انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 52–69

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 47–64في هذه الصفحة 14:53
  2. 2 الآيات 65–87في هذه الصفحة 18:07

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٥٢

يقول تعالى ذكره: أقسم يا محمد لقد جئنا هؤلاء الكفرة بكتاب، يعني القرآن الذي أنزله إليهم، يقول: لقد أنزلنا إليهم هذا القرآن مفصلاًّ مبيناً فيه الحقّ من الباطل، {عَلى عِلْمٍ} يقول: على علم منا بحقّ ما فصل فيه من الباطل الذي ميز فيه بينه وبين الحقّ، {هُدًى وَرَحْمَةً} يقول: بيناه ليهتدي ويرحم به قوم يصدّقون به وبما فيه من أمر الله ونهيه وأخباره ووعده ووعيده، فينقذهم به من الضلالة إلى الهدى. وهذه الآية مردودة على قوله:

{ كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى للمُؤْمِنينَ }}. {وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ على عِلْمٍ} والهدى في موضع نصب على القطع من الهاء التي في قوله: {فَصَّلْناهُ} ولو نُصب على فعل فصَّلناه، فيكون المعنى: فصّلنا الكتاب كذلك كان صحيحاً ولو قرىء «هُدًى وَرَحْمَةٍ» كان فِي الإعراب فصيحاً، وكان خفض ذلك بالردّ على الكتاب.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٥٣

يقول تعالى ذكره: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ} هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذّبون بآيات الله ويجحدون لقاءه، إلاَّ تأويله؟ يقول: إلاَّ ما يؤول إليه أمرهم من ورودهم على عذاب الله، وصليّهم جحيمه، وأشباه هذا مما أوعدهم الله به. وقد بيَّنا معنى التأويل فيما مضى بشواهده بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْويلَهُ}: أي ثوابه {يَوْمَ يَأْتي تَأْوِيلُهُ} أي ثوابه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} قال: تأويله: عاقبته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ} قال: جزاءه، {يَوْمَ يَأْتي تَأْوِيلُهُ} قال: جزاؤه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {هَلْ يَنْظُرُون إلاَّ تَأْوِيلَهُ} أما تأويله: فعواقبه مثل وقعة بدر، والقيامة، وما وعد فيه من موعد.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتي تَأْويلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بالحَقّ} فلا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتمّ تأويله يوم القيامة، ففي ذلك أنزل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ} حيث أثاب الله تبارك وتعالى أولياءه وأعداءه ثواب أعمالهم، {يَقُولُ} يومئذ {الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بالحَقّ...} الآية.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتي تَأْويلُهُ} قال: يوم القيامة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {يَوْمَ يَأْتي تَأْوِيلُهُ} قال: يأتي تحقيقه. وقرأ قول الله تعالى:

{ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ }قال: هذا تحقيقها. وقرأ قول الله: { وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلاَّ اللّهُ }قال: ما يعلم حقيقته ومتى يأتي إلاَّ الله تعالى

وأما قوله: {يَوْمَ يَأْتي تَأْويلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ} فإن معناه: يوم يجيء ما يؤول إليه أمرهم من عقاب الله، {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ}: أي يقول الذين ضيعوا وتركوا ما أمروا به من العمل المنجيهم مما آل إليه أمرهم يومئذٍ من العذاب من قبل ذلك في الدنيا: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بالحَقّ} أقسم المساكين حين عاينوا البلاء وحلّ بهم العقاب أنّ رسل الله التي أتتهم بالنذارة وبلغتهم عن الله الرسالة، قد كانت نصحت لهم وصَدَقتهم عن الله، وذلك حين لا ينفعهم التصديق ولا ينجيهم من سخط الله وأليم عقابه كثرة القيل والقال.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {يقول الَّذِينَ نَسُوهُ منْ قَبْلُ قَدْ جاءَت رسُلُ رَبِّنا بالحَقّ} أما الذين نسوه فتركوه، فلما رأوا ما وعدهم أنبياؤهم استيقنوا فقالوا: قد جاءت رسل ربنا بالحقّ.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ} قال: أعرضوا عنه.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

القول في تأويل قوله تعالى: {فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ}.

وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم أنهم يقولون عند حلول سخط الله بهم وورودهم أليم عذابه ومعاينتهم تأويل ما كانت رسل الله تعدهم: هل لنا من أصدقاء وأولياء اليوم، فيشفعوا لنا عند ربنا، فتنجينا شفاعتهم عنده مما قد حلّ بنا من سوء فعالنا في الدنيا، أو نردّ إلى الدنيا مرّة أخرى، فنعمل فيها بما يرضيه ويعتبه من أنفسنا؟ قال: هذا القول المساكين هنالك، لأنهم كانوا عهدوا في الدنيا أنفسهم لها شفعاء تشفع لهم في حاجاتهم، فيذكروا ذلك في وقت لا خلة فيه لهم ولا شفاعة، يقول الله جلّ ثناؤه: {قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ} يقول: غبنوا أنفسهم حظوظها ببيعهم ما لا خطر له من نعيم الآخرة الدائم بالخسيس من عرض الدنيا الزائل، {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} يقول: وأسلمهم لعذاب الله، وحاد عنهم أولياؤهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، ويزعمون كذباً وافتراء أنهم أربابهم من دون الله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ} يقول: شروْها بخسران.

وإنما رفع قوله {أوْ نُرَدُّ} ولم ينصب عطفاً على قوله: {فَيَشْفَعُوا لَنا} لأن المعنى: هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو هل نردّ فنعمل غير الذي كنا نعمل. ولم يرد به العطف على قوله {فَيَشْفَعُوا لَنا}.

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٥٤

يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومصلح أموركم أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كلّ شيء الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج بن المنهال، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن مجاهد، قال: بدء الخلق: العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان بدء الخلق يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وجمع الخلق في يوم الجمعة، وتهوّدت اليهود يوم السبت، ويوم من الستة الأيام كألف سنة مما تعدّون.

{ثُمَّ اسْتَوَى على العَرْشِ} وقد ذكرنا معنى الاستواء واختلاف الناس فيه فيما مضى قبل لما أغنى عن إعادته.

وأما قوله: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} فإنه يقول: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب نضرته ونوره. {يَطْلُبُهُ} يقول: يطلب الليل النهار {حَثِيثاً} يعني سريعاً.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} يقول: سريعاً.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً} قال: يغشي الليل النهار بضوئه، ويطلبه سريعاً حتى يدركه.

القول في تأويل قوله تعالى: {والشَّمْسَ والقَمَر وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأْمْرِهِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبّ العالَمِين}.

يقول تعالى ذكره: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، كلّ ذلك بأمره، أمرهن الله فأطعن أمره، ألا لله الخلق كله، والأمر الذي لا يخالف ولا يردّ أمره دون ما سواه من الأشياء كلها، ودون ما عبده المشركون من الآلهة والأوثان التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تخلق ولا تأمر، تبارك الله معبودنا الذي له عبادة كلّ شيء ربّ العالمين.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام أبو عبد الرحمن، قال: ثنا بقية بن الوليد، قال: ثني عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاريّ، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

مَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللّهَ على ما عَمِلَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وحَمِدَ نَفْسَهُ، قَلَّ شُكْرُهُ وَحَبِطَ عَمَلُهُ. وَمَنْ زَعَمَ أنَّ اللّهَ جَعَلَ للعِبادِ مِنَ الأمْرِ شَيْئاً فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أنْزَلَ اللّهُ على أنْبِيائِهِ لقوله: ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ العالَمِينَ».

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ۝٥٥

يقول تعالى ذكره: ادعوا أيها الناس ربكم وحده، فأخلصوا له الدعاء دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام. {تَضَرُّعاً} يقول: تذللاً واستكانة لطاعته. {وَخُفْيَةً} يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جهاراً مراءاة، وقلوبكم غير موقنة بوحدانيته وربوبيته، فعل أهل النفاق والخداع لله ولرسوله. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن المبارك فضالة، عن الحسن، قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوّار وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبداً. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلاَّ همساً بينهم وبين ربهم وذلك أن الله يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً، فرضي فعله فقال:

{ إذْ نادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا }}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى، قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأشرفوا على واد يكبرون ويهللون ويرفعون أصواتهم، فقال:

أيُّها النَّاسُ ارْبَعُوا على أنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ وَلا غائِباً إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعاً قَرِيباً مَعَكُمْ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخْفْيَةً} قال: السرّ.

وأما قوله: {إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} فإن معناه: إن ربكم لا يحبّ من اعتدى فتجاوز حدّه الذي حدّه لعباده في دعائه ومسألته ربه، ورفعه صوته فوق الحدّ الذي حدّ لهم في دعائهم إياه ومسألتهم وفي غير ذلك من الأمور. كما:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: أنبأنا إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن عباد بن عباد، عن علقمة، عن أبي مجلز: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إنه لا يحِبُّ المُعْتَدِينَ} قال: لا يسأل منازل الأنبياء عليهم السلام.

حدثني القاسم قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: {إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} في الدعاء ولا في غير. قال ابن جريج: إن من الدعاء اعتداء يكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء، ويؤمر بالتضرّع والاستكانة.

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ۝٥٦

يعني تعالى ذكره بقوله: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها} لا تشركوا بالله في الأرض ولا تعصوه فيها وذلك هو الفساد فيها. وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى وبيَّنا معناه بشواهده. {بعدَ إصْلاحِها} يقول: بعد إصلاح الله إياها لأهل طاعته بابتعاثه فيهم الرسل دعاة إلى الحقّ، وإيضاحه حججه لهم. {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} يَقُولُ: وأخلصوا له الدعاء والعمل، ولا تشركوا في عملكم له شيئاً غيره من الآلهة والأصنام وغير ذلك، وليكن ما يكون منكم في ذلك خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه وإن من كان دعاؤه إياه على غير ذلك فهو بالآخرة من المكذّبين، لأن من لم يخف عقاب الله ولم يَرْج ثوابه لم يبال ما ركب من أمر يسخطه الله ولا يرضاه. {إنَّ رَحمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ} يقول تعالى ذكره: إن ثواب الله الذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدنيا قريب منهم. وذلك هو رحمته لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعدّ لهم من كرامته، إلاَّ أن تفارق أرواحهم أجسادهم ولذلك من المعنى ذكر قوله: {قَريبٌ} وهو من خبر الرحمة والرحمة مؤنثة، لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النسب والأوقات بذلك المعنى، إذا رفعت أخباراً للأسماء أجرتها العرب مجرى الحال فوحدتها مع الواحد والاثنين والجميع وذكَّرتها مع المؤنث، فقالوا: كرامة الله بعيد من فلان، وهي قريب من فلان، كما يقولون: هند قريب منا، والهندان منا قريب، والهندات منا قريب، لأن معنى ذلك: هي في مكان قريب منا، فإذا حذفوا المكان وجعلوا القريب خلفاً منه، ذكروه ووحدوه في الجمع، كما كان المكان مذكراً وموحداً في الجمع. وأما إذا أنثوه أخرجوه مثنى مع الاثنين ومجموعاً مع الجميع فقالوا: هي قريبة، منا، وهما منا قريبتان، كما قال عروة بن الورد:

عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌفَتَدْنُو وَلا عَفْراءُ مِنْكَ بَعِيدُ

فأنَّث قريبة، وذكَّر بعيداً على ما وصفت. ولو كان القريب من القرابة في النسب لم يكن مع المؤنث إلاَّ مؤنثاً ومع الجمع إلاَّ مجموعاً. وكان بعض نحويي البصرة يقول: ذُكِّر قريب وهو صفة للرحمة، وذلك كقول العرب: ريح خريق، وملحفة جديد، وشاة سديس. قال: وإن شئت قلت: تفسير الرحمة ههنا المطر ونحوه، فلذلك ذكر كما قال: { وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا }فذكَّر لأنه أراد الناس، وإن شئت جعلته كبعض ما يذكرون من المؤنث، كقول الشاعر:

وَلا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَهَا

وقد أنكر ذلك من قيله بعض أهل العربية، ورأى أنه يلزمه إن جاز أن يذكر قريباً توجيهاً منه للرحمة إلى معنى المطر أن يقول: هند قام، توجيهاً منه لهند وهي امرأة إلى معنى إنسان، ورأى أن ما شبه به قوله: {إنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ} بقوله: { وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنوا }غير مشبهة، وذلك أن الطائفة فيما زعم مصدر بمعنى الطيف، كما الصيحة والصياح بمعنى، ولذلك قيل: وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ.

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٥٧

يقول تعالى ذكره: إن ربكم الذي خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره «هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرّياحُ نَشْراً بينَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ». والنشر بفتح النون وسكون الشين في كلام العرب من الرياح الطيبة اللينة الهبوب التي تنشىء السحاب، وكذلك كلّ ريح طيبة عندهم فهي نشر ومنه قول امرىء القيس:

كأنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغَمامِورِيحَ الخُزَامَى وَنَشْرَ القُطُرْ

وبهذه القراءة قرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه كان يقرؤه: {بُشْراً} على اختلاف عنه فيه، فروى ذلك بعضهم عنه: {بُشْراً} بالباء وضمها وسكون الشين، وبعضهم بالباء وضمها وضمّ الشين، وكان يتأوّل في قراءته ذلك كذلك قوله: وَمِنْ آياتِه أن يُرْسِلَ الرّياحَ مُبَشِّراتٍ: تبشر بالمطر، وأنه جمع بشير بُشُراً، كما يجمع النذير نُذُراً. وأما قرّاء المدينة وعامة المكيين والبصريين، فإنهم قرأوا ذلك: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ نُشْراً» بضم النون والشين، بمعنى جمع نشور جمع نشرا، كما يجمع الصبور صُبُرا، والشكور شُكُرا. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: معناها إذا قرئت كذلك أنها الريح التي تهبّ من كلّ ناحية وتجيء من كلّ وجه. وكان بعضهم يقول: إذا قرئت بضمّ النون فينبغي أن تسكن شينها، لأن ذلك لغة بمعنى النشر بالفتح وقال: العرب تضمّ النون من النشر أحياناً، وتفتح أحياناً بمعنى واحد. قال: فاختلاف القرّاء في ذلك على قدر اختلافها في لغتها فيه. وكان يقول: هو نظير الخَسف والخُسف بفتح الخاء وضمها.

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن قراءة من قرأ ذلك «نَشْراً» وَ «نُشُراً» بفتح النون وسكون الشين وبضمّ النون والشين قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، فلا أحبّ القراءة بها، وإن كان لها معنى صحيح ووجه مفهوم في المعنى والإِعراب لما ذكرنا من العلة وأما قوله بين يدي رحمته فإنه يقول قدام رحمته وأمامها والعرب كذلك تقول لكل شيء حدث قدام شيء وأمامه جاء بين يديه لأن ذلك من كلامهم جرى في إخبارهم عن بني آدم وكثر استعماله فيهم حتى قالوا ذلك في غير ابن آدم وما لايد له والرحمة التي ذكرها جلّ ثناؤه في هذا الموضع المطر.

فمعنى الكلام إذن: والله الذي يرسل الرياح ليناً هبوبها، طيباً نسيمها، أمام غيثه الذي يسوقه بها إلى خلقه، فينشىء بها سحاباً ثقالاً، حتى إذا أقلّتها، والإقلال بها: حملها، كما يقال: استقلّ البعير بحمله وأقلّه: إذا حمله فقام به. ساقه الله لإحياء بلد ميت قد تعفت مزارعه ودرست مشاربه وأجدب أهله، فأنزل به المطر وأخرج به من كلّ الثمرات.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ: {وَهُوَ الَّذِي يُرسِلُ الرّياحَ نُشْراً بينَ يَدَيْ رَحْمَتهِ...} إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال: إن الله يرسل الريح، فتأتي بالسحاب من بين الخافقين طرف السماء والأرض من حيث يلتقيان، فيخرجه من ثم، ثم ينشره فيبسطه في السماء كيف يشاء، ثم يفتح أبواب السماء، فيسيل الماء على السحاب، ثم يمطر السحاب بعد ذلك. وأما رحمته: فهو المطر.

وأما قوله: {كذلكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإنه يقول تعالى ذكره: كما نحيي هذا البلد الميت بما ننزل به من الماء الذي ننزله من السحاب، فنخرج به من الثمرات بعد موته وجدوبته وقحوط أهله، كذلك نخرج الموتى من قبورهم أحياء بعد فنائهم ودروس آثارهم. {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول تعالى ذكره للمشركين به من عبدة الأصنام، المكذّبين بالبعث بعد الممات، المنكرين للثواب والعقاب: ضربت لكم أيها القوم هذا المثل الذي ذكرت لكم من إحياء البلد الميت بقطر المطر الذي يأتي به السحاب، الذي تنشره الرياح التي وصفت صفتها لتعتبروا فتذكروا وتعلموا أن من كان ذلك من قدرته فيسير في إحياء الموتى بعد فنائها وإعادتها خلقاً سويًّا بعد دروسها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: {كذلكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وكذلك تخرجون، وكذلك النشور، كما نخرج الزرع بالماء.

وقال أبو هريرة: «إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يُدعى ماء الحيوان أربعين سنة فينبتون كما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح، ثم يلقي عليهم نومة، فينامون في قبورهم، فإذا نُفخ في الصور الثانية، عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم، كما يجد النائم حين يستيقظ من نومه، فعند ذلك يقولون:

{ يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا }فناداهم المنادي { هَذَا ما وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ المُرْسَلُونَ }}.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {كذلكَ نُخْرِجُ المَوْتَى} قال: إذا أراد الله أن يخرج الموتى أمطر السماء حتى تتشقق عنهم الأرض، ثم يرسل الأرواح فتعود كلّ روح إلى جسدها، فكذلك يحيي الله الموتى بالمطر كإحيائه الأرض.

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ۝٥٨

يقول تعالى ذكره: والبلد الطيبة تربته العذبة مشاربه، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث وأرسل عليه الحيا بإذنه طيباً ثمره في حينه ووقته. {وَالَّذِي خَبُثَ} فردؤت تربته وملحت مشاربه، {لا يَخْرُجُ} نباته {إلاَّ نَكِداً} يقول: إلاَّ عسراً في شدّة، كما قال الشاعر:

لا تُنْجِرُ الوَعْدَ إنْ وَعَدْتَ وَإنْأعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهاً نَكِدَا

يعني بالتافه: القليل، وبالنكد، العسر، يقال منه: نَكِدَ يَنْكَدُ نَكَداً ونَكْداً، فهو نَكَدٌ ونَكِدٌ، والنكد المصدر، ومن أمثالهم نَكْداً وجَحْداً ونُكْداً وجُحْداً، والجحد: الشدّة والضيق، ويقال إذا شفه وسئل قد نكدوه ينكَدونه نَكْداً، كما قال الشاعر:

وأعْطِ ما أعْطَيْتَهُ طَيِّباًلا خيرَ في المَنْكُودِ والنَّاكِدِ

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك فقرأه بعض أهل المدينة: «إلاَّ نَكَداً» بفتح الكاف. وقرأه بعض الكوفيين بسكون الكاف: «نَكْداً». وخالفهما بعد سائر القرّاء في الأمصار، فقرأوه: {إلاَّ نَكِداً} بكسر الكاف. كأن من قرأه: «نَكَداً» بنصب الكاف أراد المصدر، وكأن من قرأه بسكون الكاف أراد كسرها فسكنها على لغة من قال: هذه فخْذ وكتْد، وكان الذي يجب عليه إذا أراد ذلك أن يكسر النون من «نكد» حتى يكون قد أصاب القياس.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأه: {نَكِداً} بفتح النون وكسر الكاف لإجماع الحجة من قرّاء الأمصار عليه. وقوله: {كذلكَ نُصَرّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} يقول: كذلك نبين آية بعد آية، وندلي بحجة بعد حجة، ونضرب مثلاً بعد مثل، لقوم يشكرون الله على إنعامه عليهم بالهداية وتبصيره إياهم سبيل أهل الضلالة، باتباعهم ما أمرهم باتباعه وتجنبهم ما أمرهم بتجنبه من سبل الضلالة. وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالبلد الطيب الذي يخرج نباته بإذن ربه مثل للمؤمن، والذي خبث فلا يخرج نباته إلا نَكداً مثل للكافر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح عن عليّ عن ابن عباس قوله: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ باذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِداً} فهذا مثل ضربه الله للمؤمن، يقول: هو طيب وعمله طيب كما البلد الطيب ثمره طيب. ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبِخة المالحة التي لا تخرج منها البرَكة، فالكافر هو الخبيث وعمله خبيث.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ... والَّذِي خَبُثَ} قال: كلّ ذلك من أرض السباخ وغيرها مثل آدم وذرّيته، فيهم طيب وخبيث.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ باذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِداً} قال: هذا مثل ضربه الله في الكافر والمؤمن.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد، يعني ابن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ باذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ} هي السبخة {لا يَخْرُجُ} نباتها {إلاَّ نَكِداً}. والنكِد: الشيء القليل الذي لا ينفع كذلك القلوب لما نزل القرآن، فالقلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به، وثبت الإيمان فيه والقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه، ولم يثبت فيه من الإيمان شيء إلاَّ ما لا ينفع، كما لم يخرج هذا البلد إلاَّ ما لا ينفع من النبات.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مجاهد: {وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بإذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِداً} قال: الطيب ينفعه المطر فينبت، والذي خبث السباخ لا ينفعه المطر لا يخرج نباته إلاَّ نكداً، قال: هذا مثل ضربه الله لآدم وذرّيته كلهم، إنما خلقوا من نفس واحدة، فمنهم من آمن بالله وكتابه فطاب ومنهم من كفر بالله وكتابه فخبُث.

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ۝٥٩

أقسم ربنا جلّ ثناؤه للمخاطبين بهذه الآية أنه أرسل نوحاً إلى قومه منذرهم بأسه، ومخوّفهم سخطه على عبادتهم غيره، فقال لمن كفر منهم: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ} الذي له العبادة، وذلوا له بالطاعة واخضعوا له بالاستكانة، ودعوا عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، فإنه ليس لكم معبود يستوجب عليكم العبادة غيره، فإني أخاف عليكم إن لم تفعلوا ذلك {عَذَابَ يَوْمٍ عظِيم} يعني: عذاب يوم يعظم فيه بلاؤكم بمجيئه إياكم بسخط ربكم.

وقد اختلفت القرّاء في قراءة قوله: {غَيْرُهُ} فقرأ ذلك بعض أهل المدينة والكوفة: «ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غيرِهِ» يخفض «غير» على النعت للإله. وقرأ جماعة من أهل المدينة والبصرة والكوفة: {مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غٍيْرُهُ} برفع «غيرُ»، ردّ الهاء على موضع «من» لأن موضعها رفع لو نزعت من الكلام لكان الكلام رفعاً، وقيل: ما لكم إله غير الله، فالعرب لما وصفت من أن المعلوم بالكلام أدخلت «من» فيه أو أخرجت، وإنها تدخلها أحياناً في مثل هذا من الكلام وتخرجها منه أحياناً تردّ ما نعتت به الاسم الذي عملت فيه على لفظه، فإذا خفضت فعلى كلام واحد، لأنها نعت للإله وأما إذا رفعت، فعلى كلامين: ما لكم غيره من إله، وهذا قول يستضعفه أهل العربية.

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ ۝٦٠

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن جواب مشركي قوم نوح لنوح، وهم الملأ والملأ: الجماعة من الرجال لا امرأة فيهم أنهم قالوا له حين دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له: {إنَّا لَنَرَاكَ} يا نوح {فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} يعنون: في أمر زائل عن الحقّ، مبين زواله عن قصد الحدّ لمن تأمَّله.

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦١

يقول تعالى ذكره: قال نوح لقومه مجيباً لهم: يا قوم لم آمركم بما أمرتكم به من إخلاص التوحيد لله وإفراده بالطاعة دون الأنداد والآلهة زوالاً مني عن محجة الحقّ وضلالاً لسبيل الصواب، وما بي ما تظنون من الضلال، ولكني رسول إليكم من ربّ العالمين بما أمرتكم به من إفراده بالطاعة والإقرار له بالوحدانية والبراءة من الأنداد والآلهة.

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٦٢

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن نبيه نوح عليه السلام أنه قال لقومه الذين كفروا بالله وكذّبوه: ولكني رسول من ربّ العالمين أرسلني إليكم، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأنصح لكم في تحذيري إياكم عقاب الله على كفركم به وتكذيبكم إياي وردّكم نصيحتي. {وأعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلمُونَ}: من أن عقابه لا يردّ عن القوم المجرمين.

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ۝٦٣

وهذا أيضاً خبر من الله عزّ ذكره عن قيل نوح لقومه أنه قال لهم إذْ ردّوا عليه النصيحة في الله، وأنكروا أن يكون الله بعثه نبيًّا، وقالوا له:

{ ما نَرَاكَ إلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنا بادِيَ الرأيِ وَما نَرَى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبِينَ }}: {أوَ عَجِبْتُمْ أنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يقول: أو عجبتم أن جاءكم تذكير من الله وعظة، يذكركم بما أنزل ربكم على رجل منكم. قيل: معنى قوله: {على رَجُلٍ منْكُمْ} مع رجل منكم {لِيُنْذِرَكُمْ} يقول: لينذركم بأس الله، ويخوّفكم عقابه على كفركم به. {وَلِتَتَّقُوا} يقول: وكي تتقوا عقاب الله وبأسه، بتوحيده وإخلاص الإيمان به والعمل بطاعته. {ولَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} يقول: وليرحمكم ربكم إن اتَّقيتم الله وخفتموه وحذّرتم بأسه. وفُتحت الواو من قوله: {أوَ عَجِبْتُمْ} لأنها واو عطف دخلت عليها ألف استفهام.

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ ۝٦٤

يقول تعالى ذكره: فكذّب نوحاً قومُه، إذ أخبرهم أنه لله رسول إليهم يأمرهم بخلع الأنداد والإقرار بوحدانية الله والعمل بطاعته، وخالفوا أمر ربهم ولجوا في طغيانهم يعمهون، فأنجاه الله في الفلك والذين معه من المؤمنين به. وكانوا بنوح عليه السلام ثلاث عشرة، فيما:

حدثني به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: نوح وبنوه الثلاثة: سام، وحام، ويافث وأزواجهم، وستة أناسيّ ممن كان آمن به.

وكان حمل معه في الفُلك من كلّ زوجين اثنين، كما قال تبارك وتعالى:

{ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِيلٌ }}. والفُلك: هو السفينة. {وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذّبُوا بآياتِنا} يقول: وأغرق الله الذين كذّبوا بحججه ولم يتبعوا رسله ولم يقبلوا نصيحته إياهم في الله بالطوفان. {إنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ} يقول: عمين عن الحقّ. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {عَمِينَ} قال: عن الحقّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {قَوْماً عَمِينَ} قال: العَمِي: العامي عن الحقّ.

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝٦٥

يقول تعالى ذكره: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً ولذلك نصب «هوداً»، لأنه معطوف به على نوح عليهما السلام. {قَالَ} هود: {يا قَوْمِ اعْبُدُوا الله} فأفردوا له العبادة، ولا تجعلوا معه إلهاً غيره، فإنه ليس لكم إله غيره. {أفلا تَتَّقُونَ} ربكم فتحذرونه وتخافون عقابه بعبادتكم غيره، وهو خالقكم ورازقكم دون كلّ ما سواه؟

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ ۝٦٦ قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٦٧

يقول تعالى ذكره مخبراً عما أجاب هوداً به قومه الذين كفروا بالله: {قَالَ الملأُ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني الذين جحدوا توحيد الله، وأنكروا رسالة هود إليهم: {إنا لَنَرَاكَ} يا هود {فِي سَفاهَةٍ} يعنون في ضلالة عن الحقّ والصواب، بتركك دينَنا وعبادة آلهتنا. {وَإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ} في قِيلك إني رسول من ربّ العالمين. {قالَ يا قَوْمَ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ}: يقول: أي ضلالة عن الحقّ والصواب، {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبّ العالَمِينَ} أرسلني، فأنا أبلغكم رسالات ربي وأؤدّيها إليكم كما أمرني أن أؤديها.

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ۝٦٨ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةً فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝٦٩

يعني بقوله: {أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبّي}: أؤدّي ذلك إليكم أيها القوم. {وأنا لَكُمْ ناصِحٌ}: يقول: وأنا لكم في أمري إياكم بعبادة الله دون ما سواه من الأنداد والآلهة، ودعائكم إلى تصديقي فيما جئتكم به من عند الله، ناصحٌ، فاقبلوا نصيحتي، فإني أمين على وحي الله وعلى ما ائتمنني الله عليه من الرسالة، لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدّل، بل أبلغ ما أمرت به كما أمرت. {أوَ عَجِبْتُمْ أنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ على رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} يقول: أَوَ عجبتم أن أنزل الله وحيه بتذكيركم وعظتكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة، على رجل منكم، لينذركم بأس الله ويخوّفكم عقابه. {وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْم نُوحٍ} يقول: فاتقوا الله في أنفسكم، واذكروا ما حلّ بقوم نوح من العذاب إذ عَصَوا رسولهم وكفروا بربهم، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها، فاتقوا الله أن يحل بكم نظير ما حلّ بهم من العقوبة فيهلككم ويبدل منكم غيركم، سنته في قوم نوح قبلكم على معصيتكم إياه وكفركم به. {وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَسْطَةً}: زاد في أجسامكم طولاً وعِظَماً على أجسام قوم نوح، وفي قَوامكم على قَوامهم، نعمة منه بذلك عليكم، فاذكروا نعمه وفضله الذي فضَّلكم به عليهم في أجسامكم وقَوامكم، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له وترك الإشراك به وهجر الأوثان والأنداد. {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يقول: كي تفلحوا، فتدركوا الخلود والبقاء في النعيم في الآخرة، وتنجحوا في طلباتكم عنده.

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْم نُوحٍ} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} يقول: ذهب بقوم نوح واستخلفكم من بعدهم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ}: أي ساكني الأرض بعد قوم نوح.

وبنحو الذي قلنا أيضاً قالوا في تأويل قوله {بَسْطَةً}.ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَسْطَةً} قال: ما لقوام قوم عاد.

وأما الآلاء فإنها جمع، واحدها: «إِلَى» بكسر الألف في تقدير مِعَى، ويقال: «أَلَى» في تقدِير قَفَا بفتح الألف. وقد حُكي سماعاً من العرب إلْيٌ مِثْل حِسْيٍ. والآلاء: النعم. وكذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فاذْكُرُوا آلاء اللّهِ} أي نعم الله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {اما آلاء اللّهِ} فنعم الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {فاذْكُرُوا آلأَ اللّهِ} قال: آلاؤه: نعمه.

قال أبو جعفر: وعاد هؤلاء القوم الذين وصف الله صفتهم وبعث إليهم هوداً يدعوهم إلى توحيد الله واتباع ما أتاهم به من عنده، هم فيما:

حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح.

وكانت مساكنهم الشِّحْر من أرض اليمن، وما والى بلاد حضرموت إلى عُمان. كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السِّديّ: إن عاداً قوم كانوا باليمن بالأحقاف.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنا ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب عليه السلام يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيباً أحمر يخالطه مَدَرَة حمراء ذا أراكٍ وسِدْر كثير بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، والله إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا، ولكني قد حُدثت عنه. فقال الحضرميّ: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود صلوات الله عليه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كانت منازل عاد وجماعتهم حين بعث الله فيهم هوداً الأحقاف، قال: والأحقاف: الرمل فيما بين عمان إلى حضرموت باليمن، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله، وكانُوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله: صنم يقال له صُداء، وصنم يقال له صمود، وصنم يقال له الهباء. فبعث الله إليهم هوداً، وهو من أوسطهم نسباً وأفضلهم موضعاً، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلهاً غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم فيما يُذكر والله أعلم بغير ذلك. فأبوا عليه وكذّبوه، وقالوا: من أشدّ منا قوّة واتبعه منهم ناس وهم يسيرٌ، يكتمون إيمانهم، وكان ممن آمن به وصدّقه رجل من عاد يقال له مرثد بن سعد بن عفير، وكان يكتم إيمانه، فلما عتوا على الله وكذّبوا نبيهم، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا بكلّ ريع آية عبثاً بغير نفع، كلمهم هود، فقال: أتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فاتَّقُوا اللّهَ وأطِيعُونِ

{ قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ }أي ما هذا الذي جئتنا به إلاَّ جنون أصابك به بعض آلهتنا هذه التي تعيب، { قال إنّي أُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُوا أنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُم لا تُنْظِرُونِ... }إلى قوله: صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر من السماء ثلاث سنين فيما يزعمون، حتى جهدهم ذلك. وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد، فطلبوا إلى الله الفرج منه، كانت طلبتهم إلى الله عند بيته الحرام بمكة، مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم، وكلهم معظِّم لمكة يعرف حرمتها ومكانها من الله. قال ابن إسحاق: وكان البيت في ذلك الزمان معروفاً مكانه، والحرم قائماً فيما يذكرون، وأهل مكة يومئذ العماليق وإنما سموا العماليق، لأن أباهم عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيدُ العماليق إذ ذاك بمكة فيما يزعمون رجلاً يقال له: معاوية بن بكر، وكان أبوه حيًّا في ذلك الزمان ولكنه كان قد كبر، وكان ابنه يرأس قومه، وكان السؤدد والشرف من العماليق فيما يزعمون في أهل ذلك البيت، وكانت أمّ معاوية بن بكر كلهدة ابنة الخيبري رجل من عاد. فلما قحِط المطر عن عاد وجهدوا، قالوا: جهزوا منكم وفداً إلى مكة، فليستسقوا لكم، فإنكم قد هلكتم فبعثوا قيل ابن عتر ولقيم بن هزال من هذيل وعقيل بن صدّ بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عفير، وكان مسلماً يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر أخو أمه، ثم بعثوا لقمان بن عاد بن فلان بن فلان بن صدّ بن عاد الأكبر. فانطلق كلّ رجل من هؤلاء القوم معه رهط من قومه حتى بلغ عدّة وفدهم سبعين رجلاً. فلما قدموا مكة، نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره. فلما نزل وفد عاد على معاوية بن بكر، أقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنِّيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهراً ومقامهم شهراً. فلما رأى معاوية بن بكر طول مُقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوّثون بهم من البلاء الذي أصابهم، شقّ ذلك عليه، فقال: هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي نازلون عليّ والله ما أدري كيف أصنع بهم إن أمرتهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنوا أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك مَن وراءهم من قومهم جهداً وعطشاً. أو كما قال. فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعراً نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعلّ ذلك أن يحرّكهم. فقال معاوية بن بكر حين أشارتا عليه بذلك:

ألا يا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْلَعَلَّ اللّهَ يُسْقِينا غَمامَا فَيَسْقِي أرْضَ عادٍ إنَّ عادًاقَدَ امْسَوْا لا يُبِينُونَ الكَلامَا مِنَ العَطَشِ الشَّدِيدِ فليسَ نَرْجوبِهِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ وَلا الغُلامَا وقَدْ كانَتْ نِساؤُهُمُ بِخَيْرٍفَقَدْ أمْسَتْ نِساؤُهُمُ عَيامَى وَإنَّ الوَحْشَ يَأْتِيهِمْ جِهاراًوَلا يَخْشَى لِعادِيّ سِهامَا وأنْتُمْ ها هُنا فِيما اشْتَهَيْتُمْنَهارَكُمُ وَلَيْلَكُمُ التَّمامَا فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قوْمٍوَلا لُقُّوا التَّحِيَّةَ وَالسَّلامَا

فلما قال معاوية ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان، فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله لا تُسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إليه سقيتم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُلهُمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر حين سمع قوله وعرف أنه قد اتبع دين هود وآمن به:

أبا سَعْدٍ فإنَّكَ مِنْ قَبِيلٍذَوِي كَرَمٍ وأُمُّكَ مِنْ ثَمُودِ فإنَّا لا نُطِيعُكَ ما بَقِيناوَلَسْنا فاعِلِينَ لِمَا تُرِيدُ أتأْمُرُنا لِنَتْرُكَ دِينَ رِفْدٍوَرَمْلٍ والصُّدَاءَ مَعَ الصُّمُود ونَتْرُكَ دِينَ آباءٍ كِرَامٍذَوِي رأْيٍ ونَتْبَعُ دِينَ هُودِ

ثم قالوا لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنا مرثد بن سعد، فلا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد فلما ولوا إلى مكة، خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية بن بكر، حتى أدركهم بها، فقال: لا أدعو الله بشيء مما خرجوا له فلما انتهى إليهم، قام يدعو الله بمكة، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون، يقول: اللهمّ أعطني سؤلي وحدي، ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل بن عنز رأس وفد عاد، وقال وفد عاد: اللهمَّ أعط قيلاً ما سألك، واجعل سؤلنا مع سؤله. وكان قد تخلف عن وفد عاد حين دعا لقمان بن عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم، قام فقال: اللهمّ إني جئتك وحدي في حاجتي، فأعطني سؤلي وقال قَيْل بن عير حين دعا: يا إلهنا إن كان هود صادقاً فاسقنا، فإنا قد هلكنا فأنشأ الله لهم سحائب ثلاثاً: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحاب: يا قيل اختر لنفسك ولقومك من هذه السحائب فقال: اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء، فناداه مناد: اخترت رماداً رِمْدَدا، لا تبق من آل عاد أحدا، لا والدا تترك ولا ولَدا، إلا جعلته هُمَّدا، إلا بني اللَّوْذية المُهَدَّا. وبني اللوذية: بنو لُقيم بن هزال بن هزيلة بن بكر وكانوا سكاناً بمكة مع أخوالهم، ولم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد. وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التي اختارها قيل بن عير بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا بها { وَقالُوا هَذَا عارِضٌ مُمْطِرُنا }يقول الله: { بَلْ هُوَ ما اسْتَعَجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذَابٌ ألِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شيءٍ بأمر ربَّها }}: أي كلّ شيء أمرت به. وكان أوّل من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون، امرأة من عاد يقال لها مَهْدَد. فلما تيقنت ما فيها، صاحت ثم صُعِقت فلما أن أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مهدد؟ قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، كما قال الله والحسوم: الدائمة فلم تدع من عاد أحداً إلا هلك. فاعتزل هود فيما ذكر لي ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذّ به الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالظُّعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة. وخرج وفد عاد من مكة، حتى مروا بمعاوية بن بكر وابنه، فنزلوا عليه، فبينما هم عنده إذ أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا له: أين فارقت هوداً وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر، فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هذيلة بنت بكر: صدق وربّ الكعبة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم، عن الحارث بن حسان البكريّ، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت على امرأة بالرَّبَذَة، فقالت: هل أنت حاملي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم. فحملتها حتى قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وإذا بلال متقلد السيف، وإذا رايات سود، قال: قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غزوته. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على منبره أتيته فاستأذنت فأذن لي، فقلت: يا رسول الله إن بالباب امرأة من بني تميم، وقد سألتني أن أحملها إليك. قال:

يا بِلالُ ائْذَنْ لَهَاقال: فدخلت، فلما جلست قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلْ بَيْنَكُمْ وبينَ تَمِيمٍ شَيْءٍ؟قلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، فإن رأيت أن تجعل الدهناء بيننا وبينهم حاجزاً فعلت. قال تقول المرأة: فإلى أين يضطّر مضطّرك يا رسول الله؟ قال: قلت: إن مَثَلي مَثَل ما قال الأوّل: مِعزًى حملت حتفها. قال: قلت: وحملتك تكونين عليّ خصماً؟ أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وَما وَافِدُ عادٍ؟ قال: قلت: على الخبير سقطتَ، إن عاداً قُحِطت، فبعثت من يستسقي لها، فبعثوا رجالاً، فمروا على بكر بن معاوية فسقاهم الخمر وتغنتهم الحرادتان شهراً، ثم فصلوا من عنده حتى أتوا جبال مهرة، فدعوْا، فجاءت سحابات، قال: وكلما جاءت سحابة، قال: اذهبي إلى كذا، حتى جاءت سحابة، فنودي: خذها رمادا رمددا، لا تدع من عاد أحدا. قال: فسمعه وكلمهم، حتى جاءهم العذاب. قال أبو كريب: قال أبو بكر بعد ذلك في حديث عاد، قال: فأقبل الذين أتاهم فأتى جبال مهرة، فصعد فقال: اللهمّ إني لم أجئك لأسير فأفاديه، ولا لمريض فأشفيه، فاسْقِ عاداً ما كنت مسقيه قال: فرفعت له سحابات قال: فنودي منها: اختر قال: فجعل يقول: اذهبي إلى بني فلان، اذهبي إلى بني فلان. قال: فمرّت آخرها سحابة سوداء، فقال: اذهبي إلى عاد. فنودي: منها خذها رمادا رمددا لا تدع من عاد أحدا. قال: وكلمهم، والقوم عند بكر بن معاوية يشربون، قال: وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده وأنهم في طعامه. قال: فأخذ في الغناء وذكَّرهم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن الحباب، قال: ثنا سلام أبو المنذر النحوي، قال: ثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكري، قال: خرجت لأشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوز منقطع بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فقدمت المدينة. قال: فإذا رايات، قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً، قال: فجلست حتى فرغ. قال: فدخل منزله أو قال: رحله فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت، فقعدت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هَلْ كانَ بَيْنَكُمْ وبينَ تَمِيمٍ شَيْءٌ؟ قلت: نعم، وكانت لنا الدائرة عليهم، وقد مررت بالربذة فإذا عجوز منهم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب. فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت فقلت: يا رسول الله اجعل بيننا وبين تميم الدهناء حاجزاً فحميت العجوز واستوفزت وقالت: إلى أين يضطرّ مضطرّك يا رسول الله؟ قال: قلت: أنا كما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال: «وَما وَافِدُ عادٍ؟» قال: على الخيبر سقطت، قال: وهو يستطعمني الحديث، قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا قيلاً وافداً، فنزل على بكر، فسقاه الخمر شهراً، وغنته جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج إلى جبال مهرة، فنادى: إني لم أجىء لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهمّ اسق عاداً ما كنت مسقيه فمرّت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبق من عاد أحدا. قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد ففيما بلغني أنه ما أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلاَّ قدر ما يجري في خاتمي. قال أبو وائل: فكذلك بلغني.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ:

{ وَإلى عادٍ أخاهُم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غيرُهُ }}: إن عاداً أتاهم هود، فوعظهم وذكَّرهم بما قصّ الله في القرآن. فكذّبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب، فقال لهم: { إنّما العِلْمُ عِنْدَ الله وأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ لِهِ }}. وإن عاداً أصابهم حين كفروا قحوط المطر، حتى جهدوا لذلك جهداً شديداً، وذلك أن هوداً دعا عليهم، فبعث الله عليهم الريح العقيم، وهي الريح التي لا تلقح الشجر فلما نظروا إليها قالوا: { هَذَا عارِضٌ مُمْطِرنا }فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض فلما رأوها تنادوا: البيوتَ فلما دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فأصابتهم في يوم نحس، والنحس: هو الشؤم، ومستمر: استمرّ عليهم العذاب سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، حسمت كل شيء مرّت به. فلما أخرجتهم من البيوت، قال الله: { تَنْزِعُ النَّاسَ }من البيوت، { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِر }انقعر من أصوله، خاوية: خوت فسقطت. فلما أهلكهم الله، أرسل إليهم طيراً سوداً، فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه، فذلك قوله: { فَأصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَساكِنُهُمْ }ولم تخرج ريح قطّ إلا بمكيال إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها وذلك قوله: { فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ }والصرصر: ذات الصوت الشديد.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ