انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحجر

تفسير الطبريالآيات 1–20

تفسير سورة الحجر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحجر

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 35:09

  1. 1 الآيات 1–48في هذه الصفحة 17:53
  2. 2 الآيات 49–99 17:16

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ ۝١

أما قوله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه {الر}، فقد تقدم بـيانها فـيـما مضى قبل. وأما قوله: {تِلْكَ آياتُ الكِتابِ} فإنه يعنـي: هذه الآيات، آيات الكتب التـي كانت قبل القرآن كالتوراة والإنـجيـل. {وقُرآنٍ} يقول: وآيات قرآن {مُبِـينٍ} يقول: يُبِـين من تأمله وتدبَّره رشدَه وهداه. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَقُرآنٍ مُبِـينٍ} قال: تبـين والله هداه ورشده وخيره.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن مـجاهد: {الر} فواتـح يفتتـح بها كلامه. {تِلْكَ آياتُ الكِتابِ} قال: التوراة والإنـجيـل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ} قال: الكتُب التـي كانت قبل القرآن.

رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ۝٢

اختلفت القراء فـي قراءة قوله {رُبَـمَا} فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة وبعض الكوفـيـين {رُبَـمَا} بتـخفـيف البـاء، وقرأته عامة قرّاء الكوفة والبصرة بتشديدها.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان ولغتان معروفتان بـمعنى واحد، قد قرأ بكلّ واحدة منهما أئمة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء فهو مصيب.

واختلف أهل العربـية فـي معنى «ما» التـي مع «ربّ»، فقال بعض نـحويـي البصرة: أدخـل مع «ربّ» «ما» لـيتكلـم بـالفعل بعدها، وإن شئت جعلت «ما» بـمنزلة شيء، فكأنك قلت: ربّ شيء، يودّ: أي ربّ ودّ يودّه الذين كفروا. وقد أنكر ذلك من قوله بعض نـحويِّـي الكوفة، وقال: الـمصدر لا يحتاج إلـى عائد، والودّ قد وقع علـى «لو»، ربـما يودون لو كانوا: أن يكونوا. قال: وإذا أضمر الهاء فـي «لو» فليس بمفعول، وهو موضع الـمفعول، ولا ينبغي أن يترجم الـمصدر بشيء، وقد ترجمه بشيء، ثم جعله ودًّا، ثم أعاد علـيه عائداً. فكان الكسائي والفرّاء يقولان: لا تكاد العرب توقع «ربّ» علـى مستقبل، وإنـما يوقعونها علـى الـماضي من الفعل كقولهم: ربـما فعلت كذا، وربـما جاءنـي أخوك. قالا: وجاء فـي القرآن مع الـمستقبل: ربـما يودّ، وإنـما جاز ذلك لأن ما كان فـي القرآن من وعد ووعيد وما فـيه، فهو حقّ كأنه عيان، فجرى الكلام فـيـما لـم يكن بعدُ منه مـجراه فـيـما كان، كما قـيـل:

{ { وَلَوْ تَرَى إذ الـمُـجْرمُونَ ناكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } } وقوله: { { وَلَوْ تَرَى إذْ فَزعُوا فَلا فَوْتَ } } كأنه ماض وهو منتظر لصدقه فـي الـمعنى، وأنه لا مكذّب له، وأن القائل لا يقول إذا نَهَى أو أمر فعصاه الـمأمور يقول: أما والله لربّ ندامة لك تذكر قولـي فـيها لعلـمه بأنه سيندم، والله ووعده أصدق من قول الـمخـلوقـين. وقد يجوز أن يصحب «ربـما» الدائم وإن كان فـي لفظ يفعل، يقال: ربـما يـموت الرجل فلا يوجد له كفن، وإن أُولـيت الأسماء كان معها ضمير كان، كما قال أبو دُؤاد:

رُبَّـمَا الـجامِلُ الـمُؤَبَّلُ فِـيهِمُوعَناجِيجُ بَـيْنَهُنَّ الـمِهَارُ

فتأويـل الكلام: ربـما يودّ الذين كفروا بـالله فجحدوا وحدانـيته لو كانوا فـي دار الدنـيا مسلـمين. كما:

حدثنا علـيّ بن سعيد بن مسروق الكندي، قال: ثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبـي بردة، عن أبـي بردة، عن أبـي موسى، قال: بلغنا أنه: إذا كان يوم القـيامة، واجتـمع أهل النار فـي النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفـار لـمن فـي النار من أهل القبلة: ألستـم مسلـمين؟ قالوا: بلـى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتـم معنا فـي النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخذنا بها. فسمع الله ما قالوا، فأمر بكلّ من كان من أهل القبلة فـي النار فأخرجوا، فقال من فـي النار من الكفـار: يا لـيتنا كنا مسلـمين ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرآنٍ مُبِـينٍ* رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عمرو بن الهيثم أبو قَطن القُطْعيّ، ورَوح القـيسيّ، وعفـان بن مسلـم واللفظ لأبـي قَطن قالوا: ثنا القاسم بن الفضل بن عبد الله بن أبـي جَرْوة، قال: كان ابن عبـاس وأنس بن مالك يتأوّلان هذه الآية: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قالا: ذلك يوم يجمع الله أهل الـخطايا من الـمسلـمين والـمشركين فـي النار وقال عفـان: حين يحبس أهل الـخطايا من الـمسلـمين والـمشركين فـيقول الـمشركون: ما أغنى عنكم ما كنتـم تعبدون زاد أبو قطن: قد جُمِعنا وإياكم وقال أبو قَطن وعفـان: فـيغضب الله لهم بفضل رحمته ولـم يقله روح بن عبـادة. وقالوا جميعاً: فـيخرجهم الله، وذلك حين يقول: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا الـحسن، قال: ثنا عفـان، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: يدخـل الـجنة ويرحم حتـى يقول فـي آخر ذلك: من كان مسلـماً فلـيدخـل الـجنة قال: فذلك قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} ذلك يوم القـيامة يتـمنى الذين كفروا لو كانوا موحدين.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان عن سلـمة بن كهيـل، عن أبـي الزعراء، عن عبد الله، فـي قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: هذا فـي الـجهنـميـين إذا رأوهم يخرجون من النار.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا مسلـم بن إبراهيـم، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا ابن أبـي فروة العبدي أن ابن عبـاس وأنس بن مالك كانا يتأوّلان هذه الآية: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} يتأوّلانها يوم يحبس الله أهل الـخطايا من الـمسلـمين مع الـمشركين فـي النار، قال: فـيقول لهم الـمشركون: ما أغنى عنكم ما كنتـم تعبدون فـي الدنـيا، قال: فـيغضب الله لهم بفضل رحمته، فـيخرجهم، فذلك حين يقول: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: ما يزال الله يُدخـل الـجنة، ويرحم ويشفع حتـى يقولَ: من كان من الـمسلـمين فلـيدخـل الـجنة فذلك قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا ابن علـية، عن هشام الدَّستوائي، قال: ثنا حماد، قال: سألت إبراهيـم عن هذه الآية: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: حُدِّثت أن الـمشركين قالوا لـمن دخـل النار من الـمسلـمين: ما أغنى عنكم ما كنتـم تعبدون؟ قال: فـيغضب الله لهم، فـيقول للـملائكة والنبـيـين: اشفعوا فـيشفعون، فـيخرجون من النار، حتـى إن إبلـيس لـيتطاول رجاء أن يخرج معهم. قال: فعند ذلك يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلـمين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن إبراهيـم، أنه قال فـي قول الله عزّ وجلّ: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: يقول من فـي النار من الـمشركين للـمسلـمين: ما أغنت عنكم «لا إله إلا الله»؟ قال: فـيغضب الله لهم، فـيقول: من كان مسلـماً فلـيخرج من النار قال: فعند ذلك:

{ { يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ } }

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن حماد، عن إبراهيـم فـي قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: إن أهل النار يقولون: كنا أهل شرك وكفر، فما شأن هؤلاء الـموحدين ما أغنى عنهم عبـادتهم إياه؟ قال: فـيخرج من النار من كان فـيها من الـمسلـمين. قال: فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن حماد، عن إبراهيـم، عن خصيف، عن مـجاهد، قال: يقول أهل النار للـموحدين: ما أغنى عنكم إيـمانكم؟ قال: فإذا قالوا ذلك، قال: أَخْرِجُوا من كان فـي قلبه مثقال ذرّة فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مسلـم، قال: ثنا هشام، عن حماد، قال: سألت إبراهيـم عن قول الله عزّ وجلّ: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: الكفـار يعيّرون أهل التوحيد: ما أغنى عنكم لا إله إلا الله؟ فـيغضب الله لهم، فـيأمر النبـيـين والـملائكة فـيشفعون، فـيخرج أهل التوحيد، حتـى إن إبلـيس لـيتطاول رجاء أن يخرج، فذلك قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد السلام، عن خصيف، عن مـجاهد، قال: هذا فـي الـجهنـميـين، إذا رأوهم يخرجون من النار {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن مـجاهد، قال: إذا فرغ الله من القضاء بـين خـلقه، قال: من كان مسلـماً فلـيدخـل الـجنة فعند ذلك {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـحسن، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: يوم القـيامة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن جويبر، عن الضحاك فـي قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: فـيها وجهان اثنان، يقولون: إذا حضر الكافر الـموت ودّ لو كان مسلـماً. ويقول آخرون: بل يعذّب الله ناساً من أهل التوحيد فـي النار بذنوبهم، فـيعرفهم الـمشركون فـيقولون: ما أغنت عنكم عبـادة ربكم وقد ألقاكم فـي النار؟ فـيغضب لهم فـيخرجهم، فـيقول: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، فـي قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} قال: نزلت فـي الذين يخرجون من النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ} وذلك والله يوم القـيامة، ودّوا لو كانوا فـي الدنـيا مسلـمين.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، قال: ما يزال الله يدخـل الـجنة ويشفع حتـى يقول: من كان من الـمسلـمين فليدخل الـجنة فذلك حين يقول: {رُبَـمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِـمِينَ}.

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ذر يا مـحمد هؤلاء الـمشركين يأكلوا في هذه الدنـيا ما هم آكلوه، ويتـمتعوا من لذاتها وشهواتهم فـيها إلـى أجلهم الذي أجلت لهم، ويُـلْهِهم الأمل عن الأخذ بحظهم من طاعة الله فـيها وتزوّدهم لـمعادهم منها بـما يقربهم من ربهم، فسوف يعلـمون غداً إذا وردوا علـيه وقد هلكوا علـى كفرهم بـالله وشركهم حين يُعاينون عذاب الله أنهم كانوا من تـمتعهم بـما كانوا يتـمتعون فـيها من اللذّات والشهوات كانوا فـي خسار وتبـاب.

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: {وَما أهْلَكْنا} يا مـحمد {مِنْ} أهل {قَرْيَةٍ} من أهل القرى التـي أهلكنا أهلها فـيـما مضى، {إلاَّ ولَهَا كِتابٌ مَعْلُومٌ} يقول: إلا ولها أجل مؤقَّت ومدة معروفة لا نهلكهم حتـى يبلغوها، فإذا بلغوها أهلكناهم عند ذلك. فـيقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فكذلك أهل قريتك التـي أنت منها وهي مكة، لا نهلك مشركي أهلها إلا بعد بلوغ كتابهم أجله، لأن مِنْ قضائي أن لا أهلك أهل قرية إلا بعد بلوغ كتابهم أجله.

مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: ما يتقدّم هلاك أمة قبل أجلها الذي جعله الله أجلاً لهلاكها، ولا يستأخر هلاكها عن الأجل الذي جعل لها أجلاً. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، فـي قوله: {ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُون} قال: نرى أنه إذا حضر أجله فإنه لا يؤخر ساعة ولا يقدّم. وأما ما لـم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء ويقدّم ما شاء.

وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ۝٦ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: وقال هؤلاء الـمشركون لك من قومك يا مـحمد: {يا أيُّها الَّذِي نُزّلَ عَلَـيْهِ الذّكْرُ} وهو القرآن الذي ذكر الله فـيه مواعظ خـلقه، {إنَّكَ لَـمَـجْنُونٌ} فـي دعائك إيانا إلـى أن نتَّبعك ونذر آلهتنا. {لَوْما تَأْتـينا بـالـمَلائِكَةِ} قالوا: هلا تأتـينا بـالـملائكة شاهدة لك علـى صدق ما تقول {إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ} يعنـي: إن كنت صادقاً فـي أن الله تعالـى بعثك إلـينا رسولاً وأنزل علـيك كتابـاً، فإن الربّ الذي فعل ما تقول بك لا يتعذّر علـيه إرسال ملك من ملائكته معك حجة لك علـينا وآية لك علـى نبوّتك وصدق مقالتك. والعرب تضع موضع «لوما» «لولا»، وموضع «لولا» «لوما»، من ذلك قول ابن مقبل:

لَوْما الـحَياءُ وَلَوْما الدّينُ عِبْتُكماببَعْضِ ما فـيكُما إذْ عِبْتُـما عَوَرِي

يريد: لولا الـحياء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {نُزّلَ عَلَـيْهِ الذّكْرُ} قال: القرآن.

مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًا مُّنظَرِينَ ۝٨

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {ما نُنَزِّلُ الـمَلائِكَةَ} فقرأ عامَّة قرّاء الـمدينة والبصرة: «ما تَنَزَّلُ الـمَلائِكَةُ» بـالتاء تَنَزَّلُ وفتـحها ورفع الـملائكة، بـمعنى: ما تنزل الـملائكة، علـى أن الفعل للـملائكة. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء أهل الكوفة {ما نُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ} بـالنون فـي ننزل وتشديد الزاي ونصب الـملائكة، بـمعنى: ما ننزلها نـحن، و الـملائكة حينئذ منصوب بوقوع ننزل علـيها. وقرأه بعض قرّاء أهل الكوفة «ما تُنَزَّلُ الـمَلائِكَةُ» برفع الـملائكة والتاء فـي تنزل وضمها، علـى وجه ما لـم يسمّ فـاعله.

قال أبو جعفر: وكلّ هذ القراءات الثلاث متقاربـات الـمعانـي وذلك أن الـملائكة إذا نزلها الله علـى رسول من رسله تنزلت إلـيه، وإذا تنزلت إلـيه فإنـما تنزل بإنزال الله إياها إلـيه. فبأيّ هذه القراءات الثلاث قرأ ذلك القارىء فمصيب الصواب فـي ذلك، وإن كنت أحبّ لقارئه أن لا يعدو فـي قراءته إحدى القراءتـين اللتـين ذكرت من قراءة أهل الـمدينة والأخرى التـي علـيها جمهور قرّاء الكوفـيـين، لأن ذلك هو القراءة الـمعروفة فـي العامَّة، والأخرى: أعنـي قراءة من قرأ ذلك: «ما تُنَزَّلُ» بضم التاء من تنزّل ورفع الـملائكة شاذّة قلـيـل من قرأ بها.

فتأويـل الكلام: ما ننزل ملائكتنا إلا بـالـحقّ، يعنـي بـالرسالة إلـى رسلنا، أو بـالعذاب لـمن أردنا تعذيبه. ولو أرسلنا إلـى هؤلاء الـمشركين علـى ما يسألون إرسالهم معك آية فكفروا لـم يُنظروا فـيؤخروا بـالعذاب، بل عوجلوا به كما فعلنا ذلك بـمن قبلهم من الأمـم حين سألوا الآيات فكفروا حين آتتهم الآيات، فعاجلناهم بـالعقوبة.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويل قوله: {ما نُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ إلاَّ بـالـحَقّ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {ما نُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ إلاَّ بـالـحَقّ} قال: بـالرسالة والعذاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: {إنَّا نَـحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ} وهو القرآن، {وإنَّا لَهُ لـحَافِظُونَ} قال: وإنا للقرآن لـحافظون من أن يزاد فـيه بـاطل مَّا لـيس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه. والهاء فـي قوله: {لَهُ} من ذكر الذكر.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثنـي الـحسن، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء؛ وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وإنَّا لَهُ لـحَافِظُونَ} قال: عندنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّا نَـحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ وإنَّا لَهُ لـحَافِظُونَ} قال فـي آية أخرى:

{ { لا يَأْتِـيهِ البـاطِلُ } } والبـاطل: إبلـيس، { { مِنْ بـينِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَـلْفِهِ } } فأنزله الله ثم حفظه، فلا يستطيع إبلـيس أن يزيد فـيه بـاطلاً ولا ينتقص منه حقًّا، حفظه الله من ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وإنَّا لَهُ لـحَافِظُونَ} قال: حفظه الله من أن يزيد فـيه الشيطان بـاطلاً أو ينقص منه حقًّا.

وقيل: الهاء فـي قوله: {وإنَّا لَهُ لـحَافِظُونَ} من ذكر مـحمد صلى الله عليه وسلم بـمعنى: وإنا لـمـحمد حافظون مـمن أراده بسوء من أعدائه.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٠ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولقد أرسلنا يا مـحمد من قبلك فـي الأمـم الأوّلـين رسلاً. وترك ذكر الرسل اكتفـاء بدلالة قوله: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ} علـيه، وعَنَى بشيع الأوّلـين: أمـم الأوّلـين، واحدتها شيعة، ويقال أيضاً لأولـياء الرجل: شيعته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فـي شِيَعِ الأوَّلِـينَ} يقول: أمـم الأوّلـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِـي شِيَعِ الأوَّلِـينَ} قال: فـي الأمـم.

وقوله: {وَما يَأْتِـيهمْ مِنْ رِسُولٍ إلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} يقول: وما يأتـي شيع الأوّلـين من رسول من الله يرسله إلـيهم بـالدعاء إلـى توحيده والإذعان بطاعته إلاّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ يقول: إلا كانوا يَسْخَرون بـالرسول الذي يرسله الله إلـيهم عُتوًّا منهم وتـمرّداً علـى ربهم.

كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١٢ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره: كما سلكنا الكفر فـي قلوب شيع الأوّلـين. بـالاستهزاء بـالرسل، كذلك نفعل ذلك فـي قلوب مشركي قومك الذين أجرموا بـالكفر بـالله {لا يُوءْمِنُونَ بِهِ} يقول: لا يصدّقون: بـالذكر الذي أنزل إلـيك. والهاء فـي قوله: {نَسْلُكُهُ} من ذكر الاستهزاء بـالرسل والتكذيب بهم كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ} قال: التكذيب.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ} لا يؤمنون به، قال: إذا كذبوا سلك الله فـي قلوبهم أن لا يؤمنوا به.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن حميد، عن الـحسن، فـي قوله: {كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ} قال: الشرك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد بن سلـمة، عن حميد، قال: قرأت القرآن كله علـى الـحسن فـي بـيت أبـي خـلـيفة، ففسره أجمع علـى الإثبـات، فسألته عن قوله: {كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ} قال: أعمال سيعملونها لـم يعملونها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك عن حماد بن سلـمة، عن حميد الطويـل، قال: قرأت القرآن كله علـى الـحسن، فما كان يفسره إلا علـى الإثبـات، قال: وقـفته علـى «نسلكه»، قال: الشرك. قال: ابن الـمبـارك: سمعت سفـيان يقول فـي قوله: {نَسْلُكُهُ} قال: نـجعله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ لا يُوءْمِنُونَ بِهِ} قال: هم كما قال الله، هو أضلهم ومنعهم الإيـمان.

يقال منه: سَلَكَه يَسْلُكُه سَلْكاً وسُلُوكاً، وأسلكه يُسْلِكه إسلاكاً ومن السلوك قول عديّ بن زيد:

وكنْت لِزَازَ خَصْمِكَ لَـمْ أُعَرّدْوَقَدْ سَلَكوكَ فـي يَوْم عَصِيبِ

ومن الإسلاك قول الآخر:

حتـى إذَا أسْلَكُوهُمْ فـي قُتائِدَةٍشَلاًّ كمَا تُطْرَدُ الـجَمَّالَةُ الشُّرُدَا

وقوله: {وَقَدْ خَـلَتْ سُنَّةُ الأوّلِـينَ} يقول تعالـى ذكره: لا يؤمن بهذا القرآن قومك الذين سلكت فـي قلوبهم التكذيب، { { حتـى يَرَوُا العَذَابَ الألِـيـمَ } } أخذا منهم سنة أسلافهم من الـمشركين قبلهم من قوم عاد وثمود وضربـائهم من الأمـم التـي كذّبت رسلها، فلـم تؤمن بـما جاءها من عند الله حتـى حلّ بها سخط الله فهلكت.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {كذلكَ نَسْلُكُهُ فِـي قُلُوبِ الـمُـجْرِمِينَ لا يُوءْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَـلَتْ سُنَّةُ الأوّلِـينَ} وقائع الله فـيـمن خلا قبلكم من الأمـم.

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ ۝١٤ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ۝١٥

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـيـين بقوله: {فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرُجُونَ} فقال بعضهم: معنى الكلام: ولو فتـحنا علـى هؤلاء القائلـين لك يا مـحمد

{ { لَوْما تَأْتِـينا بـالـمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ } } بـابـاً من السماء فظلت الـملائكة تعرج فـيه وهم يرونهم عياناً، {لقالُوا إنـمَا سُكِّرَتْ أبصارُنا بَلْ نَـحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَوْ فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـاً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرِجُونَ} يقول: لو فتـحنا علـيهم بـابـاً من السماء فظلت الـملائكة تعرج فـيه، لقال أهل الشرك: إنـما أخَذَ أبصارنا، وشَبَّه علـينا، وإنـما سحرنا فذلك قولهم:

{ لَوْما تَأْتِـينا بـالـمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ }

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عبـاس: {فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرُجُونَ} فظلت الـملائكة يعرجون فـيه يراهم بنو آدم عياناً {لقالُوا إنـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا بَلْ نَـحْنُ قَوْم مَسْحورُون}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله:

{ { يا أيُّها الَّذِي نُزّلَ عَلَـيْهِ الذّكْرُ إنَّكَ لـمَـجْنُونٌ لَوْما تَأْتِـينا بـالـمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ } }، قال: ما بـين ذلك إلـى قوله: {وَلَوْ فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـاً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرِجُونَ} قال: رجع إلـى قوله: { { لَوْما تَأْتِـينا بـالـمَلائِكَةِ } } ما بـين ذلك. قال ابن جريج: قال ابن عبـاس: فظلت الـملائكة تعرج فنظروا إلـيهم، {لقالُوا إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} قال: قريش تقوله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَلَوْ فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـاً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرِجُونَ} قال: قال ابن عبـاس: لو فتـح الله علـيهم من السماء بـابـاً فظلت الـملائكة تعرج فـيه، يقول: يختلفون فـيه جائين وذاهبـين{ لقالُوا إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا}.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلَوْ فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـاً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرِجُونَ} يعنـي الـملائكة يقول: لو فتـحتُ علـى الـمشركين بـابـاً من السماء، فنظروا إلـى الـملائكة تعرج بـين السماء والأرض، لقال الـمشركون: {نَـحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} سُحرنا ولـيس هذا بـالـحقّ. ألا ترى أنهم قالوا قبل هذه الآية:

{ لَوْما تَأْتِـينا بـالـمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ }

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، عن عمر، عن نصر، عن الضحاك، فـي قوله: {وَلَوْ فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـاً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرِجُونَ} قال: لو أنـي فتـحت بـابـاً من السماء تعرج فـيه الـملائكة بـين السماء والأرض، لقال الـمشركون: {بَلْ نَـحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} إلا ترى أنهم قالوا:

{ { لَوْما تَأْتِـينا بـالـمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِـينَ } }

وقال آخرون: إنـما عُنـي بذلك بنو آدم.

ومعنى الكلام عندهم: ولو فتـحنا علـى هؤلاء الـمشركون من قومك يا مـحمد بـابـاً من السماء فظلوا هم فـيه يعرجون {لقَالُوا إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا}. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَوْ فَتَـحْنا عَلَـيْهِمْ بـابـاً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِـيهِ يَعْرُجُونَ} قال قتادة، كان الـحسن يقول: لو فعل هذا ببنـي آدم فظلوا فـيه يعرجون أي يختلفون، {لقالُوا إنَّـما سُكِّرَتْ أبْصَارُنا بَلْ نَـحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ}.

وأما قوله: {يَعْرُجُونَ} فإن معناه: يرقَوْن فـيه ويَصْعَدون، يقال منه: عرج يَعْرُج عُروجاً إذا رَقِـيَ وصَعَد، وواحدة الـمعارج: معرج ومعراج ومنه قول كثـير:

إلـى حَسَبٍ عَوْدٍ بنَا الـمرْءَ قَبْلَهُأبُوهُ لَهُ فِـيهِ معَارِجَ سُلَّـمِ

وقد حُكي: عرِج يعرِج بكسر الراء فـي الاستقبـال. وقوله: {لقَالُوا إنَّـما سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} يقول: لقال هؤلاء الـمشركون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقّ إنـما سكِّرت أبصارنا.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {سُكِّرَتْ} فقرأ أهل الـمدينة والعراق: {سُكِّرَتْ} بتشديد الكاف، بـمعنى: غُشّيت وغُطّيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فـيـما ذُكر لـي عنه. وذُكر عن مـجاهد أنه كان يقرأ: «لقَالُوا إنَّـما سُكِّرَتْ»

حدثنـي بذلك الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: سمعت الكسائي يحدّث عن حمزة، عن شبل، عن مـجاهد أنه قرأها: «سُكِّرَتْ أبْصَارُنا» خفـيفة.

وذهب مـجاهد فـي قراءته ذلك كذلك إلـى: حُبست أبصارنا عن الرؤية والنظر من سكور الريح، وذلك سكونها وركودها، يقال منه: سكرت الريح: إذا سكنت وركدت. وقد حُكي عن أبـي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: هو مأخوذ من سُكْر الشراب، وأن معناه: قد غشَّى أبصارنا السكر.

وأما أهل التأويـل فإنهم اختلفوا فـي تأويـله، فقال بعضهم: معنى {سُكِّرَتْ}: سدّت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} قال: سدّت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا حجاج، يعنـي ابن مـحمد، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي ابن كثـير قال: سدّت.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} يعنـي: سدّت.

فكأن مـجاهداً ذهب فـي قوله وتأويـله ذلك بـمعنى: سدّت، إلـى أنه بـمعنى: منعت النظر، كما يُسكر الـماء فـيـمنع من الـجري بحبسه فـي مكان بـالسكر الذي يسّكر به.

وقال آخرون: معنى سُكرت: أُخذت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عبـاس: {لقَالُوا إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} يقول: أُخذت أبصارنا.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: إنـما أخذ أبصارنا، وشبَّه علـينا، وإنـما سحرنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا أبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة: {لقَالُوا إنَّـما سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} يقول: سُحرت أبصارنا يقول: أخذت أبصارنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنا شيبـان، عن قتادة، قال: من قرأ: {سُكِّرَتْ} مشددة: يعنـي سدّت. ومن قرأ «سُكِرَتْ» مخففة، فإنه يعنـي سحرت.

وكأن هؤلاء وجَّهوا معنى قوله {سُكِّرَتْ} إلـى أن أبصارهم سُحرت، فشبه علـيهم ما يبصرون، فلا يـميزون بـين الصحيح مـما يرون وغيره من قول العرب: سُكِّر علـى فلان رأيه: إذا اختلط علـيه رأيه فـيـما يريد فلـم يدر الصواب فـيه من غيره، فإذا عزم علـى الرأي قالوا: ذهب عنه التسكير.

وقال آخرون: هو مأخوذ من السكر، ومعناه: غشي علـى أبصارنا فلا نبصر،. كما يفعل السكر بصاحبه، فذلك إذا دير به وغشي بصره كالسمادير فلـم يبصر. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّـمَا سُكِّرَتْ أبْصَارُنا} قال: سكرت، السكران الذي لا يعقل.

وقال آخرون: معنى ذلك: عميت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن الكلبـي: {سُكِّرَتْ} قال: عميت.

وأولـى هذه الأقوال بـالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء علـى ما هو به، وذهب حدّ إبصارنا وانطفأ نوره كما يقال للشيء الـحارّ إذا ذهبت فورته وسكن حدّ حرّة: قد سكر يسكر. قال الـمثنى بن جندل الطُّهوي:

جاءَ الشِّتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُواستَـخْفَتِ الأفْعَى وكانت تَطبرُ وجَعَلَتْ عينُ الحَرُور تَسْكُرُ

أي تسكن وتذهب وتنطفـىء. وقال ذو الرّمَّة:

قَبْلَ انْصِداعِ الفَجْرِ والتَّهَجُّرِوخَوْضُهُنَّ اللَّـيْـلَ حينَ يَسْكُرُ

يعنـي: حين تسكن فورته. وذُكر عن قـيس أنها تقول: سكرت الريح تسكر سُكُوراً، بـمعنى: سكنت. وإن كان ذلك عنها صحيحاً، فإن معنى سُكِرَت وسُكِّرَتْ بـالتـخفـيف والتشديد متقاربـان، غير أن القراءة التـي لا أستـجيز غيرها فـي القرآن: {سُكِّرَتْ} بـالتشديد لإجماع الـحجة من القراءة علـيها، وغير جائز خلافها فـيـما جاءت به مـجمعة علـيه.

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ۝١٦

يقول تعالى ذكره: ولقد جعلنا فـي السماء الدنيا منازل للشمس والقمر، وهي كواكب ينزلها الشمس والقمر. {وَزَيَّناها للنَّاظِرِينَ} يقول: وزينا السماء بـالكواكب لـمن نظر إلـيها وأبصرها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنا فِـي السَّماءِ بُروجاً} قال: كواكب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنا فِـي السَّماءِ بُروجاً} وبروجها: نـجومها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {بُرُوجا} قال: الكواكب.

وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍ رَّجِيمٍ ۝١٧ إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ مُّبِينٌ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: وحفظنا السماء الدنيا من كلّ شيطان لعين قد رجمه الله ولعنه. {إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} يقول: لكن قد يسترق من الشياطين السمع مـما يحدث فـي السماء بعضها، فـيتبعه شهاب من النار مبـين يبـين أثره فـيه، إما بإخبـاله وإفساده أو بإحراقه.

وكان بعض نـحويـي أهل البصرة يقول فـي قوله: {إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} هو استثناء خارج، كما قال: ما أشتكي إلا خيراً، يريد: لكن أذكر خيراً. وكان ينكر ذلك من قـيـله بعضهم، ويقول: إذا كانت «إلا» بـمعنى «لكن» عملت عمل «لكن»، ولا يحتاج إلـى إضمار «أذكر»، ويقول: لو احتاج الأمر كذلك إلـى إضمار «أذكر» احتاج قول القائل: قام زيد لا عمرو إلـى إضمار «أذكر».

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عفـان بن مسلـم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الأعمش عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: تصعد الشياطين أفواجاً تسترق السمع، قال: فـيفرد الـمارد منها فـيعلو، فـيرمى بـالشهاب فـيصيب جبهته أو حيث شاء الله منه فـيـلتهب، فـيأتـي أصحابه وهو يـلتهب، فـيقول: إنه كان من الأمر كذا وكذا. قال: فـيذهب أولئك إلـى أخوانهم من الكهنة، فـيزيدون علـيه أضعافه من الكذب، فـيخبرونهم به، فإذا رأوا شيئاً مـما قالوا قد كان صدّقوهم بـما جاءوهم به من الكذب.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَحَفِظْناها مِنْ كُلّ شَيْطَانٍ رَجِيـمٍ إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} قال: أراد أن يخطف السمع، وهو كقوله: {إلاَّ مَنْ خَطِفَ الـخَطْفَةَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} وهو نـحو قوله: {إلاَّ مَنْ خَطِفَ الـخَطْفَةَ فأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} قال: خطف الـخطفة.

حدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {إلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ} هو كقوله:

{ { إلاَّ مَنْ خَطِفَ الـخَطْفَةَ فأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقبٌ } } كان ابن عبـاس يقول: إن الشهب لا تقتل ولكن تـحرق وتـخبل وتـخرج من غير أن تقتل.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {مِنْ كُلّ شَيْطانٍ رَجيـمٍ} قال: الرجيـم: الـملعون. قال: وقال القاسم عن الكسائي إنه قال: الرجم فـي جميع القرآن: الشتـم.

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ ۝١٩

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {والأرْضَ مَدَدْناها} والأرض دحوناها فبسطناها، {وألْقَـيْنا فِـيها رَوَاسِيَ} يقول: وألقـينا فـي ظهورها رواسيَ، يعنـي جبـالاً ثابتة كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والأرْضَ مَدَدْناها}، وقال فـي آية أخرى: {والأرْضَ بَعْدَ ذلكَ دَحاها} وذُكر لنا أن أمّ القرى مكة، منها دُحيت الأرض.

قوله: {وألقـينا فِـيها رَوَاسيَ} رواسيها: جبـالها. وقد بـيَّنا معنى الرسوّ فـيـما مضى بشواهده الـمغنـية عن إعادته. وقوله: {وأنْبَتْنَا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} يقول: وأنبتنا فـي الأرض من كلّ شيء يقول: من كلّ شيء مقدّر، وبحدّ معلوم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنْبَتْنَا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} يقول: معلوم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وأنْبَتْنا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} يقول: معلوم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح، أو عن أبـي مالك، فـي قوله: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: بقدر.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح أو عن أبـي مالك، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: بقدر.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ، يعنـي ابن الـجعد، قال: أخبرنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: بقدر.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: قال: ثنا أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن خصيف، عن عكرمة، قال: يقدر.

حدثنا أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن حصين، عن سعيد بن جبـير: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: معلوم.

حدثنا مـجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعت الـحكم بن عتـيبة وسأله أبو مخزوم عن قوله: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: من كلّ شيء مقدور.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: سمعت الـحكم، وسأله أبو عروة عن قول الله عزّ وجلّ: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: من كلّ شيء مقدور. هكذا قال الـحسن: وسأله أبو عروة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: مقدور بقدْر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: مقدور بقدر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا علـيّ بن الهيثم، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: مقدور بقدْر.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا علـيّ بن الهيثم، قال: ثنا يحيى بن زكريا، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن أبـي صالـح: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: بقدْر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأنْبَتْنا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} يقول: معلوم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} يقول: معلوم.

وكان بعضهم يقول: معنى ذلك وأنبتنا فـي الـجبـال من كلّ شيء موزون يعنـي من الذهب والفضة والنـحاس والرصاص ونـحو ذلك من الأشياء التـي توزن. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وأنْبَتْنا فِـيها مِنْ كُلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} قال: الأشياء التـي توزن.

وأولـى القولـين عندنا بـالصواب القول الأوّل لإجماع الـحجة من أهل التأويـل علـيه.

وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ} أيها الناس فـي الأرض {مَعَايِشَ}، وهي جمع معيشة {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ}.

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنـي فـي قوله: {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ} فقال: بعضهم: عُنـي به الدوّاب والأنعام. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسين قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله جمعياً، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ} الدوابّ والأنعام.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: عُنـي بذلك الوحشُ خاصة. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور فـي هذه الآية {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ} قال: الوحش.

فتأويـل «مَنْ» فـي: {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ} علـى هذا التأويـل بـمعنى «ما»، وذلك قلـيـل فـي كلام العرب.

وأولـى ذلك بـالصواب، وأحسن أن يقال: عُنـي بقوله: {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ} من العبـيد والإماء والدوابّ والأنعام. فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فـيها معايشَ والعبـيدَ والإماء والدوابّ والأنعام. وإذا كان ذلك كذلك، حسن أن توضع حينئذ مكان العبـيد والإماء والدوابّ «من»، وذلك أن العرب تفعل ذلك إذا أرادت الـخبر عن البهائم معها بنو آدم. وهذا التأويـل علـى ما قلناه وصرفنا إلـيه معنى الكلام إذا كانت «من» فـي موضع نصب عطفـاً به علـى «معايش» بـمعنى: جعلنا لكم فـيها معايش، وجعلنا لكم فـيها من لستـم له برازقـين. وقـيـل: إنّ «من» فـي موضع خفض عطفـاً به علـى الكاف والـميـم فـي قوله: {وَجَعلْنَا لَكُمْ} بـمعنى: وجعلنا لكم فـيها معايش {وَمَنْ لَسْتُـمْ لَهُ بِرَازِقـينَ}. وأحسب أن منصوراً فـي قوله: هو الوحش، قصد هذا الـمعنى وإياه أراد وذلك وإن كان له وجه كلام العرب فبعيد قلـيـل، لأنها لا تكاد تظاهر علـى معنى فـي حال الـخفض، وربـما جاء فـي شعر بعضهم فـي حال الضرورة، كما قال بعضهم:

هَلاَّ سألْتَ بذِي الـجمَاجِمِ عنهُمُوأبى نُعَيـمٍ ذي اللِّوَاءِ الـمُخْرَقِ

فردّ أبـا نعيـم علـى الهاء والـميـم فـي «عنهم». وقد بـيَّنت قبح ذلك فـي كلامهم.
الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ