انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 35–43

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 31–46في هذه الصفحة 18:32

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝٣٥

يقول تعالى ذكره معرّفاً خلقه ما أعدّ لحزبه وأهل طاعته والإيمان به وبرسوله، وما أعدّ لحزب الشيطان وأوليائه والكافرين به وبرسله: {يا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} يقول: إن يجئكم رسلي الذين أرسلهم إليكم بدعائكم إلى طاعتي والانتهاء إلى أمري ونهيي {منكم}، يعني: من أنفسكم، ومن عشائركم وقبائلكم. {يَقُصُّون عَلَيْكُمْ آياتِي} يقول: يتلون عليكم آيات كتابي، ويعرّفونكم أدلتي وأعلامي على صدق ما جاءوكم به من عندي، وحقيقة ما دعوكم إليه من توحيدي. {فَمَنْ اتَّقَى وأصْلَحَ} يقول: فمن آمن منكم بما أتاه به رسلي مما قصّ عليه من آياتي وصدّق واتقى الله، فخافه بالعمل بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه، على لسان رسوله. {وأَصْلَحَ} يقول: وأصلح أعماله التي كان لها مفسداً قبل ذلك من معاصي الله بالتحوُّب منها. {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يقول: فلا خوف عليهم يوم القيامة من عقاب الله إذا وردوا عليه. {وَلاهُمْ لا يَحْزنُونَ} على ما فاتهم من دنياهم التي تركوها، وشهواتهم التي تجنبوها، اتباعاً منهم لنهي الله عنها إذا عاينوا من كرامة الله ما عاينوا هنالك.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام أبو عبد الله، قال: ثنا هياج، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي سيار السلمي، قال: إن الله جعل آدم وذرّيته في كفه، فقال: {يا بَنِي آدَمَ إمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْهِمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقَى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}، ثم نظر إلى الرسل فقال:

{ يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبكُمْ فاتَّقُونِ }}.

ثم بثهم.

فإن قال قائل: ما جواب قوله: {إمَّا يأْتِنَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ}؟ قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك، فقال بعضهم في ذلك: الجواب مضمر، يدلّ عليه ما ظهر من الكلام، وذلك قوله: {فَمَنِ اتَّقَى وأصْلَحَ} وذلك لأنه حين قال: {فمَنِ اتَّقَى وأصْلَحَ} كأنه قال: فأطيعوهم.

وقال آخرون منهم: الجواب: «فمن اتقى»، لأن معناه، فمن اتقى منكم وأصلح. قال: ويدلّ على أن ذلك كذلك، تبعيضه الكلام، فكان في التبعيض اكتفاء من ذكر «منكم».

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٣٦

يقول جل ثناؤه: وأما من كذب بأنباء رسلي التي أرسلتها إليه وجحد توحيدي وكفر بما جاء به رسلي واستكبر عن تصديق حججي وأدلتي، {فأُولَئِكَ أصحَابُ النَّارِ هُمْ فيها خالدون} يقول: هم في نار جهنم ماكثون، لا يخرجون منها أبداً.

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ ۝٣٧

يقول تعالى ذكره: فمن أخطأ فعلاً وأجهل قولاً وأبعد ذهاباً عن الحقّ والصواب {مِمَّنِ افْتَرَى على اللّهِ كَذِباً} يقول: ممن اختلق على الله زوراً من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرنا بها. {أوْ كَذَّبَ بآياتِهِ} يقول: أو كذّب بأدلته وأعلامه الدالة على وحدانيته ونبوّة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها. {أُولَئِك} يقول: من فعل ذلك فافترى على الله الكذب وكذّب بآياته، {أُولَئِكَ يَنالَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} يقول: يصل إليهم حظهم مما كتب الله لهم في اللوح المحفوظ.

ثم اختلف أهل التأويل في صفة ذلك النصيب الذي لهم في الكتاب وما هو، فقال بعضهم: هو عذاب الله الذي أعدّه لأهل الكفر به. ذكر من قال ذلك. حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا مروان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قوله: {أُولَئِكَ يَنالَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ}: أي من العذاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، مثله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {أُولَئِكَ يَنالَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} يقول: ما كتب لهم من العذاب.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن كثير بن زياد، عن الحسن في قوله: {أُولَئِكَ ينالَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: من العذاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن أبي سهل، عن الحسن، قال: من العذاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن رجل، عن الحسن، قال: من العذاب.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما سبق لهم من الشقاء والسعادة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سعيد: {أولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: من الشقوة والسعادة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهد: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} كشقيّ وسعيد.

حدثنا واصل بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن الحسن، بن عمرو والفقيمي، عن الحكم قال: سمعت مجاهداً يقول: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: هو ما سبق.

حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {أُولَئِكَ يَنالُهُم نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ}: ما كتب لهم من الشقاوة والسعادة.

حدثني المثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَنالُهُم نَصيبُهُم مِنَ الكِتابِ}: ما كتب عليهم من الشقاوة والسعادة، كشقيّ وسعيد.

قال: حدثنا ابن المبارك، عن شريك، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الكِتابِ} من الشقاوة والسعادة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير وابن إدريس، عن الحسن بن عمرو، عن الحكم، عن مجاهد: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِن الكِتابِ} قال: ما قد سبق من الكتاب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: ما سبق لهم في الكتاب.

قال: ثنا سويد بن عمرو ويحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُم} قال: من الشقاوة والسعادة.

قال: حدثنا أبو معاوية، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ما قضى أو قدّر عليهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: {يَنالُهُم نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} ينالهم الذي كتب عليهم من الأعمال.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل بن سميع، عن بكر الطويل، عن مجاهد، في قول الله: {أولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: قوم يعملون أعمالاً لا بدّ لهم أن يعملوها.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من كتابهم الذي كتب لهم أو عليهم بأعمالهم التي عملوها في الدنيا من خير وشرّ. ذكر من قال ذلك.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيراً جزي به، ومن عمل شرًّا جُزي به.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: من أحكام الكتاب على قدر أعمالهم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الكِتابِ} قال: ينالهم نصيبهم في الآخرة من أعمالهم التي عملوا وأسلفوا.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله: {أُولَئِكَ يَنالُهُم نَصِيبُهُم مِنَ الكِتابِ} أي أعمالهم، أعمال السوء التي عملوها وأسلفوها.

حدثني أحمد بن المقدام، قال: ثنا المعتمر، قال: قال أبي: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} زعم قتادة: من أعمالهم التي عملوا.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، قوله: {أولَئِكَ يَنالُهُمُ نَصِيبُهُم مِنَ الكِتابِ} يقول: ينالهم نصيبهم من العمل، يقول: إن عمل من ذلك نصيب خير جزي خيراً، وإن عمل شرًّا جزي مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: ينالهم نصيبهم مما وعدوا في الكتاب من خير أو شرّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس في هذه الآية: {أُولَئِكَ يَنالُهمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: من الخير والشرّ.

قال: حدثنا زيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: ما وعدوا.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: ما وعدوا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الكِتابِ} قال: ما وعدوا فيه من خير أو شرّ.

قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن مجاهد، عن ليث، عن ابن عباس: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: ما وعدوا مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: ما وعدوا فيه من خير أو شرّ.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: ما وعدوا فيه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: ما وعدوا من خير أو شرّ.

حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن الحسين بن عمرو، عن الحكم، عن مجاهد، في قول الله: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: ينالهم ما سبق لهم من الكتاب.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب الذي كتبه الله على ما افترى عليه. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} يقول: ينالهم ما كتب عليهم، يقول: قد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسودّ.

وقال آخرون: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم مما كتب لهم من الرزق والعمر والعمل. ذكر من قال ذلك:

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع ابن أنس: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} مما كتب لهم من الرزق.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا محمد بن حرب، عن ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن القرظي: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: عمله ورزقه وعمره.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} قال: من الأعمال والأرزاق والأعمال، فإذا فني هذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم وقد فرغوا من هذه الأشياء كلها.

قال أبو جعفر، وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب مما كتب لهم من خير وشرّ في الدنيا ورزق وعمل وأجل. وذلك أن الله جلّ ثناؤه أتبع ذلك قوله: {حتى إذَا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوفَّوْنَهُمْ قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ} فأبان بإتباعه ذلك قوله: {أُولَئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الكِتابِ} أن الذي ينالهم من ذلك إنما هو ما كان مقضياً عليهم في الدنيا أن ينالهم، لأنه قد أخبر أن ذلك ينالهم إلى وقت مجيئهم رسله لتقبض أرواحهم. ولو كان ذلك نصيبهم من الكتاب أو مما قد أعدّ لهم في الآخرة، لم يكن محدوداً بأنه ينالهم إلى مجيء رسل الله لو فاتهم لأن رسل الله لا تجيئهم للوفاة في الآخرة، وأن عذابهم في الآخرة لا آخر له ولا انقضاء فإن الله قد قضى عليهم بالخلود فيه، فبين بذلك أن معناه ما اخترنا من القول فيه.

القول في تأويل قوله تعالى: {إذَا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وشَهِدُوا على أنْفُسِهِمْ أنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ}.

يعني جلّ ثناؤه بقوله: {حتى إذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا} إلى أن جاءتهم رسلنا، يقول جلّ ثناؤه: وهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب أو كذّبوا بآيات ربهم، ينالهم حظوظهم التي كتب الله لهم وسبق في علمه لهم من رزق وعمل وأجل وخير وشرّ في الدنيا، إلى أن تأتيهم رسلنا لقبض أرواحهم. {فإذَا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا} يعني: ملك الموت وجنده. {يَتَوَفَّوْنَهُمْ} يقول: يستوفون عددهم من الدنيا إلى الآخرة. {قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ} يقول: قالت الرسل: أين الذين كنتم تدعونهم أولياء من دون الله وتعبدونهم، لا يدفعون عنكم ما قد جاءكم من أمر الله الذي هو خالقكم وخالقهم وما قد نزل بساحتكم من عظيم البلاء، وهلاّ يغيثونكم من كرب ما أنتم فيه فينقذونكم منه فأجابهم الأشقياء، فقالوا: ضلّ عنا أولياؤنا الذين كنا ندعو من دون الله يعني بقوله: {ضَلُّوا}: جاروا وأخذوا غير طريقنا وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا. يقول الله جلّ ثناؤه: وشهد القوم حينئذٍ على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بالله جاحدين وحدانيته.

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ ۝٣٨

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قيله لهؤلاء المفترين عليه المكذّبين آياته يوم القيامة، يقول تعالى ذكره: قال لهم حين وردوا عليه يوم القيامة: ادخلوا أيها المفترون على ربكم المكذّبون رسله في جماعات من ضربائكم {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ} يقول: قد سلفت من قبلكم من الجنّ والإنس في النار. ومعنى ذلك: ادخلوا في أمم هي في النار قد خلت من قبلكم من الجنّ والإنس. وإنما يعني بالأمم: الأحزاب وأهل الملل الكافرة. {كَلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أخْتَها} يقول جلّ ثناؤه: كلما دخلت النار جماعة من أهل ملة لعنت أختها، يقول: شتمت الجماعةُ الأخرى من أهل ملتها تبرِّياً منها. وإنما عني بالأخت: الأخوّة في الدين والملة وقيل أختها ولم يقل أخاها، لأنه عني بها أمة وجماعة أخرى، كأنه قيل: كلما دخلت أمة لعنت أمة أخرى من أهل ملتها ودينها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أخْتَها} يقول: كلما دخلت أهل ملة لعنوا أصحابهم على ذلك الدين يلعن المشركون المشركين واليهود اليهود والنصارى النصارى والصابئون الصابئين والمجوس المجوس، تلعن الآخرةُ الأولى.

القول في تأويل قوله تعالى: {حتى إذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً}.

يقول تعالى ذكره: حتى إذا تداركت الأمم في النار جميعاً، يعني: اجتمعت فيها، يقال: قد ادّاركوا وتداركوا: إذا اجتمعوا، يقول: اجتمع فيها الأوّلون من أهل الملل الكافرة والآخرون منهم.

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ}.

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن محاورة الأحزاب من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة، يقول الله تعالى ذكره: فإذا اجتمع أهل الملل الكافرة في النار فادّاركوا، قالت أخرى أهل كلّ ملة دخلت النار الذين كانوا في الدنيا بعد أولى منهم تقدمتها وكانت لها سلفاً وإماماً في الضلالة والكفر لأولاها الذين كانوا قبلهم في الدنيا: ربنا هؤلاء أضلونا عن سبيلك ودعوْنا إلى عبادة غيرك وزيَّنُوا لنا طاعة الشيطان، فآتهم اليوم من عذابك الضعف على عذابنا. كما:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين: {رَبَّنا هَؤلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ}.

وأما قوله: {قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمونَ} فإنه خبر من الله عن جوابه لهم، يقول: قال الله للذين يدعونه فيقولون: ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار لكلكم، أوّلكم وآخركم وتابعوكم ومتبعوكم ضعف، يقول: مكررٌ عليه العذاب. وضعف الشيء: مثله مرّة: وكان مجاهد يقول في ذلك، ما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: {عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكلٍّ ضِعْفٌ}.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال الله: {لِكُلَ ضِعْفٌ} للأولى وللآخرة ضعف.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، قال: ثني غير واحد، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله: {ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} قال: أفاعي.

حدثني الحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله: {فآتهم عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} قال: حيات وأفاعي.

وقيل: إن الضعف في كلام العرب ما كان ضعفين والمضاعف ما كان أكثر من ذلك.

وقوله: {وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ} يقول: ولكنكم يا معشر أهل النار، لا تعلمون ما قدر ما أعدّ الله لكم من العذاب، فلذلك تسأل الضعف منه الأمة الكافرة الأخرى لأختها الأولى.

وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ۝٣٩

يقول جلّ ثناؤه: وقالت أولى كلّ أمة وملة سبقت في الدنيا لأخراها الذين جاءوا من بعدهم وحدثوا بعد زمانهم فيها، فسلكوا سبيلهم واستنوا سنتهم: {فَمَا كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ} وقد علمتم ما حلّ بنا من عقوبة الله بمعصيتنا إياه وكفرنا به، وجاءتنا وجاءتكم بذلك الرسل والنُّذر، هل انتهيتم إلى طاعة الله، وارتدعتم عن غوايتكم وضلالتكم؟ فانقضت حجة القوم وخصموا ولم يطيقوا جواباً بأن يقولوا فُضّلنا عليكم أنا اعتبرنا بكم فآمنا بالله وصدّقنا رسله، قال الله لجميعهم: فذوقوا جميعكم أيها الكفرة عذاب جهنم، بما كنتم في الدنيا تكسبون من الآثام والمعاصي، وتجترحون من الذنوب والأجرام

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت عمران، عن أبي مجلز: {وَقالَتْ أُولاهم لأخْرَاهُمْ فَمَا كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} قال: يقول: فما فضلكم علينا، وقد بين لكم ما صنع بنا وحُذرتم.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَقالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ فَمَا كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ} فقد ضللتم كما ضللنا.

وكان مجاهد يقول في هذا بما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَا كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ} قال: من التخفيف من العذاب.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَا كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْل} قال: من تخفيف.

وهذا القول الذي ذكرناه عن مجاهد قول لا معنى له، لأن قول القائلين: فما كان لكم علينا من فضل، لمن قالوا ذلك إنما هو توبيخ منهم على ما سلف منهم قبل تلك الحال، يدلّ على ذلك دخول «كان» في الكلام، ولو كان ذلك منهم توبيخاً لهم على قيلهم الذي قالوا لربهم: آتهم عذاباً ضعفاً من النار، لكان التوبيخ أن يقال: فما لكم علينا من فضل في تخفيف العذاب عنكم وقد نالكم من العذاب ما قد نالنا. ولم يقل: فما كان لكم علينا من فضل.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ ۝٤٠

يقول تعالى ذكره: إن الذين كذّبوا بحججنا وأدلتنا فلم يصدّقوا بها ولم يتبعوا رسلنا، {واسْتَكْبَرُوا عَنْها} يقول: وتكبروا عن التصديق بها وأنفوا من اتباعها والانقياد لها تكبراً، لا تفتح لهم لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء، ولا يصعد لهم في حياتهم إلى الله قول ولا عمل، لأن أعمالهم خبيثة. وإنما يرفع الكلم الطيب والعمل الصالح، كما قال جلّ ثناؤه:

{ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلَ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ }}.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} فقال بعضهم: معناه: لا تفتح لأرواح هؤلاء الكفار أبواب السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يعلى، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: عنى بها الكفار أن السماء لا تفتح لأرواحهم وتفتح لأرواح المؤمنين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن أبي سنان، عن الضحاك، قال: قال ابن عباس: تفتح السماء لروح المؤمن، ولا تفتح لروح الكافر.

حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: إن الكافر إذا أخذ روحه ضربته ملائكة الأرض حتى يرتفع إلى السماء، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء فهبط، فضربته ملائكة الأرض فارتفع، فإذا بلغ السماء الدنيا ضربته ملائكة السماء الدنيا، فهبط إلى أسفل الأرضين وإذا كان مؤمناً أخذ روحه، وفُتح له أبواب السماء، فلا يمرّ بملك إلاَّ حياه وسلم عليه حتى ينتهي إلى الله، فيعطيه حاجته، ثم يقول الله: ردّوا روح عبدي فيه إلى الأرض، فإني قضيت من التراب خلقه، وإلى التراب يعود، ومنه يخرج.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنه لا يصعد لهم عمل صالح ولا دعاء إلى الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبيد الله، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ}: لا يصعد لهم قول ولا عمل.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُم أبْوَابُ السَّماءِ} يعني: لا يصعد إلى الله من عملهم شيء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} يقول: لا تفتح لخير يعملون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: لا يصعد لهم كلام ولا عمل.

حدثنا مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الله بن داود، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالم، عن سعيد: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: لا يرتفع لهم عمل ولا دعاء.

حدثني المثنى، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا شريك، عن سعيد: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: لا يرفع لهم عمل صالح ولا دعاء.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم ولا لأعمالهم. ذكر من قال ذلك:

حدثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج: {لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ} قال: لأرواحهم ولا لأعمالهم.

قال أبو جعفر: وإنما اخترنا في تأويل ذلك ما اخترنا من القول لعموم خبر الله جلّ ثناؤه أن أبواب السماء لا تفتح لهم، ولم يخصص الخبر بأنه يفتح لهم في شيء، فذلك على ما عمه خبر الله تعالى بأنها لا تفتح لهم في شيء مع تأييد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلنا في ذلك. وذلك ما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء، قال:

فَيَصْعَدُونَ بِها فَلا يَمُرُّونَ على مَلإٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلاَّ قالوا: ما هَذَا الرُّوحُ الخَبِيثُ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ، بأقْبَحِ أسْمائِهِ التي كان يُدعَى بهَا فِي الدُّنْيا. حتى يَنْتَهُوا بِها إلى السَّماءِ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ». ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تُفَتَّح لَهُمْ أبْوَابُ السَّماء وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ، فإذَا كانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ قالُوا اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وأبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحانٍ وَرَبٍّ غيرِ غَضْبانَ قال: فَيَقُولُونَ ذلكَ حتى يُعْرَجَ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلانٌ، فَيُقال: مَرْحَباً بالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ التي كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وأبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحان وَربٍّ غيرِ غَضْبانَ فَيُقالُ لهَا ذلك حتى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ التي فِيها اللّهُ. وَإذَا كان الرَّجُلُ السُّوءُ قال: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ كانَت في الجَسَدِ الخَبِيثِ، اخْرِجِي ذَمِيمَةً، وَأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أزْوَاجٌ فَيَقُولُونَ ذلكَ حتى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَها، فَيُقالُ: من هَذَا؟ فَيَقُولُون: فُلانٌ، فَيَقُولُونَ: لا مَرْحَباً بالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ كانَتْ فِي الجَسَدِ الخَبِيثِ، ارجِعِي ذَمِيمَةً فإنَّهُ لا تُفْتَحُ لكِ أبْوابُ السَّماءِ فَتُرسَلُ بينَ السماءِ والأرضِ فَتَصِيرُ إلى القَبْرِ».

حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: ثني ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة: «لا يُفْتَحُ لَهُمْ أبْوَابُ السَّماءِ» بالياء من يفتح وتخفيف التاء منها، بمعنى: لا يفتح لهم جميعها بمرّة واحدة وفتحة واحدة. وقرأ ذلك بعض المدنيين وبعض الكوفيين: {لاتُفَتَّحُ} بالتاء وتشديد التاء الثانية، بمعنى: لا يفتح لهم باب بعد باب وشيء بعد شيء.

قال أبو جعفر: والصواب في ذلك عندي من القول أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، وذلك أن أرواح الكفار لا تفتح لها ولا لأعمالهم الخبيثة أبواب السماء بمرّة واحدة ولا مرّة بعد مرّة وباب بعد باب، فكلا المعنيين في ذلك صحيح، وكذلك الياء والتاء في يفتح وتفتح، لأن الياء بناء على فعل الواحد للتوحيد والتاء، لأن الأبواب جماعة، فيخبر عنها خبر الجماعة.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ وكذلكَ نَجْزِي المُجْرِمين}.

يقول جلّ ثناؤه: ولا يدخل هؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها الجنة التي أعدّها الله لأوليائه المؤمنين أبداً، كما لا يلج الجمل فِي سَمّ الخياط أبداً، وذلك ثقب الإبرة. وكلّ ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك، فإن العرب تسميه سَمًّا وتجمعه سُموماً وسِماماً، والسّمام في جمع السَّمّ القاتل أشهر وأفصح من السموم، وهو في جمع السَّمّ الذي هو بمعنى الثقب أفصح، وكلاهما في العرب مستفيض، وقد يقال لواحد السُّموم التي هي الثقوب: سَمّ وسُمّ بفتح السين وضمها، ومن السَّمّ الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق:

فَنَفَّسْتُ عَنْ سَمَّيْهِ حتى تَنَفَّساوَقُلْتُ لهُ لا تَخْشَ شَيْئا وَرَائِيا

يعني بسَمَّيه: ثقَبي أنفه. وأما الخِياط: فإنه المِخْيَط وهي الإبرة، قيل لها: خِيَاط ومخيط، كما قيل: قِنَاع ومِقْنَع، وإزار ومِئْزَر، وقِرَام ومِقْرَم، ولحاف ومِلْحَف. وأما القرّاء من جميع الأمصار، فإنها قرأت قوله: {فِي سَمّ الخِياطِ} بفتح السين، وأجمعت على قراءة «الجَمَل» بفتح الجيم والميم وتخفيف ذلك. وأما ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير، فإنه حُكي عنهم أنهم كانوا يقرءون ذلك: «الجُمَّل» بضم الجيم وتشديد الميم، على اختلاف في ذلك عن سعيد وابن عباس.

فأما الذين قرأوه بالفتح من الحرفين والتخفيف، فإنهم وجهوا تأويله إلى الجمل المعروف وكذلك فسروه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمّ الخياطِ} قال: الجمل: ابن الناقة، أو زوج الناقة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمّ الخِياطِ} قال: الجمل: زوج الناقة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله، قال: الجمل: زوج الناقة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا قرة، قال: سمعت الحسن يقول: الجمل الذي يقوم في المربد.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ} قال: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن، قال: هو الجمل. فلما أكثروا عليه، قال: هو الأشتر.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن الحسن، مثله.

حدثنا المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن يحيى، قال: كان الحسن يقرؤها: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ} قال: فذهب بعضهم يستفهمه، قال: أشتر أشتر.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحَبْحاب، عن أبي العالية: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ} قال: الجمل: الذي له أربع قوائم.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن أبي حصين، أو حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود في قوله: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ} قال: زوج الناقة، يعني الجمل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: أنه كان يقرأ: {الجَمَلُ} وهو الذي له أربع قوائم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو تميلة، عن عبيد، عن الضحاك: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ} الذي له أربع قوائم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن الحباب، عن قرة، عن الحسن: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ} قال: الذي بالمربد.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: «حتى يَلجَ الجَمَلُ الأصْفَرُ».

حدثنا نصر بن عليّ، قال: ثنا يحيى بن سليم، قال: ثنا عبد الكريم بن أبي المخارق، عن الحسن، في قوله: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ} قال: الجمل: ابن الناقة، أو بعل الناقة.

وأما الذين خالفوا هذه القراءة فإنهم اختلفوا، فرُوي عن ابن عباس في ذلك روايتان: إحداهما الموافقة لهذه القراءة وهذا التأويل. ذكر الرواية بذلك عنه:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ} والجمل: ذو القوائم. وذكر أن ابن مسعود قال ذلك.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمّ الخِياطِ}: هو الجمل العظيم لا يدخل في خرق الإبرة من أجل أنه أعظم منها. والرواية الأخرى ما:

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: في قوله: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ فِي سَمّ الخِياطِ» قال: هو قَلْس السفينة.

حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن حنظلة السدوسيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ فِي سَمّ الخِياطِ» يعني: الحبل الغليظ. فذكرت ذلك للحسن، فقال: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ} قال عبد الأعلى. قال أبو غسان، قال خالد: يعني البعير.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أسامة، عن فضيل، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قرأ: «الجُمَّل» مثقلة، وقال: هو حبل السفينة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن هشيم، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: «الجُمَّل»: حبال السفن.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن حنظلة، عن عكرمة، عن ابن عباس: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ فِي سَمّ الخِياطِ» قال: الحبل الغليظ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ في سَمّ الخياطِ» قال: هو الحبل الذي يكون على السفينة.

واختلف عن سعيد بن جبير أيضاً في ذلك، فرُوي عنه روايتان إحداهما مثل الذي ذكرنا عن ابن عباس بضمّ الجيم وتثقيل الميم. ذكر الرواية بذلك عنه:

حدثنا عمران بن موسى القزّار، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا حسين المعلم، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، أنه قرأها: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ» يعني: قلوس السفن، يعني الحبال الغلاظ.

والأخرى منهما بضم الجيم وتخفيف الميم. ذكر الرواية بذلك عنه:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عمرو، عن سالم بن عجلان الأفطس، قال: قرأت على أبي: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ» فقال: «حتى يَلِجَ الجُمَلُ» خفيفة: هو حبل السفينة، هكذا أقرأنيها سعيد بن جبير.

وأما عكرمة، فإنه كان يقرأ ذلك: {الجُمَّل} بضمّ الجيم وتشديد الميم، وبتأوّله كما:

حدثني ابن وكيع، قال: ثنا أبو تُمَيلة، عن عيسى بن عبيدة، قال: سمعت عكرمة يقرأ «الجُمَّلُ» مثقلة، ويقول: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا كعب بن فَرُّوخ، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة، في قوله: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ فِي سَمّ الخِياطِ» قال: الحبل الغليظ في خرق الإبرة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: «حتى يَلِجَ الجُمَّلُ فِي سَمّ الخِياط» قال: حبل السفينة في سَمّ الخياط.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثير: سمعت مجاهداً يقول: الحبل من حبال السفن.

وكأن من قرأ ذلك بتخفيف الميم وضمّ الجيم على ما ذكرنا عن سعيد بن جبير على مثال الصُّرَد والجُعَل وجهه إلى جماع جملة من الحبال جمعت جُمَلاً، كما تجمع الظلمة ظُلَماً والخربة خُرَباً.

وكان بعض أهل العربية ينكر التشديد في الميم، ويقول: إنما أراد الراوي الجُمَل بالتخفيف، فلم يفهم ذلك منه، فشدّده.

وحُدثت عن الفراء، عن الكسائي أنه قال: الذي رواه عن ابن عباس كان أعجميًّا. وأما من شدّد الميم وضمّ الجيم، فإنه وجهه إلى أنه اسم واحد: وهو الحبل أو الخيط الغليظ.

قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار وهو: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمّ الخياطِ} بفتح الجيم والميم من «الجمل» وتخفيفها، وفتح السين من «السَّمّ»، لأنها القراءة المستفيضة في قرّاء الأمصار، وغير جائز مخالفة ما جاءت به الحجة متفقة عليه من القرّاء، وكذلك ذلك في فتح السين في قوله: {سَمّ الخِياطِ}.

وإذ كان الصواب من القراءة ذلك، فتأويل الكلام: ولا يدخلون الجنة حتى يلج، والولوج: الدخول من قولهم: وَلَجَ فلان الدار يَلِجُ وُلُوجاً، بمعنى: دخل الجمل في سَمّ الإبرة وهو ثقبها. {وكذلكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ} يقول وكذلك نثيب الذين أجرموا في الدنيا ما استحقوا به من الله العذاب الأليم في الآخرة.

وبمثل الذي قلنا في تأويل قوله: {سَمّ الخياط} قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة وابن مهدي وسويد الكلبي، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، قال: سألت الحسن، عن قوله: {حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمّ الخياطِ} قال: ثقب الإبرة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا كعب بن فَرُّوخ، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة: {في سَمّ الخياطِ} قال: ثقب الإبرة.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن، مثله.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {في سَمّ الخياط} قال: جحر الإبرة.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {في سَمّ الخياطِ} يقول: جحر الإبرة.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {في سَمّ الخياطِ} قال: في ثَقبه.

لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤١

يقول جلّ ثناؤه: لهؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها {مِنْ جَهَنَّم مِهادٌ} وهو ما امتهدوه مما يقعد عليه ويضطجع كالفراش الذي يُفرش والبساط الذي يُبسط. {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} وهو جمع غاشية، وذلك ما غشاهم فغطاهم من فوقهم.

وإنما معنى الكلام: لهم من جهنم مهاد، من تحتهم فرش ومن فوقهم منها لُحُف، وإنهم بين ذلك.

وبنحو ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ} قال: الفراش، {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غوَاشٍ} قال: اللحف.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} قال: المهاد: الفرش، والغواشي: اللحف.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {لَهُمْ مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} أما المِهاد لهم: كهيئة الفراش، والغواشي: تتغشاهم من فوقهم.

وأما قوله {وكَذلكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}: فإنه يقول: وكذلك نثيب ونكافىء من ظلم نفسه فأكسبها من غضب الله ما لا قبل لها به بكفره بربه وتكذيبه أنبياءه.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٤٢

يقول جلّ ثناؤه: والذين صدّقوا الله ورسوله وأقرّوا بما جاءهم به من وحي الله وتنزيله وشرائع دينه، وعملوا ما أمرهم الله به فأطاعوه وتجنبوا ما نهاهم عنه. {لا نُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها} يقول: لا نكلف نفساً من الأعمال إلاَّ ما يسعها فلا تَحْرَجَ فيه {أولَئِكَ} يقول: هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، {أصْحَابُ الجَنَّةِ} يقول: هم أهل الجنة الذين هم أهلها دون غيرهم ممن كفر بالله، وعمل بسيئاتهم {فيها خالِدُونَ} يقول: هم في الجنة ماكثون، دائم فيها مكثهم لا يخرجون منها ولا يُسْلَبون نعيمهم.

وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٤٣

يقول تعالى ذكره: وأذهبنا من صدور هؤلاء الذين وصف صفتهم وأخبر أنهم أصحاب الجنة، ما فيها من حقد وغل وعداوة كان من بعضهم في الدنيا على بعض، فجعلهم في الجنة إذْ أدخلَهموها على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضاً على شيء خصّ الله به بعضهم وفضله من كرامته عليه، تجري من تحتهم أنهار الجنة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك: {وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ} قال: العداوة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن بشير، عن قتادة: {وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورهِمْ مِنْ غِلّ} قال: هي الإحِنُ.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن عيينة، عن إسرائيل أبي موسى، عن الحسن، عن عليّ، قال: فينا والله أهل بدر نزلت:

{ وَنَزَعْنا ما فِي صُدورِهِمْ مِنْ غِلّ إخْوَاناً على سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ }}.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل، قال: سمعته يقول: قال عليّ عليه السلام: فينا والله أهل بدر نزلت:

{ وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ إخْوَاناً على سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ }}.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال عليّ رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ} رضوان الله عليهم.

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَنَزَعْنا ما فِي صُدورِهِمْ مِنْ غِلّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنهَارُ} قال: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة، فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غلّ، فهو الشراب الطهور. واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا ولم يتسخوا بعدها أبداً.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن أبي نضرة، قال: يحبس أهل الجنة دون الجنة حتى يُقْضَى لبعضهم من بعض، حتى يدخلوا الجنة حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحداً بقلامة ظفر ظلَمها إياه ويحبس أهل النار دون النار حتى يقضى لبعضهم من بعض، فيدخلون النار حين يدخلونها ولا يطلب أحد منهم أحداً بقلامة ظفر ظلمها إياه.

القول في تأويل قوله تعالى: {وَقَالوُا الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانا لِهَذَا وَما كُنَّا لنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدَانا اللّهُ}.

يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات حين أدخلوا الجنة، ورأوا ما أكرمهم الله به من كرامته، وما صُرف عنهم من العذاب المهين الذي ابتلي به أهل النار بكفرهم بربهم وتكذيبهم رسله: {الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانا لِهَذَا} يقول: الحمد لله الذي وفَّقنا للعمل الذي أكسبنا هذا الذي نحن فيه من كرامة الله وفضله وصرف عذابه عنا. {وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدَانا اللّهُ} يقول: وما كنا لنرشد لذلك لولا أن أرشدنا الله له ووفقنا بمنه وطَوْله. كما:

حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كُلُّ أهْلِ النَّارِ يَرَى مَنْزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ، فَيَقُولُونَ لَوْ هَدَانا اللّهُ، فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً. وكُلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَرَى مَنْزِلَهُ مِنَ النَّارِ، فَيَقُولُونَ لَولا أنْ هَدَانا اللّهُ. فَهَذَا شُكْرُهُمْ».

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدّث عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ، قال: ذكر عمر لشيء لا أحفظه، ثم ذكر الجنة، فقال: يدخلون فإذا شجرة يخرج من تَحْت ساقها عينان، قال: فيغتسلون من إحداهما، فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تشعَث أشعارهم ولا تغبر أبشارهم، ويشربون من الأخرى، فيخرج كلّ قذى وقذر، أو شيء في بطونهم. قال: ثم يفتح لهم باب الجنة، فيقال لهم:

{ سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ }قال: فتستقبلهم الوِلدان، فيحُفُّون بهم كما تحفّ الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته. ثم يأتون فيبشرون أزواجهم، فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، فيقلن: أنت رأيته؟ قال: فيستخفهنّ الفرح، قال: فيجئن حتى يقفن على أسكفّة الباب. قال: فيجيئون فيدخلون، فإذا أُسّ بيوتهم بجندل اللؤلؤ، وإذا صروح صفر وخضر وحمر ومن كلّ لون، وسرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابيّ مبثوثة، فلولا أن الله قدرها لالتُمعت أبصارهم مما يرون فيها. فيعانقون الأزواج، ويقعدون على السرر، ويقولون: {الحَمْدُ لِلّه الَّذِي هَدَانا لِهَذَا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدَانا اللّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بالحَقّ...} الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: {لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بالحَقّ وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُموها بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

يقول تعالى ذكره مخبراً عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها، وهو أن أعداء الله في النار: والله لقد جاءتنا في الدنيا وهؤلاء الذين في النار رسل ربنا بالحقّ من الأخبار، عن وعد الله أهل طاعته والإيمان به وبرسله ووعيده أهل معاصيه والكفر به.

وأما قوله: {وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فإن معناه: ونادى مناد هؤلاء الذين وصف الله صفتهم وأخبر عما أعدّ لهم من كرامته، أنْ يا هؤلاء هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها، أورثكموها الله عن الذين كذّبوا رسله، لتصديقكم إياهم وطاعتكم ربكم. وذلك هو معنى قوله: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: {وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قال: ليس من كافر ولا مؤمن إلاَّ وله في الجنة والنار منزل. فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ودخلوا منازلهم، رُفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري، عن سعيد بن بكر، عن سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ: {وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قال: نودوا أن صحّوا فلا تسقموا واخلدوا فلا تموتوا وانعموا فلا تبأسوا

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا قبيصة، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ، عن أبي سعيد: {وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ...} الآية، قال: ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً.

واختلف أهل العربية في «أن» التي مع «تلكم»، فقال بعض نحويي البصرة: هي «أنّ» الثقيلة خففت، وأضمر فيها، ولا يستقيم أن نجعلها الخفيفة لأن بعدها اسماً، والخفيفة لا تليها الأسماء، وقد قال الشاعر:

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْد قدْ عَلِمُواأنْ هالكٌ مَنْ يَحْفَى ويَنْتَعِلُ

وقال آخر:

أُكاشِرُهُ وأعْلَمُ أنْ كِلاناعَلى ما ساءَ صَاحِبَهُ حَرِيصُ

قال: فمعناه: أنه كلانا قال، ويكون كقوله: { أنْ قَدْ وَجَدْنا }في موضع «أي»، وقوله: أنْ أقِيمُوا. وَلا تَكُونُ «أن» التي تعمل في الأفعال، لأنك تقول: غاظني أن قام، وأن ذهب، فتقع على الأفعال وإن كانت لا تعمل فيها، وفي كتاب الله: { وَانْطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أنِ امْشُوا }أي امشوا. وأنكر ذلك من قوله هذا بعض أهل الكوفة، فقال: غير جائز أن يكون مع «أن» في هذا الموضع «هاء» مضمرة، لأن «أن» دخلت في الكلام لتقي ما بعدها، قال: و «أن» هذه التي مع «تلكم»، هي الدائرة التي يقع فيها ما ضارع الحكاية، وليس بلفظ الحكاية، نحو: ناديت أنك قائم، وأن زيد قائم، وأن قمت، فتلي كلّ الكلام، وجعلت «أن» وقاية، لأن النداء يقع على ما بعده، وسلم ما بعد «أن» كما سلم ما بعد القول، ألا ترى أنك تقول: قلت: زيد قائم، وقلت: قام، فتليها ما شئت من الكلام؟ فلما كان النداء بمعنى الظنّ وما أشبهه من القول سلم «ما» بعد «أن»، ودخلت «أن» وقاية. قال: وأما «أي» فإنها لا تكون على أن لا يكون: أي جواب الكلام، وأن تكفي من الاسم.
الأربعاء، 28 أكتوبر 2026 17 جمادى الأولى 1448 هـ