انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الأعراف

تفسير الطبريالآيات 181–193

تفسير سورة الأعراف آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الأعراف

الخلاصة من تفسير الطبري · 10 مقاطع · 2:47:53

  1. 1 الآيات 171–188في هذه الصفحة 15:42
  2. 2 الآيات 189–206في هذه الصفحة 13:15

التفسير الصوتي لسورة الأعراف كاملًا (10 مقاطع)

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ ۝١٨١

يقول تعالـى ذكره: ومن الـخـلق الذين خـلقنا أمة، يعنـي جماعة يهدون، يقول: يهتدون بـالـحقّ وبِهِ يَعْدِلُونَ يقول: وبـالـحقّ يقضون وينصفون الناس، كما قال ابن جريج.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال ابن جريج: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، قال:

هذِهِ أُمَّتـيقالَ:بـالـحَقّ يَأْخُذُونَ وَيُعْطُونَ وَيَقْضُونَ

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَمِـمَّنْ خَـلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِـمَّنْ خَـلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} بلغنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا قرأها:

هَذهِ لَكُمْ، وَقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بـينَ أيْدِيكُمْ مِثْلَها، وَمِنْ قَوْم مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بـالـحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٨٢

يقول تعالـى ذكره: والذين كذّبوا بأدلتنا وأعلامنا، فجحدوها ولـم يتذكروا بها، سنـمهله بغرّته ونزين له سوء عمله، حتـى يحسب أنه هو فـيـما علـيه من تكذيبه بآيات الله إلـى نفسه مـحسن، وحتـى يبلغ الغاية التـي كتب له من الـمهل، ثم يأخذه بأعماله السيئة، فـيجازيه بها من العقوبة ما قد أعدّ له. وذلك استدراج الله إياه. وأصل الاستدراج اغترار الـمستدرج بلطف من حيث يرى الـمستدرج أن الـمستدرج إلـيه مـحسن حتـى يورِّطه مكروها. وقد بـيَّنا وجه فعل الله ذلك بأهل الكفر به فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ۝١٨٣

يقول تعالـى ذكره: وأؤخر هؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا مُلاءة بـالكسر والضمّ والفتـح من الدهر، وهي الـحين، ومنه قـيـل: انتظرتك ملّـياً، لـيبلغوا بـمعصيتهم ربهم الـمقدار الذي قد كتبه لهم من العقاب والعذاب ثم يقبضهم إلـيه. {إنَّ كَيْدِي} والكيد: هو الـمكر. {وقوله مَتِـينٌ} يعنـي: قويّ شديد، ومنه قول الشاعر:

عَدَلْنَ عُدُولَ النَّاسِ وَاقْبح يُبْتَلـىأفـاسٌ مِنَ الهُرَّابِ شَدّ مـمَاتِنُ

يعنـي: سيراً شديداً بـاقـياً لا ينقطع.

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝١٨٤

يقول تعالـى ذكره: أو لـم يتفكر هؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا فـيتدبَّروا بعقولهم، ويعلـموا أن رسولنا الذي أرسلناه إلـيهم، لا جِنَّة به ولا خبْل، وأن الذي دعاهم إلـيه هو الدين الصحيح القويـم والـحقّ الـمبـين. ولذا نزلت هذه الآية فـيـما قبل، كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان علـى الصفـا، فدعا قريشاً، فجعل يفخّذهم فخذاً فخذاً: يا بنـي فلان يا بنـي فلان فحذّرهم بأس الله، ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لـمـجنون بـات يصوّت إلـى الصبـاح، أو حتـى أصبح. فأنزل الله تبـارك وتعالـى: {أوَ لَـمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصَاحِبهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُبِـينٌ}.

ويعنـي بقوله: {إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ مُبِـينٌ}: ما هو إلاَّ نذير منذركم عقاب الله علـى كفركم به إن لـم تنـيبوا إلـى الإيـمان به، ويعنـي بقوله: {مُبِـينٌ} قد أبـان لكم أيها الناس إنذاره ما أنذركم به من بأس الله علـى كفركم به.

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ ۝١٨٥

يقول تعالـى ذكره: أو لـم ينظر هؤلاء الـمكذّبون بآيات الله فـي مُلك الله وسلطانه فـي السموات وفـي الأرض وفـيـما خـلق جلّ ثناؤه من شيء فـيهما، فـيتدبروا ذلك ويعتبروا به ويعلـموا أن ذلك مـمن لا نظير له ولا شبـيه، ومن فعل من لا ينبغي أن تكون العبـادة والدين الـخالص إلاَّ له، فـيؤمنوا به ويصدّقوا رسوله وينـيبوا إلـى طاعته ويخـلعوا الأنداد والأوثان ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت فـيهلكوا علـى كفرهم ويصيروا إلـى عذاب الله وألـيـم عقابه.

وقوله: {فَبِأيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} يقول: فبأيّ تـجويف وتـحذير وترهيب بعد تـحذير مـحمد صلى الله عليه وسلم وترهيبه الذي أتاهم به من عند الله فـي آي كتابه يصدّقون، إن لـم يصدّقوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به مـحمد صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالـى.

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝١٨٦

يقول تعالـى ذكره: إن إعراض هؤلاء الذين كذّبوا بآياتنا، التاركي النظر فـي حجج الله والفكر فـيها، لإضلال الله إياهم، ولو هداهم الله لاعتبروا وتدبَّروا فأبصروا رشدهم ولكن الله أضلهم فلا يبصرون رشَداً ولا يهتدون سبـيلاً، ومن أضله عن الرشاد فلا هادي له. ولكن الله يدعهم فـي تـماديهم فـي كفرهم وتـمرّدهم فـي شركهم يتردّدون، لـيستوجبوا الغاية التـي كتبها الله لهم من عقوبته وألـيـم نكاله.

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝١٨٧

اختلف أهل التأويـل فـي الذين عنُوا بقوله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} فقال بعضهم: عنـي بذلك قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قُريش، وكانوا سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قالت قريش لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: إن بـيننا وبـينك قرابة، فأسرّ إلـينا متـى الساعة فقال الله: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّك حَفِـيّ عَنْها}.

وقال آخرون: بل عنـي به قوم من الـيهود. ذكر من قال ذلك.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير، قال: ثنا مـحمد بن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن أبـي مـحمد مولـى زيد بن ثابت، قال: ثنـي سعيد بن جبـير أو عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: قال حمل بن أبـي قُشير وسمْول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد أخبرنا متـى الساعة إن كنت نبـيًّا كما تقول، فإنا نعلـم متـى هي فأنزل الله تعالـى: {يَسْئَلَونَك عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها قَلْ إنَّـما عِلْـمُها عِنْدَ ربّـي...} إلـى قوله: {ولَكِنَّ أكْثَر النَّاسِ لا يَعْلَـمُون}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن طارق بن شهاب، قال: كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر من شأن الساعة حتـى نزلت: {يَسْئَلُونَك عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها}.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن قوماً سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فأنزل الله هذه الآية، وجائز أن يكون كانوا من قريش، وجائز أن يكونوا كانوا من الـيهود ولا خبر بذلك عندنا يجوّز قطع القول علـى أيّ ذلك كان.

فتأويـل الآية إذن: يسئلك القوم الذين يسئلونك عن الساعة أيَّان مرساها، يقول: متـى قـيامها. ومعنى «أيَّان»: «متـى» فـي كلام العرب، ومنه قول الراجز:

أيَّان تَقْضِي حاجَتِـي أيَّانَاأمَا تَرى لِنُـجْحِها إبَّـانَا

ومعنى قوله: {مُرْساها}: قـيامها، من قول القائل: أرساها الله فهي مرساة، وأرساها القوم: إذا حبسوها، ورست هي ترسو رُسُوّا. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَسْئَلُونَك عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها}: يقول متـى قـيامها.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها}: متـى قـيامها.

وقال آخرون: معنى ذلك: منتهاها. وذلك قريب الـمعنى من معنى من قال: معناه: قـيامها، لأن انتهاءها: بلوغها وقتها. وقد بـيَّنا أن أصل ذلك الـحبس والوقوف. ذكر من قال ذلك.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَسْئَلُونَك عَنِ السَّاعَةِ أيَّان مُرْساها} يعنـي: منتهاها.

وأما قوله: {قُلْ إنَّـما عِلْـمُها عِنْد ربّـي لا يُجَلِّـيها لِوقْتِها إلاَّ هُو} فإنه أمر من الله نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم بأن يجيب سائلـيه عن الساعة بأنه لا يعلـم وقت قـيامها إلاَّ الله الذي يعلـم الغيب، وأنه لا يظهرها لوقتها ولا يعلـمها غيره جلّ ذكره. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْد ربّـي لا يُجَلِّـيها لِوقْتِها إلاَّ هُوَ} يقول: علـمها عند الله، هو يجلـيها لوقتها، لا يعلـم ذلك إلاَّ الله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لا يُجَلِّـيها}: يأتـي بها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {لا يُجَلِّـيها} لا يأتـي بها {إلاَّ هُو}.

حدثنـي مـحمدبن الـحسين قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا يُجَلِّـيها لِوَقْتِهَا إلاَّ هُو} يقول: لا يرسلها لوقتها إلاَّ هو.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثَقُلَتْ فـي السَّمَواتِ والأرْضِ لا تأْتِـيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً}.

اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ثقلت الساعة علـى أهل السموات والأرض أن يعرفوا وقتها ومـجيئها لـخفـائها عنهم واستئثار الله بعلـمها. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {ثَقُلَتْ فـي السَّمَواتِ والأرْضِ} يقول: خفـيت فـي السموات والأرض، فلـم يعلـم قـيامها متـى تقوم مَلك مقرَّب ولا نبـيّ مرسل.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاق جميعا، عن معمر، عن بعض أهل التأويـل: {ثَقُلَتْ فـي السَّمَواتِ والأرْضِ} قال: ثقل علـمها علـى أهل السموات وأهل الأرض أنهم لا يعلـمون.

وقال آخرون: معنى ذلك: أنها كبرت عند مـجيئها علـى أهل السموات والأرض. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعاً، عن معمر، قال: قال الـحسن، فـي قوله: {ثَقُلَتْ فـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} يعنـي: إذا جاءت ثَقُلت علـى أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كبُرت علـيهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {ثَقُلَتْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ} قال: إذا جاءت انشقَّت السماء، وانتثرت النـجوم، وكُوِّرَتْ الشمس، وسُيرت الـجبـال، وكان ما قال الله فذلك ثقلها.

حدثنا مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: قال بعض الناس فـي «ثقلت»: عظمت.

وقال آخرون: معنى قوله: {فـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ}: علـى السموات والأرض. ذكر من قال ذلك.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ثَقُلَتْ فِـي السَّمَوَاتِ والأرْضِ}: أي علـى السموات والأرض.

قال أبو جعفر: وأولـى ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ثقلت الساعة فـي السموات والأرض علـى أهلها أن يعرفوا وقتها وقـيامها لأن الله أخفـى ذلك عن خـلقه، فلـم يطلع علـيه أحداً منهم. وذلك أن الله أخبر بذلك بعد قوله: {قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْدَ رَبّـي لا يُجَلِـيها لِوَقْتِها إلاَّ هُوَ} وأخبر بعده أنها لا تأتـي إلاَّ بغتة، فـالذي هو أولـى أن يكون ما بـين ذلك أيضاً خبراً عن خفـاء علـمها عن الـخـلق، إذ كان ما قبله وما بعده كذلك.

وأما قوله: {لا تَأْتِـيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً} فإنه يقول: لا تـجيء الساعة إلاَّ فجأة، لا تشعرون بـمـجيئها. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {لا تَأتِـيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً} يقول: يبغتهم قـيامها، تأتـيهم علـى غفلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لا تَأْتِـيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً} قضى الله أنها لا تأتـيكم إلاَّ بغتة. قال: وذكر لنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

إنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بـالنَّاسِ والرَّجُلُ يُصْلِـحُ حَوْضهُ والرَّجُلُ يُسْقِـي ماشِيَتَهُ والرَّجُلُ يُقِـيـمُ سِلْعَتَهُ فـي السُّوقِ وَالرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْدَ اللّهِ وَلكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: يسألك هؤلاء القوم عن الساعة، كأنك حفـيّ عنها. فقال بعضهم: يسألونك عنها كأنك حفـيّ بهم. وقالوا: معنى قوله: «عنها» التقديـم وإن كان مؤخراً. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيٌّ عَنْها} يقول: كأن بـينك وبـينهم مودّة، كأنك صديق لهم. قال ابن عبـاس: لـما سأل الناس مـحمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن مـحمداً حفـي بهم، فأوحى الله إلـيه: إنـما علـمها عنده، استأثر بعلـمها، فلـم يُطْلِع علـيها ملَكاً ولا رسولاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: قال قتادة: قالت قريش لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: إن بـيننا وبـينك قرابة، فأسرّ إلـينا متـى الساعة فقال الله: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيٌّ عَنْها}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها}: أي حفـيّ بهم. قال: قالت قريش: يا مـحمد أسرّ إلـينا علـم الساعة لـما بـيننا وبـينك من القرابة لقرابتنا منك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد الأحمر وهانىء بن سعيد، عن حجاج، عن خَصِيف، عن مـجاهد وعكرمة: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} قال: حفـيّ بهم حين يسألونك.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} قال: قريبٌ منهم، وتـحفَّـى علـيهم. قال: وقال أبو مالك: كأنك حفـيّ بهم، قال: قريب منهم، وتـحفّـى علـيهم. قال: وقال أبو مالك: كأنك حفـيّ بهم فتـحدثهم.

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} كأنك صديق لهم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنك قد استـحفـيت الـمسألة عنها فعلـمتها. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {كأنَّك حَفِـيّ عَنْها} استـحفـيت عنها السؤال حتـى علـمتها.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا أبو سعد، عن مـجاهد فـي قوله: {كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} قال: استـحفـيت عنها السؤال حتـى علـمت وقتها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها قال: كأنك عالـم بها.

قال: ثنا حامد بن نوح، عن أبـي روق، عن الضحاك: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} قال: كأنك تعلـمها.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنـي عبـيد بن سلـيـمان، عن الضحاك، قوله: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} يقول: يسألونك عن الساعة، كأنك عندك علـماً منها. {قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْدَ رَبـي}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن بعضهم: {كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها}: كأنك عالـم بها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} قال: كأنك عالـم بها. وقال: أخفـى علـمها علـى خـلقه. وقرأ:

{ إنَّ اللّهَ عِنْدَه عِلْـم السَّاعَةِ }، حتـى ختـم السورة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ بن أبـي طلـحة، عن ابن عبـاس، قوله: {يَسْئَلُونَكَ كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} يقول: كأنك يعجبك سؤالهم إياك. {قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْدَ اللّهَ}.

وقوله: {كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} يقول: لطيف بها.

فوجه هؤلاء تأويـل قوله: {كأنَّكَ حَفِـيّ عَنْها} إلـى حفـيّ بها، وقالوا: تقول العرب: تـحفـيت له فـي الـمسئلة، وتـحفـيت عنه. قالوا: ولذلك قـيـل: أتـينا فلاناً نسأل به، بـمعنى نسأل عنه.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معناه: كأنك حفـيّ بـالـمسئلة عنها فتعلـمها.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {حَفِـيّ عَنْها} ولـم يقل حفـيّ بها، إن كان ذلك تأويـل الكلام؟ قـيـل: إن ذلك قـيـل كذلك، لأن الـحفـاوة إنـما تكون فـي الـمسئلة، وهي البشاشة للـمسؤول عند الـمسئلة، والإكثار من السؤال عنه، والسؤال يوصل ب «عن» مرّة وبـالبـاء مرّة، فـيقال: سألت عنه، وسألت به فلـما وضع قوله «حفـي» موضع السؤال، وصل بأغلب الـحرفـين اللذين يوصل بهما السؤال، وهو «عن»، كما قال الشاعر:

سُؤَالَ حَفِـيَ عَنْ أخِيهِ كأنَّهيُذَكِّرُهُ وَسْنانُ أوْ مُتَوَاسِنُ

وأما قوله: {قُلْ إنَّـمَا عِلْـمُها عِنْدَ اللّهِ} فإن معناه: قل يا مـحمد لسائلـيك عن وقت الساعة وحين مـجيئها: لا علـم لـي بذلك، ولا يعلـم به إلاَّ الله الذي يعلـم غيب السموات والأرض. {وَلكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمونَ} يقول: ولكن أكثر الناس لا يعلـمون أن ذلك لا يعلـمه إلاَّ الله، بل يحسبون أن علـم ذلك يوجد عند بعض خـلقه.

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝١٨٨

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد لسائلـيك عن الساعة أيَّان مرساها: {لا أمْلِك لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} يقول: لا أقدر علـى اجتلاب نفع إلـى نفسي، ولا دفع ضرّ يحلّ بها عنها إلاَّ ما شاء الله أن أملكه من ذلك بأن يقوّينـي علـيه ويعيننـي. {وَلَوْ كُنْتُ أعْلَـمُ الغَيْبَ} يقول: لو كنت أعلـم ما هو كائن مـما لـم يكن بعد {لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الـخَيْرِ } يقول: لأعددت الكثـير من الـخير.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي معنى الـخير الذي عناه الله بقوله: {لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الـخَيْرِ} فقال بعضهم: معنى ذلك: لاستكثرت من العمل الصالـح. ذكر من قال ذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: قوله: قُلْ لا أمْلِك لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا} قال: الهدى والضلالة. {لَوْ كُنْتُ أعْلَـمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الـخَيْرِ} قال: أعلـم الغيب متـى أموت لاستكثرت من العمل الصالـح.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْ كُنْتُ أعْلَـمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الـخَيْرِ وَما مَسَّنِـيَ السُّوءُ}: قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ واتقـيته.

وقال آخرون: معنى ذلك: ولو كنت أعلـم الغيب لأعددت للسنَّة الـمـجدبة من الـمخصبة، ولعرفت الغلاء من الرخص، واستعددت له فـي الرخص.

وقوله: {وَما مَسَّنِـيَ السُّوءُ} يقول: وما مسنـي الضرّ. {إنْ أنا إلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} يقول: ما أنا إلاَّ رسول الله أرسلنـي إلـيكم، أنذر عقابه من عصاه منكم وخالف أمره، وأبشر بثوابه وكرامته من آمن به وأطاعة منكم. وقوله: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يقول: يصدّقون بأنـي لله رسول، ويقرّون بحقـية ما جئتهم به من عنده.

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ۝١٨٩

يقول تعالـى ذكره: {هُوَ الَّذِي خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}. يعنـي بـالنفس الواحدة: آدم كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مـجاهد: {خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال: آدم علـيه السلام.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هُوَ الَّذِي خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} من آدم.

ويعنـي بقوله: {وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها}: وجعل من النفس الواحدة، وهو آدم، زوجها حوّاء كما:

حدثنـي بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها}: حوّاء، فجُعلت من ضِلَع من أضلاعه لـيسكن إلـيها.

ويعنـي بقوله: {لِـيَسْكُنَ إلَـيْها}: لـيأوى إلـيها لقضاء الـحاجة ولذّته. ويعنـي بقوله: {فَلَـمَّا تَغَشَّاها} فلـما تدثرها لقضاء حاجته منها فقضى حاجته منها، {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِـيفـاً} وفـي الكلام مـحذوف ترك ذكره استغناء بـما ظهر عما حذف، وذلك قوله: {فَلَـمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ} وإنـما الكلام: فلـما تغشاها فقضى حاجته منها حملت. وقوله: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِـيفـاً} يعنـي بخفة الـحمل: الـماء الذي حملته حوّاء فـي رحمها من آدم أنه كان حملاً خفـيفـاً، وكذلك هو حمل الـمرأة ماء الرجل خفـيف علـيها. وأما قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} فإنه يعنـي: استـمرّت بـالـماء: قامت به وقعدت، وأتـمت الـحمل. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن أبـي عمير، عن أيوب، قال: سألت الـحسن عن قوله: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِـيفـاً فَمَرَّتْ بِهِ} قال: لو كنت امرأً عربـيًّا لعرفت ما هي، إنـما هي: فـاستـمرّت به.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَلَـمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِـيفـا فَمَرَّتْ بِهِ} استبـان حملها.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَمَرتْ بِهِ} قال: استـمرّ حملها.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِـيفـاً} قال: هي النطفة. وقوله {فَمَرتْ بِهِ} يقول: استـمرّت به.

وقال آخرون: معنى ذلك: فشكّت فـيه. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} قال: فشكت أحملت أم لا.

ويعنـي بقوله: {فَلَـمَّا أثْقَلَتْ} فلـما صار ما فـي بطنها من الـحمل الذي كان خفـيفـاً ثقـيلاً ودنت ولادتها، يقال منه: أثقلت فلانة إذا صارت ذات ثقل بحملها كما يقال: أتـمر فلان: إذا صار ذا تـمر. كما:

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَلَـمَّا أثْقَلَتْ}: كبر الولد فـي بطنها.

قال أبو جعفر: {دَعَوَا اللّهَ رَبَّهُما}، يقول: نادى آدم وحوّاء ربهما وقالا: يا ربنا لئن آتـيتنا صالـحاً لنكوننَّ من الشاكرين.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الصلاح الذي أقسم آدم وحوّاء علـيهما السلام أنه إن آتاهما صالـحاً فـي حمل حوّاء لنكوننّ من الشاكرين. فقال بعضهم: ذلك هو أن يكون الـحمل غلاماً. ذكر من قال ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الـحسن، فـي قوله: {لَئِنْ آتَـيْتَنا صَالِـحا} قال: غلاماً.

وقال آخرون: بل هو أن يكون الـمولود بشراً سويًّا مثلهما، ولا يكون بهيـمة. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن زيد بن جبـير الـحسمي، عن أبـي البَخْتري، فـي قوله: {لَئِنْ آتَـيْتَنا صَالِـحاً لَنَكُونَنَّ مِن الشَّاكِرِينَ} قال: أشفقا أن يكون شيئاً دون الإنسان.

قال: ثنا يحيى بن يـمان، عن سفـيان، عن زيد بن جبـير، عن أبـي البَخْتري، قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً.

قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح، قال: لـما حملت امرأة آدم فأثقلت، كان يشفقان أن يكون بهيـمة، {فَدَعَوَا رَبَّهُما لَئنْ آتَـيْتَنا صَالِـحاً...} الآية.

قال: ثنا جابر بن نوح، عن أبـي روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، قال: أشفقا أن يكون بهيـمة.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال سعيد بن جبـير: لـما هبط آدم وحوّاء، أُلقـيت الشهوة فـي نفسه فأصابها، فلـيس إلاَّ أن أصابها حملت، فلـيس إلاَّ أن حملت تـحرّك فـي بطنها ولدها، قالت: ما هذا؟ فجاءها إبلـيس، فقال: أترين فـي الأرض إلاَّ ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة.؟هو بعض ذلك. قالت: والله ما منى شيء إلاَّ وهو يضيق عن ذلك. قال: فأطيعينـي وسميه عبد الـحرث تلدي شِبْهكما مثلكما قال: فذكرت ذلك لآدم علـيه السلام، فقال: هو صاحبنا الذي قد أخرجنا من الـجنة. فمات، ثم حملت بآخر، فجاءها فقال: أطيعينـي وسميه عبد الـحرث وكان اسمه فـي الـملائكة الـحرث وإلاَّ ولدتِ ناقة أو بقرة أو ضائنة أو ماعزة، أو قتلتُه، فإنـي أنا قتلت الأول قال: فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لـم يكرهه، فسمَّته عبد الـحرث، فذلك قوله: {لَئِنْ آتَـيْتَنا صَالِـحاً} يقول: شبهنا مثلنا، {فلـما آتَاهُمَا صَالِـحاً} قال: شِبْههما مثلهما.

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {فَلَـمَّا أثْقَلَتْ} كبر الولد فـي بطنها جاءها إبلـيس، فخوّفها وقال لها: ما يدريك ما فـي بطنك، لعله كلب أو خنزير أو حمار؟ وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فـيقتلك، أو من قُبلك، أو ينشقّ بطنك فـيقتلك؟ فذلك حين {دَعَوَا اللّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَـيْتَنا صَالِـحاً} يقول: مثلنا، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}.

قال أبو جعفر: والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحوّاء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حَوّاء، وأقسما لئن أعطاهما فـي بطن حوّاء صالـحاً لـيكونان لله من الشاكرين. والصلاح قد يشمل معانـي كثـيرة: منها الصلاح فـي استواء الـخـلق. ومنها الصلاح فـي الدين، والصلاح فـي العقل والتدبـير. وإذ كان ذلك كذلك، ولا خبر عن الرسول يوجب الـحجة بأن ذلك علـى بعض معانـي الصلاح دون بعض، ولا فـيه من العقل دلـيـل وجب أن يَعُمّ كما عمه الله، فـيقال إنهما قالا {لئن آتـيتنا صالـحاً} بجميع معانـي الصلاح.

وأما معنى قوله: {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكِرِينَ } فإنه لنكوننّ مـمن يشكرك علـى ما وهبت له من الولد صالـحاً.

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١٩٠

يقول تعالـى ذكره: فلـما رزقهما الله ولداً صالـحاً كما سألا جعلا له شركاء فـيـما آتاهما ورزقهما.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الشركاء التـي جعلاها فـيـما أوتـيا من الـمولود، فقال بعضهم: جعلا له شركاء فـي الاسم. ذكر من قال ذلك.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الصمد، قال ثنا عمر بن إبراهيـم، عن قتادة، عن الـحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، قال:

كانَتْ حَوَّاءُ لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَنَذَرَتْ لَئِنْ عاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُسَمِّيَنه عَبْدَ الـحَرْثِ، فعاشَ لَهَا وَلَدٌ، فَسَمّتْهُ عَبْدَ الـحَرْثِ، وإنَّـمَا كانَ ذلكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطانِ

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا معتـمر، عن أبـيه، قال: ثنا أبو العلاء، عن سَمُرة بن جندب: أنه حدث أن آدم علـيه السلام سمى ابنه عبد الـحرث.

قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن سلـيـمان التـيـمي، عن أبـي العلاء بن الشِّخيِّر، عن سمرة بن جندب، قال: سمى آدم ابنه: عبد الـحرث.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن داود بن الـحصين، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: كانت حوّاء تلد لآدم، فتعبِّدهم لله، وتسميه عبد الله وعُبـيد الله ونـحو ذلك، فـيصيبهم الـموت، فأتاها إبلـيسُ وآدمَ، فقال: إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش فولدت له رجلاً، فسماه عبد الـحرث، ففـيه أنزل الله تبـارك وتعالـى:

{ هُوَ الَّذِي خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ... }إلـى قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا}... إلـى آخر الآية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله فـي آدم:

{ هُوَ الذِي خَـلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ... }إلـى قوله: { فَمَرَّتْ بِهِ }فشكّت أحبلت أم لا؟ { فَلَـمَّا أثْقَلَتْ دَعَوَا اللّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَـيْتَنا صَالِـحاً... }الآية، فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما أم هل تدريان ما يكون أبهيـمة تكون أم لا؟ وزين لهما البـاطل إنه غويّ مبـين. وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لـم تسمياه بـي لـم يخرج سويًّا ومات كما مات الأوّلان فسميا ولديهما عبد الـحرث فذلك قوله: {فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالِـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا...} الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: لـما وُلد له أوّل ولد، أتاه إبلـيس فقال: إنـي سأنصح لك فـي شأن ولدك هذا تسميه عبد الـحرث فقال آدم: أعوذ بـالله من طاعتك قال ابن عبـاس: وكان اسمه فـي السماء الـحرث. قال آدم: أعوذ بـالله من طاعتك إنـي أطعتك فـي أكل الشجرة، فأخرجتنـي من الـجنة، فلن أطيعك. فمات ولده، ثم وُلد له بعد ذلك ولد آخر، فقال: أطعنـي وإلاَّ مات كما مات الأوّل فعصاه، فمات، فقال: لا أزال أقتلهم حتـى تسميه عبد الـحرث. فلـم يزل به حتـى سماه عبد الـحرث، فذلك قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا}: أشركه فـي طاعته فـي غير عبـادة، ولـم يُشرك بـالله، ولكن أطاعه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن هارون، قال: أخبرنا الزبـير بن الـخريت، عن عكرمة، قال: ما أشرك آدمُ ولا حوّاء، وكان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان فقال: إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الـحرث فهو قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:

{ فَلَـمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِـيفـاً }قال: كان آدم علـيه السلام لا يولد له ولد إلاَّ مات، فجاءه الشيطان، فقال: إن سرّك أن يعيش ولدك هذا، فسميه عبد الـحرث ففعل، قال: فأشركا فـي الاسم ولـم يُشركا فـي العبـادة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا} ذُكر لنا أنه كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان، فقال لهما: سمياه عبد الـحرث وكان من وحي الشيطان وأمره، وكان شركا فـي طاعته، ولـم يكن شركا فـي عبـادته.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالِـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد، فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد، فسمياه عبد الـحرث ففعلا وأطاعاه، فذلك قول الله: {فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالِـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ... }الآية.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن فضيـل، عن سالـم بن أبـي حفصة، عن سعيد بن جبـير، قوله:

{ أثْقَلَتْ دَعَوَا اللّهَ رَبَّهُما... }إلـى قوله تعالـى: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال: لـما حملت حوّاء فـي أوّل ولد ولدته حين أثقلت، أتاها إبلـيس قبل أن تلد، فقال: يا حوّاء ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري. فقال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري. قال: أرأيت إن خرج سلـيـماً أتطيعينـي أنت فـيـما آمرك به؟ قالت: نعم. قال: سميه عبد الـحرث وقد كان يسمى إبلـيس الـحرث، فقالت: نعم. ثم قالت بعد ذلك لآدم: أتانـي آت فـي النوم فقال لـي كذا وكذا، فقال: إن ذلك الشيطان فـاحذريه، فإنه عدوّنا الذي أخرجنا من الـجنة ثم أتاها إبلـيس، فأعاد علـيها، فقالت: نعم. فلـما وضعته أخرجه الله سلـيـماً، فسمته عبد الـحرث، فهو قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير وابن فضيـل، عن عبد الـملك، عن سعيد بن جبـير، قال: قـيـل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بـالله أن أزعم أن آدم أشرك ولكن حوّاء لـما أثقلت، أتاها إبلـيس فقال لها: من أين يخرج هذا، من أنفك أو من عينك أو من فـيك؟ فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًّا زاد ابن فضيـل لـم يضرّك ولـم يقتلك أتطيعينـي؟ قالت: نعم. قال: فسميه عبد الـحرث ففعلت. زاد جرير: فإنـما كان شركة فـي الاسم.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: فولدت غلاماً، يعنـي حوّاء، فأتاهما إبلـيس فقال: سموه عبدي وإلاَّ قتلته قال له آدم علـيه السلام: قد أطعتك وأخرجتنـي من الـجنة، فأبى أن يطيعه، فسماه عبد الرحمن، فسلط الله علـيه إبلـيس فقتله. فحملت بآخر فلـما ولدته قال لها: سميه عبدي وإلاَّ قتلته قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتنـي من الـجنة. فأبى، فسماه صالـحاً فقتله. فلـما أن كان الثالث، قال لهما: فإذا غُلبتـم فسموه عبد الـحرث وكان اسمَ إبلـيس وإنـما سمي إبلـيس حين أُبلس. ففعلوا، فذلك حين يقول الله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا} يعنـي فـي التسمية.

وقال آخرون: بل الـمعنـيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بنـي آدم جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما مـا رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: هو الذي خـلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها لـيسكن إلـيها، فلـما تغشاها: أي هذا الرجل الكافر، حملت حملاً خفـيفـاً، فلـما أثقلت دعوتـما الله ربكما. قالوا: وهذا مـما ابتدىء به الكلام علـى وجه الـخطاب، ثم ردّ إلـى الـخبر عن الغائب، كما قـيـل:

{ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِـي البَرّ والبَحْرِ حتـى إذَا كُنْتُـمْ فِـي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ }. وقد بـيَّنا نظائر ذلك بشواهده فـيـما مضى قبل. ذكر من قال ذلك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الـحسن: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا} قال: كان هذا فـي بعض أهل الـملل، ولـم يكن بآدم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الـحسن: عنـي بهذا ذرية آدم، من أشرك منهم بعده. يعنـي بقوله: {فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالِـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا}.

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الـحسن يقول: هم الـيهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا.

قال أبو جعفر: وأولـى القولـين بـالصواب قول من قال: عنـي بقوله: {فَلَـمَّا آتاهُمَا صَالِـحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ} فـي الاسم لا فـي العبـادة، وأن الـمعنـيّ بذلك آدم وحوّاء لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـى ذلك.

فإن قال قائل: فما أنت قائل إذ كان الأمر علـى ما وصفت فـي تأويـل هذه الآية، وأن الـمعنـيّ بها آدم وحوّاء فـي قوله: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له فـي الأسماء شريك أو فـي العبـادة؟ فإن قلت فـي الأسماء دلّ علـى فساده قوله:

{ أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْـلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْـلَقُون }وإن قلت فـي العبـادة، قـيـل لك: أفكان آدم أشرك فـي عبـادة الله غيره؟ قـيـل له: إن القول فـي تأويـل قوله: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} لـيس بـالذي ظننت، وإنـما القول فـيه: فتعالـى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الـخبر عن آدم وحوّاء فقد انقضى عند قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا} ثم استؤنف قوله: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. كما:

حدثنـي مـحمد بن الـحسين، قال: ثنا أحمد بن الـمفضل، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قوله: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة فـي آلهة العرب.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {شُرَكاءَ} فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الـمكيـين والكوفـيـين: «جَعَلا لَهُ شِرْكاً» بكسر الشين، بـمعنى الشركة. وقرأه بعض الـمكيـين وعامة قرّاء الكوفـيـين وبعض البصريـين: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ} بضمّ الشين، بـمعنى جمع شريك.

وهذه القراءة أولـى القراءتـين بـالصواب، لأن القراءة لو صحت بكسر الشين لوجب أن يكون الكلام: فلـما آتاهما صالـحاً جعلا لغيره فـيه شركاً لأن آدم وحوّاء لـم يَدينا بأن ولدهما من عطية إبلـيس ثم يجعلا لله فـيه شركاً لتسميتهما إياه بعبد الله، وإنـما كانا يدينان لا شكّ بأن ولدهما من رزق الله وعطيته، ثم سمياه عبد الـحرث، فجعلا لإبلـيس فـيه شركاً بـالاسم، فلو كانت قراءة من قرأ: «شِرْكاً» صحيحة وجب ما قلنا أن يكون الكلام: جعلا لغيره فـيه شركاً، وفـي نزول وحي الله بقوله: {جَعَلا لَهُ} ما يوضح عن أن الصحيح من القراءة: {شُرَكاءَ} بضم الشين علـى ما بـينت قبل.

فإن قال قائل: فإن آدم وحوّاء إنـما سميا ابنهما عبد الـحرث، والـحرث واحد، وقوله: {شُرَكاءَ} جماعة، فكيف وصفهما جلّ ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنـما أشركا واحداً؟ قـيـل: قد دللنا فـيـما مضى علـى أن العرب تـخرج الـخبر عن الواحد مخرج الـخبر عن الـجماعة إذا لـم تقصد واحدا بعينه ولـم تسمه، كقوله:

{ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ }وإنـما كان القائل ذلك واحداً، فأخرج الـخبر مخرج الـخبر عن الـجماعة، إذ لـم يقصد قصده، وذلك مستفـيض فـي كلام العرب وأشعارها.

وأما قوله: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فتنزيه من الله تبـارك وتعالـى نفسه، وتعظيـم لها عما يقول فـيه الـمبطلون ويدعون معه من الآلهة والأوثان. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال: هو الإنكاف، أنكف نفسه جلّ وعزّ، يقول: عظم نفسه، وأنكفته الـملائكة وما سبح له.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، قال: سمعت صدقة يحدّث عن السديّ، قال: هذا من الـموصول والـمفصول قوله: {جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِـيـما آتاهُمَا} فـي شأن آدم وحوّاء، ثم قال الله تبـارك وتعالـى: {فَتَعالـى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال: عما يشرك الـمشركون، ولـم يعنهما.

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝١٩١

يقول تعالـى ذكره: أيشركون فـي عبـادة الله، فـيعبدون معه ما لا يخـلق شيئاً والله يخـلقها وينشئها، وإنـما العبـادة الـخالصة للـخالق لا للـمخـلوق؟

وكان ابن زيد يقول فـي ذلك بـما: حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: وُلد لآدم وحوّاء ولد، فسمَّياه عبد الله، فأتاهما إبلـيس فقال: ما سميتـما يا آدم ويا حوّاء ابنكما؟ قال: وكان وُلد لهما قبل ذلك ولد، فسمياه عبد الله، فمات فقالا: سميناه عبد الله. فقال إبلـيس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله لـيذهبن به كما ذهب بـالآخر ولكن أدلكما علـى اسم يبقـى لكما ما بقـيتـما؛ فسمياه عبد شمس قال: فذلك قول الله تبـارك وتعالـى: {أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْـلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْـلَقُونَ} الشمس تـخـلق شيئاً حتـى يكون لها عبد؟ إنـما هي مخـلوقة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خَدَعَهُما مَرَّتَـيْنِ: خَدَعَهُما فِـي الـجَنَّةِ، وَخَدَعَهُما فِـي الأرْضِ

وقـيـل: {وَهُمْ يُخْـلَقُونَ}، فأخرج مكنـيهم مخرج مكنّى بنـي آدم، وقد قال: {أيُشْرِكُونَ ما} فأخرج ذكرهم ب «ما» لا ب «من» مخرج الـخبر عن غير بنـي آدم، لأن الذي كانوا يعبدونه إنـما كان حجراً أو خشبـاً أو نـحاساً، أو بعض الأشياء التـي يخبر عنها ب «ما» لا ب «من»، فقـيـل لذلك «ما»، ثم قـيـل: «وهم»، فأخرجت كنايتهم مخرج كناية بنـي آدم، لأن الـخبر عنها بتعظيـم الـمشركين إياها نظير الـخبر عن تعظيـم الناس بعضهم بعضاً.

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ۝١٩٢

يقول تعالـى ذكره: أيشرك هؤلاء الـمشركون فـي عبـادة الله ما لا يخـلق شيئاً من خـلق الله، ولا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءاً أو أحلّ بهم عقوبة، ولا هو قادر إن أراد به سوءاً نصر نفسه ولا دفع ضرّ عنها، وإنـما العابد يعبد ما يعبده لاجتلاب نفع منه أو لدفع ضرّ منه عن نفسه، وآلهتهم التـي يعبدونها ويشركونها فـي عبـادة الله لا تنفعهم ولا تضرّهم، بل لا تـجتلب إلـى نفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضرًّا، فهي من نفع غير أنفسها أو دفع الضرّ عنها أبعد. يعجِّب تبـارك وتعالـى خـلقه من عظيـم خطإ هؤلاء الذين يشركون فـي عبـادتهم الله غيره.

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ ۝١٩٣

يقول تعالـى ذكره فـي وصفه وعيبه ما يشرك هؤلاء الـمشركون فـي عبـادتهم ربهم إياه: ومن صفته أنكم أيها الناس إن تدعوهم إلـى الطريق الـمستقـيـم، والأمر الصحيح السديد {لا يَتَّبِعُوكُمْ} لأنها لـيست تعقل شيئاً، فتترك من الطرق ما كان عن القصد منعدلاً جائراً، وتركب ما كان مستقـيـماً سديداً. وإنـما أراد الله جلّ ثناؤه بوصف آلهتهم بذلك من صفتها تنبـيههم علـى عظيـم خطئهم، وقُبح اختـيارهم، يقول جلّ ثناؤه: فكيف يهديكم إلـى الرشاد من إن دعي إلـى الرشاد وعرفه لـم يعرفه، ولـم يفهم رشاداً من ضلال، وكان سواءً دعاء داعيه إلـى الرشاد وسكوته، لأنه لا يفهم دعاءه، ولا يسمع صوته، ولا يعقل ما يقال له؟ يقول: فكيف يُعبد من كانت هذه صفته، أم كيف يشكل عظيـم جهل من اتـخذ ما هذه صفته إلهاً؟ وإنـما الربّ الـمعبود هو النافع من يعبده، الضارّ من يعصيه، الناصر ولـيه، الـخاذل عدوّه، الهادي إلـى الرشاد من أطاعه، السامع دعاء من دعاه. وقـيـل: {سَوَاءٌ عَلَـيْكُمْ أدَعَوْتُـموهُمْ أمْ أنْتُـمْ صَامِتُونَ} فعطف بقوله: «صامتون»، وهو اسم علـى قوله: «أدعوتـموهم»، وهو فعل ماض، ولـم يقل: أم صَمَتّـم، كما قال الشاعر:

سَوَاءٌ عَلَـيْكَ القَـفْرُ أمْ بِتَّ لَـيْـلَةًبأهْلِ القِبـابِ مِنْ نُـمَيْرِ بْنِ عامِرِ

وقد ينشد: «أم أنت بـائت».
الخميس، 29 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ