انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحجر

تفسير البغويالآيات 1–95

تفسير سورة الحجر آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ ۝١ رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ كَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ۝٢

{الۤر} قيل معناه أنا الله أرى، {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ}، أي: هذه آيات الكتاب، {وَقُرْءَانٍ} أي: وآيات قرآن، {مُّبِينٍ}، أي: بيَّن الحلال من الحرام والحق من الباطل. فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب ثم قال {وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ} وكلاهما واحد؟

قلنا: قد قيل كل واحد منهما يفيد فائدة أخرى، فإن الكتاب: ما يكتب، والقرآن: ما يجمع بعضه إلى بعض.

وقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإِنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب.

{رُّبَمَا} قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها، وهما لغتان، ورُبَّ للتقليل وكم للتكثير، ورُبَّ تدخل على الاسم، وربما على الفعل، يقال: رُبَّ رجل جاءني، ورُبَمَا جاءني رجل، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها. {يَوَدُّ}، يتمنى، {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ}.

واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإِسلام.

قال الضحاك: حالة المعاينة.

وقيل: يوم القيامة.

والمشهور أنه حين يخرج الله المؤمنين من النار.

وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة، ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخذنا بها، فيغفر الله تعالى لهم بفضل رحمته، فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها، فحينئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كانوا مسلمين «.

فإن قيل: كيف قال "ربما" وهي للتقليل وهذا التمني يكثر من الكفار؟

قلنا: قد تذكر "ربما" للتكثير، أو أراد: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحياناً.

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا۟ وَيَتَمَتَّعُوا۟ وَيُلْهِهِمُ ٱلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ۝٣

{ذَرْهُمْ}، يامحمد، يعني: الذين كفروا، {يَأْكُلُواْ} في الدنيا، {وَيَتَمَتَّعُواْ}، من لذاتها {وَيُلْهِهِمُ}، يشغلهم، {ٱلأَمَلُ}، عن الأخذ بحظهم من الإِيمان والطاعة، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهذا تهديد ووعيد.

وقال بعضُ أهل العلم: "ذرهم" تهديد، وقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} تهديد آخر، فمتى يهنأ العيش بين تهديدين.

والآية نسختها آية القتال.

وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ ۝٤ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ ۝٥ وَقَالُوا۟ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ۝٦ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٧ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَا كَانُوٓا۟ إِذًا مُّنظَرِينَ ۝٨ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ۝٩

{وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ}، أي: من أهل قرية، {إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ}، أي: أجل مضروب لا يتقدم عليه، ولا يأتيهم العذاب حتى يبلغوه، ولا يتأخر عنهم.

{مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} "من" صلة، {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ}، أي: الموت لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: العذاب المضروب.

{وَقَالُواْ} يعني: مشركي مكة، {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ}، أي: القرآن وأرادوا به محمداً صلى الله عليه وسلم، {إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}، وذكروا تنزيل الذكر على سبيل الاستهزاء.

{لَّوْمَا}، هلا {تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـٰئِكَةِ}، شاهدين لك بالصدق على ما تقول، {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}، إنك نبي.

{مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ}، قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين "الملائكة" نصب، وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي "الملائكة" رفع وقرأ الباقون بالتاء وفتحها وفتح الزاي "الملائكة" رفع. {إِلاَّ بِٱلحَقِّ} أي: بالعذاب ولو نزلت يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب، {وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ} أي: مؤخِّرين، وقد كان الكفار يطلبون إنزال الملائكة عياناً فأجابهم الله تعالى بهذا. ومعناه: أنهم لو نزلوا عياناً لزال عن الكفار الإِمهال وعُذِّبوا في الحال.

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ}، يعني القرآن، {وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ}، أي: نحفظ القرآن من الشياطين أن يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدِّلوا، قال الله تعالى:

{ { لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } } [فصلت: 42] والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه.

وقيل: الهاء في {لَهُ} راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: إنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جلّ ذكره:

{ { وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } } [المائدة: 67].

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٠ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝١١ كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُۥ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ ۝١٢ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝١٣ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ ۝١٤

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ}، أي: رسلاً، {فِى شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ}، أي: في الأمم والقرون الماضية.

والشيعة: هم القوم المجتمعون المتفقة كلمتهم.

{وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، كما فعلوا بك، ذكره تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ}، أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأولين، كذلك نسلكه: ندخله، {فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}، يعني: مشركي مكة قومك. وفيه ردٌّ على القدرية.

{لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، يعني: لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، {وَقَدْ خَلَتْ}، مضت، {سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ}، أي: وقائع الله تعالى بالإِهلاك فيمن كذب الرسل من الأمم الخالية، يخوِّف أهل مكة.

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم}، يعني: على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة، {بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ} أي: فظلت الملائكة يعرجون فيها، وهم يرونها عياناً، هذا قول الأكثرين.

وقال الحسن: معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي: يصعدون.

والأول أصح.

لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ ۝١٥ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ۝١٦

{لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ}، سُدَّت، {أَبْصَـٰرُنَا}، قاله ابن عباس.

وقال الحسن: سحرت.

وقال قتادة: أخذت.

وقال الكلبي: عميت.

وقرأ ابن كثير {سُكِرَتْ} بالتخفيف، أي: حُبست ومُنعت النظر كما يسكر النهر لحبس الماء.

{بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}، أي: عمل فينا السحر فسحرنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.

قوله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً}، والبروج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة أي: ظهرت.

وأراد بها: المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر والكواكب السيارة، وهي اثنا عشر برجاً: الحَمَل، والثَّور، والجَوْزاء، والسَّرَطان، والأسد، والسُّنْبُلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدلو، والحوت.

وقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس.

{وَزَيَّنَّـٰهَا}، أي: السماء بالشمس والقمر والنجوم {لِلنَّـٰظِرِينَ}.

وَحَفِظْنَٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَٰنٍ رَّجِيمٍ ۝١٧ إِلَّا مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُۥ شِهَابٌ مُّبِينٌ ۝١٨

{وَحَفِظْنَـٰهَا مِن كُلِّ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ}، مرجوم. وقيل: ملعون.

قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رُمي بشهاب، فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا ذلك لإِبليس، فقال: لقد حدث في الأرض حدث، قال: فبعثهم فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله ما حدث.

{إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ}، لكن من استرق السمع، {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}، والشهاب: الشُّعلة من النار.

وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء الدنيا، ويستَرِقُون السمع من الملائكة، فيُرْمون بالكواكب فلا تخطىء أبداً، فمنهم من تقتله ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله فيصير غولاً يضلّ الناس في البوادي.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمروٌ قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:

إذا قضى الله الأمر في السماء ضربتِ الملائكةُ بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله، كأنه سلسلةٌ على صَفْوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العليُّ الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه - فيسمعُ أحدهم الكلمة فيُلْقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى مَنْ تحته، حتى يلقيهَا على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشِّهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذبُ معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فيصدَّقُ بتلك الكلمة التي سمعت من السماء «.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن أبي مريم، حدثنا الليث، حدثنا ابن جعفر، عن محمد بن عبدالرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ الملائكة تنزل في العَنَان، وهو السحاب، فتذكر الأمر الذي قُضِيَ في السماء فتسترقُ الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكُهَّان، فيكذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم «.

واعلم أن هذا لم يكن ظاهراً قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساساً لنبوته عليه السلام

وقال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من فزع للرمي بالنجوم هذا الحي من ثقيف وإنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج، وكان أهدى العرب، فقالوا له: ألم ترَ ما حدث في السماء من القذف بالنجوم؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهي ـ والله ـ طي الدنيا وهلاك الخلق الذين فيها، وإن كانت نجوماً غيرها وهي والله ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله تعالى بهذا الخلق.

قال معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله تعالى:

{ { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } } الآية. [الجن: 9]؟ قال: غلِّظت وشُدِّد أمرُها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولكن لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه.

وقيل: إن النجم ينقض فيرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، والله أعلم.

وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ ۝١٩ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ۝٢٠

قوله تعالى: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا}، بسطناها على وجه الماء، يقال: إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ}، جبالاً ثوابت، وقد كانت الأرض تميد إلى أن أرساها الله بالجبال، {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا}، أي: الأرض، {مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ}، مقدَّر معلوم.

وقيل: يعني في الجبال، وهي جواهر من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها، حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزناً.

وقال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن وزناً.

{وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ}، جمع معيشة، قيل: أراد بها المطاعم والمشارب والملابس وهي ما يعيش به الآدمي في الدنيا، {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَٰزِقِينَ}، أي: جعلنا فيها من لستم له برازقين من الدوابِّ والأنعام، أي: جعلناها لكم وكفيناكم رزقها و"من" في الآية بمعنى "ما"، كقوله تعالى:

{ { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ } } [النور: 45].

وقيل: "من" في موضعها؛ لأنه أراد المماليك مع الدواب.

وقيل: "من" في محل الخفض عطفاً على الكاف والميم في "لكم".

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ۝٢١ وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ۝٢٢

{وَإِن مِّن شَىْءٍ}، أي: وما من شيء، {إِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ}، أي مفاتيح خزائنه.

وقيل: أراد به المطر.

{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، لكل أرضٍ حدُّ مقدر، ويقال: ما تنزل من السماء قطرة إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله عزّ وجلّ ويشاء.

وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله في البرّ والبحر، وهو تأويل قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ}.

{وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي: حوامل، لأنها تحمل الماء إلى السحاب، وهو جمع لاحقة، يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد.

قال ابن مسعود: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمر به السحاب، فتدرُّ كما تدر اللقحة ثم تمطر.

وقال أبو عبيدة: أراد باللواقح الملاقح واحدتها ملقحة، لأنها تلقح الأشجار.

قال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقمُّ الأرض قمَّاً، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاماً، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر.

وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه، فالصَّبَا تهيجه، والشَّمال تجمعه، والجَنوب تذره، والدَّبُور تفرقه.

وفي الخبر: أن اللقح رياح الجنوب.

وفي بعض الآثار: ما هبت ريح الجنوب إلا وبعث عيناً غدقة.

وأما الريح العقيم: فإنها تأتي بالعذاب ولا تلقح.

أخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا من لا أتهم بحديثه، حدثنا العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:

ما هبَّت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً، اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً. قال ابن عباس: في كتاب الله عزّ وجلّ: { { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } } [القمر:19] { إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ }[الذاريات41]، وقال: { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ }[الحجر:22]، وقال: { أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ }[الروم:46].

قوله: {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}، أي: جعلنا المطر لكم سقياً، يقال: أسقى فلان فلاناً: إذا جعل له سقياً، وسقاه: إذا أعطاه ما يشرب. وتقول العرب: سقيت الرجل ماءً ولبناً إذا كان لسقيه فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه ودوابه تقول: أسقيته.

{وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَـٰزِنِينَ}، يعني المطر في خزائننا لا في خزائنكم. وقال سفيان: بمانعين.

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ ۝٢٣

{وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ} بأن نميت جميعَ الخلائق، فلا يبقى حي سوانا.

والوارث من صفات الله عزّ وجلّ. قيل: الباقي بعد فناء الخلق.

وقيل: معناه إن مصير الخلق إليه.

وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ ۝٢٤

{وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـأْخِرِينَ}، قال ابن عباس: أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء.

قال الشعبي: الأولين والآخرين.

وقال عكرمة: المستقدمون من خَلق الله والمستأخرين من لم يخلق الله.

قال مجاهد: المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال الحسن: المستقدمون في الطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عنها.

وقيل: المستقدمون في الصفوف في الصلاة والمستأخرون فيها. وذلك أن النساء كن يخرجن إلى صلاة الجماعة فيقفن خلف الرجال، فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى أخر صفوف الرجال، ومن النساء من كانت في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صفوف النساء لتقرب من الرجال. فنزلت هذه الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها «.

وقال الأوزاعي: أراد المصلين في أول الوقت والمؤخرين إلى آخره.

وقال مقاتل: أراد بالمستقدمين والمستأخرين في صف القتال.

وقال ابن عيينة: أراد من يسلم ومن لا يسلم.

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ۝٢٥ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝٢٦

{وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، على ما علم منهم.

وقيل: يميت الكلَّ، ثم يحشرهم، الأولين والآخرين.

أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذن، أخبرنا أبو سعيد الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبدالجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من مات على شيء بعثه الله عليه «.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ}، يعني: آدم عليه السلام، سمي إنساناً لظهوره وإدراك البصر إياه. وقيل: من النسيان لأنه عهد إليه فنسي. {مِن صَلْصَـٰلٍ}، وهو الطين اليابس الذي إذا نقرته سمعت له صلصلةً، أي: صوتاً.

قال ابن عباس: هو الطين الحر، الذي إذا نضب عنه الماء تشقَّق، فإذا حرك تقعقع.

وقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره الكسائي، وقال: هو من صَلَّ اللحم وأَصَلَّ، إذا أنتن.

{مِّنْ حَمَإٍ}، والحمأ: الطين الأسود، {مَّسْنُونٍ} أي: متغيِّر. قال مجاهد وقتادة: هو المنتن المتغير.

وقال أبو عبيدة: هو المصبوب. تقول العرب: سننت الماء أي صببته.

قال ابن عباس: هو التراب المبتلُّ المنتن، جعل صلصالاً كالفخار.

وفي بعض الآثار: إن الله عزّ وجلّ خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغيراً أسود، ثم خلق منه آدم عليه السلام

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ۝٢٧

{وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ}، قال ابن عباس: هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر.

وقال قتادة: هو إبليس خلق قبل آدم.

ويقال: الجانّ: أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين.

وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشياطين؛ فليس منهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.

وذكر وهب: إن من الجن من يولد لهم ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون.

{مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}، والسموم ريح حارة تدخل مسامَّ الإِنسان فتقتله. ويقال: السَّموم بالنهار والحَرور بالليل.

وعن الكلبي عن أبي صالح: السموم نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت، فالهدَّةُ التي تسمعون في خرق ذلك الحجاب.

وقيل: نار السموم لهب النار.

وقيل: من نار السَّموم أي: من نار جهنم.

وعن الضحاك عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السَّموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، فأما الملائكة فإنهم خلقوا من النور.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝٢٨ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ۝٢٩ فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝٣٠

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَراً}، أي: سأخلق بشراً، {مِن صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}.

{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ}، عدَّلْتُ صورته، وأتممت خلقه، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى}، فصار بشراً حياً، والروح جسم لطيف يحيا به الإِنسان أضاف إلى نفسه تشريفاً، {فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ}، سجود تحية لا سجود عبادة.

{فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}، الذين أمروا بالسجود، {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}.

فإن قيل: لِمَ قال {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} وقد حصل المقصود بقوله فسجد الملائكة؟

قلنا: زعم الخليل وسيبويه أنه ذكر ذلك تأكيداً.

وذكر المبرِّد: أن قوله {فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} كان من المحتمل أنه سجد بعضهم فذكر "كلهم" ليزول هذا الإِشكال، ثم كان يحتمل أنهم سجدوا في أوقات مختلفة فزال ذلك الإِشكال بقوله: {أَجْمَعُونَ}.

وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه: إن الله عزّ وجلّ قال لجماعة من الملائكة: اسجدوا لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم قال لجماعة أخرى: اسجدوا لآدم فسجدوا.

إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝٣١ قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝٣٢ قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝٣٣ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝٣٤ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٣٥ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝٣٦ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝٣٧ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ۝٣٨ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٤٠

{إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ}.

{قَالَ يَٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ }.

{قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، أراد إني أفضل منه لأنه طينيّ وأنا ناريّ، والنار تأكل الطين.

{قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا} أي: من الجنة {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، طريد.

{وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ}، قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس كما يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في السماء والأرض.

{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، أراد الخبيث أن لا يموت.

{قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}، أي: الوقت الذي يموت فيه الخلائق، وهو النفخة الأولى.

ويقال: إن مدة موت إبليس أربعون سنة وهي ما بين النفختين.

ويقال: لم تكن إجابة الله تعالى إياه في الإِمهال إكراماً له، بل كانت زيادة في بلائه وشقائه.

{قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى}، أضللتني. وقيل: خيَّبْتَنِي من رحمتك، {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ}، حُبَّ الدنيا ومعاصيك، {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ}، أي: لأضلنّهم، {أَجْمَعِينَ}.

{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}، المؤمنين الذين أخلصوا لك الطاعة والتوحيد، ومن فتح اللام، أي مَنْ أخلصته بتوحيدك واصطفيته.

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ۝٤١ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ۝٤٢ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٤٣ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ۝٤٤

{قَالَ}، الله تعالى، {هَذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ}، قال الحسن: معناه صراط إلي مستقيم.

وقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله تعالى، وعليه طريقه، ولا يعوج عليه شيء.

وقالَ الأخفش: يعني عليَّ الدلالة على الصراط المستقيم.

قال الكسائي: هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقك عليَّ، أي: لا تفلت مني، كما قال عزّ وجلّ:

{ { إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } } [الفجر: 14].

وقيل: معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية.

وقرأ ابن سيرين، وقتادة ويعقوب: عَلِيٌّ، من العُلُوّ أي: رفيع، وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن يُنال، مستقيم أن يُمال.

{إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ}، أي: قوة.

قال أهل المعاني: يعني على قلوبهم.

وسُئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم واجتباهم.{إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ}.

{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}، يعني موعد إبليس ومن تبعه.

{لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ}، أطباق.

قال علي رضي الله عنه: تدرون كيف أبواب النار؟ هكذا، ووضع شعبة إحدى يديه على الأخرى، أي: سبعة أطباق بعضها فوق بعض وإن الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض.

قال ابن جريج: النار سبع دَرَكاتٍ: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.

{لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ}، أي: لكل دركةٍ قومٌ يسكنونها.

وقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار، يعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى:

{ { إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } } [النساء: 145].

وروي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لجهنّم سبعة أبواب باب منها لمن سلَّ السيف على أمتي أو قال على أمة محمد".

إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ ۝٤٥ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ ۝٤٦ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ ۝٤٧ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ ۝٤٨ نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ۝٤٩

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ}، أي: في بساتين وأنهار.

{ٱدْخُلُوهَا} أي: يقال لهم ادخلوا الجنة، {بِسَلامٍ}، أي: بسلامة {ءَامِنِينَ}، من الموت والخروج والآفات.

{وَنَزَعْنَا}، أخرجنا، {مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ}، هو الشحناء والعداوة والحقد والحسد، {إِخْوَاناً}، نصب على الحال، {عَلَىٰ سُرُرٍ} جمع سرير {مُّتَقَـٰبِلِينَ}، يقابل بعضهم بعضاً، لا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه.

وفي بعض الأخبار: إن المؤمن في الجنة إذا وَدّ أن يلقى أخاه المؤمن سار سرير كل واحد منهما إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان.

{لاَ يَمَسُّهُمْ}، لا يصيبهم، {فِيهَا نَصَبٌ}، أي: تعب، {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}، هذه أنصُّ آية في القرآن على الخلود.

قوله تعالى: {نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}، قال ابن عباس: يعني لمن تاب منهم.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً على نفر من أصحابه وهم يضحكون، فقال: "أتضحكون وبين أيديكم النار"، فنزل جبريل بهذه الآية وقال: "يقول لك ربك يامحمد لمَ تقنط عبادي من رحمتي"

وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ ۝٥٠ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ ۝٥١ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ فَقَالُوا۟ سَلَٰمًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ۝٥٢ قَالُوا۟ لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍ ۝٥٣ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ۝٥٤

{وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} قال قتادة: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:

لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام، ولو يعلم قدرعذابه لبخع نفسه".

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

إنَّ الله خلق الرحمة يوم خلقها مائةَ رحمةٍ، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خَلْقِهِ كلِّهم رحمةً واحدة، فلو يعلمُ الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلمُ المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار".

قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} أي: عن أضيافه. والضيف: اسم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ليبشروا إبراهيم عليه السلام بالولد، ويهلكوا قوم لوط.

{إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ}، إبراهيم، {إنَّا مِنكُم وَجِلُونَ}، خائفون لأنهم لم يأكلوا طعامه.

{قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ} لا تخف، {إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ عَلِيمٍ}، أي: غلام في صِغَرِه، عليم في كبره، يعني: إسحاق، فتعجب إبراهيم عليه السلام من كبره وكبر امرأته.

{قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى} أي: بالولد {عَلَىٰ أَن مَّسَّنِىَ ٱلْكِبَرُ}، أي: على حال الكبر، قاله على طريق التعجب، {فَبِمَ تُبَشِّرُونَ}، فبأي شيء تبشرون؟ قرأ نافع بكسر النون وتخفيفها أي: تبشرون، وقرأ ابن كثير وبتشديد النون أي: تبشرونني، أدغمت نون الجمع في نون الإِضافة، وقرأ الآخرون بفتح النون وتخفيفها.

قَالُوا۟ بَشَّرْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْقَٰنِطِينَ ۝٥٥ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ ۝٥٦ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٥٧ قَالُوٓا۟ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ۝٥٨ إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٥٩ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ۝٦٠

{قَالُواْ بَشَّرْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق، {فَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْقَـٰنِطِينَ}.

{قَالَ وَمَن يَقْنَطُ}، قرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب: بكسر النون، والآخرون بفتحها، وهما لغتان: قَنَطَ يَقْنَطُ، وقَنَطَ يقْنَطُ، أي: من يأس، {مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ}، أي: الخاسرون، والقنوط من رحمة الله كبيرة كالأمن من مكره.

{قَالَ} إبراهيم لهم: {فَمَا خَطْبُكُمْ}، ما شأنكم، {أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ}؟

{قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ}، مشركين.

{إِلاَّ ءَالَ لُوطٍ}، أتباعه وأهل دينه، {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ}، خفف الجيم حمزة والكسائي، وشدَّده الباقون.

{إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ}، أي: امرأة لوط، {قَدَّرْنَآ}، قضينا، {إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ}، الباقين في العذاب، والاستثناء من النفي إثبات، ومن الإِثبات نفي، فاستثنى امرأة لوط من الناجين فكانت ملحقة بالهالكين.

قرأ أبو بكر «قدرنا» هاهنا وفي سورة النمل بتخفيف الدال. والباقون بتشديدها.

فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ ۝٦١ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ۝٦٢ قَالُوا۟ بَلْ جِئْنَٰكَ بِمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَمْتَرُونَ ۝٦٣ وَأَتَيْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ۝٦٤ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَٰرَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَٱمْضُوا۟ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ۝٦٥ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَٰلِكَ ٱلْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ۝٦٦

{فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلُونَ}.

{قَالَ}، لوط لهم، {إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ} أي: أنا لا أعرفكم.

{قَالُواْ بَلْ جِئْنَـٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ}، أي: يشكُّون في أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب، لأنه كان يوعدهم بالعذاب فلا يصدقونه.

{وَأَتَيْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ}، باليقين. وقيل: بالعذاب، {وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ}.

{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ وَٱتَّبِعْ أَدْبَـٰرَهُمْ} أي: سِرْ خلفهم، {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ}، حتى لا يرتاعوا من العذاب إذا نزل بقومهم.

وقيل: جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوط.

{وَٱمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ}، قال ابن عباس: يعني الشام. وقال مقاتل: يعني زُغَر. وقيل: الأردن.

{وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ}، أي: وفرغنا إلى آل لوط ذلك الأمر، أي: أحكمنا الأمر الذي أمرنا في قوم لوط، وأخبرناه {أَنَّ دَابِرَ هَـٰؤُلآءِ}، يدل عليه قراءة عبدالله: وقلنا له إن دابر هؤلاء يعني: أصلهم، {مَقْطُوعٌ}، مستأصل، {مُّصْبِحِينَ}، إذا دخلوا في الصبح.

وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ۝٦٧ قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيْفِى فَلَا تَفْضَحُونِ ۝٦٨ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ۝٦٩ قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ ۝٧٠ قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِىٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَ ۝٧١ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ۝٧٢

{وَجَآءَ أَهْلُ ٱلْمَدِينَةِ}، يعني سدوم، {يَسْتَبْشِرُونَ}، بأضياف لوط، أي: يبشر بعضهم بعضاً، طمعاً في ركوب الفاحشة منهم.

{قَالَ}، لوط لقومه، {إِنَّ هَـٰؤُلآءِ ضَيْفِى}، وحقٌّ على الرجل إكرام ضيفه، {فَلاَ تَفْضَحُونِ} فيهم.

{وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ}، ولا تُخْجِلُون.

{قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، أي: ألم ننهك عن أن تضيف أحداً من العالمين.

وقيل: ألم ننهك أن تُدخل الغرباء بالمدينة، فإنا نركب منهم الفاحشة.

{قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِى} أزوجهن إياكم إن أَسلمتم، فأتوا الحلال ودعُوا الحرام، {إِن كُنْتُمْ فَـٰعِلِينَ}، ما آمركم به.

وقيل: أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي كالوالد لأمته.

قال الله تعالى: {لَعَمْرُكَ}، يامحمد أي وحياتك، {إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ}، حيرتهم وضلالتهم، {يَعْمَهُونَ}، يترددون.

وقال قتادة: يلعبون.

روي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما خلق الله نفساً أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم الله تعالى بحياة أحد إلا بحياته.

فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ۝٧٣ فَجَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ۝٧٤ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ ۝٧٥ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ۝٧٦ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ۝٧٧ وَإِن كَانَ أَصْحَٰبُ ٱلْأَيْكَةِ لَظَٰلِمِينَ ۝٧٨

{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ}، أي: حين أضاءت الشمس، فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا.

{فَجَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ}.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ}، قال ابن عباس: للناظرين.

وقال مجاهد: للمتفرسين.

وقال قتادة: للمعتبرين.

وقال مقاتل: للمتفكرين.

{وَإِنَّهَا} يعني: قرى قوم لوط، {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ}، أي: بطريق واضح.

وقال مجاهد: بطريق معلم، ليس يخفي ولا زائل.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ}.

{وَإِن كَانَ}، وقد كان {أَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ}، الغيضة، {لَظَـٰلِمِينَ}، لكافرين، واللام للتأكيد، وهم قوم شعيب عليه السلام، كانوا أصحاب غياض وشجر ملتفٍّ، وكانت عامة شجرهم الدَّوْم وهو المُقْل.

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ۝٧٩ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَٰبُ ٱلْحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ ۝٨٠ وَءَاتَيْنَٰهُمْ ءَايَٰتِنَا فَكَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ۝٨١ وَكَانُوا۟ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ۝٨٢ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ۝٨٣ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ۝٨٤

{فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}، بالعذاب، وذلك أن الله سلط عليهم الحرَّ سبعة أيام فبعث سحابة فالتجؤوا إليها يلتمسون الروح، فبعث عليهم منها ناراً فأحرقتهم، فذلك قوله تعالى:

{ { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ } } [الشعراء: 189].

{وَإِنَّهُمَا} يعني مدينتي قوم لوط وأصحاب الأيكة {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ}، بطريق واضح مستبين.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ ٱلْحِجْرِ}، وهي مدينة ثمود قوم صالح، وهي بين المدينة والشام، {ٱلْمُرْسَلِينَ}، أراد صالحاً وحده.

{وَءَاتَيْنَـٰهُمْ ءَايَـٰتِنَا}، يعني: الناقة وولدها والبئر، فالآيات في الناقة؛ خروجها من الصخرة، وكبرها، وقرب ولادها، وغزارة لبنها، {فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ}.

{وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ءَامِنِينَ}، من الخراب ووقع الجبل عليهم.

{فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ}، يعني: صيحة العذاب، {مُّصْبِحِينَ}، أي: داخلين في وقت الصبح.

{فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}، من الشرك والأعمال الخبيثة.

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبدالله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد ابن يعقوب الكسائي، حدثنا عبدالله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبدالله الخلال، حدثنا عبدالله بن المبارك عن معمر، عن الزهري، أخبرنا سالم بن عبدالله، عن أبيه،

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم"، قال: وتقنَّع بردائه وهو على الرَّحْل.

وقال عبد الرزاق عن معمر:

"ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي".

وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَـَٔاتِيَةٌ فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ ۝٨٥ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّٰقُ ٱلْعَلِيمُ ۝٨٦ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَٰكَ سَبْعًا مِّنَ ٱلْمَثَانِى وَٱلْقُرْءَانَ ٱلْعَظِيمَ ۝٨٧

قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ}، يعني: القيامة {لآتِيَةٌ}، يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، {فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ}، فأعرضْ عنهم واعفُ عفواً حسناً، نسختها آية القتال.

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ} بخلقه.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِى}، قال عمر وعلي: هي فاتحة الكتاب. وهو قول قتادة وعطاء والحسن وسعيد بن جبير.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم".

وعن ابن مسعود قال: السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب، والقرآن العظيم: هو سائر القرآن.

واختلفوا في أن الفاتحة لمَ سميت مثاني؟

فقال ابن عباس والحسن وقتادة: لأنها تُثنّى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة.

وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل:

قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين «.

وقال الحسين بن الفضل: سميت مثاني لأنها نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة، كل مرة معها سبعون ألف ملك.

وقال مجاهد: سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها وادخرها لهذه الأمة فما أعطاها غيرهم.

وقال أو زيد البلخي: سميت مثاني لأنها تُثْنِي أهل الشر عن الفسق، من قول العرب: ثنيت عناني.

وقيل: لأن أولها ثناء.

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة، وآخرها الأنفال مع التوبة. وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال.

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا أبو محمد الحسن ابن أحمد المخلدي أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد وعبدالله بن محمد بن مسلم قالا: أنبأنا هلال بن العلاء، حدثنا حجاج ابن محمد عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن كثير، عن شداد بن عبدالله، عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المِئِين مكان الإِنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضلني ربي بالمفصل «.

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم السبع الطوال، وأعطي موسى ستاً فلما ألقى الألواح رفع ثنتان وبقي أربع.

قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والخَبَر والعبر ثنيت فيها.

وقال طاووس: القرآن كله مثاني قال الله تعالى:

{ { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَـٰباً مُّتَشَـٰبِهاً مَّثَانِىَ } } [الزمر: 23]. وسمي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه.

وعلى هذا القول: المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن، فيكون تقديره على هذا: وهي القرآن العظيم. وقيل: الواو مقحمة، مجازه: ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم.

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝٨٨

قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، يامحمد، {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً}، أصنافاً، {مِّنْهُمْ} أي: من الكفار متمنياً لها. نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في الدنيا ومزاحمة أهلها عليها.

{وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}، أي: لا تغتمَّ على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد ابن العَنَزِيّ، حدثنا عيسى بن نصر، أنبأنا عبدالله بن المبارك، أخبرنا جهم بن أوس، قال سمعت عبدالله بن أبي مريم - ومرَّ به عبدالله بن رستم في موكبه، فقال لابن أبي مريم: إني لاشتهي مجالستك وحديثك، فلما مضى قال ابن مريم - سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لا تغبطنَّ فاجراً بنعمته، فإنك لا تدري ما هو لاقٍ بعد موته، إن له عندالله قاتلاً لا يموت" فبلغ ذلك وهب بن منبه فأرسل إليه وهب أبا داود الأعور، فقال: يا أبا فلان ما قاتلاً لا يموت؟ قال ابن أبي مريم: النار".

أخبرنا أبو منصور محمد بن عبدالملك المظفري السّرخسي، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، حدثنا أبو الحسن بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن عبدالله العبسي، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

انظروا إلى من هو أسفلَ منكم ولا تنظروا إلى من فوقَكم، فإنه أَجْدَرُ أن لا تَزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم".

وقيل: هذه الآية متصلة بما قبلها لمَّا مَنَّ الله تعالى عليه بالقرآن نهاه عن الرغبة في الدنيا. رُوي أن سفيان بنْ عُيَيْنة - رحمه الله - تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم

ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي: من لم يستغن بالقرآن. فتأول هذه الآية.

قوله تعالى: {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ}: ليّن جانبك {لِلْمُؤْمِنِينَ}، وارفق بهم، والجناحان لابن آدم جانباه.

وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ ۝٨٩ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ۝٩٠ ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ ۝٩١

{وَقُلْ إِنِّىۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}.

{كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} قال الفرَّاء: مجازه: أنذركم عذاباً كعذاب المقتسمين، حكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: هم اليهود والنصارى.

{ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ}، جزَّؤوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدَّلوه.

وقيل: "المقتسمون" قوم اقتسموا القرآن. فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: شعر. وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين.

وقيل: الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ساحر كاهن شاعر.

وقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عِقَاب مكة وطرقها، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من الحجاج: لا تغترُّوا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منّا، تقول طائفة منهم: إنه مجنون، وطائفة: إنه كاهن، وطائفة: إنه شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكماً فإذا سئل عنه قال: صدق أولئك يعني المقتسمين.

قوله: {عِضِينَ} قيل: هو جمع عضو مأخوذ من قولهم عضَّيت الشيء تعضيةً، إذا فرَّقته. ومعناه: أنهم جعلوا القرآن أعضاء، فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين. وقيل: هو جمع عضة. يقال: عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين، وأصلها: عضهة ذهبت هاؤها الأصلية، كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة، بدليل: أنك تقول في التصغير شفيهة، والمراد بالعضة الكذب والبهتان.

وقيل: المراد بالعضين العَضْهُ، وهو السحر، يريد: أنهم سمَّوا القرآن سحراً.

فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٩٢ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝٩٣

{فَوَرَبِّكَ لَنَسْـأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، يوم القيامة.

{عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا، قال محمد بن إسماعيل قال عدَّة من أهل العلم: عن قوله "لا إله إلا الله".

فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى:

{ { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } } [الرحمن: 39].

قال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم، لأنه أعلم بهم منهم، ولكن يقول: لِم عملتم كذا وكذا؟ واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال توبيخ، فقوله تعالى:

{ { فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْـأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } } [الرحمن: 39]، يعني: استعلاماً. وقوله: {لَنَسْـأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يعني: توبيخاً وتقريعاً.

وقال عكرمة عن ابن عباس في الآيتين: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف يسألون في بعض المواقف، ولا يسألون في بعضها، نظير قوله تعالى:

{ { هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } } [المرسلات: 35]، وقال في آية أخرى: { { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } } [الزمر: 31].

فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ۝٩٤ إِنَّا كَفَيْنَٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ ۝٩٥

قوله تعالى: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، قال ابن عباس: أَظْهِرْه. ويروى عنه: أمضه.

وقال الضحاك: أَعْلِم.

وقال الأخفش: افْرُقْ، أي: افرق بالقرآن بين الحق والباطل.

وقال سيبويه: اقض بما تؤمر، وأصل الصَّدْع: الفصل، والفرق: أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة.

وروي عن عبدالله بن عبيدة قال كان مستخفياً حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه.

{وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}، نسختها آية القتال.

{إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ}، يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصدع بأمر الله، ولا تخف أحداً غير الله عزّ وجلّ، فإن الله كافيك من عاداك كما كفاك المستهزئين. وهم خمسة نفر من رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان رأسهم - والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبدالمطلب ابن الحارث بن أسد بن عبدالعزى بن زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: "اللهم أَعْمِ بصره واثْكله بولده"، والأسود بن عبد يغوث بن وهب ابن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس بن الطُّلاطلة فأتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم، والمستهزؤن يطوفون بالبيت، فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمرَّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يامحمد كيف تجد هذا فقال: بئس عَبْدُ الله، فقال: قد كُفِيْتَه، وأومأ إلى ساق الوليد، فمرَّ برجل من خزاعة نبَّالٌ يريش نبلاً له وعليه بُرْديمان، وهو يجرُّ إزاره، فتعلقت شظية من نُبْلِ بإزاره فمنعه الكبر أن "يطأطىء رأسه" فينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات.

ومرّ به العاص بن وائل فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبدالله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وقال: قد كفيته، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه فنزل شعباً من تلك الشعاب فوطىء على شبرقةٍ فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.

ومرّ به الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ قال عبد سوء، فأشار بيده إلى عينيه، وقال: قد كفيته، فعمي.

وقال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك.

وفي رواية الكلبي: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحداً يصنع بك شيئاً غير نفسك، حتى مات، وهو يقول قتلني رب محمد.

ومرّ به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا يامحمد؟ قال: بئس عبدالله على أنه ابن خالي، فقال: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات حيناً.

وفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السَّمُوم فاسودَّ حتى عاد حبشياً، فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: قتلني رب محمد.

ومرّ به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يامحمد؟ فقال: عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيته فامتخط قيحاً فقتله.

وقال ابن عباس: إنه أكل حوتاً مالحاً فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى أنقد بطنه فمات، فذلك قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَـٰكَ ٱلْمُسْتَهْزِءِينَ}، بك وبالقرآن.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ