انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة الحجر

تفسير الطبريالآيات 21–44

تفسير سورة الحجر آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة الحجر

الخلاصة من تفسير الطبري · مقطعان · 35:09

  1. 1 الآيات 1–48في هذه الصفحة 17:53

التفسير الصوتي لسورة الحجر كاملًا (مقطعان)

وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: وما من شيء من الأمطار إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر، لكل أرض معلوم عندنا حدّه ومبلغه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا يزيد بن أبـي زياد، عن رجل، عن عبد الله، قال: ما من أرض أمْطَرُ من أرض، ولكن الله يقدره فـي الأرض. ثم قرأ: {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ عِنْدَنا خَزَائِنُهُ وَما نُنَزّلِهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن يزيد بن أبـي زياد، عن أبـي جحيفة، عن عبد الله، قال: ما من عام بأمطر من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه عمن يشاء. ثم قال: {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ عِنْدَنا خَزَائِنُهُ}.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا إبراهيـم بن مهدي الـمصيصي، قال: ثنا علـيّ بن مسهر، عن يزيد بن أبـي زياد، عن أبـي جحيفة، عن عبد الله بن مسعود: ما من عام، ولكن الله يقسمه حيث شاء، عاماً هاهنا وعاماً هاهنا. ثم قرأ: {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ عِنْدَنا خَزَائِنُهُ وَما نُنَزّلِهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ عِنْدَنا خَزَائِنُهُ وَما نُنَزّلِهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} قال: الـمطر خاصة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا إسماعيـل بن سالـم، عن الـحكم بن عتـيبة، فـي قوله: {وَما نُنَزّلِهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} قال: ما من عام بأكثر مطراً من عام ولا أقلّ، ولكنه يـمطر قوم ويُحرم آخرون، وربـما كان فـي البحر. قال: وبلغنا أنه ينزل مع الـمطر من الـملائكة أكثر من عدد ولد إبلـيس وولد آدم يحصون كلّ قطرة حيث تقع وما تُنبت.

وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَسْقَيْنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمْ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ۝٢٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة القرّاء: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ}، وقرأه بعض قرّاء أهل الكوفة: «وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ» فوحَّد الريح وهي موصوفة بـالـجمع أعني بقوله: «لواقح». وينبغي أن يكون معنى ذلك: أن الريح وإن كان لفظها واحداً، فمعناها الـجمع لأنه يقال: جاءت الريح من كلّ وجه، وهبَّت من كلّ مكان، فقـيـل لواقح لذلك، فـيكون معنى جمعهم نعتها وهي فـي اللفظ واحدة معنى قولهم: أرض سبـاسب، وأرض أغفـال، وثوب أخلاق، كما قال الشاعر:

جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصي أخْلاقْشَرَاذِمٌ يَضْحَكُ مِنْهُ التَّوَّاقْ

وكذلك تفعل العرب فـي كلّ شيء اتسع.

واختلف أهل العربـية فـي وجه وصف الرياح بـاللقح وإنـما هي ملقحة لا لاقحة، وذلك أنها تلقح السحاب والشجر، وإنـما توصف بـاللقح الـملقوحة لا الـملقح، كما يقال: ناقة لاقح. وكان بعض نـحويـي البصرة يقول: قـيـل: الرياح لواقح، فجعلها علـى لاقح، كأن الرياح لقحت، لأن فـيها خيراً فقد لقحت بخير. قال: وقال بعضهم: الرياح تلقح السحاب، فهذا يدلّ علـى ذلك الـمعنى لأنها إذا أنشأته وفـيها خير وصل ذلك إلـيه. وكان بعض نـحويـي الكوفة يقول: فـي ذلك معنـيان: أحدهما أن يجعل الريح هي التـي تلقح بـمرورها علـى التراب والـماء فـيكون فـيها اللقاح، فـيقال: ريح لاقح، كما يقال: ناقة لاقح، قال: ويشهد علـى ذلك أنه وصف ريح العذاب فقال:

{ { عَلَـيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِـيـمَ } } فجعلها عقـيـماً إذا لـم تلقح. قال: والوجه الآخر أن يكون وصفها بـاللقح وإن كانت تلقح، كما قـيـل: لـيـل نائم والنوم فـيه وسرّكاتـم، وكما قـيـل: الـمبروز والـمختوم، فجعل مبروزاً ولـم يقل مبرزاً بَنَاهُ علـى غير فعله، أي أن ذلك من صفـاته، فجاز مفعول لـمفعل كما جاز فـاعل لـمفعول إذا لـم يرد البناء علـى الفعل، كما قـيـل: ماء دافق.

والصواب من القول فـي ذلك عندي: أن الرياح لواقح كما وصفها به جلّ ثناؤه من صفتها، وإن كانت قد تلقح السحاب والأشجار، فهي لاقحة ملقحة، ولقحها: حملها الـماء، وإلقاحها السحاب والشجر: عملها فـيه، وذلك كما قال عبد الله بن مسعود.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن قـيس بن سكن، عن عبد الله بن مسعود، فـي قوله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} قال: يرسل الله الرياح فتـحمل الـماء، فتـجري السحاب، فتدر كما تدر اللقحة ثم تـمطر.

حدثنـي أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن قـيس بن سكن، عن عبد الله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} قال: يبعث الله الريح فتلقح السحاب، ثم تـمريه فتدر كما تدر اللقحة، ثم تـمطر.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا أسبـاط بن مـحمد، عن الأعمش، عن الـمنهال بن عمرو، عن قـيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، فـي قوله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} قال»: يرسل الرياح، فتـحمل الـماء من السحاب، ثم تـمري السحاب، فتدر كما تدر اللقحة.

فقد بـين عبد الله بقوله: يرسل الرياح فتـحمل الـماء، أنها هي اللاقحة بحملها الـماء وإن كانت ملقحة بإلقاحها السحاب والشجر.

وأما جماعة أُخَر من أهل التأويـل، فإنهم وجَّهوا وصف الله تعالـى ذكره إياها بأنها لواقح إلـى أنه بـمعنى ملقحة، وأن اللواقح وُضعت ملاقح، كما قال نهشل بن حريّ:

لِـيُبْكَ يَزِيدُ بـائِسٌ لِضَرَاعَةًوأشْعَثُ مـمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَّوَائحُ

يريد الـمطاوح. وكما قال النابغة:

كلـينـي لِهَمَ يا أُمَيْـمَةَ ناصِبِولَـيْـلٍ أُقاسيهِ بَطىءِ الكوَاكبِ

بـمعنى: مُنْصِب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم فـي قوله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} قال: تلقح السحاب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن أبراهيـم، مثله.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا علـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، قوله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} قال: لواقح للشجر. قلت: أو للسحاب؟ قال: وللسحاب، تـمريه حتـى يـمطر.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان، عن أبـي سنان، عن حبـيب بن أبـي ثابت، عن عبـيد بن عمير، قال: يبعث الله الـمبشرة فَتَقُمُّ الأرض قَمًّا، ثم يبعث الله الـمثـيرة فتثـير السحاب، ثم يبعث الله الـمؤلِّفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر. ثم تلا عبـيد: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ}.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} يقول: لواقح للسحاب، وإن من الريح عذابـاً وإن منها رحمة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لَوَاقِحَ} قال: تلقح الـماء فـي السحاب.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عبـاس: {لَوَاقِحَ} قال: تُلقح الشجر وتُـمري السحاب.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {وأرْسَلْنا الرّياحَ لَوَاقِحَ} الرياح يبعثها الله علـى السحاب فتلقحه فـيـمتلـىء ماء.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا عبـيس بن ميـمون، قال: ثنا أبو الـمهزم، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

الرّيحُ الـجَنُوبُ مِنَ الـجَنَّةِ، {وَهِيَ الرّيحُ اللَّوَاقِحُ}، وَهِيَ التـي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالـى فِـي كِتابِهِ وَفِـيها منَافِعٌ للنَّاسِ

حدثنـي أبو الـجماهر الـحمصي أو الـحضرمي مـحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد العزيز بن موسى، قال: ثنا عبـيس بن ميـمون أبو عبـيدة، عن أبـي الـمهزم، عن أبـي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله سواء.

وقوله: {فأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فأسْقَـيْنا كمُوهُ} يقول تعالـى ذكره: فأنزلنا من السماء مطراً فأسقـيناكم ذلك الـمطر لشرب أرضكم ومواشيكم. ولو كان معناه: أنزلناه لتشربوه، لقـيـل: فسقـينا كموه. وذلك أن العرب تقول إذا سقت الرجل ماء شربه أو لبناً أو غيره: «سقـيته» بغير ألف إذا كان لسقـيه، وإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته، قالوا: أسقبته وأسقـيت أرضه وماشيته، وكذلك إذا استسقت له، قالوا أسقـيته واستسقـيته، كما قال ذو الرُّمَّة:

وَقَـفْتُ علـى رَسْمٍ لِـمَيَّةَ ناقَتِـيفَمَا زِلْتُ أبْكي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ وأُسْقِـيهِ حتـى كادَ مِـمَّا أبُثُّهُتُكَلِّـمُنـي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ

وكذلك إذا وَهَبْتَ لرجل إهابـاً لـيجعله سقاء، قلت: أسقـيته إياه.

وقوله: {وَما أنْتُـمْ لَهُ بِخازِنِـيَنَ} يقول: ولستـم بخازنـي الـماء الذي أنزلنا من السماء فأسقـينا كموه فتـمنعوه من أسقـيه لأن ذلك بـيدي وإلـيّ، أسقـيه من أشاء وأمنعه من أشاء. كما:

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: سفـيان: {وَما أنْتـمْ لَهُ بِخازِنِـينَ} قال: بـمانعين.

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْىِۦ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَٰرِثُونَ ۝٢٣ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَـْٔخِرِينَ ۝٢٤ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره: {وإنَّا لَنَـحْنُ نُـحْيـي} من كان ميتاً إذا أردنا {ونُـمِيتُ} من كان حيًّا إذا شئنا. {وَنـحْنُ الوَارِثُونَ} يقول: ونـحن نرث الأرض ومن علـيها بأن نـميت جميعهم، فلا يبقـى حيّ سوانا إذا جاء ذلك الأجل. وقوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولقد علـمنا من مضى من الأمـم فتقدّم هلاكهم، ومن قد خـلق وهو حيّ، ومن لـم يخـلق بعدُ مـمن سيخـلق. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن أبـيه، عن عكرمة: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: الـمستقدمون: من قد خـلق ومن خلا من الأمـم والـمستأخرون: من لـم يخـلق.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم، قال: ثنا عمرو بن قـيس، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: هم خـلق الله كلهم، قد علـم من خـلق منهم إلـى الـيوم، وقد علـم من هو خالقه بعد الـيوم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق. قال: أخبرنا ابن التـيـمي، عن أبـيه، عن عكرمة، قال: إن الله خـلق الـخـلق ففرغ منهم، فـالـمستقدمون: من خرج من الـخـلق، والـمستأخرون: من بقـي فـي أصلاب الرجال لـم يخرج.

حدثنـي مـحمد بن أبـي معشر، قال: أخبرنـي أبو معشر، قال: سمعت عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يذاكر مـحمد بن كعب فـي قول الله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} فقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: خير صفوف الرجال الـمقدّم، وشرّ صفوف الرجال الـمؤخَّر، وخير صفوف النساء الـمؤخَّر، وشرّ صفوف النساء الـمقدّم. فقال مـحمد بن كعب: لـيس هكذا {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ}: الـميت والـمقتول والـمُسْتَأْخرين: من يـلـحق بهم مِن بعدُ، وإن ربك هو يحشرهم، إنه حكيـم علـيـم. فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيراً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر، عن أبـيه، قال: قال قتادة: الـمستقدمين: من مضى، والـمستأخرين: من بقـي فـي أصلاب الرجال.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا أبو الأحوص، قال: ثنا سعيد بن مسروق، عن عكرمة وخصيف، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: من مات ومن بقـي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ} قال: كان ابن عبـاس يقول: آدم صلى الله عليه وسلم ومن مضى من ذريته. {وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ}: من بقـى فـي أصلاب الرجال.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: الـمستقدمون آدم ومن بعده، حتـى نزلت هذه الآية. والـمستأخرون: قال: كلّ من كان من ذريّته.

قال أبو جعفر: أظنه أنا قال: ما لـم يُخـلق وما هو مخـلوق.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن أبـيه، عن عكرمة، قال: الـمستقدمون: ما خرج من أصلاب الرجال. والـمستأخرون: ما لـم يخرج. ثم قرأ: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إنَّهُ حَكِيـمٌ عَلِـيـم}.

وقال آخرون: عنى بـالـمستقدمين: الذين قد هلكوا، والـمستأخرين: الأحياء الذين لـم يهلكوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} يعنـي بـالـمستقدمين: من مات. ويعنـي بـالـمستأخرين: من هو حيّ لـم يـمت.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ} يعنـي الأموات منكم. {ولَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} بقـيتهم، وهم الأحياء. يقول: علـمنا من مات ومن بقـي.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: الـمستقدمون منكم: الذين مضوا فـي أوّل الأمـم، والـمستأخرون: البـاقون.

وقال آخرون: بل معناه: ولقد علـمنا الـمستقدمين فـي أوّل الـخـلق والـمستأخرين فـي آخرهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر فـي هذه الآية: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال أوّل الـخـلق وآخره.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن داود، عن الشعبـيّ، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ}: ما استقدم فـي أوّل الـخـلق، وما استأخر فـي آخر الـخـلق.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ بن عاصم، عن داود بن أبـي هند، عن عامر، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ} قال: فـي العُصُر، والـمستأخرين منكم فـي أصلاب الرجال، وأرحام النساء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علـمنا الـمستقدمين من الأمـم، والـمستأخرين من أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: أخبرنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الـمستقدمين منكم، قال: القرون الأوَل، والـمستأخرين: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، قال: ثنـي عبد الـملك، عن قـيس، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: الـمستقدمون: ما مضى من الأمـم، والـمستأخرون: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عبد الـملك، عن قـيس، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الـملك، عن مـجاهد بنـحوه، لـم يذكر قـيساً.

وقال آخرون: بل معناه: ولقد علـمنا الـمستقدمين منكم فـي الـخير والـمستأخرين عنه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: كان الـحسن يقول: الـمستقدمون فـي طاعة الله، والـمستأخرون فـي معصية الله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن عبـاد بن راشد، عن الـحسن، قال: الـمستقدمين فـي الـخير، والـمستأخرين: يقول: الـمبطئين عنه.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولقد علـمنا الـمستقدمين منكم فـي الصفوف فـي الصلاة، والـمستأخرين فـيها بسبب النساء. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا الـمعتـمر بن سلـيـمان، عن أبـيه، عن رجل أخبرنا عن مروان بن الـحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون فـي الصفوف من أجل النساء قال: فأنزل الله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ}.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا جعفر بن سلـيـمان، قال: أخبرنـي عمرو بن مالك، قال سمعت أبـا الـجوزاء يقول فـي قول الله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ} قال: الـمستقدمين منكم فـي الصفوف فـي الصلاة والـمستأخرين.

حدثنـي مـحمد بن موسى الـحرسي، قال: ثنا نوح بن قـيس، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس، قال: كانت تصلـي خـلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة، قال ابن عبـاس: لا والله ما إن رأيت مثلها قط فكان بعض الـمسلـمين إذا صلوا وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إلـيها من تـحت أيديهم، فأنزل الله: {وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبـيد الله بن موسى، قال: أخبرنا نوح بن قـيس وحدثنا أبو كريب، قال: ثنا مالك بن إسماعيـل، قال: ثنا نوح بن قـيس، عن عمرو بن مالك، عن أبـي الـجوزاء، عن ابن عبـاس قال: كانت تصلـي خـلف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعض الناس يستقدم فـي الصفّ الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتـى يكون فـي الصفّ الـمؤخر، فإذا ركع نظر من تـحت إبطيه فـي الصفّ، فأنزل الله فـي شأنها:{ وَلَقَدْ عَلِـمْنا الـمُسْتَقْدِمينَ منْكُمْ وَلَقَدْ عَلـمْنا الـمُسْتأخِرِينَ}.

قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال عندي فـي ذلك بـالصحة قول من قال: معنى ذلك: ولقد علـمنا الأموات منكم يا بنـي آدم فتقدّم موته، ولقد علـمنا الـمستأخرين الذين استأخر موتهم مـمن هو حيّ ومن هو حادث منكم كم لـم يحدث بعدُ لدلالة ما قبله من الكلام، وهو قوله: {وَإنَّا لَنَـحْنُ نُـحْيِـي ونُـمِيتُ وَنَـحْنُ الْوَارِثُونَ} وما بعده وهو قوله: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} علـى أن ذلك كذلك، إذ كان بـين هذين الـخبرين، ولـم يجر قبل ذلك من الكلام ما يدلّ علـى خلافه، ولا جاء بعد. وجائز أن تكون نزلت فـي شأن الـمستقدمين فـي الصفّ لشأن النساء والـمستأخرين فـيه لذلك، ثم يكون الله عزّ وجلّ عمّ بـالـمعنى الـمراد منه جميع الـخـلق، فقال جلّ ثناؤه لهم: قد علـمنا ما مضى من الـخـلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حيّ منكم ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرّها، وأحصينا جميع ذلك ونـحن نـحشر جميعهم، فنـجازي كلاًّ بأعماله، إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً. فـيكون ذلك تهديداً ووعيداً للـمستأخرين فـي الصفوف لشأن النساء ولكلّ من تعدّى حدّ الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعداً لـمن تقدّم فـي الصفوف لسبب النساء وسارع إلـى مـحبة الله ورضوانه فـي أفعاله كلها.

وقوله: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} يعنـي بذلك جلّ ثناؤه: وإن ربك يا مـحمد هو يجمع جميع الأوّلـين والآخرين عنده يوم القـيامة، أهل الطاعة منهم والـمعصية، وكلّ أحد من خـلقه، الـمستقدمين منهم والـمستأخرين.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} قال: أي الأول والآخر.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا أبو خالد القرشيّ، قال: ثنا سفـيان، عن أبـيه، عن عكرمة، فـي قوله: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} قال: هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخُرَاسانـيّ، عن ابن عبـاس: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} قال: وكلهم ميت، ثم يحشرهم ربهم.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ بن عاصم، عن داود بن أبـي هند، عن عامر: {وإنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} قال: يجمعهم الله يوم القـيامة جميعاً.

وقال الـحسن: قال علـيّ: قال داود: سمعت عامراً يفسر قوله: {إنَّهُ حَكِيـمٌ عَلِـيـمٌ} يقول أن ربك حكيـم فـي تدبـيره خـلقه فـي إحيائهم إذا أحياهم، وفـي إماتتهم إذا أماتهم، علـيـم بعددهم وأعمالهم وبـالـحيّ منهم والـميت، والـمستقدم منهم والـمستأخر. كما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كلّ أولئك قد علـمهم الله يعنـي الـمستقدمين والـمستأخرين.

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: ولقد خـلقنا آدم وهو الإنسان من صلصال. واختلف أهل التأويـل فـي معنى الصلصال فقال بعضهم: هو الطين الـيابس لـم تصبه نار، فإذا نقرته صَلَّ فسمعت له صلصلة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهديّ، قالا: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم البطين، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: خـلق آدم من صلصال من حمأ ومن طين لازب. وأما اللازب: فـالـجيد، وأما الـحَمَأ: فـالـحمأة، وأما الصَّلصال: فـالتراب الـمرقَّق. وإنـما سمي إنساناً لأنه عهد إلـيه فنسي.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَقَدْ خَـلَقْنا الإنْسانَ مِنْ صَلْصَالٍ} قال: والصلصال: التراب الـيابس الذي يسمع له صلصلة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حمأٍ مَسْنُونٍ} قال: الصلصال: الطين الـيابس يسمع له صلصلة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن الـحسن بن صالـح، عن مسلـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {مِنْ صَلْصَالٍ} قال: الصلصال: الـماء يقع علـى الأرض الطيبة ثم يحسِرُ عنها، فتشقق، ثم تصير مثل الـخَزَف الرقاق.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفـيان، عن الأعمش، عن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، قال: خُـلق الإنسان من ثلاثة: من طين لازب، وصلصال، وحمأ مسنون. والطين اللازب: اللازق الـجيد، والصلصال: الـمرقق الذي يصنع منه الفخار، والـمسنون: الطين فـيه الـحَمْأة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنا أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَقَدْ خَـلَقْنا الإنْسانَ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: هو التراب الـيابس الذي يُبَلّ بعد يُبسه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن مسلـم، عن مـجاهد، قال: الصلصال: الذي يصلصل، مثل الـخَزَف من الطين الطيب.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك، يقول: الصلصال: طين صُلْب يخالطه الكثـيب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْ صَلْصَالٍ} قال: التراب الـيابس.

وقال آخرون: الصلصال: الـمُنْتِن. وكأنهم وجَّهُوا ذلك إلـى أنه من قولهم: صَلَّ اللـحم وأصلَّ: إذا أنتن، يقال ذلك بـاللغتـين كلتـيهما: يَفْعَل وأَفْعَل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح وحدثنـي الـحارث قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْ صَلْصَالٍ} الصلصال: الـمنتن.

والذي هو أولـى بتأويـل الآية أن يكون الصلصال فـي هذا الـموضع الذي له صوت من الصلصلة وذلك أن الله تعالـى وصفه فـي موضع آخر فقال: {خَـلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كالفَخَّارِ} فشبهه تعالـى ذكره بأنه كان كالفخَّار فـي يُبسه. ولو كان معناه فـي ذلك الـمُنتِن لـم يشبه بـالفخار، لأن الفخار لـيس بـمنتن فـيشبَّه به فـي النتن غيره.

وأما قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} فإن الـحمأ: جمع حمأة، وهو الطين الـمتغَيِّر إلـى السواد. وقوله: {مَسْنُونٍ} يعنـي: الـمتغير.

واختلف أهل العلـم بكلام العرب فـي معنى قوله: {مَسْنُونٍ} فكان بعض نـحويـيِّ البصريـين يقول: عُنـي به: حمأ مصوّر تامّ. وذُكر عن العرب أنهم قالوا: سُنّ علـى مثال سُنَّة الوجه: أي صورته. قال: وكأن سُنة الشيء من ذلك: أي مثالَه الذي وُضع علـيه. قال: ولـيس من الآسن الـمتغير، لأنه من سَنَن مضاعف.

وقال آخر منهم: هو الـحَمَأ الـمصبوب. قال: والـمصبوب: الـمسنون، وهو من قولهم: سَنَنْت الـماء علـى الوجه وغيره إذا صببته.

وكان بعض أهل الكوفة يقول: هو الـمتغير، قال: كأنه أخذ من سَنَنْت الـحَجَر علـى الـحجر، وذلك أن يحكّ أحدهما بـالآخر، يقال منه: سننته أَسْنُّه سَنًّا فهو مسنون. قال: ويقال للذي يخرج من بـينهما: سَنِـين، ويكون ذلك مُنْتناً. وقال: منه سُمَّيَ الـمِسَنّ لأن الـحديد يُسَنُّ علـيه.

وأما أهل التأويـل فإنهم قالوا فـي ذلك نـحو ما قلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عبـيد الله بن يوسف الـجبـيري، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، قال: ثنا مسلـم، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: الـحمأ: الـمنتنة.

حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن مسلـم، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: الذي قد أنتن.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: منتن.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: هو التراب الـمبتلّ الـمنتنُ، فجعل صَلصالاً كالفَخار.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء وحدثنا الـحسن، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا شبل جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: منتن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} والـحمأ الـمسنون: الذي قد تغير وأنتن.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: قد أنتن، قال: منتنة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: من طين لازب، وهو اللازق من الكثـيب وهو الرمل.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} قال: الـحمأ الـمنتن.

وقال آخرون منهم فـي ذلك: هو الطين الرَّطْب. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} يقول: من طين رَطب.

وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: {والـجانَّ} وقد بـيَّنا فـيـما مضى معنى الـجانّ ولـم قـيـل له جان. وعُنـي بـالـجانّ هاهنا: إبلـيس أبـا الـجنّ. يقول تعالـى ذكره: وإبلـيس خـلقناه من قبل الإنسان من نار السموم، كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {والـجانَّ خَـلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ} وهو إبلـيس خـلقُ قبل آدم. وإنـما خـلق آدم آخر الـخـلق، فحسده عدوّ الله إبلـيس علـى ما أعطاه الله من الكرامة، فقال: أنا ناريّ، وهذا طينـي، فكانت السجدة لآدم والطاعة لله تعالـى ذكره، فقال:

{ { اخْرُجْ مِنْها فإنَّكَ رَجِيـمٌ } }.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى: {نارِ السَّمُومِ} فقال بعضهم: هي السموم الـحارّة التـي تقتل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن أبـي إسحاق، عن التـميـمي، عن ابن عبـاس فـي قوله: {والـجانَّ خَـلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ} قال: السموم الـحارّة التـي تقتل.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحِمَّانـيّ، قال: ثنا شريك، عن أبـي إسحاق التـميـمي، عن ابن عبـاس: {والـجانَّ خَـلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ} قال: هي السموم التـي تقتل فأصَابَها إعْصَارٌ فـيه نَارٌ فـاحْتَرَقَتْ قال: هي السموم التـي تقتل.

وقال آخرون: يعنـي بذلك من لهب النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن مغراء، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {والـجانَّ خَـلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ} قال: من لهب من نار السموم.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان، عن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس، قال: كان إبلـيس من حيّ من أحياء الـملائكة يقال لهم الـجنّ، خُـلقوا من نار السموم من بـين الـملائكة. قال: وخُـلقت الـجنّ الذين ذُكروا فـي القرآن من مارج من نار.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن أبـي إسحاق، قال: دخـلت علـى عمرو بن الأصمّ أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من عبد الله؟ سمعت عبد الله يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التـي خرج منها الـجانّ. قال: وتلا: {والـجانَّ خَـلَقْناهُ منْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ}.

وكان بعض أهل العربـية يقول: السموم بـاللـيـل والنهار. وقال بعضهم: الـحَرُور بـالنهار، والسموم بـاللـيـل، يقال: سَمَّ يومُنا يَسَمُّ سَمُوماً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن سهل بن عسكر، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه، وسئل عن الـجنّ ما هم، وهل يأكلون أو يشربون، أو يـموتون، أو يتناكحون؟ قال: هم أجناس، فأما خالص الـجنّ فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يـموتون ولا يتوالدون. ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون ويـموتون، وهي هذه التـي منها السعالِـي والغُول وأشبـاه ذلك.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝٢٨ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم:{ و} اذكر يا مـحمد {إذْ قالَ رَبُّكَ للْـمَلائِكَة إنّـي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فإذَا سَوَّيْتُهُ} يقول: فإذا صوّرته فعدَّلت صورته {وَنَفَخْتُ فِـيهِ مِنْ رُوحِي} فصار بشراً حيًّا {فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ} سجود تـحية وتكرمة لا سجود عبـادة. وقد:

حدثنـي جعفر بن مكرم، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا شبـيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عبـاس قال: لـما خـلق الله الـملائكة قال: إنـي خالق بشراً من طين، فإذا أنا خـلقته فـاسجدوا له فقالوا: لا نفعل. فأرسل علـيهم ناراً فأحرقتهم. وخـلق ملائكة أخرى، فقال: إنـي خالق بشراً من طين، فإذا أنا خـلقته فـاسجدوا له فأبَوا، قال: فأرسل علـيهم ناراً فأحرقتهم. ثم خـلق ملائكة أخرى، فقال: إنـي خالق بشراً من طين، فإذا أنا خـلقته فـاسجدوا له فأبوا، فأرسل علـيهم ناراً فأحرقتهم. ثم خـلق ملائكة، فقال: إنـي خالق بشراً من طين، فإذا أنا خـلقته فـاسجدوا له فقالوا: سمعنا وأطعنا. إلا إبلـيس كان من الكافرين الأوّلـين.

فَسَجَدَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ۝٣٠ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝٣١ قَالَ يَٰٓإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: فلـما خـلق الله ذلك البشر ونفخ فـيه الروح بعد أن سوّاه، سجد الـملائكة كلهم جميعاً إلا إبلـيس، فإنه أبى أن يكون مع الساجدين فـي سجودهم لآدم حين سجدوا، فلـم يسجد له معهم تكبراً وحسداً وبغياً، فقال الله تعالـى ذكره: {يا إبلـيسُ ما لكَ ألاَّ تكونَ معَ السَّاجِدينَ} يقول: ما منعك من أن تكون مع الساجدين؟ فـ «أنْ» فـي قول بعض نـحويـي الكوفة خفض، وفـي قول بعض أهل البصرة نصب بفقد الـخافض.

قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُۥ مِن صَلْصَٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ۝٣٣ قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ۝٣٤ وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: {قالَ} إبلـيس:{ لَـمْ أكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَـلَقْتَهُ منْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ} وهو من طين وأنا من نار، والنار تأكل الطين. وقوله: {فـاخْرُجْ مِنْها} يقول الله تعالـى ذكره لإبلـيس: {فـاخْرُجْ مِنْها فإنَّكَ رَجِيـمٌ}.

والرجيـم الـمرجوم، صرف من مفعول إلـى فعيـل وهو الـمشتوم، كذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {فإنَّكَ رَجِيـمٌ} والرجيـم: الـملعون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فـاخْرُجْ مِنْها فإنَّكَ رَجِيـمٌ} قال: ملعون. والرجم فـي القرآن: الشتـم.

وقوله: {وإنَّ عَلَـيْكَ اللَّعْنَةَ إلـى يَوْمِ الدّينِ} يقول: وإن غضب الله علـيك بإخراجه إياك من السموات وطردك عنها إلـى يوم الـمـجازاة، وذلك يوم القـيامة. وقد بـيَّنا معنى اللعنة فـي غير موضع بـما أغنى عن إعادته هاهنا.

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ۝٣٦ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ۝٣٧ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: قال إبلـيس: ربّ فإذ أخرجتنـي من السموات ولعنتنـي، فأخرِّنـي إلـى يوم تبعث خـلقك من قبورهم فتـحشرهم لـموقـف القـيامة. قال الله له: فإنك مـمن أُخِّر هلاكه إلـى يوم الوقت الـمعلوم لهلاك جميع خـلقـي، وذلك حين لا يبقـى علـى الأرض من بنـي آدم دَيَّارٌ.

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره: قال إبلـيس: {رَبّ بِـمَا أغْوَيْتَنـي} بإغوائك {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِـي الأرْضِ}. وكأن قوله: {بِـما أغْوَيْتَنـي} خرج مخرج القسم، كما يقال: بـالله، أو بعزّة الله لأغوينهم. وعنى بقوله: {لأُزَيَّنَنَّ لَهُمْ فِـي الأرْضِ} لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحببنها إلـيهم فـي الأرض. {ولأُغْوِيَنَّهُمْ أجمَعِينَ} يقول: ولأضلَّنهم عن سبـيـل الرشاد. {إلاَّ عِبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ} يقول إلا من أخـلصته بتوفـيقك فهديته، فإن ذلك مـمن لا سلطان لـي علـيه ولا طاقة لـي به. وقد قرىء: «إلاَّ عِبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ» فمن قرأ ذلك كذلك، فإنه يعنـي به: إلا من أخـلص طاعتك، فإنه لا سبـيـل لـي علـيه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: {إلاَّ عِبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ} يعنـي: الـمؤمنـين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، قال: ثنا عمرو، عن سعيد، عن قتادة: {إلاَّ عِبـادَكَ مِنْهُمُ الـمُخْـلَصِينَ} قال قتادة: هذه ثَنِـيَّة الله تعالـى ذكره.

قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ ۝٤١ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ۝٤٢

اختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {قالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} فقرأه عامَّة قراء الـحجاز والـمدينة والكوفة والبصرة:

{ { هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ } } بـمعنى: هذا طريق إلـيَّ مستقـيـم.

فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلـيّ فأجازي كلاًّ بأعمالهم كما قال الله تعالـى ذكره: {إنَّ رَبَّكَ لَبـالـمرْصَاد}. وذلك نظير قول القائل لـمن يتوعده ويتهدده: طريقك علـيّ، وأنا علـى طريقك فكذلك قوله: {هَذَا صِرَاطٌ} معناه: هذا طريق علـيّ وهذا طريق إلـيّ. وكذلك تأوّل من قرأ ذلك كذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} قال: الـحقّ يرجع إلـى الله وعلـيه طريقه، لا يعرِّج علـى شيء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مَرْوان بن شجاع، عن خَصِيف، عن زياد بن أبـي مريـم، وعبد الله بن كثـير أنهما قرآها: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} وقالا: «علـيّ» هي «إلـيّ» وبـمنزلتها.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيـل بن مسلـم، عن الـحسن وسعيد عن قتادة، عن الـحسن: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} يقول: إلـيّ مستقـيـم.

وقرأ ذلك قـيس بن عبـاد وابن سيرين وقتادة فـيـما ذُكر عنهم «هَذَا صِرَاطٌ عَلـيٌّ مُسْتَقِـيـمٌ» برفع «علـيّ»علـى أنه نعت للصراط، بـمعنى رفـيع. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي حماد، قال: ثنـي جعفر البصري، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} يعنـي: رفـيع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} أي رفـيع مستقـيـم. قال بشر، قال يزيد، قال سعيد: هكذا نقرؤها نـحن وقتادة.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبـي العوّام، عن قتادة، عن قـيس بن عبـاد: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} يقول: رفـيع.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: {هَذَا صِرَاطٌ عَلـيَّ مُسْتَقِـيـمٌ} علـى التأويـل الذي ذكرناه عن مـجاهد والـحسن البصري ومن وافقهما علـيه، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيها وشذوذ ما خالفها.

وقوله: {إنَّ عِبـادِي لَـيْسَ لَكَ عَلَـيْهِمْ سُلْطانٌ إلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ} يقول تعالـى ذكره: إن عبـادي لـيس لك علـيهم حجة، إلا من اتبعك علـى ما دعوته إلـيه من الضلالة مـمن غوى وهلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن عبـيد الله بن موهب، قال ثنا يزيد بن قسيط، قال: كانت الأنبـياء لهم مساجد خارجة من قُراهم، فإذا أراد النبـيّ أن يستنبىء ربه عن شيء خرج إلـى مسجده، فصلـى ما كتب الله له ثم سأل ما بدا له. فبـينـما نبـيٌّ فـي مسجده، إذا جاء عدوّ الله حتـى جلس بـينه وبـين القبلة، فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

أعُوذُ بـالله مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِفقال عدوّ الله: أرأيت الذي تعوَّذ منه فهو هو فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:أعُوذُ بـاللّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيـمِفردّد ذلك ثلاث مرّات. فقال عدوّ الله: أخبرنـي بأيّ شيء تنـجو منـي؟ فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: « بَل أخْبِرْنِـي بأيّ شَيْءٍ تَغْلِبُ ابْنَ آدَمَ؟مرّتـين. فأخذ كلّ واحد منهما علـى صاحبه، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم:إنَّ اللَّهَ تَعَالـى ذِكْرُهُ يَقُولُ {إنَّ عِبَـادِي لَـيْسَ لَكَ عَلَـيْهِمْ سُلْطانٌ إلاَّ مِنَ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ} قال عدوّ الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد ». قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:يقول اللَّهُ تَعالـى ذِكْرُهُ: {وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فـاسْتَعِذْ بـاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِـيـمٌ} وإنّـي واللَّهِ ما أحْسَسْتُ بِكَ قَطُّ إلاَّ اسْتَعَذْتُ بـاللَّهِ مِنْكَ ». فقال عدوّ الله: صدقت بهذا تنـجو منـي فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:فأخْبِرْنِـي بأيّ شَيْءٍ تَغْلُبُ ابْنَ آدَمَ؟قال: آخذه عند الغضب، وعند الهوى.

وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٤٣ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَٰبٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ۝٤٤

يقول تعألـى ذكره لإبلـيس: وإن جهنـم لـموعد من تبعك أجمعين. {لها سَبْعَةُ أبوابٍ} يقول: لـجهنـم سبعة أطبـاق، لكلَ طَبَق منهم: يعنـي من أتبـاع إبلـيس جزء، يعنـي: قسماً ونصيبـاً مقسوماً.

وذُكر أن أبواب جهنـم طبقات بعضها فوق بعض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبـا هارون الغنوي، قال: سمعت حِطان، قال: سمعت علـيًّا وهو يخطب، قال: إن أبواب جهنـم هكذا. ووضع شُعبة إحدى يديه علـى الأخرى.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، عن أبـي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله، قال: قال علـيّ: تدرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم كنـحو هذه الأبواب. فقال: لا، ولكنها هكذا. فوصف أبو هارون أطبـاقاً بعضها فوق بعض، وفعل ذلك أبو بشر.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا إسماعيـل بن إبراهيـم، عن أبـي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله عن علـيّ، قال: هل تدرون كيف أبواب النار؟ قالوا: كنـحو هذه الأبواب، قال: لا، ولكن هكذا. ووصف بعضها فوق بعض.

حدثنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا مصعب بن الـمقدام، قال: أخبرنا إسرائيـل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن هبـيرة، عن علـيّ، قال: أبواب جهنـم سبعة بعضها فوق بعض، فـيـمتلـىء الأوّل، ثم الثانـي، ثم الثالث، ثم تـمتلـىء كلها.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا شبـابة، قال: ثنا إسرائيـل، عن أبـي إسحاق، عن هبـيرة، عن علـيّ قال: أبواب جهنـم سبعة بعضها فوق بعض وأشار بأصابعه علـى الأوّل، ثم الثانـي، ثم الثالث حتـى تـملأ كلها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن أبـي إسحاق، عن أبـيه، عن هبـيرة ابن مريـم، قال: سمعت علـيًّا يقول: إن أبواب جهنـم بعضا فوق بعض، فـيـملأ الأوّل ثم الذي يـلـيه، إلـى آخرها.

حدثنا الـحسن بن مـحمد، قال: ثنا علـيّ، قال: أخبرنا مـحمد بن يزيد الواسطيّ، عن جَهْضَم، قال: سمعت عكرمة يقول فـي قوله: {لها سَبْعَةُ أبوابٍ} قال: لها سبعة أطبـاق.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {لها سَبْعَةُ أبوابٍ} قال: أوّلها جهنـم، ثم لظى، ثم الـحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الـجحيـم، ثم الهاوية. والـجحيـم فـيها أبو جهل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لها سَبْعَةُ أبوابٍ لِكُلّ بـابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} وهي والله منازل بأعمالهم.

الأحد، 8 نوفمبر 2026 28 جمادى الأولى 1448 هـ