انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 173–180

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 171–188في هذه الصفحة 15:42

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنۢ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ۝١٧٣

يقول تعالـى ذكره: شهدنا علـيكم أيها الـمقرّون بأن الله ربكم، كيلا تقولوا يوم القـيامة: إنا كنا عن هذا غافلـين، إنا كنا لا نعلـم ذلك وكنا فـي غفلة منه، أو تقولوا: {إنَّـمَا أشْرَكَ آبـاؤُنا مِنْ قَبْلُ وكُنَّا ذُرّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ} اتبعنا منهاجهم {أفَتُهْلِكُنا} بإشراك من أشرك من آبـائنا، واتبـاعنا منهاجهم علـى جهل منا بـالـحقّ؟

ويعنـي بقوله {بـمَا فَعَلَ الـمُبْطِلُونَ}: بـما فعل الذين أبطلوا فـي دعواهم إلها غير الله.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض الـمكيـين والبصريـين: «أن يقولوا» بـالـياء، بـمعنى: شهدنا لئلا يقولوا علـى وجه الـخبر عن الغيب. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الـمدينة والكوفة: {أن تَقُولوا} بـالتاء علـى وجه الـخطاب من الشهود للـمشهود علـيهم.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان صحيحتا الـمعنى متفقتا التأويـل وإن اختلفت ألفـاظهما، لأن العرب تفعل ذلك فـي الـحكاية، كما قال الله:

{ لَتُبَـيِّنُنَّهُ للنَّاس }و«لـيبـيننه»، وقد بـينا نظائر ذلك فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝١٧٤

يقول تعالـى ذكره: وكما فصلنا يا مـحمد لقومك آيات هذه السورة، وبـيَّنا فـيها ما فعلنا بـالأمـم السالفة قبل قومك، وأحللنا بهم من الـمثلات بكفرهم وإشراكهم فـي عبـادتـي غيري، كذلك نفصل الآيات غيرها ونبـينها لقومك، لـينزجروا ويرتدعوا، فـينـيبوا إلـى طاعتـي ويتوبوا من شركهم وكفرهم، فـيرجعوا إلـى الإيـمان والإقرار بتوحيدي وإفراد الطاعة لـي وترك عبـادة ما سواي.

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ۝١٧٥

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: واتل يا مـحمد علـى قومك نبأ الذي آتـيناه آياتنا، يعنـي خبره وقصته. وكانت آيات الله للذي آتاه الله إياها فـيـما يقال اسم الله الأعظم، وقـيـل النبوّة.

واختلف أهل التأويـل فـيه، فقال بعضهم: هو رجل من بنـي إسرائيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر بن الـمفضل، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله فـي هذه الآية: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها } قال: هو بلعم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: هو بلعم بن أَبر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، فـي قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا} قال: رجل من بنـي إسرائيـل يقال له: بلعم بن أبر.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر وابن مهدي وابن أبـي عديّ، قالوا: ثنا شعبة، عن منصور، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، أنه قال فـي هذه الآية، فذكر مثله، ولـم يقل ابن أبر.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: رجل من بنـي إسرائيـل يقال له: بلعم بن أبر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عمران بن عيـينة، عن حصين، عن عمران بن الـحرث، عن ابن عبـاس، قال: هو بلعم بن بـاعرا.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، فـي قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا...} إلـى: {فَكانَ مِنَ الغاوينَ} هو بلعم بن أبر.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن الأعمش، عن منصور عن أبـي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، مثله، إلاَّ أنه قال ابن أبُر، بضم البـاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو رجل من مدينة الـجبـارين يقال له بلعم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: بَلعام بن بـاعرا، من بنـي إسرائيـل.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهدا يقول، فذكر مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي عبد الله بن كثـير، أنه سمع مـجاهداً يقول، فذكر مثله.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن وابن أبـي عديّ، عن شعبة، عن حصين، عن عكرمة، قال فـي الذي {آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو بلعام.

وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن حصين، عن عكرمة، قال: هو بلعم.

قال: ثنا عمران بن عيـينة، عن حصين، عن عكرمة، قال: هو بلعم.

حدثنا حميد بن مسعدة، قال: ثنا بشر، قال: ثنا شعبة، عن حصين، قال: سمعت عكرمة يقول: هو بَلعام.

حدثنا قال: ثنا عبد العزيزي، قال: ثنا إسرائيـل، عن حصين، عن مـجاهد، قال: هو بلعم.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن مغيرة، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس قال: هو بلعم. (وقالت ثقـيف: هو أمية بن أبـي الصلت).

وقال آخرون: كان بلعم هذا من أهل الـيـمن. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو رجل يدعى بلعم من أهل الـيـمن.

وقال آخرون: كان من الكنعانـيـين. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو رجل من مدينة الـجبـارين يقال له بلعم.

وقال آخرون: هو أمية بن أبـي الصلت. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سعيد بن السائب، عن غضيف بن أبـي سفـيان، عن يعقوب ونافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو، قال فـي هذه الآية: {الَّذي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو أمية بن أبـي الصلت.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، قال: أنبأنا شعبة، عن يعلـى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، قال: قال عبد الله بن عمرو: هو صاحبكم أمية بن أبـي الصلت.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا عبد الرحمن ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن يعلـى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو بـمثله.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفـيان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو:

{ ولَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْض وَاتَّبَعَ هَوَاهُ }قال: هو أمية بن أبـي الصلت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن يعلـى بن عطاء، قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، قال فـي هذه الآية: {الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو صاحبكم، يعنـي أمية بن أبـي الصلت.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان عن حبـيب، عن رجل عن عبد الله بن عمرو، قال: هو أمية بن أبـي الصلت.

قال: ثنا يزيد، عن شريك، عن عبد الـملك، عن فضالة، أو ابن فضالة، عن عبد الله بن عمرو، قال: هو أمية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبد الـملك بن عمير، قال: تذاكروا فـي جامع دمشق هذه الآية: {فـانْسَلَـخَ مِنْها} فقال بعضهم: نزلت فـي بلعم بن بـاعوراء، وقال بعضهم: نزلت فـي الراهب. فخرج علـيهم عبد الله بن عمرو بن العاص، فقالوا: فـيـمن نزلت هذه؟ قال: نزلت فـي أمية بن أبـي الصلت الثقـفـي.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبـي: {الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: هو أمية بن أبـي الصلت، وقال قتادة: يشكّ فـيه، يقول بعضهم: بلعم، ويقول بعضهم: أمية بن أبـي الصلت.

واختلف أهل التأويـل فـي الآيات التـي كان أوتـيها التـي قال جلّ ثناؤه: {آتَـيْناهُ آياتِنا} فقال بعضهم: كانت اسم الله الأعظم. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: إن الله لـما انقضت الأربعون سنة، يعنـي التـي قال الله فـيها:

{ إنَّها مُـحَرَّمَةٌ عَلَـيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً }بعث يُوشَعَ بن نون نبـياً، فدعا بنـي إسرائيـل فأخبرهم أنه نبـيّ وأن الله قد أمره أن يقاتل الـجبـارين، فبـايعوه وصدّقوه. وانطلق رجل من بنـي إسرائيـل يقال له بلعم، وكان عالـما يعلـم الاسم الأعظم الـمكتوم، فكفر وأتـى الـجبـارين، فقال: لا ترهبوا بنـي إسرائيـل، فـانـي إذا خرجتـم تقاتلونهم أدعو علـيهم دعوة فـيهلكون وكان عندهم فـيـما شاء من الدنـيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتـي النساء يعظمهن، فكان ينكح أتانا له، وهو الذي يقول الله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها}: أي تنصل فـانسلـخ منها، إلـى قوله: { وَلَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْضِ }

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا} قال: هو رجل يقال له: بلعم، وكان يعلـم اسم الله الأعظم.

حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: كان لا يسأل الله شيئاً إلاَّ أعطاه.

وقال آخرون: بل الآيات التـي كان أوتـيها كتاب من كتب الله. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن مـجاهد وعكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان فـي بنـي إسرائيـل بَلعام بن بـاعر أوتـي كتابـا.

وقال آخرون: بل كان أوتـي النبوّة. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن غيره، قال: الـحارث قال: عبد العزيز يعنـي عن غير نفسه عن مـجاهد، قال: هو نبـيّ فـي بنـي إسرائيـل، يعنـي بَلعم، أوتـي النبوّة، فرشاه قومه علـى أن يسكت، ففعل وتركهم علـى ما هم علـيه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، أنه سئل عن الآية: {وَاتْلُ عَلَـيهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتنا فـانْسَلَـخَ مِنْها} فحدّث عن سيَّار أنه كان رجلاً يقال له بَلْعَام، وكان قد أوتـي النبوّة، وكان مـجاب الدعوة.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى ذكره أمر نبـيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو علـى قومه خبر رجل كان الله آتاه حججه وأدلته، وهي الآيات.

وقد دللنا علـى أن معنى الآيات الأدلة والأعلام فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته، وجائز أن يكون الذي كان الله آتاه ذلك بلعم، وجائز أن يكون أمية، وكذلك الآيات إن كانت بـمعنى الـحجة التـي هي بعض كتب الله التـي أنزلها علـى بعض أنبـيائه، فتعلـمها الذي ذكره الله فـي هذه الآية، وعناه بها فجائز أن يكون الذي كان أوتـيها بلعم، وجائز أن يكون أمية، لأن أمية كان فـيـما يقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب، وإن كانت بـمعنى كتاب أنزله الله علـى من أمر نبـيّ الله علـيه الصلاة والسلام أن يتلو علـى قومه نبأه أو بـمعنى اسم الله الأعظم أو بـمعنى النبوّة، فغير جائز أن يكون معنـيا به أمية لأن أمية لا تـختلف الأمة فـي أنه لـم يكن أوتـي شيئاً من ذلك. ولا خبر بأيّ ذلك الـمراد وأيّ الرجلـين الـمعنـيّ يوجب الـحجة ولا فـي العقل دلالة علـى أن ذلك الـمعنـيّ به من أيّ. فـالصواب أن يقال فـيه ما قال الله، ويقرّ بظاهر التنزيـل علـى ما جاء به الوحي من الله.

وأما قوله: {فـانْسَلَـخَ مِنْها} فإنه يعنـي: خرج من الآيات التـي كان الله آتاها إياه، فتبرأ منها.

وبنـحو ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: لـما نزل موسى علـيه السلام يعنـي بـالـجبـارين ومن معه آتاه يعنـي بلعم بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثـيرة، وإنه إن يظهر علـينا يهلكنا. فـادع الله أن يردّ عنا موسى ومن معه قال: إنـي إن دعوت الله أن يردّ موسى ومن معه ذهبت دنـياي وآخرتـي. فلـم يزالوا به حتـى دعا علـيهم، فسلـخه الله مـما كان علـيه، فذلك قوله: {فـانْسَلَـخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قال: كان الله آتاه آياته فتركها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: {فـانْسَلَـخَ مِنْها} قال: نزع منه العلـم.

وقوله: {فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ} يقول: فصيره لنفسه تابعا ينتهي إلـى أمره فـي معصية الله، ويخالف أمر ربه فـي معصية الشيطان وطاعة الرحمن. وقوله: {فَكانَ مِنَ الغاوينَ} يقول: فكان من الهالكين لضلاله وخلافه أمرَ ربه وطاعة الشيطان.

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ۝١٧٦

يقول تعالـى ذكره: ولو شئنا لرفعنا هذا الذي آتـيناه آياتنا بآياتنا التـي آتـيناه، {ولَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأَرْضِ} يقول: سكن إلـى الـحياة الدنـيا فـي الأرض ومال إلـيها، وآثر لذتها وشهواتها علـى الآخرة، واتبع هواه، ورفض طاعة الله وخالف أمره.

وكانت قصة هذا الذي وصف الله خبره فـي هذه الآية، علـى اختلاف من أهل العلـم فـي خبره وأمره، ما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، أنه سئل عن الآية:

{ وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها }فحدّث عن سيار أنه كان رجلاً يقال له بَلْعام، وكان قد أوتـي النبوّة، وكان مـجاب الدعوة. قال: وإن موسى أقبل فـي بنـي إسرائيـل يريد الأرض التـي فـيها بلعام أو قال الشام قال: فرعب الناس منه رعبـاً شديداً، قال: فأتوا بَلْعاماً، فقالوا ادع الله علـى هذا الرجل وجيشه قال: حتـى أؤامر ربـي أو حتـى أؤامر قال: فآمر فـي الدعاء علـيهم، فقـيـل له: لا تدع علـيهم فإنهم عبـادي وفـيهم نبـيهم قال: فقال لقومه: إنـي آمرت ربـي فـي الدعاء علـيهم، وإنـي قد نُهيت. قال: فأهدوا إلـيه هدية فَقبِلها. ثم راجعوه فقالوا: ادع علـيهم فقال: حتـى أؤامر ربـي. فآمر فلـم يأمره بشيء. قال: فقال: قد وامرت فلـم يأمرنـي بشيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو علـيهم لنهاك كما نهاك فـي الـمرّة الأولـى. قال: فأخذ يدعو علـيهم، فإذا دعا علـيهم جرى علـى لسانه الدعاء علـى قومه وإذا أراد أن يدعو أن يُفْتَـح لقومه، دعا أن يُفْتَـح لـموسى علـيه السلام وجيشه أو نـحواً من ذلك إن شاء الله. قال: فقالوا ما نراك تدعو إلاَّ علـينا. قال: ما يجري علـى لسانـي إلاَّ هكذا، ولو دعوتُ علـيه ما استـجيب لـي، ولكن سأدلكم علـى أمر عسى أن يكون فـيه هلاكهم إن الله يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا بـالزنا هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرِجوا النساء لتستقبلهم وإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فـيهلكوا. قال: ففعلوا وأخرجوا النساء تستقبلهم. قال: وكان للـملك ابنة، فذكر من عظمها ما الله أعلـم به، قال: فقال أبوها أو بَلْعام: لا تـمكنـي نفسك إلاَّ من موسى قال: ووقعوا فـي الزنا. قال: وأتاها رأس سبط من أسبـاط بنـي إسرائيـل، فأرادها علـى نفسه، قال: فقالت: ما أنا بـمـمكنة نفسي إلاَّ من موسى، قال: فقال: إن من منزلتـي كذا وكذا، وإن من حالـى كذا وكذا. قال: فأرسلت إلـى أبـيها تستأمره، قال: فقال لها: مَكّنِـيهِ قال: ويأتـيهما رجل من بنـي هارون ومعه الرمـح فـيطعنهما، قال: وأيَّده الله بقوّة فـانتظمهما جميعاً، ورفعهما علـى رمـحه. قال: فرآهما الناس، أو كما حدّث. قال: وسلط الله علـيهم الطاعون، قال: فمات منهم سبعون ألفـا. قال: فقال أبو الـمعتـمر: فحدثنـي سيار أن بلعاما ركب حمارة له، حتـى إذا أتـى الـمُعْلَوْلـي أو قال: طريقا من الـمعلولـي جعل يضربها ولا تتقدّم. قال: وقامت علـيه، فقالت: علام تضربنـي؟ أما ترى هذا الذي بـين يديك؟ قال: فإذا الشيطان بـين يديه، قال: فنزل فسجد له. قال الله: { وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ... }إلـى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. قال: فحدثنـي بهذا سيَّار، ولا أدري لعله قد دخـل فـيه شيء من حديث غيره.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، قال: فبلغنـي حديث رجل من أهل الكتاب يحدّث أن موسى سأل الله أن يطبعه وأن يجعله من أهل النار. قال: ففعل الله. قال: أنبئت أن موسى قتله بعد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن سالـم أبـي النضر، أنه حدث: أن موسى لـما نزل فـي أرض بنـي كنعان من أرض الشام أتـى قومُ بَلْعم إلـى بَلْعم، فقالوا له: يا بلعم إن هذا موسى بن عمران فـي بنـي إسرائيـل، قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويُحِلها بنـي إسرائيـل ويسكنها، وإنا قومك، ولـيس لنا منزل، وأنت رجل مـجاب الدعوة، فـاخرج وادع الله علـيهم فقال: ويـلكم نبـيّ الله معه الـملائكة والـمؤمنون، كيف أذهب أدعو علـيهم وأنا أعلـم من الله ما أعلـم؟ قالوا: ما لنا من منزل. فلـم يزالوا به يرفعونه ويتضرّعون إلـيه حتـى فتنوه فـافتتن. فركب حمارة له متوجهاً إلـى الـجبل الذي يطلعه علـى عسكر بنـي إسرائيـل، وهو جبل حسان فلـما سار علـيها غير كثـير ربضت به، فنزل عنها، فضربها، حتـى إذا أذلقها قامت فركبها فلـم تَسر به كثـيراً حتـى ربضت به. ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها فلـم تسر به كثـيراً حتـى ربضت به. فضربها حتـى إذا أذلقها أذن الله لها، فكلـمته حجة علـيه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الـملائكة تردنـي عن وجهي هذا؟ أتذهب إلـى نبـيّ الله والـمؤمنـين تدعو علـيهم فلـم ينزع عنها فضربها فخـلـى الله سبـيـلها حين فعل بها ذلك. قال: فـانطلقت به حتـى إذا أشرفت علـى رأس جبل حسان علـى عسكر موسى وبنـي إسرائيـل جعل يدعو علـيهم ولا يدعو علـيهم بشرّ إلاَّ صرف به لسانه إلـى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلاَّ صرف لسانه إلـى بنـي إسرائيـل. قال: فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنـما تدعو لهم وتدعو علـينا قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله علـيه. قال: واندلع لسانه فوقع علـى صدره، فقال لهم: قد ذهبت منـي الآن الدنـيا والآخرة، فلـم يبق إلاَّ الـمكر والـحيـلة، فسأمكر لكم وأحتال، حمِّلوا النساء وأعطوهنّ السِّلَع، ثم أرسلوهنّ إلـى العسكر يبعنها فـيه، ومروهنّ فلا تـمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنـي منهم واحد كُفـيتـموهم ففعلوا فلـما دخـل النساء العسكر مرّت امرأة من الكنعانـيـين اسمها كستـى بنت صور رأس أمته برجل من عظماء بنـي إسرائيـل، وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيـم، فقام إلـيها فأخذ بـيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتـى وقـف بها علـى موسى علـيه السلام فقال: إنـي أظنك ستقول هذه حرام علـيك؟ فقال: أجَلْ هي حرام علـيك لا تقرَبْها قال: فوالله لا أطيعك فـي هذا، فدخـل بها قبته فوقع علـيها. وأرسل الله الطاعون فـي بنـي إسرائيـل، وكان فنـحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلاً قد أُعْطِي بسطة فـي الـخـلق وقوّة فـي البطش، وكان غائبـاً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع. فجاء والطاعون يجوس فـي بنـي إسرائيـل، فأخبر الـخبر، فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخـل علـيه القبة وهما متضاجعان، فـانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلـى السماء، والـحربة قد أخذها بذراعه، واعتـمد بـمرفقه علـى خاصرته، وأسند الـحربة إلـى لَـحيـيه، وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهمّ هكذا نفعل بـمن يعصيك ورُفع الطاعون، فحُسب من هلك من بنـي إسرائيـل فـي الطاعون، فـيـما بـين أن أصاب زمري الـمرأة إلـى أن قتله فنـحاص، فوُجدوا قد هلك منهم سبعون ألفـاً، والـمقلل يقول: عشرون ألفـاً فـي ساعة من النهار. فمن هنالك يعطى بنو إسرائيـل ولد فنـحاص بن العيزار بن هارون من كلّ ذبـيحة ذبحوها الفشة والذراع واللَّـحْي، لاعتـماده بـالـحربة علـى خاصرته وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلـى لـحيـيه، والبكر من كلّ أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار. ففـي بلعم بن بـاعورا أنزل الله علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها }يعنـي بلعم، { فأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ... }إلـى قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: انطلق رجل من بنـي إسرائيـل يقال له بَلْعم، فأتـى الـجبـارين فقال: لا ترهبوا من بنـي إسرائيـل، فإنـي إذا خرجتـم تقاتلونهم أدعو علـيهم فخرج يوشع يقاتل الـجبـارين فـي الناس. وخرج بلعم مع الـجبـارين علـى أتانه وهو يريد أن يـلعن بنـي إسرائيـل، فكلـما أراد أن يدعو علـى بنـي إسرائيـل دعا علـى الـجبـارين، فقال الـجبـارون: إنك إنـما تدعو علـينا فـيقول: إنـما أردت بنـي إسرائيـل. فلـما بلغ بـاب الـمدينة أخذ ملك بذنب الأتان، فأمسكها فجعل يحرّكها فلا تتـحرّك، فلـما أكثر ضربها تكلـمت فقالت: أنت تنكحنـي بـاللـيـل وتركبنـي بـالنهار؟ ويـلـي منك ولو أنـي أطقت الـخرج لـخرجت، ولكن هذا الـملك يحبسنـي. وفـي بَلْعم يقول الله:

{ وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا... }الآية.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنـي رجل سمع عكرمة، يقول: قالت امرأة منهم: أرونـي موسى، فأنا أفتنه قال: فتطيبتْ، فمرّت علـى رجل يشبه موسى، فواقعها، فأتـى ابن هارون فأُخبر، فأخذ سيفـاً، فطعن به فـي إحلـيـله حتـى أخرجه من قبلها، ثم رفعهما حتـى رآهما الناس، فعلـم أنه لـيس موسى، ففُضِّل آل هارون فـي القربـان علـى آل موسى بـالكَتِف والعَضُد والفخذ، قال: فهو الذي آتـيناه آياتنا فـانسلـخ منها، يعنـي بلعم.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها} فقال بعضهم: معناه: لرفعناه بعلـمه بها. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها} لرفعه الله تعالـى بعلـمه.

وقال آخرون: معناه لرفعنا عنه الـحال التـي صار إلـيها من الكفر بـالله بآياتنا. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبـي نُـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها}: لرفعنا عنه بها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها}: لرفعناه عنه.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي تأويـل ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله عمّ الـخبر بقوله: {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها} أنه لو شاء رفعه بآياته التـي آتاه إياها. والرفع يعمّ معانـي كثـيرة، منها الرفع فـي الـمنزلة عنده، ومنها الرفع فـي شرف الدنـيا ومكارمها. ومنها الرفع فـي الذكر الـجميـل والثناء الرفـيع. وجائز أن يكون الله عنى كلّ ذلك أنه لو شاء لرفعه، فأعطاه كلّ ذلك بتوفـيقه للعمل بآياته التـي كان آتاها إياه.

وإذ كان ذلك جائزا، فـالصواب من القول فـيه أن لا يُخَصّ منه شيء، إذ كان لا دلالة علـى خصوصه من خبر ولا عقل.

وأما قوله: {بِها} فإن ابن زيد قال فـي ذلك كالذي قلنا.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بها} بتلك الآيات.

وأما قوله: {وَلَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْض} فإن أهل التأويـل قالوا فـيه نـحو قولنا فـيه. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن أبـي الهيثم، عن سعيد بن جبـير: {وَلَكنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْضِ} يعنـي: ركن إلـى الأرض.

قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير: {وَلَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْض} قال: نزع إلـى الأرض.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: أخـلد: سكن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو تُـمَيـلة، عن أبـي حمزة، عن جابر، عن مـجاهد وعكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كان فـي بنـي إسرائيـل بلعام بن بـاعر أوتـي كتابـا، فأخـلد إلـى شهوات الأرض ولذتها وأموالها، لـم ينتفع بـما جاء به الكتاب.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْض وَاتَّبَع هَوَاهُ} أما أخـلد إلـى الأرض: فـاتبع الدنـيا، وركن إلـيها.

وأصل الإخلاد فـي كلام العرب: الإبطاء والإقامة، يقال منه: أخـلد فلان بـالـمكان إذا أقام به وأخـلد نفسه إلـى الـمكان إذا أتاه من مكان آخر، ومنه قول زهير:

لَـمن الدّيارُ غَشِيتُها بـالغَرْقَدكالوَحْي فـي حَجَر الـمَسِيـل الـمُخْـلِدِ

يعنـي الـمقـيـم، ومنه قول مالك بن نُوَيْرة:

بأبْناءِ حَيَ مِنْ قَبـائِلِ مالِكٍ وَعمْرِو بن يَرْبُوعٍ أقامُوا فأخْـلَدوا

وكان بعض البصريـين يقول: معنى قوله: أخـلد: لزم وتقاعس وأبطأ، والـمخـلد أيضاً: هو الذي يبطىء شيبه من الرجال، وهو من الدوابّ الذي تبقـى ثناياه حتـى تـخرج ربـاعيتاه.

وأما قوله {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} فإن ابن زيد قال فـي تأويـله ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} قال: كان هواه مع القوم.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ أوْ تَترُكْهُ يَـلْهَثْ}.

يقول تعالـى ذكره: فمثل هذا الذي آتـيناه آياتنا فـانسلـخ منها، مثل الكلب الذي يـلهث، طردته أو تركته.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذي من أجله جعل الله مثله كمثل الكلب فقال بعضهم: مثَّله به فـي اللهث لتركه العمل بكتاب الله وآياته التـي آتاها إياه وإعراضه عن مواعظ الله التـي فـيها إعراض من لـم يؤته الله شيئاً من ذلك، فقال جلّ ثناؤه فـيه: إذا كان سواء أمره وعظ بآيات الله التـي آتاها إياه، أو لـم يوعظ فـي أنه لا يتعظ بها، ولا يترك الكفر به، فمثله مثل الكلب الذي سواء أمره فـي لهثه، طرد أو لـم يطرد، إذ كان لا يترك اللهث بحال. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ} قال: تطرده، هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: {فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ} قال: تطرده بدابتك ورجلك يـلهث، قال: مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل بـما فـيه.

قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن حملت علـيه يـلهث، أو تتركه يـلهث. قال: مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنـما فؤاده منقطع.

حدثنـي ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن توبة، عن معمر، عن بعضهم: {فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَـلْهَثْ} فذلك هو الكافر، هو ضالّ إن وعظته وإن لـم تعظه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ} الـحكمة لـم يحملها، وإن ترك لـم يهتد لـخير، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن طُرد لهث.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قال: آتاه الله آياته فتركها، فجعل الله مثله كمثل الكلب، إن تـحمل علـيه يـلهث، أو تتركه يـلهث.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قِتادة:

{ وَاتْلُ عَلَـيْهِمْ نَبأَ الَّذِي آتَـيْناهُ آياتِنا فـانْسَلَـخَ مِنْها فأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ... }الآية، هذا مثل ضربه الله لـمن عرض علـيه الهدى، فأبى أن يقبله وتركه. قال: وكان الـحسن يقول: هو الـمنافق. {وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أخْـلَدَ إلـى الأرْض وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كمَثَل الكَلْب إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَـلْهَثْ} قال: هذا مثل الكافر ميت الفؤاد.

وقال آخرون: إنـما مثَّله جلّ ثناؤه بـالكلب لأنه كان يـلهث كما يـلهث الكلب. ذكر من قال ذلك.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَمَثَلُهُ كمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَـحْمِلْ عَلَـيْهِ يَـلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَـلْهَثْ} وكان بلعم يـلهث كما يـلهث الكلب. وأما تـحمل علـيه: فتشدّ علـيه.

قال: أبو جعفر: وأولـى التأويـلـين فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: إنـما هو مثل لتركه العمل بآيات الله التـي آتاها إياه، وأن معناه: سواء وعظ أو لـم يوعظ فـي أنه لا يترك ما هو علـيه من خلافه أمر ربه، كما سواء حمل علـى الكلب أو طرد أو ترك فلـم يطرد فـي أنه لا يدع اللهث فـي كلتا حالتـيه.

وإنـما قلنا ذلك أولـى القولـين بـالصواب لدلالة قوله تعالـى ذلك: {مَثَلُ القَوم الَّذينَ كَذَّبُوا بآياتِنا} فجعل ذلك مثل الـمكذّبـين بآياته. وقد علـمنا أن اللهاث لـيس فـي خـلقة كلّ مكذّب كتب علـيه ترك الإنابة من تكذيب بآيات الله، وأن ذلك إنـما هو مثل ضربه الله لهم، فكان معلوماً بذلك أنه للذي وصف الله صفته فـي هذه الآية، كما هو لسائر الـمكذّبـين بآيات الله مَثَل.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ذلكَ مَثَلُ القَوْم الَّذينَ كَذَّبُوا بآياتِنا فـاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: هذا الـمثل الذي ضربته لهذا الذي آتـيناه آياتنا فـانسلـخ منها، مثل القوم الذين كذّبوا بحججنا وأعلامنا وأدلتنا، فسلكوا فـي ذلك سبـيـل هذا الـمنسلـخ من آياتنا الذي آتـيناها إياه فـي تركه العمل بـما آتـيناه من ذلك.

وأما قوله: {فـاقْصُصِ القَصَصَ} فإنه يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـاقصص يا مـحمد هذا القصص الذي قصصته علـيك من نبإ الذي آتـيناه آياتنا، وأخبـار الأمـم التـي أخبرتك أخبـارهم فـي هذه السورة وقصصت علـيك نبأهم ونبأ أشبـاههم، وما حلّ بهم من عقوبتنا ونزل بهم، حين كذّبوا رسلنا من نقمتنا علـى قومك من قريش ومَنْ قِبَلَك من يهود بنـي إسرائيـل، لـيتفكروا فـي ذلك فـيعتبروا وينـيبوا إلـى طاعتنا، لئلا يحل بهم مثل الذي حلّ بـمن قبلهم من النقم والـمثلات، ويتدبره الـيهود من بنـي إسرائيـل فـيعلـموا حقـيقة أمرك وصحة نبوّتك، إذ كان نبأ الذي آتـيناه آياتنا من خفـيّ علومهم ومكنون أخبـارهم لا يعلـمه إلاَّ أحبـارهم ومن قرأ الكتب ودرسها منهم، وفـي علـمك بذلك وأنت أمي لا تكتب ولا تقرأ ولا تدرس الكتب ولـم تـجالس أهل العلـم الـحجةُ البـينة لك علـيهم بأنك لله رسول، وأنك لـم تعلـم ما علـمت من ذلك، وحالك الـحال التـي أنت بها إلاَّ بوحي من السماء.

وبنـحو ذلك كان أبو النضر يقول.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد، عن سالـم أبـي النضر: {فـاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} يعنـي: بنـي إسرائيـل، إذ قد جئتهم بخبر ما كان فـيهم مـما يخفون علـيك، لعلهم يتفكرون، فـيعرفون أنه لـم يأت بهذا الـخبر عما مضى فـيهم إلاَّ نبـيّ يأتـيه خبر السماء.

سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ ۝١٧٧

يقول تعالـى ذكره: ساء مثلاً القوم الذين كذّبوا بحجج الله وأدلته فجحدوها، وأنفسهم كانوا ينقصون حظوظها، ويبخسونها منافعها بتكذيبهم بها لا غيرها. وقـيـل: ساء مثلاً من الشرّ، بـمعنى: بئس مثلاً. وأقـيـم القوم مقام الـمثل، وحذف الـمثل، إذ كان الكلام مفهوماً معناه، كما قال جلّ ثناؤه: {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بـالله} فإن معناه: ولكن البرّ برّ من آمن بـالله. وقد بـيَّنا نظائر ذلك فـي مواضع غير هذا بـما أغنى عن إعادته.

مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ۝١٧٨

يقول تعالـى ذكره: الهداية والإضلال بـيد الله والـمهتدى وهو السالك سبـيـل الـحقّ الراكب قصد الـمـحجة فـي دينه من هداه الله لذلك، فوفقه لإصابته. والضالّ من خذله الله فلـم يوفقه لطاعته، ومن فعل الله ذلك به فهو الـخاسر: يعنـي الهالك. وقد بـيَّنا معنى الـخسارة والهداية والضلالة فـي غير موضع من كتابنا هذا بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ ۝١٧٩

يقول تعالـى ذكره: ولقد خـلقنا لـجهنـم كثـيراً من الـجنّ والإنس، يقال منه: ذرأ الله خـلقه يذرؤهم ذَرْءاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي علـيّ بن الـحسين الأزديّ، قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن مبـارك بن فضالة، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لـجَهَنَّـمَ كَثِـيراً مِنَ الـجِنّ والإنْسِ} قال: مـما خـلقنا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن أبـي زائدة، عن مبـارك، عن الـحسن، فـي قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لـجَهَنَّـمَ} قال: خـلقنا.

قال: ثنا زكريا، عن عَتَّاب بن بشير، عن علـيِّ بن بِذَيـمة، عن سعيد بن جبـير، قال: أولاد الزنا مـما ذرأ الله لـجهنـم.

قال: ثنا زكريا بن عديّ وعثمان الأحول، عن مروان بن معاوية، عن الـحسن بن عمرو، عن معاوية ابن إسحاق، عن جلـيس له بـالطائف، عن عبد الله بن عمرو، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ اللّهَ لَـمَّا ذَرَأَ لـجَهَنَّـمَ ما ذَرَأ، كانَ وَلَدُ الزّنا مِـمَّنْ ذَرَأ لـجَهَنَّـمَ

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لـجَهَنَّـمَ} يقول: خـلقنا.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لـجَهَنَّـمَ} قال: لقد خـلقنا لـجهنـم كثـيراً من الـجنّ والإنس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لـجَهَنَّـمَ} خـلقنا.

وقال جلّ ثناؤه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنا لـجَهَنَّـمَ كَثِـيراً مِنَ الـجِنّ والإنْس} لنفـاذ علـمه فـيهم بأنهم يصيرون إلـيها بكفرهم بربهم.

وأما قوله: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ} بها فإن معناه: لهؤلاء الذين ذرأهم الله لـجهنـم من خـلقه قلوب لا يتفكرون بها فـي آيات الله، ولا يتدبرون بها أدلته علـى وحدانـيته، ولا يعتبرون بها حججه لرسله، فـيعلـموا توحيد ربهم، ويعرفوا حقـيقة نبوّة أنبـيائهم. فوصفهم ربنا جلّ ثناؤه بأنهم لا يفقهون بها لإعراضهم عن الـحقّ وتركهم تدبر صحة الرشد وبطول الكفر. وكذلك قوله: {ولَهُمْ أعيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها} معناه: ولهم أعين لا ينظرون بها إلـى آيات الله وأدلته، فـيتأملوها ويتفكروا فـيها، فـيعلـموا بها صحة ما تدعوهم إلـيه رسلهم، وفساد ما هم علـيه مقـيـمون من الشرك بـالله وتكذيب رسله فوصفهم الله بتركهم إعمالها فـي الـحق بأنهم لا يبصرون بها. وكذلك قوله: {ولَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بها} آيات كتاب الله فـيعتبروها ويتفكروا فـيها، ولكنهم يعرضون عنها، ويقولون:

{ لا تَسْمَعُوا لهذا القُرْآنِ والْغوا فِـيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }. وذلك نظير وصف الله إياهم فـي موضع آخر بقوله: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقلُونَ }والعرب تقول ذلك للتارك استعمال بعض جوارحه فـيـما يصلـح له، ومنه قول مسكين الدارمي:

أعْمَى إذَا ما جارَتـي خَرَجَتحتـى يُوَاريَ جارَتـي السِّتْرُ وأصَمُّ عَمَّا كانَ بَـيْنَهُماسَمْعي وَما بـالسَّمْع مِنْ وَقْرِ

فوصف نفسه لتركه النظر والاستـماع بـالعمى والصمـم. ومنه قول الآخر:

وَعَوْرَاءِ اللِّئامِ صَمَـمْتُ عَنْهاوإنّـي لَوْ أشاءُ بِها سَمِيعُ وبَـادِرَةٍ وَزَعْتُ النَّفْسَ عَنْهاوَلَوْ بِـينَتْ مِنَ العَصَبِ الضُّلوعُ

وذلك كثـير فـي كلام العرب وأشعارها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهداً يقول فـي قوله: {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها} قال: لا يفقهون بها شيئاً من أمر الآخرة. {ولَهُمْ أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها} الهدى. {ولَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الـحَقّ} ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شرًّا من الأنعام، فقال: {بَلْ هُمْ أضَلُّ} ثم أخبر أنهم هم الغافلون.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أولَئِكَ كالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أولئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ}.

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {أُولَئِكَ كالأنْعامِ} هؤلاء الذين ذرأهم لـجهنـم هم كالأنعام، وهي البهائم التـي لا تفقه ما يقال لها ولا تفهم ما أبصرته مـما يصلـح وما لا يصلـح ولا تعقل بقلوبها الـخير من الشرّ فتـميز بـينهما، فشبههم الله بها، إذ كانوا لا يتذكرون ما يرون بأبصارهم من حججه، ولا يتفكرون فـيـما يسمعون من آي كتابه. ثم قال: {بَلْ هُمْ أضَلُّ} يقول: هؤلاء الكفرة الذين ذرأهم لـجهنـم أشدّ ذهابـا عن الـحقّ وألزم لطريق البـاطل من البهائم، لأن البهائم لا اختـيار لها ولا تـميـيز فتـختار وتـميِّز، وإنـما هي مسخرة ومع ذلك تهرب من الـمضارّ وتطلب لأنفسها من الغذاء الأصلـح. والذين وصف الله صفتهم فـي هذه الآية، مع ما أُعطوا من الأفهام والعقول الـمـميزة بـين الـمصالـح والـمضارّ، تترك ما فـيه صلاح دنـياها وآخرتها وتطلب ما فـيه مضارّها، فـالبهائم منها أسد وهي منها أضلّ، كما وصفها به ربنا جلّ ثناؤه.

وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ} يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفت صفتهم، القوم الذين غفلوا، يعنـي سهواً عن آياتـي وحججي، وتركوا تدبرها والاعتبـار بها والاستدلال علـى ما دلت علـيه من توحيد ربها، لا البهائم التـي قد عرَّفها ربها ما سخرها له.

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٨٠

يقول تعالـى ذكره {ولِلّهِ الأسْماءُ الـحُسْنَى}، وهي كما قال ابن عبـاس.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ولِلّهِ الأسْماءُ الـحُسْنَى فـادْعُوهُ بِها} ومن أسمائه: العزيز الـجبـار، وكلّ أسماء الله حسن.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبـي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:

إنَّ لِلّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِئَةً إلاَّ وَاحِداً، مَنْ أحْصَاها كُلَّها دَخَـلَ الـجَنَّةَ

وأما قوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُـلْـحِدُونَ فِـي أسْمائِهِ} فإنه يعنـي به الـمشركين. وكان إلـحادهم فـي أسماء الله أنهم عدلوا بها عما هي علـيه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فـيها ونقصوا منها، فسموا بعضها اللات اشتقاقاً منهم لها من اسم الله الذي هو الله، وسموا بعضها العزّى اشتقاقاً لها من اسم الله الذي هو العزيز.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُـلْـحِدُونَ فِـي أسْمائِهِ} قال: إلـحاد الـملـحدين أن دعوا اللات فـي أسماء الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَذَرُوا الَّذينَ يُـلْـحِدُونَ فِـي أسْمائِهِ} قال: اشتقوا العُزّى من العزيز، واشتقوا اللات من الله.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله {يُـلْـحِدُونَ} فقال بعضهم: يكذّبون. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُـلْـحِدُونَ فِـي أسْمائِهِ} قال: الإلـحاد: التكذيب.

وقال آخرون: معنى ذلك: يشركون. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا أبو ثور، عن معمر، عن قتادة: {يُـلْـحِدُونَ} قال: يشركون.

وأصل الإلـحاد فـي كلام العرب: العدول عن القصد، والـجور عنه، والإعراض، ثم يستعمل فـي كلّ معوجّ غير مستقـيـم، ولذلك قـيـل للـحد القبر لـحد، لأنه فـي ناحية منه ولـيس فـي وسطه، يقال منه: ألـحد فلان يُـلْـحِد إلـحاداً، ولَـحد يَـلْـحَدُ لَـحْداً ولُـحُوداً. وقد ذكر عن الكسائي أنه كان يفرّق بـين الإلـحاد واللـحد، فـيقول فـي الإلـحاد: إنه العدول عن القصد، وفـي اللـحد إنه الركون إلـى الشيء، وكان يقرأ جميع ما فـي القرآن «يُـلـحدون» بضمّ الـياء وكسر الـحاء، إلاَّ التـي فـي النـحل، فإنه كان يقرؤها: «يَـلـحَدون» بفتـح الـياء والـحاء، ويزعم أنه بـمعنى الركون. وأما سائر أهل الـمعرفة بكلام العرب فـيرون أن معناهما واحد، وأنهما لغتان جاءتا فـي حرف واحد بـمعنى واحد.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء أهل الـمدينة وبعض البصريـين والكوفـيـين: {يُـلْـحِدون} بضمّ الـياء وكسر الـحاء من ألـحد يُـلـحِد فـي جميع القرآن. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة: «يَـلْـحَدون» بفتـح الـياء والـحاء من لـحد يـلـحد.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما لغتان بـمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك. غير أنـي أختار القراءة بضمّ الـياء علـى لغة من قال: «ألـحد»، لأنها أشهر اللغتـين وأفصحهما. وكان ابن زيد يقول فـي قوله: {وَذرُوا الَّذِينَ يُـلْـحِدُونَ فِـي أسْمائِهِ } إنه منسوخ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُـلْـحِدونَ فِـي أسْمائِهِ} قال: هؤلاء أهل الكفر، وقد نسخ، نسخه القتال.

ولا معنى لـما قال ابن زيد فـي ذلك من أنه منسوخ، لأن قوله: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُـلْـحِدونَ فِـي أسْمائِهِ} لـيس بأمر من الله لنبـيه صلى الله عليه وسلم بترك الـمشركين أن يقولوا ذلك حتـى يأذن له فـي قتالهم، وإنـما هو تهديد من الله للـملـحدين فـي أسمائه ووعيد منه لهم، كما قال فـي موضع آخر:

{ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَـمَتَّعُوا وَيُـلْهِهِمُ الأمَلُ... }الآية، وكقوله: { لِـيَكْفُرُوا بِـمَا آتَـيْناهُمْ وَلِـيَتَـمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَـمُونَ }وهو كلام خرج مخرج الأمر بـمعنى الوعيد والتهديد، ومعناه: إن تُـمهل الذين يُـلـحدون يا مـحمد فـي أسماء الله إلـى أجل هم بـالغوه، فسوف يجزون إذا جاءهم أجل الله الذي أجَّله إلـيهم جزاء أعمالهم التـي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بـالله والإلـحاد فـي أسمائه وتكذيب رسوله.
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ