انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير الطبريالآيات 73–91

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النحل

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:38:44

  1. 1 الآيات 51–74في هذه الصفحة 18:31
  2. 2 الآيات 75–89في هذه الصفحة 14:49
  3. 3 الآيات 90–110في هذه الصفحة 17:13

التفسير الصوتي لسورة النحل كاملًا (6 مقاطع)

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ۝٧٣ فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٧٤

يقول تعالـى ذكره: ويعبد هؤلاء الـمشركون بـالله من دونه أوثاناً لا تـملك لهم رزقاً من السموات، لأنها لا تقدر علـى إنزال قطر منها لإحياء موتان الأرضين. {والأَرْضِ} يقول: ولا تـملك لهم أيضاً رزقاً من الأرض لأنها لا تقدر علـى إخراج شيء من نبـاتها وثمارها لهم ولا شيئاً مـما عدّد تعالـى فـي هذه الآية أنه أنعم بها علـيهم. {وَلا يَسْتَطِيعُونَ} يقول: ولا تـملك أوثانهم شيئاً من السموات والأرض، بل هي وجميع ما فـي السموات والأرض لله ملك، {ولا يَسْتَطِيعُونَ} يقول: ولا تقدر علـى شيء.

وقوله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثالَ} يقول: فلا تـمثلوا لله الأمثال، ولا تشبِّهوا له الأشبـاه، فإنه لا مِثْل له ولا شِبْه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الأمثال الأشبـاه.

وحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثالَ} يعنـي اتـخاذهم الأصنام، يقول: لا تـجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَـمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَوَاتِ والأرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ} قال: هذه الأوثان التـي تُعْبد من دون الله لا تـملك لـمن يعبدها رزقاً ولا ضرًّا ولا نفعاً، ولا حياة ولا نشوراً. وقوله: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثالَ} فإنه أحَد صَمَد لـم يَـلِد ولـم يُولَد ولـم يكن له كُفُواً أحد. {إنَّ اللَّهَ يَعْلَـمُ وأنْتُـمْ لا تَعْلَـمونَ} يقول: والله أيها الناس يعلـم خطأ ما تـمثلون وتضربون من الأمثال وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، وأنتـم لا تعلـمون صواب ذلك من خطئه.

واختلف أهل العربـية فـي الناصب قوله: «شَيْئاً» فقال بعض البصريـين: هو منصوب علـى البدل من الرزق، وهو فـي معنى: لا يـملكون رزقاً قلـيلاً ولا كثـيراً. وقال بعض الكوفـيـين: نصب «شيئاً» بوقوع الرزق علـيه، كما قال تعالـى ذكره:

{ { ألَـمْ نَـجْعَلِ الأرْضَ كِفـاتاً أحْياءً وأمْوَاتاً } }. أي تكفت الأحياء والأموات، ومثله قوله تعالـى ذكره: { { أوْ إطْعامٌ فِـي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِـيـماً ذا مَقْرَبَةٍ أوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } } . قال: ولو كان الرزق مع الشيء لـجاز خفضه، لا يـملك لكم رزق شيء من السموات، ومثله: { { فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } }.

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَمَن رَّزَقْنَٰهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُۥنَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝٧٥

يقول تعالـى ذكره: وشَبَّه لكم شَبهاً أيها الناس للكافر من عبـيده، والـمؤمن به منهم. فأما مثَل الكافر: فإنه لا يعمل بطاعة الله، ولا يأتـي خيراً، ولا ينفق فـي شيء من سبـيـل الله ماله لغلبة خذلان الله علـيه، كالعبد الـمـملوك الذي لا يقدر علـى شيء فـينفقه. وأما الـمؤمن بـالله فإنه يعمل بطاعة الله وينفق فـي سبـيـله ماله كالـحرّ الذي آتاه الله مالاً فهو ينفق منه سرًّا وجهراً، يقول: بعلـم من الناس وغير علـم. {هَلْ يَسْتَوُونَ} يقول هل يستوي العبد الذي لا يـملك شيئاً ولا يقدر علـيه، وهذا الـحرّ الذي قد رزقه الله رزقاً حسناً فهو ينفق كما وَصَف؟ فكذلك لا يستوي الكافر العامل بـمعاصي الله الـمخالف أمره والـمؤمن العامل بطاعته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك كان بعض أهل العلـم يقول. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَـمْلُوكاً لا يَقْدِرُ علـى شَيْءٍ} هذا مثل ضربه الله للكافر، رزقه مالاً فلـم يقدّم فـيه خيراً ولـم يعمل فـيه بطاعة الله، قال الله تعالـى ذكره: {وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} فهذا الـمؤمن أعطاه الله مالاً، فعمل فـيه بطاعة الله وأخذ بـالشكر ومعرفة حقّ الله، فأثابه الله علـى ما رزقه الرزق الـمقـيـم الدائم لأهله فـي الـجنة، قال الله تعالـى ذكره: {هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً}، والله ما يستويان: {الـحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ}.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {عَبْداً مَـمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ} قال: هو الكافر لا يعمل بطاعة الله ولا ينفق خيراً {وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} قال: الـمؤمن يطيع الله فـي نفسه وماله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَـمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ} يعنـي: الكافر أنه لا يستطيع أن ينفق نفقة فـي سبـيـل الله {وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْراً} يعنـي الـمؤمن، وهذا الـمثل فـي النفقة.

وقوله: {الـحَمْدُ لِلَّهِ} يقول: الـحمد الكامل لله خالصاً دون ما تَدْعُون أيها القوم من دونه من الأوثان فإياه فـاحمدوا دونها. وقوله: {بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَـمُونَ} يقول: ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتُـحْمد علـيه، إنـما الـحمد لله ولكن أكثر هؤلاء الكفرة الذين يعبدونها لا يعلـمون أن ذلك كذلك، فهم بجهلهم بـما يأتون ويَذَرون يجعلونها لله شركاء فـي العبـادة والـحمد.

وكان مـجاهد يقول: ضرب الله هذا الـمثل، والـمثل الآخر بعده لنفسه، والآلهة التـي تعبد من دونه.

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَىٰهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٧٦

وهذا مثل ضربه الله تعالـى لنفسه والآلهة التـي تُعبد من دونه، فقال تعالـى ذكره: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجْلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ} يعنـي بذلك الصنـم أنه لا يسمع شيئاً ولا ينطق، لأنه إما خشب منـحوت وإما نـحاس مصنوع لا يقدر علـى نفع لـمن خدمه ولا دفع ضرّ عنه. {وهُوَ كَلٌّ علـى مَوْلاَهُ} يقول: وهو عيال علـى ابن عمه وحلفـائه وأهل ولايته، فكذلك الصنـم كَلّ علـى من يعبده، يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه، كالأبكم من الناس الذي لا يقدر علـى شيء، فهو كلّ علـى أولـيائه من بنـي أعمامه وغيرهم. {أيْنَـما يُوجِّهْهُ لا يَأْتِ بخَيْرٍ} يقول: حيثما يوجهه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ما يُقال له، ولا يقدر أن يعبر عن نفسه ما يريد، فهو لا يفهم ولا يُفْهَم عنه، فكذلك الصنـم لا يعقل ما يقال له فـيأتـمر لأمر من أمره، ولا ينطق فـيأمر وينهي يقول الله تعالـى: {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ} يعنـي: هل يستوي هذا الأبكم الكلّ علـى مولاه الذي لا يأتـي بخير حيث توجه ومن هو ناطق متكلـم يأمر بـالـحقّ ويدعو إلـيه وهو الله الواحد القهار الذي يدعو عبـاده إلـى توحيده وطاعته؟ يقول: لا يستوي هو تعالـى ذكره، والصنـم الذي صفته ما وصف. وقوله: {وَهُوَ علـى صِراطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} يقول: وهو مع أمره بـالعدل، علـى طريق من الـحقّ فـي دعائه إلـى العدل وأمره به مستقـيـم، لا يَعْوَجّ عن الـحقّ ولا يزول عنه.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي الـمضروب له هذا الـمثل، فقال بعضهم فـي ذلك بنـحو الذي قلنا فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ} قال: هو الوثن. {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ} قال: الله يأمر بـالعدل. {وَهُوَ عَلـى صِراطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} وكذلك كان مـجاهد يقول إلا أنه كان يقول: الـمثل الأوّل أيضاً ضربه الله لنفسه وللوثَن.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى ذكره: عَبْداً مَـمْلُوكاً

{ لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً } {ورَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ} {وَمَنْ يَأْمُرُ بِـالعَدْلِ} قال: كل هذا مثل إله الـحقّ، وما يُدعي من دونه من البـاطل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجْلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ} قال: إنـما هذا مثل ضربه الله.

وقال آخرون: بل كلا الـمثلـين للـمؤمن والكافر. وذلك قول يُروَى عن ابن عبـاس، وقد ذكرنا الرواية عنه فـي الـمثل الأوّل فـي موضعه.

وأما فـي الـمثل الآخر:

فحدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَضَرَب اللَّهُ مْثَلاً رَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلـى شَيْءٍ وَهُوَ كَلّ عَلـى مَوْلاهُ}... إلـى آخر الآية، يعنـي بـالأبكم: الذي هو كَلٌّ علـى مولاه الكافر، وبقوله: {وَمَنْ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ} الـمؤمن، وهذا الـمثل فـي الأعمال.

حدثنا الـحسن بن الصبـاح البزار، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيـلـحينـي، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثـيـم، عن إبراهيـم، عن عكرمة، عن يَعْلـىَ بن أمية، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَـمْلُوكاً} قال: نزلت فـي رجل من قريش وعبده. وفـي قوله: {مَثَلاً رَجُلَـيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ علـى شَيْءٍ}... إلـى قوله: {وَهُوَ عَلـى صِرَاطٍ مُسْتَقِـيـمٍ} قال: هو عثمان بن عفـان. قال: والأبكم الذي أينـما يُوَجَّهُ لا يأت بخير، ذاك مولـى عثمان بن عفَّـان، كان عثمان ينفق علـيه ويكفله ويكفـيه الـمئونة، وكان الآخر يكره الإسلام ويأبـاه وينهاه عن الصدقة والـمعروف، فنزلت فـيهما.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي الـمثل الأوّل لأنه تعالـى ذكره مثَّل مثَل الكافر بـالعبد الذي وصف صفته، ومَثَّل مثل الـمؤمن بـالذي رزقه رزقاً حسناً فهو ينفق مـما رزقه سرّاً وجهراً، فلـم يجز أن يكون ذلك لله مثلاً، إذ كان الله إنـما مثَّل الكافر الذي لا يقدر علـى شيء بأنه لـم يرزقه رزقاً ينفق منه سرّاً ومثَّل الـمؤمن الذي وفَّقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بـما يرضاه الله، كالـحرّ الذي بسط له فـي الرزق فهو ينفق منه سرّاً وجهراً، والله تعالـى ذكره هو الرازق غير الـمرزوق، فغير جائز أن يـمثل إفضاله وجوده بإنفـاق الـمرزوق الرزق الـحسن. وأما الـمثل الثانـي، فإنه تـمثـيـل منه تعالـى ذكره مَنْ مثله الأبكم الذي لا يقدر علـى شيء والكفـار لا شكّ أن منهم من له الأموال الكثـيرة، ومن يضرّ أحياناً الضرّ العظيـم بفساده، فغير كائن ما لا يقدر علـى شيء، كما قال تعالـى ذكره مثلاً، لـمن يقدر علـى أشياء كثـيرة. فإذا كان ذلك كذلك كان أولـى الـمعانـي به تـمثـيـل ما لا يقدر علـى شيء كما قال تعالـى ذكره بـمثله ما لا يقدر علـى شيء، وذلك الوثن الذي لا يقدر علـى شيء، بـالأبكم الكَلّ علـى مولاه الذي لا يقدر علـى شيء كما قال ووصف.

وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٧٧

يقول تعالـى ذكره: ولله أيها الناس مِلك ما غاب عن أبصاركم فـي السموات والأرض دون آلهتكم التـي تدعون من دونه، ودون كلّ ما سواه، لا يـملك ذلك أحد سواه. {وَما أمْرُ السَّاعَةِ إلاَّ كَلَـمْـحِ البَصَرِ} يقول: وما أمر قـيام القـيامة والساعة التـي تنشر فـيها الـخـلق للوقوف فـي موقـف القـيامة، إلا كنظرة من البصر، لأن ذلك إنـما هو أن يقال له كن فـيكون. كما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلاَّ كَلَـمْـحٍ البَصَرِ أوْ هُوَ أقْرَبُ} والساعة: كلـمـح البصر، أو أقرب.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: {وَما أمْرُ السَّاعَةِ إلاَّ كَلَـمْـحِ البَصَرِ} قال: هو أن يقول: كن، فهو كلـمـح البصر فأمر الساعة كلـمـح البصر أو أقرب يعنـي يقول: أو هو أقرب من لـمـح البصر.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ عَلـى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: إن الله علـى إقامة الساعة فـي أقرب من لـمـح البصر قادر، وعلـى ما يشاء من الأشياء كلها، لا يـمتنع علـيه شيء أراده.

وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝٧٨

يقول تعالـى ذكره: والله تعالـى أعلـمكم ما لـم تكونوا تعلـمون من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئاً ولا تعلـمون، فرزقكم عقولاً تفقهون بها وتـميزون بها الـخير من الشرّ وبصرَّكم بها ما لـم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فـيفقه بعضكم عن بعض ما تتـحاورون به بـينكم والأبصار التـي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها وتـميزون بها بعضاً من بعض. {والأفْئِدَةَ} يقول: والقلوب التـي تعرفون بها الأشياء فتـحفظونها وتفكرون فتفقهون بها. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول: فعلنا ذلك بكم، فـاشكروا الله علـى ما أنعم به علـيكم من ذلك، دون الآلهة والأنداد، فجعلتـم له شركاء فـي الشكر، ولـم يكن له فـيـما أنعم به علـيكم من نعمه شريك.

وقوله: {وَاللَّهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَـمُونَ شَيْئاً} كلام متناه، ثم ابتدىء الـخبر، فقـيـل: وجعل الله لكم السمع والأبصار والأفئدة. وإنـما قلنا ذلك كذلك، لأن الله تعالـى ذكره جعل العبـادة والسمع والأبصار والأفئدة قبل أن يخرجهم من بطون أمهاتهم، وإنـما أعطاهم العلـم والعقل بعدما أخرجهم من بطون أمهاتهم.

أَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِى جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٧٩

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين: ألـم تَرَوا أَيُّها الـمشركون بـالله إلـى الطير مسخرات فـي جوّ السماء، يعني: فـي هواء السماء بـينها وبـين الأرض، كما قال إبراهيـم بن عمران الأنصاريّ:

وَيْلُ امِّها مِنْ هَوَاءِ الـجَوّ طالِبَةًوَلا كَهذا الَّذِي فـي الأرْضِ مَطْلُوبُ

يعنـي: فـي هواء السماء. {ما يُـمْسِكُهُنَّ إلاَّ اللَّهُ} يقول: ما طيرانها فـي الـجوّ إلا بـالله وبتَسْخِيره إياها بذلك، ولو سلبها ما أعطاها من الطيران لـم تقدر علـى النهوض ارتفـاعاً. وقوله: {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يقول: إن فـي تسخير الله الطير وتـمكينه لها الطيران فـي جوّ السماء، لعلامات ودلالات علـى أن لا إله إلا اللَّهُ وحدَه لا شريك له، وأنه لاحظ للأصنام والأوثان فـي الألوهة. {لَقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يعنـي: لقوم يقرّون بوجدان ما تعاينه أبصارهم وتـحسه حواسّهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مُسَخَّرَاتٍ فِـي جَوّ السَّماءِ}: أي فـي كبد السماء.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَٰمِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَٰثًا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٍ ۝٨٠

يقول تعالـى ذكره: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ} أيها الناس، {مِنْ بُـيُوتِكُمْ} التـي هي من الـحجر والـمدر، {سَكَناً} تسكنون أيام مقامكم فـي دوركم وبلادكم. {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ جُلُودِ الأَنْعامِ بُـيُوتاً} وهي البـيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر. {تَسْتَـخِفُّوَنها} يقول: تستـخفون حملها ونقلها، {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} من بلادكم وأمصاركم لأسفـاركم، {وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ} فـي بلادكم وأمصاركم. {وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبـارِها وأشْعارِها أثاثاً}.

وبنـحو الذي قلنا فـي معنى السكن قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {مِنْ بُـيُوتِكُمْ سَكَناً} قال: تسكنون فـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وأما الأشعار فجمع شَعْر تثقل عينه وتـخفف، وواحد الشَّعْر شَعْرة. وأما الأثاث فإنه متاع البـيت لـم يسمع له بواحد، وهو فـي أنه لا واحد له مثل الـمتاع. وقد حكي عن بعض النـحويـين أنه كان يقول: واحد الأثاث أثاثة ولـم أر أهل العلـم بكلام العرب يعرفون ذلك. ومن الدلـيـل علـى أن الأثاث هو الـمتاع، قول الشاعر:

أهاجَتْكَ الظَّعائِنُ يَوْمَ بـانُوابِذِي الرّئْيِ الـجَمِيـلِ مِنَ الأثاثِ

ويروى: «بذي الزيّ». وأنا أرى أصل الأثاث اجتـماع بعض الـمتاع إلـى بعض حتـى يكثر كالشعر الأثـيث وهو الكثـير الـملتفّ، يقال منه، أثّ شعر فلان يئِثّ أثّاً: إذا كثر والتفّ واجتـمع.

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أثاثاً} يعنـي بـالأثاث: الـمال.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {أثاثاً} قال: متاعاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أثاثاً} قال: هو الـمال.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن حرب الرازي، قال: أخبرنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق، عن حميد بن عبد الرحمن، فـي قوله: {أثاثاً} قال: الثـياب.

وقوله: {وَمَتاعاً إلـى حِينٍ} فإنه يعنـي: أنه جعل ذلك لهم بلاغاً، يتبلَّغون ويكتفون به إلـى حين آجالهم للـموت. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ومَتاعاً إلـى حِينٍ} فإنه يعنـي: زينة، يقول: ينتفعون به إلـى حين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَمَتاعاً إلـى حِينٍ} قال: إلـى الـموت.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَمَتاعاً إلـى حِينٍ} إلـى أجل وبُلْغة.

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَٰنًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ۝٨١

يقول تعالـى ذكره: ومن نعمة الله علـيكم أيها الناس أن جعل لكم مـما خـلق من الأشجار وغيرها ظلالاً تستظلّون بها من شدّة الـحرّ، وهي جمع ظلّ.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الـحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو، عن قتادة، فـي قوله: {مِـمَّا خَـلَقَ ظِلالاً} قال: الشجر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِـمَّا خَـلَقَ ظِلالاً} إي والله، من الشجر ومن غيرها.

وقوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً} يقول: وجعل لكم من الـجبـال مواضع تسكنون فـيها، وهي جمع كِنّ كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً} يقول: غيرانا من الـجبـال يسكن فـيها.

{وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمُ الـحَرَّ} يعنـي ثـياب القطن والكتان والصوف وقمصها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمُ الـحَرَّ} من القطن والكتان والصوف.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُم الـحَرَّ} قال: القطن والكتان.

وقوله: {سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمْ بَأْسَكُمْ} يقول: ودروعاً تقـيكم بأسكم، والبأس: هو الـحرب، والـمعنى: تقـيكم فـي بأسكم السلاح أن يصل إلـيكم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَسَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمْ بَأْسَكُمْ} من هذا الحديد.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَسَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمْ بَأْسَكُمْ} قال: هي سرابـيـل من حديد.

وقوله: {كذلكَ يُتِـمُّ نِعْمَتَهُ عَلَـيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: كما أعطاكم ربكم هذه الأشياء التـي وصفها فـي هذه الآيات نعمة منه بذلك علـيكم، فكذا يتُـمّ نعمته علـيكم لعلكم تسلـمون. يقول: لتـخضعوا لله بـالطاعة، وتذلّ منكم بتوحيده النفوس، وتـخـلصوا له العبـادة. وقد رُوِي عن ابن عبـاس أنه كان يقرأ: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» بفتـح التاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن حنظلة، عن شهر بن حَوْشب، قال: كان ابن عبـاس يقول: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» قال: يعنـي من الـجراح.

حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم بن سلام، قال: ثنا عبـاد بن العوّام، عن حنظلة السَّدوسيّ، عن شهر بن حَوْشب، عن ابن عبـاس، أنه قرأها: «لَعَلَّكُمْ تَسْلَـمُونَ» من الـجرَاحات، قال أحمد بن يوسف: قال أبو عبـيدة: يعنـي بفتـح التاء واللام.

فتأويـل الكلام علـى قراءة ابن عبـاس هذه: كذلك يتـمّ نعمته علـيكم بـما جعل لكم من السرابـيـل التـي تقـيكم بأسكم، لتسلـموا من السلاح فـي حروبكم. والقراءة التـي أستـجيز القراءة بخلافها بضم التاء من قوله: {لَعَلَّكُمْ تُسْلِـمُونَ} وكسر اللام من أسلـمت تُسْلِـم يا هذا، لإجماع الـحجة من قرّاء الأمصار علـيها.

فإن قال لنا قائل: وكيف جعل لكم سرابـيـل تقـيكم الـحرّ، فخصّ بـالذكر الـحرّ دون البرد، وهي تقـي الـحرّ والبرد؟ أم كيف قـيـل: {وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً} وترك ذكر ما جعل لهم من السهل؟ قـيـل له: قد اختُلف فـي السبب الذي من أجله جاء التنزيـل كذلك، وسنذكر ما قـيـل فـي ذلك ثم ندلّ علـى أولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب.

فرُوِي عن عطاء الـخراسانـي فـي ذلك ما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مـحمد بن كثـير، عن عثمان بن عطاء، عن أبـيه، قال: إنـما نزل القرآن علـى قدر معرفتهم، ألا ترى إلـى قول الله تعالـى ذكره: {وَالله جَعَلَ لَكُمْ مِـمَّا خَـلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الـجِبـالِ أكْناناً} وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبـال، ألا ترى إلـى قوله: {وَمِنْ أصْوَافِها وأوْبـارِها وأشْعارِها أثاثاً وَمَتاعاً إلـى حِينٍ}؟ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر ألا ترى إلـى قوله: {ويُنَزّلُ مِنَ السَّماءِ منْ جِبَـالٍ فِـيها مِنْ بَرَدٍ} يعجَّبهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلـج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلـى قوله: {سَرَابِـيـلَ تَقِـيكُمُ الـحَرَّ} وما تقـي من البرد أكثر وأعظم؟ ولكنهم كانوا أصحاب حرّ.

فـالسبب الذي من أجله خصّ الله تعالـى ذكرهُ السرابـيـل بأنها تقـي الـحرّ دون البرد علـى هذا القول، هو أن الـمخاطبـين بذلك كانوا أصحاب حرّ، فذكر الله تعالـى ذكره نعمته علـيهم بـما يقـيهم مكروه ما به عرفوا مكروهه دون ما لـم يعرفوا مبلغ مكروهه، وكذلك ذلك فـي سائر الأحرف الأُخَر.

وقال آخرون: ذكر ذلك خاصة اكتفـاء بذكر أحدهما من ذكر الآخر، إذ كان معلوماً عند الـمخاطبـين به معناه، وأن السرابـيـل التـي تقـي الـحرّ تقـي أيضاً البرد وقالوا: ذلك موجود فـي كلام العرب مستعمل، واستشهدوا لقولهم بقول الشاعر:

وَما أدْرِي إذا يَـمَّـمْتُ وَجْهاًأُريدُ الـخَيْرَ أيُّهُما يَـلِـيِنـي

فقال: أيهما يـلـينـي: يريد الـخير أو الشرّ، وإنـما ذكر الـخير لأنه إذا أراد الـخير فهو يتقـي الشرّ.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب، قول من قال: إن القوم خوطبوا علـى قدر معرفتهم، وإن كان فـي ذكر بعض ذلك دلالة علـى ما ترك ذكره لـمن عرف الـمذكور والـمتروك وذلك أن الله تعالـى ذكره إنـما عدّد نعمه التـي أنعمها علـى الذين قُصدوا بـالذكر فـي هذه السورة دون غيرهم، فذكر أياديه عندهم.

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٨٢ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فإن أدبر هؤلاء الـمشركون يا مـحمد عما أرسلتك به إلـيهم من الـحقّ، فلـم يستـجيبوا لك وأعرضوا عنه، فما علـيك من لوم ولا عذل لأنك قد أدّيت ما علـيك فـي ذلك، إنه لـيس علـيك إلاَّ بلاغهم ما أرسلت به. ويعنـي بقوله {المُبِينُ} الذي يبـين لـمن سمعه حتـى يفهمه.

وأما قوله: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها} فإن أهل التأويـل اختلفوا فـي الـمعنّي بـالنعمة التـي أخبر الله تعالـى ذكره عن هؤلاء الـمشركين أنهم ينكرونها مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبـيّ صلى الله عليه وسلم عرفوا نبوّته ثم جحدوها وكذبوه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن السديّ: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها} قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن السديّ، مثله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدّد الله تعالـى ذكره فـي هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو الـمنعم بذلك علـيهم، ولكنهم يُنكرون ذلك، فـيزعمون أنهم ورثوه عن آبـائهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنا الـمثنى، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها} قال: هي الـمساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابـيـل من الـحديد والثـياب، تعرف هذا كفـار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبـائنا، فروّحونا إياه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، بنـحوه، إلا أنه قال: فورّثونا إياها. وزاد فـي الـحديث عن ابن جريج، قال ابن جريج: قال عبد الله بن كثـير: يعلـمون أن الله خـلقهم وأعطاهم ما أعطاهم، فهو معرفتهم نعمته ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد.

وقال آخرون فـي ذلك، ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية، عن عمرو، عن أبـي إسحاق الفزاري، عن لـيث، عن عون بن عبد الله بن عتبة: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها} قال: إنكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا.

وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفـار إذا قـيـل لهم: من رزقكم؟ أقرّوا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم يُنكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفـاعة آلهتنا.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب وأشبهها بتأويـل الآية، قول من قال: عُنـي بـالنعمة التـي ذكرها الله فـي قوله {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ} النعمة علـيهم بإرسال مـحمد صلى الله عليه وسلم إلـيهم داعياً إلـى ما بعثه بدعائهم إلـيه. وذلك أن هذه الآية بـين آيتـين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به، فأولـى ما بـينهما أن يكون فـي معنى ما قبله وما بعده، إذ لـم يكن معنى يدلّ علـى انصرافه عما قبله وعما بعده فـالذي قبل هذه الآية قوله: {فإنْ تَوَلَّوْا فإنَّـمَا عَلَـيْكَ البَلاغُ الـمُبِـينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها} وما بعده:

{ { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً } } وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء الـمشركون بـالله نعمة الله علـيهم يا مـحمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك. {وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ} يقول: وأكثر قومك الـجاحدون نبوّتك، لا الـمقرّون بها.

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره: يعرفون نعمة الله ثم يُنكرونها الـيوم ويستنكرون {يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً} وهو الشاهد علـيها بـما أجابت داعي الله، وهو رسولهم الذي أرسل إلـيهم. {ثُمَّ لا يُؤْذَنُ للَّذِينَ كَفَرُوا} يقول: ثم لا يؤذن للذين كفروا فـي الاعتذار، فـيعتذروا مـما كانوا بـالله وبرسوله يكفرون. {وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} فـيتركوا الرجوع إلـى الدنـيا فـينـيبوا ويتوبوا وذلك كما قال تعالـى:

{ { هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَـيَعْتَذِرُونَ } }.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً} وشاهدها نبـيها، علـى أنه قد بلغ رسالات ربه، قال الله تعالـى:

{ { وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلـى هَؤُلاءِ } }.

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره: وإذا عاين الذين كذّبوك يا مـحمد وجَحَدوا نُبوّتك والأمـم الذين كانوا علـى منهاج مشركي قومك عذاب الله، فلا ينـجيهم من عذاب الله شيء لأنهم لا يؤذن لهم فـيعتذرون فـيخفَّف عنهم العذاب بـالعذر الذي يدّعونه، {وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ} يقول: ولا يُرْجَؤن بـالعقاب، لأن وقت التوبة والإنابة قد فـات، فلـيس ذلك وقتاً لهما، وإنـما هو وقت للـجزاء علـى الأعمال، فلا ينظر بـالعتاب لـيعتب بـالتوبة.

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ شُرَكَآءَهُمْ قَالُوا۟ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا۟ مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا۟ إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَٰذِبُونَ ۝٨٦

يقول تعالـى ذكره: وإذا رأى الـمشركون بـالله يوم القـيامة ما كانوا يعبدون من دون الله من الآلهة والأوثان وغير ذلك، قالوا: ربنا هؤلاء شركاؤنا فـي الكفر بك، والشركاء الذين كنا ندعوهم آلهة من دونك. قال الله تعالـى ذكره: {فألْقَوْا} يعنـي: شركاءهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله {القَوْلَ} يقول: قالوا لهم: إنكم لكاذبون أيها الـمشركون، ما كنا ندعوكم إلـى عبـادتنا.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فألْقَوْا إلَـيْهِمُ القَوْلَ} قال: حدّثوهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وَأَلْقَوْا۟ إِلَى ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٨٧

يقول تعالـى ذكره: وألقـى الـمشركون إلـى الله يومئذ السلـم يقول: استسلـموا يومئذ وذَلُّوا لـحكمه فـيهم، ولـم تغن عنهم آلهتهم التـي كانوا يدعون فـي الدنـيا من دون الله، وتبرأت منهم، ولا قومهم، ولا عشائرُهم الذين كانوا فـي الدنـيا يدافعون عنهم. والعرب تقول: ألقـيت إلـيه كذا تعنـي بذلك قلت له. وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} يقول: وأخطأهم من آلهتهم ما كانوا يَأْملون من الشفـاعة عند الله بـالنـجاة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وألْقَوْا إلـى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَـمَ} يقول: ذلوا واستسلـموا يومئذ {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ}.

ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره: الذين جحدوا يا مـحمد نبوّتك وكذّبوك فـيـما جئتهم به من عند ربك، وصَدُّوا عن الإيـمان بـالله وبرسوله ومن أراده، زدناهم عذابـاً يوم القـيامة فـي جهنـم فوق العذاب الذي هم فـيه قبل أن يزادوه. وقـيـل: تلك الزيادة التـي وعدهم الله أن يزيدهموها عقارب وحيات. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله: {زِدْناهُمْ عَذَابـاً فَوْقَ العَذَابِ} قال: عقارب لها أنـياب كالنـخـل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية وابن عيـينة، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله: {زِدْناهُمْ عَذَابـاً فَوْقَ العَذَابِ} قال: زِيدوا عقارب لها أنـياب كالنـخـل الطوال.

حدثنا إبراهيـم بن يعقوب الـجوزجانـي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، مثله.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد، عن سلـيـمان، عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، نـحوه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيـل، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله، قال: {زِدْناهُمْ عَذَابـاً فَوْقَ العَذَابِ} قال: أفـاعِيَ.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيـل، عن السديّ، عن مرّة عن عبد الله، قال: أفـاعيَ فـي النار.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن رجل، عن مرّة، عن عبد الله، مثله.

حدثنا مـجاهد بن موسى والفضل بن الصبـاح، قالا: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا الأعمش، عن مـجاهد، عن عبـيد بن عمير، قال: إن لـجهنـم جِبـابـاً فـيها حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال الدهم، يستغيث أهل النار إلـى تلك الـجبِـاب أو الساحل، فتثب إلـيهم فتأخذ بشِفـاههم وشفـارهم إلـى أقدامهم، فـيستغيثون منها إلـى النار، فـيقولون: النارَ النارَ فتتبعهم حتـى تـجد حرّها فترجع، قال: وهي فـي أسراب.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي حَيـي بن عبد الله، عن أبـي عبد الرحمن الـحبلـي عن عبد الله بن عمرو، قال: إن لـجهنـم سواحل فـيها حيات وعقارب أعناقها كأعناق البخت.

وقوله: {بِـمَا كانُوا يُفْسِدُونَ} يقول: زدناهم ذلك العذاب علـى ما بهم من العذاب بـما كانوا يفسدون، بـما كانوا فـي الدنـيا يعصُون الله ويأمرون عبـاده بـمعصيته، فذلك كان إفسادهم، اللهمّ إنا نسألك العافـية يا مالك الدنـيا والآخرة البـاقـية.

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ ۝٨٩

يقول تعالـى ذكره: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِـي كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَـيْهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ} يقول: نسأل نبـيهم الذي بعثناه إلـيهم للدعاء إلـى طاعتنا. وقال: {مِنْ أنُفُسِهِمْ} لأنه تعالـى ذكره كان يبعث إلـى أمـم أنبـياءها منها: ماذا أجابوكم، وما ردّوا علـيكم؟ {وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلـى هُؤلاءِ} يقول لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وجئنا بك يا مـحمد شاهداً علـى قومك وأمتك الذين أرسلتك إلـيهم بـما أجابوك وماذا عملوا فـيـما أرسلتك به إلـيهم. وقوله: {وَنَزَّلْنا عَلَـيْكَ الكِتابَ تِبْـياناً لِكُلّ شَيْءٍ} يقول: نزل علـيك يا مـحمد هذا القرآن بـياناً لكلّ ما بـالناس إلـيه الـحاجة من معرفة الـحلال والـحرام والثواب والعقاب. {وَهُدىً} من الضلالة {وَرَحْمَةً} لـمن صدّق به، وعمل بـما فـيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرّم حرامه. {وبُشْرَى للـمسْلـمِينَ} يقول: وبشارة لـمن أطاع الله وخضع له بـالتوحيد وأذعن له بـالطاعة، يبشره بجزيـل ثوابه فـي الآخرة وعظيـم كرامته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: ثنا أبـان بن تغلب، عن الـحكم، عن مـجاهد: {تِبْـياناً لِكُلّ شَيْءٍ} قال: مـما أحلّ وحرّم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن ابن عيـينة، عن أبـان بن تغلب، عن مـجاهد، فـي قوله: {تِبْـياناً لِكُلّ شَيْءٍ} مـما أحلّ لهم وحرّم علـيهم.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش، عن مـجاهد، قوله: {تِبْـياناً لِكُلّ شَيْءٍ} قال: ما أمر به، وما نَهَى عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، فـي قوله: {وَنَزَّلْنا عَلَـيْكَ الكِتابَ تِبْـياناً لِكُلّ شَيْءٍ} قال: ما أمِروا به، ونهوا عنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن أشعث، عن رجل، قال: قال ابن مسعود: أنزل فـي هذا القرآن كل علـم وكلّ شيء قد بـين لنا فـي القرآن. ثم تلا هذه الآية.

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ۝٩٠

يقول تعالـى ذكره: إن الله يأمر فـي هذا الكتاب الذي أنزله إلـيك يا مـحمد بـالعدل، وهو الإنصاف ومن الإنصاف: الإقرار بـمن أنعم علـينا بنعمته، والشكر له علـى إفضاله، وتولـي الـحمد أهله. وإذا كان ذلك هو العدل ولـم يكن للأوثان والأصنام عندنا يد تستـحقّ الـحمد علـيها، كان جهلاً بنا حمدها وعبـادتها، وهي لا تنعِم فتشكر ولا تنفع فتعبد، فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولذلك قال من قال: العدل فـي هذا الـموضع شهادة أن لا إله إلا الله. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ والإحْسانِ} قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله: {والإحْسَانِ} فإن الإحسان الذي أمر به تعالـى ذكره مع العدل الذي وصفنا صفته: الصبر لله علـى طاعته فـيـما أمر ونهى، فـي الشدّة والرخاء والـمَكْرَه والـمَنْشَط، وذلك هو أداء فرائضه. كما:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {والإحْسَانِ} يقول: أداء الفرائض.

وقوله: {وَإيتاءِ ذِي القُرْبى} يقول: وإعطاء ذي القربى الـحقّ الذي أوجبه الله علـيك بسبب القرابة والرحم. كما:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وإيتاءِ ذِي القُرْبى} يقول: الأرحام.

وقوله: {وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ} قال: الفحشاء فـي هذا الـموضع: الزنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالـح، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ} يقول: الزنا.

وقد بـيَّنا معنى الفحشاء بشواهده فـيـما مضى قبل.

وقوله: {والبَغْيِ} قـيـل: عنِـيَ بـالبغي فـي هذا الـموضع: الكبر والظلـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {والبَغْيِ} يقول: الكبر والظلـم.

وأصل البغي: التعدّي ومـجاوزة القدر والـحدّ من كلّ شيء. وقد بـيَّنا ذلك فـيـما مضى قبل.

وقوله: {يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} يقول: يذكركم أيها الناس ربكم لتذكروا فتنـيبوا إلـى أمره ونهيه، وتعرفوا الـحقّ لأهله. كما:

حدثنـي الـمثنى وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {يَعِظُكُمْ} يقول: يوصيكم، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}.

وقد ذُكر عن ابن عيـينة أنه كان يقول فـي تأويـل ذلك: إن معنى العدل فـي هذا الـموضع استواء السريرة والعلانـية من كلّ عامل لله عملاً، وإن معنى الإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانـيته، وإن الفحشاء والـمنكر أن تكون علانـيته أحسن من سريرته.

وذُكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول فـي هذه الآية، ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا معتـمر بن سلـيـمان، قال: سمعت منصور بن النعمان، عن عامر، عن شُتَـير بن شَكَل، قال: سمعت عبد الله يقول: إن أجمع آية فـي القرآن فـي سورة النـحل: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ والإحْسانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبَى...} إلـى آخر الآية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبـي، عن شُتَـيْر بن شَكَل، قال: سمعت عبد الله يقول: إن أجمع آية فـي القرآن لـخير أو لشرّ، آية فـي سورة النـحل: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ والإحْسانِ...}. الآية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بـالعَدْلِ والإحْسانِ وَإيتاءِ ذِي القُرْبَى...} الآية، إنه لـيس من خـلق حسن كان أهل الـجاهلـية يعملون به ويستـحسنونه إلا أمر الله به، ولـيس من خُـلق سيِّىء كانوا يتعايرونه بـينهم إلا نهى الله عنه وقدّم فـيه. وإنـما نهى عن سفـاسف الأخلاق ومَذامهِّا.

وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ۝٩١

يقول تعالى ذكره: وأوفوا بـميثاق الله إذا واثقتـموه، وعقده إذا عاقدتـموه، فأوجبتـم به علـى أنفسكم حقًّا لـمن عاقدتـموه به وواثقتـموه علـيه. {وَلا تَنقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} يقول: ولا تـخالفوا الأمر الذي تعاقدتـم فـيه الأيـمان، يعنـي بعد ما شددتـم الأيـمان علـى أنفسكم، فتـحنثوا فـي أيـمانكم وتكذبوا فـيها وتنقضوها بعد إبرامها، يقال منه: وكَّد فلان يـمينه يوكّدها توكيداً: إذا شددها وهي لغة أهل الـحجاز، وأما أهل نـجد، فإنهم يقولون: أكّدتها أؤكدها تأكيداً. وقوله: {وَقَدْ جَعَلْتُـمُ اللَّهَ عَلَـيْكُمْ كَفِـيلاً} يقول: وقد جعلتـم الله بـالوفـاء بـما تعاقدتـم علـيه علـى أنفسكم راعياً يرعى الـموفـى منكم بعهد الله الذي عاهد علـى الوفـاء به والناقض.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل علـى اختلاف بـينهم فـيـمن عُنِـيَ بهذه الآية وفـيـما أنزلت، فقال بعضهم: عُنِـي بها الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى الإسلام، وفـيهم أنزلت. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو لـيـلـى، عن بريدة، قوله: {وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عاهَدْتُـمْ} قال: أنزلت هذه الآية فـي بـيعة النبـيّ صلى الله عليه وسلم، كان من أسلـم بـايع علـى الإسلام، فقالوا: {وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عاهَدْتُـمْ} هذه البَـيعة التـي بـايعتـم علـى الإسلام، {وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} البـيعة، فلا يحملكم قلة مـحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكثرة الـمشركين أن تنقضوا البـيعة التـي بـايعتـم علـى الإسلام، وإن كان فـيهم قلة والـمشركين فـيهم كثرة.

وقال آخرون: نزلت فـي الـحِلْف الذي كان أهل الشرك تـحالفوا فـي الـجاهلـية، فأمرهم الله عزّ وجلّ فـي الإسلام أن يوفُّوا به ولا ينقضوه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} قال: تغلـيظها فـي الـحلف.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} يقول: بعد تشديدها وتغلـيظها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: هؤلاء قوم كانوا حلفـاء لقوم تـحالفوا وأعطى بعضهم العهد، فجاءهم قوم، فقالوا: نـحن أكثر وأعزّ وأمنع، فـانقضوا عهد هؤلاء وارجعوا إلـينا ففعلوا، فذلك قول الله تعالـى: {وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُـمُ اللَّهَ عَلَـيْكُمْ كَفِـيلاً} أن تكون أمة هي أربى من أمة، هي أرَبى أكثر من أجل أن كان هؤلاء أكثر من أولئك، نقضتـم العهد فـيـما بـينكم وبـين هؤلاء، فكان هذا فـي هذا.

حدثنـي ابن البرَقـيّ، قال: ثنا ابن أبـي مَريـم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: سألت يحيى بن سعيد، عن قول الله: {وَلا تَنْقُضُوا الأيـمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها} قال: العهود.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: إن الله تعالـى أمر فـي هذه الآية عبـاده بـالوفـاء بعهوده التـي يجعلونها علـى أنفسهم، ونهاهم عن نقض الأيـمان بعد توكيدها علـى أنفسهم لآخرين بعقود تكون بـينهم بحقّ مـما لا يكرهه الله. وجائز أن تكون نزلت فـي الذين بـايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهيهم عن نقض بـيعتهم حذراً من قلة عدد الـمسلـمين وكثرة عدد الـمشركين، وأن تكون نزلت فـي الذين أرادوا الانتقال بحلفهم عن حلفـائهم لقلة عددهم فـي آخرين لكثرة عددهم، وجائز أن تكون فـي غير ذلك. ولا خبر تَثْبُت به الـحجة أنها نزلت فـي شيء من ذلك دون شيء، ولا دلالة فـي كتاب ولا حجة عقل أيّ ذلك عُنِـيَ بها، ولا قول فـي ذلك أولـى بـالـحقّ مـما قلنا لدلالة ظاهره علـيه، وأن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسبـاب، ويكون الـحكم بها عامًّا فـي كلّ ما كان بـمعنى السبب الذي نزلت فـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَقَدْ جَعَلْتُـمُ اللَّهَ عَلَـيْكُمْ كَفِـيلاً} قال: وكيلاً.

وقوله: {إنَّ اللَّهَ يَعْلَـمُ ما تَفْعَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن الله أيها الناس يعلـم ما تفعلون فـي العهود التـي تعاهدون الله من الوفـاء بها والأحلاف والأيـمان التـي تؤكدونها علـى أنفسكم، أتبرّون فـيها أم تنقضونها وغير ذلك من أفعالكم، مـحصٍ ذلك كله علـيكم، وهو مسائلكم عنها وعما عملتـم فـيها، يقول: فـاحذروا الله أن تلقوه وقد خالفتـم فـيها أمره ونهيه، فتستوجبوا بذلك منه ما لا قِبَل لكم به من أليـم عقابه.

الخميس، 5 نوفمبر 2026 25 جمادى الأولى 1448 هـ