انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 144–154

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 142–155في هذه الصفحة 15:42

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٤٤

يقول تعالـى ذكره: قال الله لـموسى: {يا مُوسَى إنّـي اصْطَفَـيْتُكَ علـى النَّاسِ} يقول: اخترتك علـى الناس {بِرَسالاتِـي} إلـى خـلقـي، أرسلتك بها إلـيهم. {وَبِكَلامي} كلـمتك وناجيتك دون غيرك من خـلقـي. {فَخُذْ ما آتَـيْتُكَ} يقول: فخذ ما أعطيتك من أمري ونهي وتـمسك به، واعمل به، يريد {وكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} لله علـى ما آتاك من رسالته، وحصل به من النـجوى بطاعته فـي أمره ونهيه والـمسارعة إلـى رضاه.

وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ ۝١٤٥

يقول تعالـى ذكره: وكتبنا لـموسى فـي ألواحه. وأدخـلت الألف واللام فـي «الألواح» بدلاً من الإضافة، كما قال الشاعر:

والأحْلامُ غيرُ عَوَازِبُ

وكما قال جلّ ثناؤه {فإنَّ الـجَنَّةَ هِيَ الـمَأْوَى} يعنـي: هي مأواه.

وقوله: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ } يقول من التذكير والتنبـيه علـى عظمة الله وعزّ سلطانه. {مَوْعِظَةً} لقومه ومن أمر بـالعمل بـما كتب فـي الألواح. {وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ} يقول: وتبـيـينا لكلّ شيء من أمر الله ونهيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد أو سعيد بن جبـير وهو فـي أصل كتابـي، عن سعيد بن جبـير فـي قول الله: {وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ} قال: ما أمروا به ونهوا عنه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ} من الـحلال والـحرام.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، قال: سمعت مـجاهدا يقول فـي قوله: {وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ} قال: ما أمروا به ونُهوا عنه.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ } قال عطية: أخبرنـي ابن عبـاس أن موسى صلى الله عليه وسلم لـما كربه الـموت قال: هذا من أجل آدم، قد كان الله جعلنا فـي دار مثوى لا نـموت، فخطأ آدم أنزلنا ههنا فقال الله لـموسى: أبعث إلـيك آدم فتـخاصمه؟ قال: نعم. فلـما بعث الله آدم، سأله موسى، فقال أبونا آدم علـيهما السلام: يا موسى سألت الله أن يبعثنـي لك قال موسى: لولا أنت لـم نكن ههنا. قال له آدم: ألـيس قد آتاك الله من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً؟ أفلست تعلـم أنه ما أصَابَ فـي الأرْضِ من مُصِيَبةٍ ولا فـي أنْفُسِكُمْ إلا فـي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أنْ نَبْرَأَهَا؟ قال موسى: بلـى. فخصمه آدم صلـى الله علـيهما.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهبـاً يقول فـي قوله: {وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ} قال: كتب له لا تشرك بـي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كلّ ذلك خـلقـي، ولا تـحلف بـاسمي كاذبـاً، فإن من حلف بـاسمي كاذبـاً فلا أزكيه، ووقّر والديك.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}.

يقول تعالـى ذكره: وقلنا لـموسى إذ كتبنا له فـي الألواح من كلّ شيء موعظة وتفصيلاً لكلّ شيء: خذ الألواح بقوّة. وأخرج الـخبر عن الألواح والـمراد ما فـيها.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى القوّة فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم: معناها بجدّ. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا ابن عيـينة، قال: قال أبو سعد، عن عكرمة عن ابن عبـاس: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} قال: بجدّ.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو بن حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} قال: بجدّ واجتهاد.

وقال آخرون: معنى ذلك: فخذها بـالطاعة لله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} قال: بـالطاعة.

وقد بـيَّنا معنى ذلك بشواهده واختلاف أهل التأويـل فـيه فـي سورة البقرة عند قوله: {خُذُوا ما آتَـيْناكُمْ بِقُوّةٍ} فأغنى ذلك عن إعادته فـي هذا الـموضع.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها}.

يقول تعالـى ذكره: قلنا لـموسى: وأمر قومك بنـي إسرائيـل يأخذوا بأحسنها. يقول: يعملوا بأحسن ما يجدون فـيها كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها} بأحسن ما يجدون فـيها.

حدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم، قال: ثنا سفـيان، قال: ثنا أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها} قال: أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مـما أمر به قومه.

فإن قال قائل: وما معنى قوله: {وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بأحْسَنِها} أكان من خصالهم ترك بعض ما فـيها من الـحسن؟ قـيـل: لا ولكن كان فـيها أمر ونهي، فأمرهم الله أن يعملوا بـما أمرهم بعمله ويتركوا ما نهاهم عنه، فـالعمل بـالـمأمور به أحسن من العمل بـالـمَنْهيّ عنه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ}.

يقول تعالـى ذكره لـموسى إذ كتب فـي الألواح من كلّ شيء: خذها بجدّ فـي العمل بـما فـيها واجتهاد، وأمر قومك يأخذوا بأحسن ما فـيها، وانههم عن تضيـيعها وتضيـيع العمل بـما فـيها والشرك بـي، فإن من أشرك بـي منهم ومن غيرهم، فإنـي سأريه فـي الآخرة عند مصيره إلـيّ دار الفـاسقـين، وهي نار الله التـي أعدّها لأعدائه. وإنـما قال: {سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ} كما يقول القائل لـمن يخاطبه: سأريك غداً إلام يصير إلـيه حال من خالف أمري علـى وجه التهديد والوعيد لـمن عصاه وخالف أمره.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم بنـحو ما قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ} قال: مصيرهم فـي الآخرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم، قال: ثنا مبـارك، عن الـحسن، فـي قوله: {سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ} قال: جهنـم.

وقال آخرون: معنى ذلك: سأدخـلكم أرض الشأم، فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الـجبـابرة والعمالقة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ}: منازلهم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {دَارَ الفـاسِقِـينَ} قال: منازلهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، وهي مصر. ذكر من قال ذلك:............

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك، لأن الذي قبل قوله جلّ ثناؤه: {سأُرِيكُمْ دَارَ الفـاسِقِـينَ} أمر من الله لـموسى وقومه بـالعمل بـما فـي التوراة، فأولـى الأمور بحكمة الله تعالـى أن يختـم ذلك بـالوعيد علـى من ضيعه وفرّط فـي العمل لله وحاد عن سبـيـله، دون الـخبر عما قد انقطع الـخبر عنه أو عما لـم يجر له ذكر.

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ ۝١٤٦

اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: سأنزع عنهم فهم الكتاب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن منصور الـمروزي، قال: ثنـي مـحمد بن عبد الله بن بكر، قال: سمعت ابن عيـينة يقول فـي قول الله: {سأصْرِفُ عَنْ آياتِـيَ الَّذِينَ يَتَكَبِّرُونَ فِـي الأرْضِ بغيرِ الـحَقّ} قال: يقول: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن أياتـي.

وتأويـل ابن عيـينة هذا يدلّ علـى أن هذا الكلام كان عنده من الله وعيداً لأهل الكفر بـالله مـمن بعث إلـيه نبـينا صلى الله عليه وسلم دون قوم موسى، لأن القرآن إنـما أنزل علـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم دون موسى علـيه السلام.

وقال آخرون فـي ذلك: معناه: سأصرفهم عن الاعتبـار بـالـحجج. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {سأصْرِفُ عَنْ أياتِـيَ } عن خـلق السموات والأرض والآيات فـيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فـيها ويعتبروا.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته، وهي أدلته وأعلامه علـى حقـية ما أمر به عبـاده وفرض علـيهم من طاعته فـي توحيده وعدله وغير ذلك من فرائضه، والسموات والأرض، وكلّ موجود من خـلقه فمن آياته، والقرآن أيضاً من آياته. وقد عمّ بـالـخبر أنه يصرف عن آياته الـمتكبرين فـي الأرض بغير الـحقّ، وهم الذين حقَّت علـيهم كلـمة الله أنهم لا يؤْمنون، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبـار والأدّكار بها مصروفون لأنهم لو وفقوا لفهم بعض ذلك فهدوا للاعتبـار به اتعظوا وأنابوا إلـى الـحقّ، وذلك غير كائن منهم، لأنه جلّ ثناؤه قال: {وَإنْ يَرَوْا كُلّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها} فلا تبديـل لكلـمات الله.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤمِنُوا بِها وَإنْ يَرَوْا سَبِـيـلَ الرُّشْدِ لا يَتَّـخِذُوهُ سَبِـيلاً وَإنْ يَرَوْا سَبِـيـلَ الغَيّ يَتَّـخِذُوهُ سَبِـيلاً ذلكَ بأنَّهُمْ كَذَّبُوا بآياتِنا وكانُوا عَنْها غَافِلِـينَ}.

يقول تعالـى ذكره: وإن ير هؤلاء يتكبرون فـي الأرض بغير الـحقّ. وتكبرهم فـيها بغير الـحقّ: تـجبرهم فـيها، واستكبـارهم عن الإيـمان بـالله ورسوله والإذعان لأمره ونهيه، وهم لله عبـيد يغذوهم بنعمته ويريح علـيهم رزقه بكرة وعشياً. {كلَّ آيَةٍ} يقول: كلّ حجة لله علـى وحدانـيته وربوبـيته، وكلّ دلالة علـى أنه لا تنبغي العبـادة إلا له خالصة دون غيره. {لا يُؤْمِنُوا بِها} يقول: لا يصدّقوا بتلك الآية أنها دالة علـى ما هي فـيه حجة، ولكنهم يقولون: هي سحر وكذب. {وَإنْ يَرَوْا سَبِـيـلَ الرُّشْدِ لا يَتَّـخِذُوهُ سَبِـيلاً} يقول: وإن ير هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذي إن سلكوه نـجوا من الهلكة والعطب وصاروا إلـى نعيـم الأبد لا يسلكوه ولا يتـخذوه لأنفسهم طريقاً، جهلاً منهم وحيرة. {وإنْ يَرَوْا سَبِـيـلَ الغَيِّ} يقول: وإن يروا طريق الهلاك الذي إن سلكوه ضلوا وهلكوا. وقد بـيَّنا معنى الغيّ فـيـما مضى قبل بِـما أغنى عن إعادته. {يَتَّـخِذُوهُ سَبِـيلاً} يقول: يسلكوه ويجعلوه لأنفسهم طريقاً لصرف الله إياهم عن آياته وطبعه علـى قلوبهم، فهم لا يفلـحون ولا ينـجحون. {ذلكَ بأنَّهُمْ كَذَّبُوا بآياتِنا وكانُوا عَنْها غَافِلِـينَ} يقول تعالـى ذكره: صرفناهم عن آياتنا أن يعقلوها ويفهموها، فـيعتبروا بها ويذكروا فـينـيبوا عقوبة منا لهم علـى تكذيبهم بآياتنا، {وكَانُوا عَنْها غَافِلِـينَ} يقول: وكانوا عن آياتنا وأدلتنا الشاهدة علـى حقـية ما أمرناهم به ونهيناهم عنه، غافلـين لا يتفكَّرون فـيها، لاهين عنها لا يعتبرون بها، فحقّ علـيهم حينئذ قول ربنا، فعطبوا.

واختلف القرّاء فـي قراءة قوله: {الرُّشْد} فقرأ ذلك عامة قرّاء الـمدينة وبعض الـمكيـين وبعض البصريـين: {الرُّشْد} بضم الراء وتسكين الشين. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة وبعض الـمكيـين: «الرَّشَد» بفتـح الراء والشين.

ثم اختلف أهل الـمعرفة بكلام العرب فـي معنى ذلك إذا ضمت راؤه وسكنت شينه، وفـيه إذا فتـحتا جميعاً. فذُكر عن أبـي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: معناه إذا ضمت راؤه وسكنت شينه: الصلاح، كما قال الله:

{ فإنْ آنَسْتُـمْ مِنْهُمْ رُشْداً }بـمعنى: صلاحاً وكذلك كان يقرؤه هو ومعناه إذا فتـحت راؤه وشينه: الرَّشَد فـي الدين، كما قال جلّ ثناؤه: { تُعَلِّـمَنِـي مِـمَّا عَلِّـمْتَ رَشَداً }بـمعنى الاستقامة والصواب فـي الدين. وكان الكسائي يقول: هما لغتان بـمعنى واحد، مثل: السُّقم والسَّقَم، والـحُزْن والـحَزَن، وكذلك الرُّشْد والرَّشَد.

والصواب من القول فـي ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفـيضة القراءة بهما فـي قراءة الأمصار متفقتا الـمعنى، فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب بها.

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْـَٔاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٤٧

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الـمستكبرون فـي الأرض بغير الـحقّ، وكلّ مكذّب حجج الله ورسله وآياته، وجاحد أنه يوم القـيامة مبعوث بعد مـماته، ومنكر لقاء الله فـي آخرته، ذهبت أعمالهم فبطلت، وحصلت لهم أوزارها فثبتت، لأنهم عملوا لغير الله وأتعبوا أنفسهم فـي غير ما يرضى الله، فصارت أعمالهم علـيهم وبـالاً، يقول الله جلّ ثناؤه: {هَلْ يُجْزَوْنَ إلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: هل ينالون إلا ثواب ما كانوا يعملون، فصار ثواب أعمالهم الـخـلود فـي نار أحاط بهم سرادقها، إذ كانت أعمالهم فـي طاعة الشيطان دون طاعة الرحمن نعوذ بـالله من غضبه. وقد بـيَّنا معنى الـحبوط والـجزاء والآخرة فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ ۝١٤٨

يقول تعالـى ذكره: واتـخذ بنو إسرائيـل قوم موسى من بعد ما فـارقهم موسى ماضياً إلـى ربه لـمناجاته ووفـاء للوعد الذي كان ربه وعده من حلـيهم عجلاً، وهو ولد البقرة، فعبدوه. ثم بـين تعالـى ذكره ما ذلك العجل فقال: {جَسَدا لَهُ خُوَارٌ} والـخوار: صوت البقر. يخبر جلّ ذكره عنهم أنهم ضلوا بـما لا يضلّ بـمثله أهل العقل، وذلك أن الربّ جلّ جلاله الذي له ملك السموات والأرض ومدبِّر ذلك، لا يجوز أن يكون جسداً له خوار، لا يكلـم أحداً ولا يرشد إلـى خير. وقال هؤلاء الذين قصّ الله قصصهم لذلك هذا إلهنا وإله موسى، فعكفوا علـيه يعبدونه جهلاً منهم وذهابـاً عن الله وضلالاً. وقد بـيَّنا سبب عبـادتهم إياه وكيف كان اتـخاذ من اتـخذ منهم العجل فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وفـي الـحُلـيّ لغتان: ضمّ الـحاء وهو الأصل، وكسرها، وكذلك ذلك فـي كلّ ما شاكله من مثل صلـيّ وجثـيّ وعتـيّ. وبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب، لاستفـاضة القراءة بهما فـي القرأة، لا تفـارق بـين معنـيـيهما.

وقوله: {ألَـمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّـمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِـيلاً} يقول: ألـم ير الذين عكفوا علـى العجل الذي اتـخذوه من حلـيهم يعبدونه أن العجل {لا يُكَلِّـمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِـيلاً } يقول: ولا يرشدهم إلـى طريق. ولـيس ذلك من صفة ربهم الذي له العبـادة حقاً، بل صفته أنه يكلـم أنبـياءه ورسله، ويرشد خـلقه إلـى سبـيـل الـخير وينهاهم عن سبـيـل الـمهالك والردى. يقول الله جلّ ثناؤه: {اتَّـخَذُوهُ}: أي اتـخذوا العجل إلها. {وكانُوا} بـاتـخاذهم إياه ربـاً معبوداً {ظالِـمِينَ} لأنفسهم، لعبـادتهم غير من له العبـادة، وإضافتهم الألوهة إلـى غير الذي له الألوهة. وقد بـيَّنا معنى الظلـم فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته.

وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝١٤٩

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {ولَـمَّا سُقِطَ فِـي أيْدِيهمْ}: ولـما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جلّ ثناؤه صفته عند رجوع موسى إلـيهم، واستسلـموا لـموسى وحكمه فـيهم. وكذلك تقول العرب لكلّ نادم علـى أمر فـات منه أو سلف وعاجز عن شيء: «قد سقط فـي يديه» و«أسقط» لغتان فصيحتان، وأصله من الاستئسار، وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه، فـيرمي به من يديه إلـى الأرض لـيأسره فـيكتفه، فـالـمرميّ به مسقوط فـي يدي الساقط به، فقـيـل لكلّ عاجز عن شيء ومصارع لعجزه متندم علـى ما فـاته: سقط فـي يديه وأسقط. وعنى بقوله: {وَرَأَوْا أنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبـيـل وذهبوا عن دين الله، وكفروا بربهم، قالوا تائبـين إلـى الله منـيبـين إلـيه من كفرهم به: {لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَنكُونَنَّ مِنَ الـخاسِرِينَ}.

ثم اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء أهل الـمدينة ومكة والكوفة والبصرة: {لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا} بـالرفع علـى وجه الـخبر. وقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الكوفة: «لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا» بـالنصب بتأويـل لئن لـم ترحمنا يا ربنا، علـى وجه الـخطاب منهم لربهم. واعتلّ قارئو ذلك كذلك بأنه فـي إحدى القراءتـين: «قالوا لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبِّنا وَتَغْفِرْ لَنا»، وذلك دلـيـل علـى الـخطاب.

والذي هو أولـى بـالصواب من القراءة فـي ذلك القراءة علـى وجه الـخبر بـالـياء فـي «يرحمنا» وبـالرفع فـي قوله «ربُّنا»، لأنه لـم يتقدّم ذلك ما يوجب أن يكون موجها إلـى الـخطاب. والقراءة التـي حكيت علـى ما ذكرنا من قراءتها: «قالوا لَئِنْ لَـمْ تَرْحَمْنا رَبَّنا» لا نعرف صحتها من الوجه الذي يجب التسلـيـم إلـيه. ومعنى قوله: {لَئِنْ لَـمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا}: لئن لـم يتعطف علـينا ربنا بـالتوبة برحمته، ويتغمد بها ذنوبنا، لنكوننّ من الهالكين الذين حبطت أعمالهم.

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٥٠

يقول تعالـى ذكره: ولـما رجع موسى إلـى قومه من بنـي إسرائيـل، رجع غضبـان أسفـاً، لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومُه، وأن السامريّ قد أضلهم، فكان رجوعه غضبـان أسفـاً لذلك. والأسف: شدّة الغضب والتغيظ به علـى من أغضبه. كما:

حدثنـي عمران بن بكار الكُلاعي، قال: ثنا عبد السلام بن مـحمد الـحضرمي، قال: ثنـي شريح بن يزيد، قال: سمعت نصر بن علقمة، يقول: قال أبو الدرداء: قول الله: {غَضْبـانَ أسِفـاً}، قال: الأسف: منزلة وراء الغضب أشدّ من ذلك، وتفسير ذلك فـي كتاب الله: ذهب إلـى قومه غضبـان، وذهب أسفـاً.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {أَسِفـاً} قال: حزينا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَلـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً} يقول: أسفـاً حزيناً. وقال فـي الزخرف فلـمَّا آسفُونَا يقول: أغضبونا. والأسف علـى وجهين: الغضب والـحزن.

حدثنا نصر بن علـيّ، قال: ثنا سلـيـمان بن سلـيـمان، قال: ثنا مالك بن دينار، قال: سمعت الـحسن يقول فـي قوله: {وَلـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً} قال: غضبـان حزيناً.

وقوله قال: {بِئْسَما خَـلَفْتُـمُونِـي مِنْ بَعْدِي} يقول: بئس الفعل فعلتـم بعد فراقـي إياكم وأولـيتـمونـي فـيـمن خـلفت من ورائي من قومي فـيكم ودينـي الذي أمركم به ربكم. يقال منه: خـلفه بخير وخـلفه بشرّ إذا أولاه فـي أهله أو قومه ومن كان منه بسبـيـل من بعد شخوصه عنهم خيراً أو شرّاً. وقوله: {أعَجِلْتُـمْ أمْرَ رَبِّكُمْ} يقول: أسبقتـم أمر ربكم فـي نفوسكم، وذهبتـم عنه؟ يقال منه: عجل فلان هذا الأمر: إذا سبقه، وعجل فلانٌ فلاناً إذا سبقه، ولا تعجَلنـي يا فلان: لا تذهب عنـي وتدعنـي، وأعجلته: استـحثثته.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وألْقَـى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَـيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِـي وكادُوا يَقْتُلُونَنِـي}.

يقول تعالـى ذكره: وألقـى موسى الألواح. ثم اختلف أهل العلـم فـي سبب إلقائه إياه، فقال بعضهم: ألقاها غضبـاً علـى قومه الذي عبدوا العجل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا تـميـم بن الـمنتصر، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبـي أيوب قال: ثنـي سعيد بن جبـير، قال: قال ابن عبـاس: {وَلـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً} فأخذ برأس أخيه يجرّه إلـيه، وألقـى الألواح من الغضب.

وحدثنـي عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا ابن عيـينة، قال: قال أبو سعد، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: لـما رجع موسى إلـى قومه، وكان قريبـاً منهم، سمع أصواتهم فقال: إنـي لأسمع أصوات قوم لاهين. فلـما عاينهم وقد عكفوا علـى العجل ألقـى الألواح فكسرها، وأخذ برأس أخيه يجرّه إلـيه.

حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أخذ موسى الألواح ثم رجع موسى إلـى قومه غضبـان أسفـا، فقال:

{ يا قَوْمِ أَلَـمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً }. إلـى قوله: فكذَلكَ ألْقَـى السَّامِرِيُّ فـ {ألْقَـى مُوسَى الألْوَاحَ وأخَذَ برأَسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَـيْهِ} قال {يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما انتهى موسى إلـى قومه فرأى ما هم علـيه من عبـادة العجل، ألقـى الألواح من يده، ثم أخذ برأس أخيه ولـحيته يقول:

{ ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاَّ تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي }؟.

وقال آخرون: إنـما ألقـى موسى الألواح لفضائل أصابها فـيها لغير قومه، فـاشتدّ ذلك علـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أخَذَ الألْوَاحَ} قال: رَبّ إنـي أجد فـي الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بـالـمعروف وينهون عن الـمنكر، فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة هم الآخرون السابقون: أي آخرون فـي الـخـلق، سابقون فـي دخول الـجنة، ربّ اجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة أناجيـلهم فـي صدورهم يقرءونها، وكان مَن قبلَهم يقرءون كتابهم نظرا حتـى إذا رفعوها لـم يحفظوا شيئاً ولـم يعرفوه قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الـحفظ شيئاً لـم يعطه أحداً من الأمـم قال: ربّ اجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة يؤمنون بـالكتاب الأوّل وبـالكتاب الآخِر، ويقاتلون فصول الضلالة حتـى يقاتلوا الأعور الكذاب، فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها فـي بطونهم ثم يؤجرون علـيها، وكان مَن قبلهم من الأمـم إذا تصدّق بصدقة فقبلت منه، بعث الله علـيهم ناراً فأكلتها، وإن ردّت علـيه تركت تأكلها الطير والسبـاع، قال: وإن الله أخذ صدقاتكم من غنـيكم لفقـيركم، قال: ربّ اجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لـم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلـى سبعمائة، ربّ اجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لـم تكتب علـيه حتـى يعملها، فإذا عملها كتبت علـيه سيئة واحدة، فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة هم الـمستـجيبون والـمستـجاب لهم فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة هم الـمشفَّعون والـمشفوع لهم، فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: وذكر لنا أن نبـيّ الله موسى علـيه السلام نبذ الألواح وقال: اللهمّ اجعلنـي من أمة أحمد قال: فأُعطي نبـيّ الله موسى علـيه السلام ثنتـين لـم يعطهما نبـيّ، قال الله:

{ يا مُوسَى إنّـي اصْطَفَـيْتُكَ عَلـى النَّاسِ برِسالاتـي وبِكَلامي }قال: فرضي نبـي الله. ثم أُعطي الثانـية: { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }قال: فرضي نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كلّ الرضا.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: لـما أخذ موسى الألواح، قال: يا ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة هم خير الأمـم، يأمرون بـالـمعروف، وينهون عن الـمنكر، فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد. قال: يا ربّ إنـي أجد فـي الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القـيامة، فـاجعلهم أمتـي قال: تلك أمة أحمد، ثم ذكر نـحو حديث بشر بن معاذ، إلا أنه قال فـي حديثه: فألقـى موسى علـيه السلام الألواح وقال: اللهمّ اجعلنـي من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

والذي هو أولـى بـالصواب من القول فـي ذلك أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه علـى قومه لعبـادتهم العجلَ لأن الله جلّ ثناؤه بذلك أخبر فـي كتابه، فقال: {وَلـمَّا رَجَعَ مُوسَى إلـى قَوْمِهِ غَضْبـانَ أسِفـاً بِئْسَما خَـلَفْتُـمُونِـي مِنْ بَعْدِي أعَجِلْتُـمْ أمْرَ رَبِّكُمْ وألْقَـى الألْوَاحَ وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَـيْهِ} وذلك أن الله لـما كتب لـموسى علـيه السلام فـي الألواح التوراة، أدناه منه حتـى سمع صريف القلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن السديّ، عن أبـي عمارة، عن علـيّ علـيه السلام قال: كتب الله الألواح لـموسى علـيه السلام وهو يسمع صريف الأقلام فـي الألواح.

قال: ثنا إسرائيـل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، قال: أدناه حتـى سمع صريف الأقلام.

وقـيـل: إن التوراة كانت سبعة أسبـاع فلـما ألقـى موسى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسبـاعها، وكان فـيـما رفع تفصيـل كلّ شيء الذي قال الله:

{ وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلاً لِكُلّ شَيْءٍ }وبقـي الهدى والرحمة فـي السبع البـاقـي، وهو الذي قال الله: { أخذَ الألْواحَ وفـي نُسختِها هُدًى وَرَحْمَةٌ للَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبونَ }. وكانت التوراة فـيـما ذكر سبعين وِقر بعير يقرأ منها الـجزء فـي سنة كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن خالد الـمكفوف، قال: ثنا عبد الرحمن، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، قال: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ منها الـجزء فـي سنة، لـم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى بن عمران، وعيسى، وعُزير، ويوشع بن نون صلوات الله علـيهم.

واختلفوا فـي الألواح، فقال بعضهم: كانت من زمرّد أخضر. وقال بعضهم: كانت من ياقوت. وقال بعضهم: كانت من برَد. ذكر الرواية بـما ذكرنا من ذلك:

حدثنـي أحمد بن إبراهيـم الدورقـي، قال: ثنا حجاج بن مـحمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي يعلـى بن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: ألقـى موسى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها. قال: ابن جريج: وأخبرنـي أن الألواح من زبرجد وزمرّد من الـجنة.

وحدثنـي موسى بن سهل الرملـي وعلـيّ بن داود وعبد الله بن أحمد بن شبويه وأحمد بن الـحسن الترمذي، قالوا: أخبرنا آدم العسقلانـي، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: كانت ألواح موسى علـيه السلام من بَرَد.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن أبـي الـجنـيد، عن جعفر بن أبـي الـمغيرة، قال: سألت سعيد بن جبـير عن الألواح من أيّ شيء كانت؟ قال: كانت من ياقوتة كتابة الذهب كتبها الرحمن بـيده، فسمع أهل السموات صريف القلـم وهو يكتبها.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: حدثنا عبد الرحمن، عن مـحمد بن أبـي الوضاح، عن خصِيف، عن مـجاهد أو سعيد بن جبـير قال: كانت الألواح زمرّداً، فلـما ألقـى موسى الألواح بقـي الهدى والرحمة، وذهب التفصيـل.

قال: ثنا القاسم، قال: ثنا الأشجعي، عن مـحمد بن مسلـم، عن خَصيف، عن مـجاهد، قال: كانت الألواح من زمرّد أخضر.

وزعم بعضهم أن الألواح كانت لوحين، فإن كان الذي قال كما قال، فإنه قـيـل:

{ وكَتَبْنا لَهُ فِـي الألْوَاحِ }وهما لوحان، كما قـيـل: { فإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ }وهما أخوان.

وأما قوله: {وأخَذَ بِرأسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَـيْهِ} فإن ذلك من فعل نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان لـموجدته علـى أخيه هارون فـي تركه اتبـاعه وإقامته مع بنـي إسرائيـل فـي الـموضع الذي تركهم فـيه، كما قال جلّ ثناؤه مخبرا عن قـيـل موسى علـيه السلام له:

{ ما مَنَعَكَ إذْ رأيْتَهُمْ ضَلُّوا ألاَّ تَتَّبِعَنِـي أفَعَصَيْتَ أمْرِي }؟ حين أخبره هارون بعذره، فقبل عذره، وذلك قـيـله لـموسى: { لا تَأْخُذْ بِلِـحْيَتِـي وَلا بِرأسِي إنّـي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بـينَ بَنِـي إسْرَائِيـلَ وَلـمْ تَرْقُبْ قَوْلـي }وقال: {يا ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِـي وكادُوا يَقْتُلُونِنـي فَلا تُشْمِتْ بِـيَ الأعْدَاء...} الآية.

واختلفت القرّاء فـي قراء ة قوله «يا ابْنَ أُمَّ» فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة وبعض أهل البصرة: «يا ابْنَ أُمَّ» بفتـح الـميـم من الأمّ. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة: «يا ابْنَ أُمِّ» بكسر الـميـم من الأم.

واختلف أهل العربـية فـي فتـح ذلك وكسره، مع إجماع جميعهم علـى أنهما لغتان مستعملتان فـي العرب. فقال بعض نـحويـي البصرة: قـيـل ذلك بـالفتـح علـى أنهما اسمان جعلا اسماً واحداً، كما قـيـل: يا ابن عمّ، وقال: هذا شاذّ لا يقاس علـيه، وقال: من قرأ ذلك: «يا ابن أمّ»، فهو علـى لغة الذين يقولون: هذا غلام قد جاء، جعله اسماً واحداً آخره مكسور، مثل قوله خازِ بـازِ. وقال بعض نـحويـي الكوفة: قـيـل: يا ابن أمَّ ويا ابن عمّ، فنصب كما ينصب الـمعرب فـي بعض الـحالات، فـيقال: يا حسرتا، يا ويـلتا، قال: فكأنهم قالوا: يا أماه ويا عماه ولـم يقولوا ذلك فـي أخ، ولو قـيـل ذلك لكان صوابـاً. قال: والذين خفضوا ذلك فإنه كثر فـي كلامهم حتـى حذفوا الـياء. قال: ولا تكاد العرب تـحذف الـياء إلا من الاسم الـمنادى يضيفه الـمنادِي إلـى نفسه، إلا قولهم: يا ابن أمّ، ويا ابن عمّ وذلك أنهما يكثر استعمالهما فـي كلامهم، فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا الـياء، فقالوا: يا ابن أبـي، ويا ابن أختـي وأخي، ويا ابن خالتـي، ويا ابن خالـي.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إذا فُتـحت الـميـم من «ابن أمَّ»، فمراد به الندبة: يا ابن أماه، وكذلك من ابن عمّ فإذا كُسرت، فمراد به الإضافة، ثم حذفت الـياء التـي هي كناية اسم الـمخِبر عن نفسه. وكأن بعض من أنكر نسبته كسر ذلك إذا كسر، ككسر الزاي من خازِ بـازِ، لأن خازِ بـازِ لا يعرف الثانـي إلا بـالأوّل ولا الأوّل إلا بـالثانـي، فصار كالأصوات. وحُكي عن يونس النـحوي تأنـيث أمّ وتأنـيث عمّ، وقال: لا يجعل اسماً واحداً إلا مع ابن الـمذكر. قالوا: وأما اللغة الـجيدة والقـياس الصحيح فلغة من قال: «يا ابن أمي» بإثبـات الـياء، كما قال أبو زَبـيد:

يا بْنَ أُمِّي ويا شُقَـيِّقَ نَفْسِيأنْتَ خَـلَّفْتَنِـي لِدَهْرٍ شَدِيدِ

وكما قال الآخر:

يا بْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إذْ تَدْعُو تَـمِيـماً وأنْتَ غيرُ مُـجَابِ

وإنـما أثبت هؤلاء الـياء فـي الأم لأنها غير مناداة، وإنـما الـمنادي هو الابن دونها، وإنـما تسقط العرب الـياء من الـمنادى إذا أضافته إلـى نفسها، لا إذا أضافته إلـى غير نفسها، كما قد بـينا. وقـيـل: إن هارون إنـما قال لـموسى علـيه السلام: «يا ابن أمّ»، ولـم يقل: «يا ابن أبـي»، وهما لأب واحد وأم واحدة، استعطافـاً له علـى نفسه برحِم الأم. وقوله: {إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِـي وكادُوا يَقْتُلُونَنِـي} يعنـي بـالقوم الذين عكفوا علـى عبـادة العجل، وقالوا هذا إلهنا وإله موسى، وخالفوا هارون. وكان استضعافهم إياه، تركهم طاعته واتبـاع أمره. {وكَادُوا يَقْتُلُونَنـي} يقول: قاربوا ولـم يفعلوا.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {فَلا تُشْمِتْ} فقرأ قرّاء الأمصار ذلك: {فَلاَ تُشْمِتْ بِـيَ الأعْدَاءَ} بضمّ التاء من تُشمت وكسر الـميـم منها، من قولهم: أشمت فلان فلاناً بفلان، إذا سرّه فـيه بـما يكرهه الـمُشمَت به. ورُوي عن مـجاهد أنه قرأ ذلك: «فلا تَشْمُتْ بِـيَ الأعْدَاءُ».

حدثنـي بذلك عبد الكريـم، قال: ثنا إبراهيـم بن بشار، قال: ثنا سفـيان، قال: قال حميد بن قـيس قرأ مـجاهد: «فَلا تَشْمُتْ بِـيَ الأعْدَاءَ».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، عن حميد، قال: قرأ مـجاهد: «فَلا تَشْمُتْ بِـيَ الأعْدَاءُ».

حُدثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثنا سفـيان بن عيـينة، عن رجل، عن مـجاهد أنه قال: {لا تَشْمُتْ}.

وقال الفرّاء: قال الكسائي: ما أدري، فلعلهم أرادوا: {فَلاَ تُشْمِتْ بِـيَ الأعْدَاءَ} فإن تكن صحيحة فلها نظائر. العرب تقول: فَرِغْتُ وَفَرَغْتُ، فمن قال: فَرِغْتُ قال: أنا أفْرَغُ، ومن قال: فَرَغْتَ قال: أنا أفْرُغُ، وكذلك رَكِبْت وَرَكَنْتُ وشَمِلَهم أمر وشَمَلَهم، فـي كثـير من الكلام. قال: «والأعداء» رَفْع لأن الفعل لهم لـمن قال تَشْمَتُ أو تَشْمُت.

والقراءة التـي لا أستـجيز القراءة إلا بها قراءة من قرأ: {فَلا تُشْمِتْ} بضم التاء الأولـى وكسر الـميـم من أشمتُّ به عدوّه أشْمِته به، ونصب الأعداء لإجماع الـحجة من قراء الأمصار علـيها وشذوذ ما خالفها من القراءة، وكفـى بذلك شاهدا علـى ما خالفها. هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلـم بكلام العرب: شمَّتَ فلان فلاناً بفلان، وشمَت فلان بفلان يشمُت به، وإنـما الـمعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوّه شَمِتَ به بكسر الـميـم يَشْمَتُ به بفتـحها فـي الاستقبـال.

وأما قوله: {وَلا تَـجْعَلْنِـي مَعَ القَوْمِ الظَّالِـمِينَ} فإنه قول هارون لأخيه موسى، يقول: لا تـجعلنـي فـي موجدتك علـيّ وعقوبتك لـي ولـم أخالف أمرك مـحلّ من عصاك فخالف أمرك وعبد العجل بعدك فظلـم نفسه وعبد غير من له العبـادة، ولـم أشايعهم علـى شيء من ذلك. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلا تَـجْعَلْنِـي مَعَ القَوْمِ الظَّالِـمِينَ} قال: أصحاب العجل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. بـمثله.

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ۝١٥١

يقول تعالـى ذكره: قال موسى لـما تبـين له عذر أخيه، وعلـم أنه لـم يفرّط فـي الواجب الذي كان علـيه من أمر الله فـي ارتكاب ما فعله الـجهلة من عبدة العجل: {رَبّ اغْفِرْ لـي} مستغفرا من فعله بأخيه، ولأخيه من سالف له بـينه وبـين الله، تغمد ذنوبنا بستر منك تسترها به. {وأدْخِـلْنا فِـي رَحْمَتِكَ} يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبـادك الـمؤمنـين، فإنك أنت أرحم بعبـادك من كلّ من رحم شيئاً.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ ۝١٥٢

يقول تعالـى ذكره: {إنَّ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا العِجْلَ} إلها، {سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ} بتعجيـل الله لهم ذلك، {وَذِلَّةٌ} وهي الهوان، لعقوبة الله إياهم علـى كفرهم بربهم {فـي الـحَياةِ الدُّنْـيا} فـي عاجل الدنـيا قبل آجل الآخرة. وكان ابن جريج يقول فـي ذلك بـما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إنَّ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا وكذلكَ نَـجْزِي الـمُفْتَرِينَ} قال: هذا لـمن مات مـمن اتـخذ العجل قبل أن يرجع موسى علـيه السلام، ومن فرّ منهم حين أمرهم موسى أن يقتل بعضهم بعضاً.

وهذا الذي قاله ابن جريج، وإن كان قولاً له وجه، فإن ظاهر كتاب الله مع تأويـل أكثر أهل التأويـل بخلافه وذلك أن الله عمّ بـالـخبر عمن اتـخذ العجل أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فـي الـحياة الدنـيا. وتظاهرت الأخبـار عن أهل التأويـل من الصحابة والتابعين بأن الله، إذ رجع إلـى بنـي إسرائيـل موسى علـيه السلام، تاب علـى عَبَدة العجل من فعلهم، بـما أخبر به عن قـيـل موسى علـيه السلام فـي كتابه، وذلك قوله:

{ وَإذْ قالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَـمْتُـمْ أنْفُسَكُمْ بـاتّـخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلـى بـارِئِكُمْ فـاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ }فَفعلوا ما أمرهم به نبـيهم صلى الله عليه وسلم، فكان أمر الله إياهم بـما أمرهم به من قتل بعضهم أنفس بعض، عن غضب منه علـيهم بعبـادتهم العجل، فكان قتل بعضهم بعضاً هواناً لهم وذلة أذَّلهم الله بها فـي الـحياة الدنـيا، وتوبة منهم إلـى الله قِبَلها. ولـيس لأحد أن يجعل خبرا جاء الكتاب بعمومه فـي خاصّ مـما عمه الظاهر بغير برهان من حجة خبر أو عقل، ولا نعلـم خبرا جاء بوجوب نقل ظاهر قوله: {إنَّ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ} إلـى بـاطن خاصّ، ولا من العقل علـيه دلـيـل، فـيجب إحالة ظاهره إلـى بـاطنه.

ويعنـي بقوله: {وكذلكَ نَـجْزِي الـمُفْتَرِينَ} وكما جزيتُ هؤلاء الذين اتـخذوا العجل إلهاً من إحلال الغضب بهم، والإذلال فـي الـحياة الدنـيا علـى كفرهم ربهم، وردتهم عن دينهم بعد إيـمانهم بـالله، وكذلك نـجزي كلّ من افترى علـى الله فكذب علـيه وأقرّ بألوهية غيره وعبد شيئا سواه من الأوثان بعد إقراره بوحدانـية الله، وبعد إيـمانه به وبأنبـيائه ورسله وقِـيـلِ ذلك، إذا لـم يتب من كفره قبل قتله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، قال: تلا أبو قِلابة: {سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا...} الآية، قال: فهو جزاء كلّ مفتر يكون إلـى يوم القـيامة، أن يذله الله عزّ وجلّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: قرأ أبو قلابة يوماً هذه الآية: {إنَّ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِـي الـحَياةِ الدُّنْـيا وكذلكَ نَـجْزِي الـمُفْتَرِينَ} قال: هي والله لكلّ مفتر إلـى يوم القـيامة.

قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن ثابت وحميد: أن قـيس بن عبـاد وجارية بن قدامة دخلا علـى علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه، فقالا: أرأيت هذا الأمر الذي أنت فـيه وتدعو إلـيه، أعهد عهده إلـيك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم رأى رأيته؟ قال: مالكما ولهذا؟ أعرضا عن هذا فقالا: والله لا نعرض عنه حتـى تـخبرنا. فقال: ما عهد إلـيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كتابـاً فـي قراب سيفـي هذا. فـاستلّه فأخرج الكتاب من قراب سيفه، وإذا فـيه:

إنَّهُ لَـمْ يَكُنْ نَبِـيّ إلاَّ لَهُ حَرَمٌ، وإنّـي حَرَّمْتُ الـمَدِينَةَ كمَا حَرَّمَ إبْرَاهِيـمُ عَلَـيْهِ السَّلامُ مَكَّةَ، لا يُحْمَلُ فِـيها السِّلاحُ لِقِتالٍ، مَنْ أحْدَثَ حَدَثا أوْ آوَى مُـحْدِثاً فعَلَـيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالـمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أجَمعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلا عَدْلٌفلـما خرجا قال أحدهما لصاحبه: أما ترى هذا الكتاب؟ فرجعا وتركاه، وقالا: إنا سمعنا الله يقول: {إنَّ الَّذِينَ اتَّـخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ... } الآية، وإن القوم قد افتروا فرية، ولا أدري إلا سينزل بهم ذلة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة: فـي قوله: {وكذلكَ نَـجْزِي الـمُفْتَرِينَ}. قال: كل صاحب بدعة ذلـيـل.

وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٥٣

وهذا خبر من الله تعالـى ذكره أنه قابل من كلّ تائب إلـيه من ذنب أتاه صغيرة كانت معصيته أو كبـيرة، كفراً كانت أو غير كفر، كما قبل من عَبدة العجل توبتهم بعد كفرهم به بعبـادتهم العجل وارتدادهم عن دينهم. يقول جلّ ثناؤه: والذين عملوا الأعمال السيئة ثم رجعوا إلـى طلب رضا الله بإنابتهم إلـى ما يحبّ مـما يكره وإلـى ما يرضى مـما يسخط من بعد سيىء أعمالهم، وصدّقوا بأن الله قابل توبة الـمذنبـين وتائب علـى الـمنـيبـين بإخلاص قلوبهم ويقـين منهم بذلك، {لَغَفُورٌ} لهم، يقول: لساتر علـيهم أعمالهم السيئة، وغير فـاضحهم بها، رحيـم بهم، وبكلّ من كان مثلهم من التائبـين.

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ۝١٥٤

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَلـمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ} ولـما كفّ موسى عن الغضب، وكذلك كلّ كافَ عن شيء ساكت عنه. وإنـما قـيـل للساكت عن الكلام ساكت: لكفه عنه. وقد ذكر عن يونس النـحويّ أنه قال: يقال سكت عنه الـحزن وكلّ شيء فـيـما زعم ومنه قول أبـي النـجم:

وَهمَّتِ الأفْعَى بِأنْ تَسِيحَاوَسَكَتَ الـمُكَّاءُ أنْ يَصِيحَا

{أخَذَا الأَلْوَاحَ} يقول: أخذها بعد ما ألقاها، وقد ذهب منها ما ذهب. {وفِـي نُسْخَتِها هُدًى وَرَحْمَةٌ} يقول: وفـيـما نسخ فـيها: أي منها هدى بـيان للـحقّ ورحمة. {للَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} يقول: للذين يخافون الله، ويخشون عقابه علـى معاصيه.

واختلف أهل العربـية فـي وجه دخول اللام فـي قوله: {لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} مع استقبـاح العرب أن يقال فـي الكلام: رهبت لك: بـمعنى رهبتك، وأكرمت لك: بـمعنى أكرمتك، فقال بعضهم: ذلك كما قال جلّ ثناؤه:

{ إنْ كُنْتُـمْ للرُّؤْيا تَعْبُرُونَ }أوصل الفعل بـاللام. وقال بعضهم: من أجل ربهم يرهبون. وقال بعضهم: إنـما دخـلت عقب الإضافة الذين هم راهبون لربهم وراهبو ربهم ثم أدخـلت اللام علـى هذا الـمعنى لأنها عقـيب الإضافة لا علـى التعلـيق. وقال بعضهم: إنـما فعل ذلك لأن الاسم تقدّم الفعل، فحسن إدخال اللام. وقال آخرون: قد جاء مثله فـي تأخير الاسم فـي قوله: { رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ }. وذكر عن عيسى بن عمر أنه قال: سمعت الفرزدق يقول: نقدت له مائة درهم، يريد نقدته مائة درهم. قال: والكلام واسع.
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ