوا ذلك بشرك ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكاً. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: {وَادْعُوهُ مُخْلِصيِنَ لَه الدّين} قال: أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل، ثم توجهون إلى البيت الحرام.

القول في تأويل قوله تعالى: {كَما بَدأكُمْ تَعُودُونَ فَريقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلالَةِ}.

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {كَما بَدأكُمْ تَعُودُونَ} فقال بعضهم: تأويله: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تُبعثون يوم القيامة. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ} قال: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، كما قال جلّ ثناؤه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، قال: ثنا أصحابنا، عن ابن عباس: {كمَا بَدأكُم تَعُودُونَ} قال: يبعث المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن الضريس، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن رجل، عن جابر، قال: يُبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله فيهم: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ}؟ ألم تسمع قوله: {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ}؟.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودون} قال: رُدّوا إلى علمه فيهم.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو همام الأهوازي، قال: ثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، في قوله: {كمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ} قال: من ابتدأ الله خلقه على الشِّقوة صار إلى ما ابتدأ الله خلقه عليه وإن عمل بأعمال أهل السعادة، كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة ثم صار إلى ما ابتدىء عليه خلقه. ومن ابتدىء خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدىء عليه خلقه وإن عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملت بأعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدىء عليه خلقهم.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن وفاء بن إياس أبي يزيد، عن مجاهد: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو دكين، قال: ثنا سفيان، عن أبي يزيد، عن مجاهد: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: كما كتب عليكم تكونون.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سالم، عن سعيد، مثله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهُمْ الضَّلالَةُ} يقول: كما بدأكم تعودون كما خلقناكم، فريق مهتدون وفريق ضالّ، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتم.

حدثنا ابن بشار، قل: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن سفيان، عن جابر، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

تُبْعَثُ كُلُّ نَفْسٍ على ما كانَتْ عَلَيْهِ».

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الحفري، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: كما كُتبَ عليكم تكونون.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ليث، عن مجاهد، قال: يبعث المؤمن مؤمناً، والكافر كافراً.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} شقيًّا وسعيداً.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك قراءة عن مجاهد، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: كما خلقكم ولم تكونوا شيئاً تعودون بعد الفناء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الحسن: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: كما بدأكم ولم تكونوا شيئاً فأحياكم، كذلك يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الأعلى، عن عوف، عن الحسن: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: كما بدأكم في الدنيا كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} قال: بدأ خلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم ذهبوا ثم يعيدهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى} يقول: كما خلقناكم أوّل مرّة كذلك تعودون.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كمَا بَدأكُمْ تَعُودُونَ} يحييكم بعد موتكم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {كمَا بَدأكُمْ تَعودُونَ} قال: كما خلقهم أوّلاً، كذلك يعيدهم آخراً.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، القول الذي قاله من قال معناه: كما بدأكم الله خلقاً بعد أن لم تكونوا شيئاً تعودون بعد فنائكم خلقاً مثله، يحشركم إلى يوم القيامة لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُعْلِمَ بما فِي هذه الآية قوماً مشركين أهل جاهلية لا يؤمنون بالمعاد ولا يصدّقون بالقيامة، فأمره أن يدعوهم إلى الإقرار بأن الله باعثهم يوم القيامة ومُثيب من أطاعه ومعاقب من عصاه، فقال له: قل لهم: أمر ربي بالقسط، وأن أقيموا وجوهكم عند كلّ مسجد، وأن ادعوه مخلصين له الدين، وأن أقرّوا بأن كما بدأكم تعودون فترك ذكر «وأن أقرّوا بأن» كما ترك ذكر «أن» مع «أقيموا»، إذ كان فيما ذكر دلالة على ما حذف منه. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجه لأن يؤمر بدعاء من كان جاحداً النشور بعد الممات إلى الإقرار بالصفة التي عليها يُنشر من نُشر، وإنما يؤمر بالدعاء إلى ذلك من كان بالبعث مصدّقاً، فأما من كان له جاحداً فإنما يُدعى إلى الإقرار به ثم يُعَرَّف كيف شرائط البعث. على أن في الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي.

حَدثنَاه محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

يُحْشَر النَّاسُ عُرَاةً غُرْلاً، وأوَّل مَن يُكْسَى إبْرَاهِيمُ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَثمَّ قَرأ: { كمَا بَدأْنا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلينَ }}.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا إسحاق بن يوسف، قال: ثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، بنحوه.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المُغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة، فقال:

يا أيُّها النَّاسُ إنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إلى اللّهِ حُفاةً غُرْلاً كمَا بَدأنْا أولَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ».

ما يبين صحة القول الذي قلنا في ذلك، من أن معناه: أن الخلق يعودون إلى الله يوم القيامة خلقاً أحياء كما بدأهم في الدنيا خلقاً أحياء، يقال منه: بدأ الله الخلق يَبْدَؤهم وأبدأهم يُبْدِئهم إبداء بمعنى خلقهم، لغتان فصيحتان. ثم ابتدأ الخبر جلّ ثناؤه عما سبق من علمه في خلقه وجرى به فيهم قضاؤه، فقال: هدى الله منهم فريقاً فوفَّقهم لصالح الأعمال فهم مهتدون، وحقّ على فريق منهم الضلالة عن الهدى والرشاد، باتخاذهم الشيطان من دون الله وليًّا.

وإذا كان التأويل هذا، كان الفريق الأوّل منصوباً بإعمال هَدَى فيه، والفريق الثاني بوقوع قوله حقّ على عائد ذكره في عليهم، كما قال جلّ ثناؤه:

{ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً }}. ومن وجَّه تأويل ذلك إلى أنه كما بدأكم في الدنيا صنفين: كافراً، ومؤمناً، كذلك تعودون في الآخرة فريقين: {فَرِيقاً هَدَى وَفَريقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} نصب «فريقاً» الأوّل بقوله: «تعودون»، وجعل الثاني عطفاً عليه. وقد بيَّنا الصواب عندنا من القول فيه.

القول في تأويل قوله تعالى: {إنَّهُمُ اتَّخذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.

يقول تعالى ذكره: إن الفريق الذي حقّ عليهم الضلالة إنما ضلوا عن سبيل الله وجاروا عن قصد المحجة، باتخاذهم الشياطين نُصَراء من دون الله وظهراء، جهلاً منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى وحقّ، وأن الصواب ما أتوه وركبوا. وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذّب أحداً على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عناداً منه لربه فيها، لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضلّ وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرقٌ، وقد فرّق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ ۝٣١

يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرّون عند طوافهم ببيته الحرام ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرّمه الله عليهم من حلال رزقه تبرّراً عند نفسه لربه: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ} من الكساء واللباس، {عِنْدَ كُلْ مَسْجِد وكُلُوا} من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم، {وَاشْرَبُوا} من حلال الأشربة، ولا تحرّموا إلا ما حرّمت عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي، قال: ثنا خالد بن الحرث، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنّ النساء كنّ يطفن بالبيت عراة وقال في موضع آخر: بغير ثياب إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة فيما وصف إن شاء الله، وتقول:

اليَوْمَ يَبْدُوا بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُفَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

قال: فنزلت هذه الآية: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِد.

حدثنا عمرو بن عليّ، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يطوفون عراة، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلهُفَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أحِلُّهُ

فقال الله: خُذُوا زِينَتَكُمْ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلْ مَسْجِدٍ} قال: الثياب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، قال: سمعت مسلماً البطين يحدّث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة قال غُنْدَرٌ: وهي عريانة، قال وهب: كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرها وما هنالك.

قال غندر: وتقول: من يعيرني تطوافاً تجعله على فرجها وتقول:

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُوَما بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

فأنزل الله {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِد}.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِيَنَتكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِد} قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم ولا يتعرّوا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مسْجِدٍ}... الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة. والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي وابن فضيل، عن عبد الملك، عن عطاء: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمروا أن يلبسوا ثيابهم.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء، بنحوه.

حدثني عمرو، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عبد الملك، عن عطاء، في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ}: البسوا ثيابكم.

حدثنا يعقوب قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلَّ مَسْجِدٍ} قال: كان ناس يطوفون بالبيت عراة فنهوا عن ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فأمروا أن يلبسوا الثياب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: ما وارى العورة ولو عباءة.

حدثنا عمرو قال: ثنا يحيى بن سعيد، وأبو عاصم، وعبد الله بن داود، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد، في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: ما يواري عورتك ولو عباءة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} في قريش، لتركهم الثياب في الطواف.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: الثياب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حباب، عن إبراهيم، عن نافع، عن ابن طاوس، عن أبيه: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: الشملة من الزينة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن طاوس: {خُذوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} قال: الثياب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سويد وأبو أسامة، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة، فطافت امرأة بالبيت وهي عريانة، فقالت:

اليَوْمَ يَبْدو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُفَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدِ} قال: كان حيّ من أهل اليمن كان أحدهم إذا قدم حاجًّا أو معتمراً يقول: لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد دنَّست فيه، فيقول: من يعيرني مئزراً؟ فإن قدر على ذلك، وإلا طاف عرياناً، فأنزل الله فيه ما تسمعون: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ}.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: قال الله: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ} يقول: ما يواري العورة عند كلّ مسجد.

حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهريّ: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس قريش وأحلافهم فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس، فإنه لا يحلّ له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه ويطوف عرياناً، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه يحرمها فيجعلها حراماً عليه، فلذلك قال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عَنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ}.

وبه عن معمر قال: قال ابن طاوس، عن أبيه: الشملة من الزينة.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ}... الآية، كان ناس من أهل اليمن والأعراب إذا حجوا البيت يطوفون به عراة ليلاً، فأمرهم الله أن يلبسوا ثيابهم وَلا يتعرّوا في المسجد.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} قال: زينتهم ثيابهم التي كانوا يطرحونها عند البيت ويتعرّون.

وحدثني به مرة أخرى بإسناده، عن ابن زيد في قوله:

{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخُرَجَ لِعِبادِهِ، وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرّزْقِ }قال: كانوا إذا جاءوا البيت فطافوا به حرمت عليهم ثيابهم التي طافوا فيها، فإن وجدوا من يعيرهم ثياباً، وإلا طافوا بالبيت عراة، فقال: { مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ }قال: ثياب الله التي أخرج لعباده... الآية.

وكالذي قلنا أيضاً، قالوا في تأويل قوله: {وَكُلُوا وَاشْرِبُوا وَلا تُسْرِفُوا}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: أحلّ الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {وكُلُوا وَاشْرِبُوا وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} في الطعام والشراب.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: قال: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرّمون عليهم الوَدَك ما أقاموا بالموسم، فقال الله لهم: {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} يقول: لا تسرفوا في التحريم.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله: {وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} قال: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {وَلا تُسْرِفُوا} لا تأكلوا حراماً ذلك الإسراف.

وقوله {إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} يقول: إن الله لا يحبّ المتعدّين حدّه في حلال أو حرام، الغالين فيما أحلّ الله أو حرّم بإحلال الحرام، وبتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحلّ ويحرّم ما حرّم، وذلك العدل الذي أمر به.

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝٣٢

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يتعرّون عند طوافهم بالبيت، ويحرّمون على أنفسهم ما أحللت لهم من طيبات الرزق: {مَنْ حَرَّمَ} أيها القوم عليكم {زِينَةَ اللّهِ} التي خلقها لعباده أن تتزينوا بها وتتجملوا بلباسها، والحلال من رزق الله الذي رزق خلقه لمطاعمهم ومشاربهم.

واختلف أهل التأويل في المعنىّ بالطيبات من الرزق بعد إجماعهم على أن الزينة ما قلنا، فقال بعضهم: الطيبات من الرزق في هذا الموضع: اللحم، وذلك أنهم كانوا لا يأكلونه في حال إحرامهم. ذكر من قال ذلك منهم:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرّزْقِ} وهو الودك.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرّزْقِ} الذي حرّموا على أنفسهم، قال: كانوا إذا حجوا أو اعتمروا حرّموا الشاة عليهم وما يخرج منها.

وحدثني به يونس مرّة أخرى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال بن زيد، في قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ}... إلى آخر الآية، قال: كان قوم يحرّمون ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها، فقال الله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ} قال: والزينة من الثياب.

حدثني المثنى، قال: ثنا حبان بن موسى، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن رجل، عن الحسن، قال: لما بعث محمداً فقال: هذا نبيي هذا خياري، استنّوا به خذوا في سنته وسبيله لم تُغلق دونه الأبواب ولم تُقم دونه الحُجُب، ولم يغد عليه بالجبار ولم يرجع عليه بها. وكان يجلس بالأرض، ويأكل طعامه بالأرض، ويلعق يده، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف عبده، وكان يقول: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته التاركين لها، ثم عُلوجاً فسَّاقاً، أكلة الربا والغلول، قد سفههم ربي ومقتهم، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وزخرفوا هذه البيوت، يتأوّلون هذه الآية: {قُل مَنْ حَرمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِن الرّزْقِ} وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان، قد جعلها ملاعب لبطنه وفرجه من كلام لم يحفظه سفيان.

وقال آخرون: بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرّم من البحائر والسوائب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرّزقِ} وهو ما حرّم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرّزْقِ} قال: إن الجاهلية كانوا يحرّمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: قُلْ أرأيْتُمْ ما أنْزَلَ الله لَكُم مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً وهو هذا، فأنزل الله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرّزْقِ}.

القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ}.

يقول الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الذين أمرتك أن تقول لهم {مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِن الرّزْقِ} إذ عيوا بالجواب فلم يدروا ما يجيبونك: زينة الله التي أخرج لعباده، وطيبات رزقه للذين صدّقوا الله ورسوله، واتبعوا ما أنزل إليك من ربك في الدنيا، وقد شركهم في ذلك فيها من كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه، وهي للذين آمنوا بالله ورسوله خالصة يوم القيامة، لا يشركهم في ذلك يومئذٍ أحد كفر بالله ورسوله وخالف أمر ربه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ} يقول: شارك المسلمون الكفار في الطيِّبات، فأكلوا من طيبات طعامها، ولبسوا من خيار ثيابها، ونكحوا من صالح نسائها، وخلصوا بها يوم القيامة.

وحدثني به المثنى مرّة أخرى بهذا الإسناد بعينه، عن ابن عباس، فقال: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنَيا} يعني: يشارك المسلمون المشركين في الطيِّبات في الحياة الدنيا، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرّزْقِ قُلْ هِي للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياة الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القيامةِ} يقول: قل هي في الآخرة خالصة لمن آمن بي في الدنيا، لا يشركهم فيها أحد وذلك أن الزينة في الدنيا لكلّ بني آدم، فجعلها الله خالصة لأوليائه في الآخرة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك: {قُلْ هِيَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيْا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ} قال: اليهود والنصارى يشركونكم فيها في الدنيا، وهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيْا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ} خالصة للمؤمنين في الآخرة لا يشاركهم فيها الكفار، فأما في الدنيا فقد شاركوهم.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنيْا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ} من عمل بالإيمان في الدنيا خلصت له كرامة الله يوم القيامة، ومن ترك الإيمان في الدنيا قدم على ربه لا عذر له.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {قُل هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيْا} يشترك فيها معهم المشركون، {خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ} للذين آمنوا.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ، قال: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {قُل مَنْ حَرمَ زِينَةَ اللّهِ التي أخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرّزقِ قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيْا خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ} يقول: المشركون يشاركون المؤمنين في الدنيا في اللباس والطعام والشراب، ويوم القيامة يُخَلص اللباس والطعام والشراب للمؤمنين، وليس للمشركين في شيء من ذلك نصيب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: الدنيا يصيب منها المؤمن والكافر، ويخلص خير الآخرة للمؤمنين، وليس للكافر فيها نصيب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: {قُلْ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيْا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ} قال: هذه يوم القيامة للذين آمنوا، لا يشركهم فيها أهل الكفر ويشركونهم فيها فِي الدنيا، وإذا كان يوم القيامة فليس لهم فيها قليل ولا كثير. وقال سعيد بن جبير في ذلك، بما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسماعيل بن أبان وحيوية الرازي أبو يزيد عن يعقوب القمي، عن سعيد بن جبير: {قُلَ هِيَ للَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيْا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ} قال: ينتفعون بها في الدنيا ولا يتبعهم إثمها.

واختلفت القرّاء في قراءة قوله «خالصة»، فقرأ ذلك بعض قرّاء المدينة: «خالِصَةٌ» برفعها، بمعنى: قل هي خالصة للذين آمنوا. وقرأه سائر قرّاء الأمصار: {خالصَةً} بنصبها على الحال من لهم، وقد ترك ذكرها من الكلام اكتفاء منها بدلالة الظاهر عليها، على ما قد وصفت في تأويل الكلام أن معنى الكلام: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة، وهي لهم الآخرة خالصة. ومن قال ذلك بالنصب جعل خبر «هي» في قوله: {للَّذِينَ آمَنُوا}.

قال أبو جعفر: وأولى القراءتين عندي بالصحة قراءة من قرأ نصباً، لإيثار العرب النصب في الفعل إذا تأخر بعد الاسم والصفة وإن كان الرفع جائزاً، غير أن ذلك أكثر في كلامهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {كَذَلِكَ نُفَصّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

يقول تعالى ذكره: كما بينت لكم الواجب عليكم في اللباس والزينة والحلال من المطاعم والمشارب والحرام منها، وميزت بين ذلك لكم أيها الناس، كذلك أبين جميع أدلتي وحججي وأعلام حلالي وحرامي وأحكامي لقوم يعلمون ما يبين لهم ويفقهون ما يميز لهم.

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٣٣

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجرّدون من ثيابهم للطواف بالبيت، ويحرمون أكل طيبات ما أحلّ الله لهم من رزقه أيها القوم: إن الله لم يحرّم ما تحرّمونه، بل أحلّ ذلك لعباده المؤمنين وطيَّبه لهم. وإنما حرّم ربي القبائح من الأشياء، وهي الفواحش، ما ظهر منها فكان علانية، وما بطن منها فكان سرّاً في خفاء. وقد رُوي عن مجاهد في ذلك ما:

حدثني الحرث، قال: ثني عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهداً يقول في قوله: {ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ} قال: ما ظهر منها طواف أهل الجاهلية عراة، وما بطن: الزنا.

وقد ذكرت اختلاف أهل التأويل في تأويل ذلك بالروايات فيما مضى فكرهت إعادته.

وأما الإثم: فإنه المعصية. والبغي: الاستطالة على الناس. يقول تعالى ذكره: إنما حرّم ربي الفواحش مع الإثم والبغي على الناس.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَالإثمَ والَبغْيَ} أما الإثم: فالمعصية، والبغي: أن يبغي على الناس بغير الحقّ.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مجاهداً في قوله: {ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ والإثمَ والبَغْيَ} قال: نهى عن الإثم وهي المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه كائن على نفسه.

القول في تأويل قوله تعالى: {وأنْ تُشْرِكُوا باللّهِ ما لَمْ يُنزّلّ بِهِ سُلْطاناً وأنْ تَقُولُوا على اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ}.

يقول جل ثناؤه: إنما حرم ربي الفواحش والشرك به أن تعبدوا مَعَ الله إلهاً غيرَهُ، {ما لَمْ ينزِّلْ بِهِ سُلْطاناً} يقول: حرّم ربكم عليكم أن تجعلوا معه في عبادته شركاً لشيء لم يجعل لكم في إشراككم إياه في عبادته حجة ولا برهاناً، وهو السلطان. {وأنْ تَقُولُوا على اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ} يقول: وأن تقولوا: إن الله أمركم بالتعرّي والتجرّد للطواف بالبيت، وحرّم عليكم أكل هذه الأنعام التي حرّمتموها وسيِّبتموها وجعلتموها وصائل وحوامي، وغير ذلك مما لا تعلمون أن الله حرّمه أو أمر به أو أباحه، فتضيفوا إلى الله تحريمه وحظره والأمر به، فإن ذلك هو الذي حرّمه الله عليكم دون ما تزعمون أن الله حرّمه أو تقولون إن الله أمركم به جهلاً منكم بحقيقة ما تقولون وتضيفونه إلى الله.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٣٤

يقول تعالى ذكره مهدّداً للمشركين الذين أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم كانوا إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، ووعيداً منه لهم على كذبهم عليه وعلى إصرارهم على الشرك به والمقام على كفرهم، ومذكِّراً لهم ما أحلّ بأمثالهم من الأمم الذين كانوا قبلهم: {وَلِكُلّ أمَّةٍ أجَلٌ} يقول: ولكلّ جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله وردّ نصائحهم، والشرك بالله مع متابعة ربهم حججه عليهم، أجل، يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثلات بهم على شركهم. {فإذَا جاءَ أجَلُهُمْ} يقول: فإذا جاء الوقت الذي وقَّته الله لهلاكهم وحلول العقاب بهم {لا يَسْتأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} يقول: لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا ولا يتمتعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم ساعة من ساعات الزمان. {وَلا يَسْتَقْدِمُون} يقول: ولا يتقدمون بذلك أيضاً عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتاً للهلاك.

الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ