انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 114–133

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 88–116في هذه الصفحة 17:01
  2. 2 الآيات 117–141في هذه الصفحة 17:15

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ۝١١٤ قَالُوا۟ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ۝١١٥

يقول جلّ ثناؤه: قال فرعون للسحرة إذ قالوا له: إن لنا عندك ثوابـاً إن نـحن غلبنا موسى قال: نعم، لكم ذلك، وإنكم لـمـمن أقرّبه وأدنـيه منـي. {قَالُوا يَا مُوسَى} يقول: قالت السحرة لـموسى: يا موسى اختر أن تلقـي عصاك، أو نلقـي نـحن عصينا ولذلك أدخـلت «أن» مع «إما» فـي الكلام لأنها فـي موضع أمر بـالاختـيار، فإن «أنْ» فـي موضع نصب لـما وصفت من الـمعنى، لأن معنى الكلام: اختر أن تلقـي أنت، أو نلقـي نـحن، والكلام مع «إما» إذا كان علـى وجه الأمر، فلا بدّ من أن يكون فـيه «أن» كقولك للرجل إما أن تـمضيَ، وإما أن تقعد، بـمعنى الأمر: امض أو اقعد، فإذا كان علـى وجه الـخبر لـم يكن فـيه أن كقوله: {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذّبُهُمْ وإمَّا يَتُوبُ عَلَـيْهِمْ} وهذا هو الذي يسمى التـخيـير، وكذلك كلّ ما كان علـى وجه الـخبر، و«إما» فـي جميع ذلك مكسورة.

قَالَ أَلْقُوا۟ فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ۝١١٦

يقول تعالـى ذكره: قال موسى للسحرة: {ألْقُوا} ما أنتـم ملقون، فألقت السحرة ما معهم. {فَلَـمَّا ألْقَوْا} ذلك {سَحَرُوا أعْيُنَ النَّاسِ} خيـلوا إلـى أعين الناس بـما أحدثوا من التـخيـيـل والـخدع أنها تسعى. {وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} يقول: واسترهبوا الناس بـما سحروا فـي أعينهم، حتـى خافوا من العصيّ والـحبـال، ظنا منهم أنها حيات. {وَجاءُوا} كما قاله الله {بِسِحْرٍ عَظِيـمٍ}: بتـخيـيـل عظيـم كثـير، من التـخيـيـل والـخداع.

وذلك كالذي: حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال لهم موسى: ألقوا ما أنتـم ملقون فألقوا حبـالهم وعصيهم، وكانوا بضعة وثلاثـين ألف رجل، لـيس منهم رجل إلا معه حبل وعصا. {فَلَـمَّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} يقول: فَرَّقوهم فأوجس فـي نفسه خيفة موسى.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: ألقوا حبـالاً غلاظاً وخشبـاً طوالاً، قال: فأقبلت تـخيـل إلـيه من سحرهم أنها تسعى.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: صفّ خمسة عشر ألف ساحر، مع كلّ ساحر حبـاله وعصيه، وخرج موسى معه أخوه يتكىء علـى عصاه حتـى أتـى الـجمع وفرعون فـي مـجلسه مع أشراف مـملكته، ثم قالت السحرة:

{ يا مُوسَى إمَّا أنْ تُلْقِـيَ وَإمَّا أنْ نكونَ أوّلَ منْ ألقـى قَالَ بَلْ ألْقُوا فإذا حِبَـالُهُمْ وعِصِيُّهُمْ }فكان أوّل ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقـى كلّ رجل منهم ما فـي يده من العصيّ والـحبـال، فإذا هي حيات كأمثال الـحبـال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا. { فأَوْجَسَ فـي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى }وقال: والله إن كانت لعصيًّا فـي أيديهم، ولقد عادت حيات، وما تعدو هذه أو كما حدّث نفسه.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبـي بزّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، وألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا، حتـى جعل يخيـل إلـيه من سحرهم أنها تسعى.

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ۝١١٧

يقول تعالـى ذكره: وأوحينا إلـى موسى أن ألق عصاك، فألقاها فإذا هي تلقم وتبتلع ما يسحرون كذبـاً وبـاطلاً، يقال منه: لقـفت الشيء فأنا ألْقُـفُه لَقْـفـاً ولَقَـفـاناً. وذلك كالذي:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وأوحينا إلـى موسى أن ألق عصاك}، فألقـى موسى عصاه، فتـحولت حية، فأكلت سحرهم كله.

حدثنا عبد الكريـم بن الهيثم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: فألقـى عصاه فإذا هي حية تلقـف ما يأفكون، لا تـمرّ بشيء من حبـالهم وخشبهم التـي ألقوها إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء، ولـيس هذا بسحر، فخرّوا سجداً وقالوا:

{ آمَنَّا بِرَبّ العالَـمِينَ رَبّ مُوسَى وهارُونَ }

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أوحى الله إلـى موسى: لا تـخَف، وألْقِ ما فـيَ يـمِينِك تَلْقَـفْ ما يَأفِكونَ. فألْقَـى عَصَاهُ فأكلت كلّ حية لهم، فلـما رأوا ذلك سجدوا، وقالوا:

{ آمَنَّا بِرَبّ العالَـمِينَ رَبّ مُوسَى وهارُونَ }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال:: أوحى الله إلـيه أن ألق ما فـي يـمينك فألقـى عصاه من يده، فـاستعرضت ما ألقوا من حبـالهم وعصيهم، وهي حيات، فـي عين فرعون وأعين الناس تسعى، فجعلت تلقـفها: تبتلعها حية حية، حتـى ما يرى بـالوادي قلـيـل ولا كثـير مـما ألقوه. ثم أخذها موسى فإذا هي عصاه فـي يده كما كانت، ووقع السحرة سجدا، قالوا:

{ آمَنَّا بِرَبّ العالَـمِينَ رَبّ مُوسَى وهارُونَ }لو كان هذا سحرا ما غلبنا.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام الدستوائي، قال: ثنا القاسم بن أبـي بزّة، قال: أوحى الله إلـيه أن ألق عصاك، فألقـى عصاه فإذا هي ثعبـان فـاغرٌ فـاه، فـابتلع حبـالهم وعصيهم، فألقـي السحرة عند ذلك سجدا، فما رفعوا رؤوسهم حتـى رأوا الـجنة والنار وثواب أهلها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {يَأْفِكُونَ} قال: يكذبون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فإذَا هِيَ تَلْقَـفُ مَا يَأْفِكُونَ} قال: يكذبون.

حدثنا إبراهيـم بن الـمستـمر، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا قرة بن خالد السدوسيّ، عن الـحسن: {تَلْقَـفُ ماَ يَأْفِكُونَ} قال: حبـالهم وعصيهم تسترطها استراطاً.

فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١١٨

يقول تعالـى ذكره: فظهر الـحقّ وتبـين لـمن شهده وحضره فـي أمر موسى، وأنه لله رسول يدعو إلـى الـحقّ {وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} من إفك السحر وكذبه ومخايـله.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَوَقَعَ الـحَقُّ} قال: ظهر.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم بن مهاجر، عن أبـيه، عن مـجاهد فـي قوله: {فَوَقَعَ الـحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} قال: ظهر الـحقّ وذهب الإفك الذي كانوا يعملون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، فـي قوله: {فَوَقَعَ الـحَقُّ} قال: ظهر الـحقّ.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَوَقَعَ الـحَقُّ} ظهر موسى.

فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَٰغِرِينَ ۝١١٩

يقول تعالـى ذكره: فغَلَب موسى فرعونَ وجموعه {هُنالِكَ} عند ذلك، {وَانْقَلَبُوا صَاغرِينَ} يقول: وانصرفوا عن موطنهم ذلك بصُغرْ مقهورين، يقال منه: صَغُر الرجل يصغُر صِغْراً وصُغْراً وصَغَاراً.

وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ۝١٢٠ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝١٢١ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ۝١٢٢

يقول تعالـى ذكره: وألقـي السحرة عندما عاينوا من عظيـم قدرة الله، ساقطين علـى وجوههم، سجداً لربهم، يقولون: آمنا بربّ العالـمين، يقولون صدّقنا بـما جاءنا به موسى، وأن الذي علـينا عبـادته هو الذي يـملك الـجنّ والإنس وجميع الأشياء، وغير ذلك، ويدبِّر ذلك كله، رب موسى وهارون، لا فرعونُ. كالذي:

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما رأت السَّحَرة ما رأت، عرفت أن ذلك أمر من السماء ولـيس بسحر، خرّوا سجداً، وقالوا: آمنا بربّ العالـمين ربّ موسى وهارون.

قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝١٢٣

يقول تعالـى ذكره: {قال فرعون} للسحرة إذ آمنوا بـالله، يعنـي صدّقوا رسوله موسى علـيه السلام لـما عاينوا من عظيـم قدرة الله وسلطانه: {آمنتـم} يقول: أصدقتـم بـموسى وأقررتـم بنبوّته، {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} بـالإيـمان به. {إن هذا} يقول: تصديقكم إياه، وإقراركم بنبوّته، {لـمكرٌ مكرتـمُوهُ فـي الـمَدينةِ} يقول لـخُدْعة خدعتـم بها من فـي مدينتنا لتـخرجوهم منها. {فَسَوْفَ تَعْلَـمونَ } ما أفعل بكم، وتلقون من عقابـي إياكم علـى صنـيعكم هذا. وكان مكرهم ذلك فـيـما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، فـي حديث ذكره عن أبـي مالك وعلـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: التقـي موسى وأمير السَّحَرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بـي وتشهد أن ما جئتُ به حقّ؟ قال السَّاحر: لآتـينّ غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتنـي لأومننّ بك ولأشهدنّ أنك حقّ وفرعون ينظر إلـيهم فهو قول فرعون: {إنَّ هَذَا لـمَكْرٌ مَكَرْتُـمُوهُ فِـي الـمَدِينَةِ } إذ التقـيتـما لتظاهرا فتـخرجا منها أهلها.

لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَٰفٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ۝١٢٤

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قِـيـل فرعون للسحرة إذ آمنوا بـالله وصدّقوا رسوله موسى: {لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} وذلك أن يقطع من أحدهم يده الـيـمنى ورجله الـيسرى، أو يقطع يده الـيسرى ورجله الـيـمنى، فـيخالف بـين العضوين فـي القطع، فمخالفته فـي ذلك بـينهما هو القطع من خلاف.

ويقال: إن أوّل من سنّ هذا القطع فرعون. {ثُم لأُصَلِّبَنَّكُمْ أجمَعِينَ} وإنـما قال هذا فرعون، لـما رأى من خذلان الله إياه وغلبة موسى علـيه السلام وقهره له.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الـحَفَريّ وحَبُّوية الرازيّ، عن يعقوب القميّ، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمّ وأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاف ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أجمَعِينَ} قال: أوّل من صلب وأوّل من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعونُ.

قَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ۝١٢٥ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ۝١٢٦

يقول تعالـى ذكره: قال السحرة مـجيبة لفرعون، إذ توعدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف، والصلب: {إنَّا إلـى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ} يعنـي بـالانقلاب إلـى الله الرجوع إلـيه والـمصير. وقوله: {وَما تَنْقِمُ مِنَّا إلاَّ أنْ آمَنَّا بآياتِ رَبِّنا} يقول: ما تنكر منا يا فرعون وما تـجد علـينا، إلا من أجل أن آمنا: أي صدّقنا بآيات ربنا، يقول: بحجج ربنا وأعلامه وأدلته التـي لا يقدر علـى مثلها أنت، ولا أحد سوى الله، الذي له ملك السموات والأرض. ثم فزعوا إلـى الله، بـمسئلته الصبر علـى عذاب فرعون، وقبض أرواحهم علـى الإسلام، فقالوا: {رَبِّنا أفْرغْ عَلَـيْنا صَبْراً} يعنون بقولهم: أفرغ: أنزل علـينا حبسا يحبسنا عن الكفر بك عند تعذيب فرعون إيانا. {وَتَوَفَّنا مُسْلِـمِينَ} يقول: واقبضنا إلـيك علـى الإسلام، دين خـلـيـلك إبراهيـم صلى الله عليه وسلم، لا علـى الشرك بك.

فحدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط عن السديّ:

{ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ }فقتلهم وصَلَبهم، كما قال عبد الله بن عبـاس حين قالوا: {رَبَّنا أفْرغْ عَلَـيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِـمِينَ} قال: كانوا فـي أوّل النهار سحرة، وفـي آخر النهار شهداء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن عبد العزيز بن رفـيع، عن عبـيد بن عمير، قال: كانت السحرة أوّل النهار سحرة، وآخر النهار شهداء.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله:

{ وأُلْقِـيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ }قال: ذكر لنا أنهم كانوا فـي أوّل النهار سحرة، وآخره شهداء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {رَبَّنا أفْرِغْ عَلَـيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِـمِينَ} قال: كانوا أوّل النهار سحرة، وآخره شهداء.

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ ۝١٢٧

يقول تعالـى ذكره: وقالت جماعة رجال من قوم فرعون لفرعون: أتدع موسى وقومه من بنـي إسرائيـل لـيفسدوا فـي الأرض، يقول: كي يفسدوا خدمك وعبـيدك علـيك فـي أرضك من مصر، {وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ} يقول: ويذرك: ويدع خدمتك موسى، وعبـادتك وعبـادة آلهتك.

وفـي قوله: {وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ} وجهان من التأويـل: أحدهما أتذر موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض وقد تركك وترك عبـادتك وعبـادة آلهتك؟ وإذا وجه الكلام إلـى هذا الوجه من التأويـل كان النصب فـي قوله: {وَيَذَرَكَ} علـى الصرف، لا علـى العطف به علـى قوله «لـيفسدوا». والثانـي: أتذر موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض ولـيذرك وآلهتك كالتوبـيخ منهم لفرعون علـى ترك موسى لـيفعل هذين الفعلـين. وإذا وجه الكلام إلـى هذا الوجه كان نصب: {وَيَذَرَكَ} علـى العطف علـى {لـيُفْسِدُوا}.

والوجه الأوّل أولـى الوجهين بـالصواب، وهو أن يكون نصب: وَيَذَرَكَ علـى الصرف، لأن التأويـل من أهل التأويـل به جاء.

وبعد، فإن فـي قراءة أُبـيّ بن كعب الذي:

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج عن هارون، قال: فـي حرف أبـيّ بن كعب: وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك.

دلالة واضحة علـى أن نصب ذلك علـى الصرف.

وقد روى عن الـحسن البصريّ أنه كان يقرأ ذلك: {وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ} عطفـاً بقوله: {وَيَذَرَكَ} علـى قوله: {أتَذَرُ مُوسَى} كأنه وجَّه تأويـله إلـى: أتذرُ موسى وقومه ويذرك وآلهتك لـيفسدوا فـي الأرض؟ وقد تـحتـمل قراءة الـحسن هذه أن يكون معناها: أتذرُ موسى وقومه لـيفسدوا فـي الأرض وهو يذرُك وآلهتك؟ فـيكون «يذرُك» مرفوعا علـى ابتداء الكلام.

وأما قوله: {وآلِهَتَكَ} فإن قرّاء الأمصار علـى فتـح الألف منها ومدّها، بـمعنى: وقد ترك موسى عبـادتك وعبـادة آلهتك التـي تعبدها. وقد ذكر عن ابن عبـاس أنه كان له بقرةٌ يعبدوها. وقد رُوى عن ابن عبـاس ومـجاهد أنهما كانا يقرآنها: «وَيَذَرَكَ وإلا هَتَكَ» بكسر الألف، بـمعنى: ويذرك وعبُودتك.

والقراءة التـي لا نرى القراءة بغيرها، هي القراءة التـي علـيها قرّاء الأمصار لإجماع الـحجة من القراء علـيها.

ذكر من قال: كان فرعون يعبُد آلهة علـى قراءة من قرأ: {وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ}:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ} وآلهته فـيـما زعم ابن عبـاس، كانت البقرة كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلاً بقرة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن عمرو، عن الـحسن، قال: كان لفرعون جُمَانة معلقة فـي نـحره يعبدها ويسجد لها.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا أبـان بن خالد، قال: سمعت الـحسن يقول: بلغنـي أن فرعون كان يعبد إلها فـي السرّ. وقرأ: «وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ».

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن أبـي بكر، عن الـحسن، قال: كان لفرعون إله يعبده فـي السرّ.

ذكر من قال معنى ذلك: ويذرك وعبـادتك، علـى قراءة من قرأ: «وإلاهتك»:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن مـحمد بن عمرو، عن الـحسن، عن ابن عبـاس: «وَيَذَرَكَ وإلَهَتَكَ» قال: إنـما كان فرعون يُعبد ولا يعَبد.

قال ثنا أبـي، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبـاس أنه قرأ: «وَيَذَرَكَ وإلَهَتَكَ» قال: وعبـادتك، ويقول إنه كان يُعبد ولا يَعبد.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: «وَيَذَرَكَ وإلهَتَكَ» قال: يترك عبـادتك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل عن عمرو بن دينار، عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ: «وإلهَتَكَ» يقول: وعبـادتك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: «وَيَذَرَكَ وإلهَتَكَ» قال: عبـادتك.

حدثنا سعيد بن الربـيع الرازي، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو بن دينار، عن مـحمد بن عمرو بن حسين، عن ابن عبـاس، أنه كان يقرأ: «وَيَذَرَكَ وإلهَتَكَ» وقال: إنـما كان فرعون يُعبد ولا يَعبد.

وقد زعم بعضهم: أن من قرأ: «وإلهَتَكَ» إنـما يقصد إلـى نـحو معنى قراءة من قرأ: {وآلِهَتَكَ} غير أنه أنث وهو يريد إلهاً واحداً، كأنه يريد «وَيَذَرَكَ وإلاهَكَ» ثم أنث الإله فقال: «وإلاهتك».

وذكر بعض البصريـين أن أعرابـياً سُئِل عن الإلاهة فقال: «هي عَلَـمة» يريد علـما، فأنث «العلـم»، فكأنه شيء نصب للعبـادة يُعبد. وقد قالت بنت عتـيبة بن الـحارث الـيربوعي:

تَرَوَّحْنا منَ اللَّعْبـاءِ عَصْراًوأعْجَلْنا الإلاهَةَ أنْ تَئُوبـا

يعنـي بـالإلاهة فـي هذا الـموضع: الشمس. وكأن هذا الـمتأوّل هذا التأويـل، وجّه الإلاهة إذا أدخـلت فـيها هاء التأنـيث، وهو يريد واحد الآلهة، إلـى نـحو إدخالهم الهاء فـي وِلْدَتِـي وكَوْكَبَتِـي ومَاءَتـي، وهو أهْلَة ذاك، وكما قال الراجز:

يا مُضَرُ الـحَمْرَاءِ أنْتِ أُسْرَتِـيوَأنْتِ مَلْـجاتِـي وأنْتِ ظَهْرَتـي

يريد: ظهري. وقد بـين ابن عبـاس ومـجاهد ما أرادا من الـمعنى فـي قراءتهما ذلك علـى ما قرآ، فلا وجه لقول هذا القائل ما قال مع بـيانهما عن أنفسهما ما ذهبـا إلـيه من معنى ذلك.

وقوله: {قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ} يقول: قال فرعون: سنقتل أبناءهم الذكور من أولاد بنـي إسرائيـل. {وَنَسْتَـحِيـي نساءَهُمْ} يقول: ونستبقـي إناثهم. {وَإنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ} يقول: وإنا عالون علـيهم بـالقهر، يعنـي بقهر الـملك والسلطان. وقد بـينا أن كلّ شيء عال بقهر وغلبة علـى شيء، فإن العرب تقول: هو فوقه.

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَٱلْعَٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ۝١٢٨

يقول تعالـى ذكره: قال موسى لقومه من بنـي إسرائيـل لـما قال فرعون للـملإ من قومه سنقتل أبناء بنـي إسرائيـل ونستـحيـي نساءهم: {اسْتَعِينُوا بَـاللَّهِ} علـى فرعون وقومه فـيـما ينوبكم من أمركم، واصبروا علـى ما نالكم من الـمكاره فـي أنفسكم وأبنائكم من فرعون.

وكان قد تبع موسى من بنـي إسرائيـل علـى ما:

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما آمنت السحرة، اتبع موسى ستـمائة ألف من بنـي إسرائيـل.

وقوله: {إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُوِرُثها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـاده} يقول: إن الأرض لله، لعلّ الله أن يُورِثَكم إن صَبَرتـم علـى ما نالكم من مكروه فـي أنفسكم وأولادكم من فرعون، واحتسبتـم ذلك، واستقمتـم علـى السداد أرضَ فرعون وقومه، بأن يهلكهم ويستـخـلفكم فـيها، فإن الله يورث أرضه من يشاء من عبـاده. {والعاقِبَةُ للْـمُتَّقِـينَ} يقول: والعاقبة الـمـحمودة لـمن اتقـى الله وراقبه، فخافه بـاجتناب معاصيه وأدّى فرائضه.

قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ۝١٢٩

يقول تعالـى ذكره: قال قوم موسى لـموسى حين قال لهم استعينوا بـالله واصبروا: {أُوذِينا} بقتل أبنائنا {مِنْ قبلِ أنْ تأْتِـيَنا} يقول: من قبل أن تأتـينا برسالة الله إلـينا لأن فرعون كان يقتل أولادهم الذكور حين أظله زمان موسى علـى ما قد بـينت فـيـما مضى من كتابنا هذا. وقوله: {وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا} يقول: ومن بعد ما جئتنا برسالة الله، لأن فرعون لـما غُلبت سحرته وقال للـملأ من قومه ما قال، أراد تـجديد العذاب علـيهم بقتل أبنائهم واستـحياء نسائهم. وقـيـل: إن قوم موسى قالوا لـموسى ذلك حين خافوا أن يدركهم فرعون وهم منه هاربون، وقد تراءى الـجمعان، ف {قالوا} له يا موسى {أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أنْ تَأْتـيَنا} كانوا يذبحون أبناءنا ويستـحيون نساءنا، {وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا} الـيوم يدركنا فرعون فـيقتلنا.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل االتأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {مِنْ قَبْلِ أنْ تَأْتِـيَنا} من قبل إرسال الله إياك وبعده.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: فلـما تراءى الـجمعان فنظرت بنو إسرائيـل إلـى فرعون قد ردفهم، قالوا: إنَّا لـمُدْرَكُونَ وقالوا: {أوذِيَنا مِنْ قَبْلِ أنْ تَأْتِـيَنَا}. كانوا يذبحون أبناءنا ويستـحيون نساءنا. {ومِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنَا} الـيوم يدركنا فرعون فـيقتلنا، إنَّا لَـمُدْرَكُونَ.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: سار موسى ببنـي إسرائيـل حتـى هجموا علـى البحر، فـالتفتوا فإذا هم برَهْج دوابّ فرعون، فقالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتـينا ومن بعد ما جئتنا، هذا البحر أمامنا وهذا فرعون بـمن معه {قال عَسَى رَبكُمْ أنْ يَهْلِكَ عَدْوَّكُمْ وَيَسْتَـخْـلِفَكُمْ فـي الأرْضِ فَـيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}.

وقوله: {قالَ عَسَى رَبُّكُمْ أنْ يُهْلكَ عَدُوَّكُمْ} يقول جلّ ثناؤه: قال موسى لقومه: لعلّ ربكم أن يهلك عدوّكم: فرعون وقومه، {ويَسْتَـخْـلِفَكُمْ} يقول: يجعلكم تـخـلفونهم فـي أرضهم بعد هلاكهم، لا تـخافونهم ولا أحداً من الناس غيرهم {فَـيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} يقول: فـيرى ربكم ما تعملون بعدهم من مسارعتكم فـي طاعته وتثاقلكم عنها.

وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ۝١٣٠

يقول تعالـى ذكره: ولقد اختبرنا قوم فرعون وأتبـاعه علـى ما هم علـيه من الضلالة بـالسنِّـين، يقول: بـالـجدوب سنة بعد سنة والقحوط. يقال منه: أسْنَتَ القوم: إذا أجدبوا. {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمراتِ} يقول: واختبرناهم مع الـجدوب بذهاب ثمارهم وغلاتهم إلا القلـيـل. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} يقول: عظة لهم وتذكيرا لهم، لـينزجروا عن ضلالتهم ويفزعوا إلـى ربهم بـالتوبة.

وبنـحو ما قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، عن عبد الله: {وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بـالسِّنِـينَ} قال: سنـي الـجوع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {بـالسِّنِـينَ} الـجائحة. {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} دون ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي القاسم بن دينار، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، عن شيبـان، عن أبـي إسحاق، عن رجاء بن حيوة فـي قوله: {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} قال: حيث لا تـحمل النـخـلة إلا تـمرة واحدة.

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن رجاء بن حيوة، عن كعب قال: يأتـي علـى الناس زمان لا تـحمل النـخـلة إلا تـمرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق، عن رجاء بن حيوة: {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} قال: يأتـي علـى الناس زمان لا تـحمل النـخـلة إلا تـمرة.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بـالسِّنِـينَ}: أخذهم الله بـالسنـين بـالـجوع عاماً فعاماً. {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} فأما السنـين فكان ذلك فـي بـاديتهم وأهل مواشيهم، وأما بنقص من الثمرات فكان ذلك فـي أمصارهم وقراهم.

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٣١

يقول تعالـى ذكره: فإذا جاءت آل فرعون العافـية والـخصب والرخاء وكثرة الثمار، ورأوا ما يحبون فـي دنـياهم {قالُوا لَنا هَذِهِ} نـحن أولـى بها. {وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يعنـي جدوب وقُحوط وبلاء، {يَطَّيَّرُوا بِـمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} يقول: يتشاءموا بهم ويقولوا: ذهبت حظوظنا وأنصبـاؤنا من الرخاء والـخصب والعافـية، مذ جاءنا موسى علـيه السلام.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فإذَا جاءَتْهُمُ الـحَسَنَةُ} العافـية والرخاء، {قالُوا لَنا هَذِهِ} نـحن أحقّ بها. {وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بلاء وعقوبة، {يَطَّيَّرُوا} يتشاءموا {بِـمُوسَى}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فإذَا جاءَتْهُمُ الـحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وَإن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِـمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} قالوا: ما أصابنا هذا إلا بك يا موسى وبـمن معك، ما رأينا شرّاً ولا أصابنا حتـى رأيناك. وقوله: {فإذَا جاءَتْهُمُ الـحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ} قال: الـحسنة: ما يحبون وإذا كان ما يكرهون، قالوا: ما أصابنا هذا إلا بشؤم هؤلاء الذين ظلـموا قال قوم صالـح:

{ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِـمَنْ مَعَكَ }فقال الله: { إنَّـمَا طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُـمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ }

القول فـي تأويـل قوله: {ألاَّ أنَّـما طائِرُهُمْ عنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: ألا ما طائر آل فرعون وغيرهم، وذلك أنصبـاؤهم من الرخاء والـخصب وغير ذلك من أنصبـاء الـخير والشرّ إلا عند الله. ولكن أكثرهم لا يعلـمون أن ذلك كذلك، فلـجهلهم بذلك كانوا يطَّيرون بـموسى ومن معه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {ألاَّ أنَّـمَا طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} يقول: مصائبهم عند الله، قال الله: {وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَـمُونَ}.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عبـاس: {ألاَ أنَّـمَا طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} قال: الأمر من قِبَل الله.

وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۝١٣٢

يقول تعالـى ذكره: وقال آل فرعون لـموسى: يا موسى مهما تأتنا به من علامة ودلالة لتسحرنا، يقول: لتلفتنا بها عما نـحن علـيه من دين فرعون، {فَمَا نَـحْنُ لَكَ بِـمُؤْمِنِـينَ} يقول: فما نـحن لك فـي ذلك بـمصدّقـين علـى أنك مـحقّ فـيـما تدعونا إلـيه. وقد دللنا فـيـما مضى علـى معنى السحر بـما أغنى عن إعادته.

وكان ابن زيد يقول فـي معنى: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} ما:

حدثنـي يونس، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} قال: إن ما تأتنا به من آية، وهذه فـيها زيادة «ما».

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍ مُّفَصَّلَٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ۝١٣٣

اختلف أهل التأويـل فـي معنى الطوفـان، فقال بعضهم: هو الـماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي ابن وكيع، قال: ثنا حَبَوية الرازي، عن يعقوب القُمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: لـما جاء موسى بـالآيات، كان أوّل الآيات الطوفـان، فأرسل الله علـيهم السماء.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا ابن يـمان، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل، عن أبـي مالك، قال: الطوفـان: الـماء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: الطُّوفـان: الـماء.

قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: الطوفـان: الغرق.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد قال: الطوفـان الـماء والطاعون علـى كلّ حال.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الطوفـان الـموت علـى كلّ حال.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: الطوفـان: الـماء.

وقال آخرون: بل هو الـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيى بن يـمان، قال: ثنا الـمنهال بن خـلـيفة، عن الـحجاج، عن الـحَكَم بن ميناء، عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

الطُّوفـانُ الـمَوْتُ

حدثنـي عبـاس بن مـحمد، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء ما الطوفـان؟ قال: الـموت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن ابن جريج، عن عطاء عمن حدّثه، عن مـجاهد، قال: الطوفـان: الـموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن عبد الله بن كثـير: {فَأرْسَلْنا عَلْـيهِمُ الطوفـانَ} قالَ: الـموت. قال ابن جريج: وسألت عطاء عن الطوفـان، قال: الـموت. قال ابن جريج: وقال مـجاهد: الـموت علـى كلّ حال.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن الـمنهال بن خـلـيفة، عن حجاج، عن رجل، عن عائشة، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

الطوفـانُ الـمَوْتُ

وقال آخرون: بل ذلك كان أمراً من الله طاف بهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا جرير،عن قابوس بن أبـي ظَبْـيان، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَأرْسَلْنا عَلْـيهِمْ الطوفـانَ} قال: أمر الله الطوفـان، ثم قال:

{ فَطافَ عَلَـيْها طائفٌ مِن رَبِّكَ وَهُمْ نائمُونَ }

وكان بعض أهل الـمعرفة بكلام العرب من أهل البصرة، يزعم أن الطوفـان من السيـل البُعاق والدُّبـاش، وهو الشديد، ومن الـموت الـمتتابع الذريع السريع. وقال بعضهم: هو كثرة الـمطر والريح. وكان بعض نـحويِّـي الكوفـيـين يقول: الطوفـان مصدر مثل الرُّجْحان والنُّقْصان لا يجمع. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: هو جمع، واحدها فـي القـياس: الطوفـانة.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، ما قاله ابن عبـاس علـى ما رواه] عنه أبو ظَبْـيان أنه أمر من الله طاف بهم، وأنه مصدر من قول القائل: طاف بهم أمر الله يطوف طوفـاناً، كما يقال: نقص هذا الشيء ينقص نُقْصانا. وإذا كان ذلك كذلك، جاز أن يكون الذي طاف بهم الـمطر الشديد، وجاز أن يكون الـموت الذريع. ومن الدلالة علـى أن الـمطر الشديد قد يسمى طوفـانا قول الـحسن بن عرفطة:

غَيِّرَ الـجِدَّةَ مِنْ آياتِهَاخُرُقُ الرّيحِ وَطُوفـانُ الـمَطَرْ

ويروى: «خُرُق الريح بطوفـان الـمطر» وقول الراعي:

تُضْحِي إذا العِيسُ أدْرَكنا نَكائِثَهاخَرْقاءَ يعْتادُها الطوفـانُ والزُّؤُدُ

وقول أبـي النـجم:

قَدْ مَدَّ طُوْفـانٌ فَبَثَّ مَدَدَاشَهْراً شَآبِـيبَ وشَهْراً بَرَدَا

وأما القُمَّل، فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي معناه، فقال بعضهم: هو السوس الذي يخرج من الـحنطة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن يعقوب القُمَّي، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: القُمَّل: هو السوس الذي يخرج من الـحنطة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بنـحوه.

وقال آخرون: بل هو الَّدبَـي، وهو صغار الـجراد الذي لا أجنـحة له. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قال: القمل: الدَّبـي.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: الدَّبـي: القُمَّل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: القمل: هو الدَّبـي.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: القمل: الدَّبـي.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن قتادة، قال: القمل: هي الدَّبَـي، وهي أولاد الـجراد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: القمل: الدبـي.

قال ثنا يحيى بن آدم، عن قـيس عمن ذكره، عن عكرمة، قال: القمل: بنات الـجراد.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: القمل: الدّبـي.

وقال آخرون: بل القمل: البراغيث. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فَأرْسَلْنا عَلْـيهِمْ الطوفـانَ والـجَرَادَ والقُمَّلَ} قال: زعم بعض الناس فـي القمل أنها البراغيث.

وقال بعضهم: هي دوابّ سود صغار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، قال: سمعت سعيد بن جبـير والـحسن قالا: القمل: دوابّ سود صغار.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن القمل عند العرب: الجمنان، والحمنان: ضرب من القردان؛ واحدتها: حمنانة فوق القمقمامة، والقمل جمع واحدتها: قملة: وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل، فيما بلغني وهي التي عناها الأعمش في قوله:

قَوْمٌ تُعالِجُ قُمَّلاً أبْنَاؤهُمْ وَسَلاسِلاً أجِّداً وَبـابـا مُؤْصَدَاً

وكان الفرّاء يقول: لـم أسمع فـيه شيئاً، فإن لـم يكن جمعا فواحده قامل، مثل ساجد وراكع، وإن يكن اسماً علـى معنى جمع، فواحدته: قمَّلة.ذكر الـمعانـي التـي حدثت فـي قوم فرعون بحدوث هذه الآيات

والسبب الذي من أجله أحدثها الله فـيهم

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمي، عن جعفر بن الـمغيرة، عن سعيد بن جبـير، قال: لـما أتـى موسى فرعون، قال له: أرسل معي بنـي إسرائيـل فأبى علـيه، فأرسل الله علـيهم الطوفـان، وهو الـمطر، فصبّ علـيهم منه شيئاً، فخافوا أن يكون عذابـاً، فقالوا لـموسى: ادع لنا ربك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فلـم يؤمنوا، ولـم يرسلوا معه بنـي إسرائيـل. فأنبت لهم فـي تلك السنة شيئا لـم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلإ، فقالوا: هذا ما كنا نتـمنى فأرسل الله علـيهم الـجراد، فسلَّطه علـى الكلإ. فلـما رأوا أثره فـي الكلإ عرفوا أنه لا يبقـى الزرع، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك فـيكشف عنا الـجراد، فنؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشف عنهم الـجراد، فلـم يؤمنوا، ولـم يرسلوا معه بنـي إسرائيـل، فداسوا وأحرزوا فـي البـيوت، فقالوا: قد أحرزنا. فأرسل الله علـيهم القمل، وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلـى الرحى، فلا يردّ منها ثلاثة أقـفزة، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمَن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بنـي إسرائيـل. فبـينا هو جالس عند فرعون إذ سمع نقـيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقـى أنت وقومك من هذا؟ فقال: وما عسى أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتـى كان الرجل يجلس إلـى ذقنه فـي الضفـادع، ويهمّ أن يتكلـم فتثب الضفـادع فـي فـيه، فقالوا لـموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفـادع، فنؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فكشف عنهم فلـم يؤمنوا فأرسل الله علـيهم الدم، فكان ما استقوا من الأنهار والآبـار، أو ما كان فـي أوعيتهم وجدوه دماً عبـيطاً، فشكوا إلـى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلـينا بـالدم، ولـيس لنا شراب. فقال: إنه قد سحركم. فقالوا: من أين سحرنا ونـحن لا نـجد فـي أوعيتنا شيئا من الـماء إلاَّ وجدناه دماً عبـيطاً؟ فأتوه فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشِف عنهم، فلـم يؤمنوا، ولـم يرسلوا معه بنـي إسرائيـل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حبوية الرازي، عن يعقوب القمي، عن جعفر، عن ابن عبـاس، قال: لـما خافوا الغرق، قال فرعون: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الـمطر فنؤمن لك، ثم ذكر نـحو حديث ابن حميد، عن يعقوب.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: ثم إن الله أرسل علـيهم، يعنـي علـى قوم فرعون الطوفـان، وهو الـمطر، فغرق كلّ شيء لهم، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا، ونـحن نؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فكشف الله عنهم ونبتت به زروعهم، فقالوا: ما يسرّنا أنا لـم نـمطرَ. فبعث الله علـيهم الـجراد، فأكل حروثهم، فسألوا موسى أن يدعوَ ربه فـيكشفه ويؤمنوا به. فدعا فكشفه، وقد بقـي من زروعهم بقـية، فقالوا: لـم تؤمنون وقد بقـي من زرعنا بقـيَّة تكفـينا؟ فبعث الله علـيهم الدَّبَى، وهو القمل، فلـحس الأرض كلها، وكان يدخـل بـين ثوب أحدهم وبـين جلده فـيعضّه، وكان لأحدهم الطعام فـيـمتلـىء دبى، حتـى إن أحدهم لـيبنى الأسطوانة بـالـجصّ فـيزلقها، حتـى لا يرتقـي فوقها شيء، يرفع فوقها الطعام، فإذا صعد إلـيه لـيأكله وجده ملآن دبى، فلـم يصابوا ببلاء كان أشدّ علـيهم من الدبى، وهو الرجز الذي ذكر الله فـي القرآن أنه وقع علـيهم. فسألوا موسى أن يدعو ربه، فـيكشف عنهم، ويؤمنوا به. فلـما كشف عنهم أبوا أن يؤمنوا، فأرسل الله علـيهم الدم، فكان الإسرائيـلـي يأتـي هو والقبطي يستقـيان من ماء واحد، فـيخرج ماء هذا القبطي دما، ويخرج للإسرائيـلـي ماء. فلـما اشتدّ ذلك علـيهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به، فكشف ذلك، فأبوا أن يؤمنوا، وذلك حين يقول الله: فَلَـمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فَأرْسَلْنا عَلَـيْهِمُ الطُّوفـانَ} قال: أرسل الله علـيهم الـماء حتـى قاموا فـيه قـياما. ثم كشف عنهم، فلـم يؤمنوا، وأخصبت بلادهم خصبـاً لـم تـخصب مثله. فأرسل الله علـيه الـجراد فأكله إلاَّ قلـيلاً، فلـم يؤمنوا أيضاً. فأرسل الله القُمَّل وهي الدبى، وهو أولاد الـجراد، فأكلت ما بقـي من زروعهم، فلـم يؤمنوا. فأرسل علـيهم الضفـادع، فدخـلت علـيهم بـيوتهم، ووقعت فـي آنـيتهم وفرشهم، فلـم يؤمنوا. ثم أرسل الله علـيهم الدم، فكان أحدهم إذا أراد أن يشرب تـحوّل ذلك الـماء دما، قال الله: {آياتٍ مُفَصَّلاتٍ}.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فَأَرْسَلْنا عَلَـيْهِمُ الطُّوفـانَ} حتـى بلغ: {مُـجْرِمِينَ} قال: أرسل الله علـيهم الـماء حتـى قاموا فـيه قـياما، فدعوا موسى فدعا ربه، فكشف عنهم، ثم عادوا لسَوْءِ ما يحضر بهم، ثم أنبتت أرضهم. ثم أرسل الله علـيهم الـجراد، فأكل عامة حروثهم وثمارهم، ثم دعوا موسى فدعا ربه فكشف عنهم. ثم عادوا بشرّ ما يحضر بهم، فأرسل الله علـيهم القُمَّل، هذا الدبى الذي رأيتـم، فأكل ما أبقـى الـجراد من حروثهم، فلـحسه. فدعوا موسى، فدعا ربه، فكشفه عنهم، ثم عادوا بشرّ ما يحضر بهم. ثم أرسل الله علـيهم الضفـادع، حتـى ملأت بـيوتهم وأفنـيتهم، فدعوا موسى، فدعا ربه فكشف عنهم. ثم عادوا بشرّ ما يحضر بهم، فأرسل الله علـيهم الدم، فكانوا لا يغترفون من مائهم إلاَّ دما أحمر، حتـى لقد ذكر أن عدوّ الله فرعون كان يجمع بـين الرجلـين علـى الإناء الواحد، القبطي والإسرائيـلـي، فـيكون مـما يـلـي الإسرائيـلـي ماء، ومـما يـلـي القبطي دماً. فدعوا موسى، فدعا ربه، فكشفه عنهم فـي تسع آيات: السنـين، ونقص من الثمرات، وأراهم يد موسى علـيه السلام وعصاه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {فأرْسَلْنا عَلَـيْهِمُ الطُّوفـانَ} وهو الـمطر حتـى خافوا الهلاك، فأتوْا موسى، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الـمطر، فإنا نؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشف عنهم الـمطر، فأنبت الله به حرثهم، وأخصب به بلادهم، فقالوا: ما نـحبّ أنا لـم نـمطر بترك ديننا، فلن نؤمن لك ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل فأرسل الله علـيهم الـجراد، فأسرع فـي فساد ثمارهم وزروعهم، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الـجراد، فإنا سنؤمن لك ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشف عنهم الـجراد، وكان قد بقـي من زروعهم ومعاشهم بقايا، فقالوا: قد بقـي لنا ما هو كافـينا، فلن نؤمن لك ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل فأرسل الله علـيهم القُمَّل، وهو الدبى، فتتبع ما كان ترك الـجراد، فجزعوا وأحسوا بـالهلاك، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الدبى، فإنا سنؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشف عنهم الدبى، فقالوا: ما نـحن لك بـمؤمنـين ولا مرسلـين معك بنـي إسرائيـل. فأرسل الله علـيهم الضفـادع، فملأ بـيوتهم منها، ولقوا منها أذى شديداً لـم يـلقوا مثله فـيـما كان قبله، إنها كانت تثب فـي قدورهم، فتفسد علـيهم طعامهم، وتطفـىء نـيرانهم، قالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الضفـادع، فقد لقـينا منها بلاء وأذى، فإنا سنؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه، فكشف عنهم الضفـادع، فقالوا: لا نؤمن لك، ولا نرسل معك بنـي إسرائيـل. فأرسل الله علـيهم الدم، فجعلوا لا يأكلون إلاَّ الدم، ولا يشربون إلاَّ الدم، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك أن يكشف عنا الدم، فإنا سنؤمن لك، ونرسل معك بنـي إسرائيـل فدعا ربه فكشف عنهم الدم، فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل، فكانت آيات مفصَّلات بعضها علـى إثر بعض، لـيكون لله علـيهم الـحجة، فأخذهم الله بذنوبهم، فأغرقهم فـي الـيـم.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قال: أرسل علـى قوم فرعون الآيات: الـجراد، والقُمَّل، والضفـادع، والدم آياتٍ مُفَصَّلاتٍ. قال: فكان الرجل من بنـي إسرائيـل يركب مع الرجل من قوم فرعون فـي السفـينة، فـيغترف الإسرائيـلـي ماء، ويغترف الفرعونـي دماً. قال: وكان الرجل من قوم فرعون ينام فـي جانب، فـيكثر علـيه القُمَّل والضفـادع حتـى لا يقدر أن ينقلب علـى الـجانب الآخر. فلـم يزالوا كذلك، حتـى أوحى الله إلـى موسى: أنْ أسْرِ بِعبـادِي إنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: لـما أتـى موسى فرعون بـالرسالة أبى أن يؤمن وأن يرسل معه بنـي إسرائيـل، فـاستكبر، قال: لن نرسل معك بنـي إسرائيـل فأرسل الله علـيهم الطوفـان، وهو الـماء، أمطر علـيهم السماء حتـى كادوا يهلكون وامتنع منهم كلّ شيء، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك بـما عهد عندك لئن كشفت عنا هذا لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل، فدعا الله فكشف عنهم الـمطر، فأنبت الله لهم حروثهم، وأحيا بذلك الـمطر كلّ شيء من بلادهم، فقالوا: والله ما نـحبّ أنا لـم نكن أمطرنا هذا الـمطر، ولقد كان خيرا لنا، فلن نرسل معك بنـي إسرائيـل، ولن نؤمن لك يا موسى. فبعث الله علـيهم الـجراد، فأكل عامَّة حروثهم، فأسرع الـجراد فـي فسادها، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الـجراد، فإنا مؤمنون لك، ومرسلون معك بنـي إسرائيـل فكشف الله عنهم الـجراد، وكان الـجراد قد أبقـى لهم من حروثهم بقـية، فقالوا: قد بقـي لنا من حروثنا ما كان كافـينا، فما نـحن بتاركي ديننا، ولن نؤمن لك، ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل فأرسل الله علـيهم القُمَّل، والقمل: الدبى، وهو الـجراد الذي لـيست له أجنـحة، فتتبع ما بقـي من حروثهم وشجرهم وكلّ نبـات كان لهم، فكان القمل أشدّ علـيهم من الـجراد. فلـم يستطيعوا للقمل حيـلة، وجزعوا من ذلك وأتوا موسى، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فإنه لـم يُبْق لنا شيئاً، قد أكل ما بقـي من حروثنا، ولئن كشفت عنا القُمَّل لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل فكشف الله عنهم القُمَّل فنكثوا، وقالوا: لن نؤمن لك، ولن نرسل معك بنـي إسرائيـل. فأرسل الله علـيهم الضفـادع، فـامتلأت منها البـيوت، فلـم يبق لهم طعام ولا شراب إلاَّ وفـيه الضفـادع، فلقوا منها شيئاً لـم يـلقوه فـيـما مضى، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل قال: فكشف الله عنهم فلـم يفعلوا، فأنزل الله:

{ فَلَـمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرّجْزَ إلـى أجَلٍ هُمْ بـالِغُوهُ إذَا هُمْ يَنْكُثُونَ }... إلـى: { وكانُوا عَنْها غافِلـينَ }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أبو تـميـلة، قال: ثنا الـحسن بن واقد، عن زيد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قال: كانت الضفـادع برّية، فلـما أرسلها الله علـى آل فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تغرق أنفسها فـي القدور وهي تغلـي، وفـي التنانـير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها بردَ الـماء.

قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: فرجع عدوّ الله، يعنـي فرعون، حين آمنت السحرة مغلوبـاً مفلولاً، ثم أبى إلا الإقامة علـى الكفر والتـماديَ فـي الشرّ، فتابع الله علـيه بـالآيات، وأخذه بـالسنـين، فأرسل علـيه الطُّوفـان، ثم الـجراد، ثم القُمَّل، ثم الضفـادع، ثم الدم آياتٍ مُفَصَّلاتٍ، فأرسل الطوفـان، وهو الـماء، ففـاض علـى وجه الأرض، ثم ركد، لا يقدرون علـى أن يحرثوا، ولا يعملوا شيئاً، حتـى جهدوا جوعاً فلـما بلغهم ذلك، قالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل فدعا موسى ربه، فكشفه عنهم، فلـم يفو له بشيء مـما قالوا. فأرسل الله علـيهم الـجراد، فأكل الشجر فـيـما بلغنـي، حتـى إن كان لـيأكل مسامير الأبواب من الـحديد حتـى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه، فكشفه عنهم، فلـم يفوا له بشيء مـما قالوا. فأرسل الله علـيهم القُمَّل، فذكر لـي أن موسى أمر أن يـمشي إلـى كثـيب حتـى يضربه بعصاه، فمضى إلـى كثـيب أهيـل عظيـم، فضربه بها، فـانثال علـيهم قملاً حتـى غلب علـى البـيوت والأطعمة، ومنعهم النوم والقرار فلـما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشفه عنهم، فلـم يفوا له بشيء مـما قالوا. فأرسل الله علـيهم الضفـادع، فملأت البـيوت والأطعمة والآنـية، فلا يكشف أحد ثوبـاً ولا طعاماً ولا إناءً إلاَّ وجد فـيه الضفـادع قد غلبت علـيه. فلـما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشفه عنهم، فلـم يفوا له بشيء مـما قالوا، فأرسل الله علـيهم الدم، فصارت مياه آل فرعون دما، لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغترفون من إناء إلاَّ عاد دماً عبـيطاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، عن مـحمد بن كعب القرظي، أنه حدّث: أن الـمرأة من آل فرعون كانت تأتـي الـمرأة من بنـي إسرائيـل حين جهدهم العطش، فتقول: اسقـينـي من مائك فتغرف لها من جرتها، أو تصبّ لها من قربتها، فـيعود فـي الإناء دما، حتـى إن كانت لتقول لها: اجعلـيه فـي فـيك ثم مـجّيه فـي فـيّ فتأخذ فـي فـيها ماء، فإذا مـجّته فـي فـيها صار دماً، فمكثوا فـي ذلك سبعة أيام.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الـجراد يأكل زروعهم ونبـاتهم، والضفـادع تسقط علـى فرشهم وأطعمتهم، والدم يكون فـي بـيوتهم وثـيابهم ومائهم وطعامهم.

قال: ثنا شبل، عن عبد الله بن كثـير، عن مـجاهد، قال: لـما سال النـيـل دما، فكان الإسرائيـلـي يستقـي ماء طيبـاً، ويستقـي الفرعونـي دماً ويشتركان فـي إناء واحد، فـيكون ما يـلـي الإسرائيـلـي ماء طيبـاً وما يـلـي الفرعونـي دما.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر، قال: ثنـي سعيد بن جبـير: أن موسى لـما عالـج فرعون بـالآيات الأربع: العصا، والـيد، ونقص من الثمرات، والسنـين، قال: يا ربّ إن عبدك هذا قد علا فـي الأرض، وعتا فـي الأرض، وبغى علـيّ، وعلا علـيك، وعالـى بقومه، ربّ خذ عبدك بعقوبة تـجعلها له ولقومه نقمة، وتـجعلها لقومي عظة ولـمن بعدي آية فـي الأمـم البـاقـية فبعث الله علـيهم الطوفـان، وهو الـماء، وبـيوت بنـي إسرائيـل وبـيوت القبط مشتبكة مختلطة بعضها فـي بعض، فـامتلأت بـيوت القبط ماء، حتـى قاموا فـي الـماء إلـى تراقـيهم، من حبس منهم غرق، ولـم يدخـل فـي بـيوت بنـي إسرائيـل قطرة، فجعلت القبط تنادي: موسى ادع لنا ربك بـما عهد عندك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل قال: فواثقوا موسى ميثاقاً أخذ علـيهم به عهودهم، وكان الـماء أخذهم يوم السبت، فأقام علـيهم سبعة أيام إلـى السبت الآخر، فدعا موسى ربه، فرفع عنهم الـماء، فأعشبت بلادهم من ذلك الـماء، فأقاموا شهراً فـي عافـية، ثم جحدوا وقالوا: ما كان هذا الـماء إلاَّ نعمة علـينا وخصبـاً لبلادنا، ما نـحبّ أنه لـم يكن قال: وقد قال قائل لابن عبـاس: إنـي سألت ابن عمر عن الطُّوفـان، فقال: ما أدري موتا كان أو ماء. فقال ابن عبـاس: أما يقرأ ابن عمر سورة العنكبوت حين ذكر الله قوم نوح فقال: فَأخَذَهُمُ الطوفـانُ وَهُمْ ظالِـمُونَ أرأيت لو ماتوا إلـى من جاء موسى علـيه السلام بـالآيات الأربع بعد الطوفـان؟ قال: فقال موسى: يا ربّ إن عبـادك قد نقضوا عهدك، وأخـلفوا وعدي، ربّ خذهم بعقوبة تـجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولـمن بعدهم آية فـي الأمـم البـاقـية قال: فبعث الله علـيهم الـجراد فلـم يدع لهم ورقة ولا شجرة ولا زهرة ولا ثمرة إلاَّ أكلها، حتـى لـم يُبق جَنًى. حتـى إذا أفنى الـخضر كلها أكل الـخشب، حتـى أكل الأبواب، وسقوف البـيوت وابتلـى الـجراد بـالـجوع، فجعل لا يشبع، غير أنه لا يدخـل بـيوت بنـي إسرائيـل. فعجوا وصاحوا إلـى موسى، فقالوا: يا موسى هذه الـمرّة ادع لنا ربك بـما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز، لنؤمننّ لك، ولنرسلنّ معك بنـي إسرائيـل فأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا لهم ربه، فكشف الله عنهم الـجراد بعد ما أقام علـيهم سبعة أيام، من السبت إلـى السبت. ثم أقاموا شهراً فـي عافـية، ثم عادوا لتكذيبهم ولإنكارهم، ولأعمالهم أعمال السوء، قال: فقال موسى: يا ربّ عبـادك قد نقضوا عهدي وأخـلفوا موعدي، فخذهم بعقوبة تـجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولـمن بعدي آية فـي الأمـم البـاقـية فأرسل الله علـيهم القُمَّل قال أبو بكر: سمعت سعيد بن جبـير والـحسن يقولان: كان إلـى جنبهم كثـيب أعفر بقرية من قُرى مصر تدعى عين شمس، فمشى موسى إلـى ذلك الكثـيب، فضربه بعصاه ضربة صار قملاً تدبّ إلـيهم، وهي دوابّ سود صغار، فدبّ إلـيهم القُمَّل، فأخذ أشعارهم وأبشارهم وأشفـار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم، كأنه الـجدريّ علـيهم، فصرخوا وصاحوا إلـى موسى: إنا نتوب ولا نعود، فـادع لنا ربك فدعا ربه فرفع عنهم القُمَّل بعد ما أقام علـيهم سبعة أيام من السبت إلـى السبت، فأقاموا شهرا فـي عافـية، ثم عادوا وقالوا: ما كنا قطّ أحقّ أن نستـيقن أنه ساحر منا الـيوم، جعل الرمل دوابّ، وعزّة فرعون لا نصدّقه أبداً ولا نتبعه فعادوا لتكذيبهم وإنكارهم، فدعا موسى علـيهم، فقال: يا ربّ إن عبـادك نقضوا عهدي، وأخـلفوا وعدي، فخذهم بعقوبة تـجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولـمن بعدي آية فـي الأمـم البـاقـية فأرسل الله علـيهم الضفـادع، فكان أحدهم يضطجع، فتركبه الضفـادع، فتكون علـيه ركاماً، حتـى ما يستطيع أن ينصرف إلـى الشقّ الآخر، ويفتـح فـاه لأكلته، فـيسبق الضفدع أكلته إلـى فـيه، ولا يعجن عجيناً إلاَّ تسدّختْ فـيه، ولا يطبخ قدراً إلاَّ امتلأت ضفـادع. فعذّبوا بها أشدّ العذاب، فشكوا إلـى موسى علـيه السلام، وقالوا: هذه الـمرّة نتوب ولا نعود. فأخذ عهدهم وميثاقهم، ثم دعا ربه، فكشف الله عنهم الضفـادع بعد ما أقام علـيهم سبعا من السبت إلـى السبت، فأقاموا شهرا فـي عافـية ثم عادوا لتكذيبهم وإنكارهم، وقالوا: قد تبـين لكم سحره، ويجعل التراب دوابّ، ويجيء بـالضفـادع فـي غير ماء فآذوا موسى علـيه السلام، فقال موسى: يا ربّ إن عبـادك نقضوا عهدي، وأخـلفوا وعدي، فخذهم بعقوبة تـجعلها لهم عقوبة، ولقومي عظة، ولـمن بعدي آية فـي الأمـم البـاقـية فـابتلاهم الله بـالدم، فأفسد علـيهم معايشهم، فكان الإسرائيـلـي والقبطي يأتـيان النـيـل فـيستقـيان، فـيخرج للإسرائيـلـي ماء، ويخرج للقبطي دماً، ويقومان إلـى الـحُبّ فـيه الـماء، فـيخرج للإسرائيـلـي فـي إنائه ماء، وللقبطي دما.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا ابن سعد، قال: سمعت مـجاهدا، فـي قوله: {فأرْسَلْنا عَلَـيْهِمُ الطوفـانَ} قال: الـموت والـجراد. قال: الـجراد يأكل أمتعتهم وثـيابهم ومسامير أبوابهم، والقُمَّل هو الدبى، سلطه الله علـيهم بعد الـجراد. قال: والضفـادع تسقط فـي أطعمتهم التـي فـي بـيوتهم وفـي أشربتهم.

وقال بعضهم: الدم الذي أرسله الله علـيهم كان رُعافـا. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا أحمد بن خالد، قال: ثنا يحيى بن أبـي بكير، قال: ثنا زهير، قال: قال زيد بن أسلـم: أما القُمَّل فـالقَمْل وأما الدم: فسلط علـيهم الرعاف.

وأما قوله: {آياتٍ مُفَصَّلاتٍ} فإن معناه: علامات ودلالات علـى صحة نبوّة موسى، وحقـية ما دعاهم إلـيه مفصلات، قد فُصِل بـينها، فجعل بعضها يتلو بعضاً، وبعضها فـي إثر بعض.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية بن صالـح، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قال: فكانت آيات مفصلات بعضها فـي إثر بعض، لـيكون لله الـحجة علـيهم، فأخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم فـي الـيـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {آياتٍ مُفَصَّلاتٍ} قال: يتبع بعضها بعضا لـيكون لله الـحجة علـيهم، فـينتقم منهم بعد ذلك. وكانت الآية تـمكث فـيهم من السبت إلـى السبت، وترتفع عنهم شهرا، قال الله عزّ وجلّ:

{ فـانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأغْرَقْناهُمْ فِـي الـيَـمّ }... الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: قال ابن إسحاق: {آياتٍ مُفَصَّلاتٍ}: أي آية بعد آية يتبع بعضها بعضاً.

وكان مـجاهد يقول فـيـما ذكر عنه فـي معنى الـمفصَّلات، ما:

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي «آياتٍ مُفَصَّلاتٍ»، قال: معلومات.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فـاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْماً مُـجْرِمِينَ}.

يقول تعالـى ذكره: فـاستكبر هؤلاء الذين أرسل الله علـيهم ما ذكر فـي هذه الآيات من الآيات والـحجج عن الإيـمان بـالله، وتصديق رسوله موسى صلى الله عليه وسلم، واتبـاعه علـى ما دعاهم إلـيه، وتعظموا علـى الله وعتوا علـيه {وكانُوا قَوْماً مُـجْرِمِينَ} يقول: كانوا قوما يعملون بـما يكرهه الله تعالى من الـمعاصي والفسق عتوًّا وتـمرّدا.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ