انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير الطبريالآيات 44–62

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النحل

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:38:44

  1. 1 الآيات 30–50في هذه الصفحة 15:44
  2. 2 الآيات 51–74في هذه الصفحة 18:31

التفسير الصوتي لسورة النحل كاملًا (6 مقاطع)

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ۝٤٤

يقول تعالـى ذكره: أرسلنا بـالبـينات والزُّبُر رجالاً نوحي إلـيهم.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل بـالبـينات والزُّبُر؟ وما الـجالب لهذه البـاء فـي قوله {بـالبَـيِّناتِ} فإن قلت: جالبها قوله {أرْسَلْنَا} وَهي من صلته، فهل يجوز أن تكون صلة «ما» قبل «إلاَّ» بَعدها؟ وإن قلت: جالبها غير ذلك، فما هو؟ وأين الفعل الذي جلبها؟ قـيـل: قد اختلف أهل العربـية فـي ذلك، فقال بعضهم: البـاء التـي فـي قوله: {بـالبَـيِّناتِ} من صلة «أرسلنا»، وقال: «إلاّ» فـي هذا الـموضع، ومع الـجحد والاستفهام فـي كلّ موضع بـمعنى «غير». وقال: معنى الكلام: وما أرسلنا من قبلك بـالبـينات والزبر غير رجال نوحي إلـيهم، ويقول علـى ذلك: ما ضرب إلاَّ أخوك زيداً، وهل كلـم إلاَّ أخوك عمراً، بـمعنى: ما ضرب زيداً غير أخيك، وهل كلـم عمراً إلاَّ أخوك؟ ويحتـجّ فـي ذلك بقول أوْس بن حَجَر:

أبَنِـي لُبَـيْنَى لَسْتُـمُ بِـيَدٍإلا يَدٍ لَـيْسَتْ لَهَا عَضُدُ

ويقول: لو كانت «إلا» بغير معنى لفسد الكلام، لأن الذي خفض البـاء قبل «إلا» لا يقدر علـى إعادته بعد «إلا» لـخفض الـيد الثانـية، ولكن معنى «إلا» معنى «غير». ويستشهد أيضاً بقول الله عزّ وجلّ: { { لَوْ كانَ فِـيهِما آلِهَةٌ إلاَّ اللّهُ } } ويقول: «إلا» بـمعنى «غير» فـي هذا الـموضع. وكان غيره يقول: إنـما هذا علـى كلامين، يريد: وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً أرسلنا بـالبـينات والزبر. قال: وكذلك قول القائل: ما ضرب إلا أخوك زيداً معناه: ما ضرب إلا أخوك، ثم يبتدىء ضرب زيداً، وكذلك ما مَرَّ إلا أخوك بزيد ما مرّ إلا أخوك، ثم يقول: مرّ بزيد ويستشهد علـى ذلك ببـيت الأعشى:

ولَـيْسَ مُـجِيراً إنْ أتَـى الـحَيَّ خائِفٌوَلا قائِلاً إلاَّ هُوَ الـمُتَعَيَّبـا

ويقول: لو كان ذلك علـى كلـمة لكان خطأ، لأن «الـمُتَعَيَّبـا» من صلة القائل، ولكن جاز ذلك علـى كلامين. وكذلك قول الآخر:

نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبُوا بـالنَّارِ جارَهُمُوَهَلْ يُعَذِّبُ إلاَّ اللّهُ بـالنَّارِ

فتأويـل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إلـيهم أرسلناهم بـالبـينات والزبر، وأنزلنا إلـيك الذكر. والبـينات: هي الأدلة والـحجج التـي أعطاها الله رسله أدلة علـى نبوّتهم شاهدة لهم علـى حقـيقة ما أتوا به إلـيهم من عند الله. والزُّبُر: هي الكتب، وهي جمع زَبُور، من زَبَرْت الكتاب وذَبَرته: إذا كتبته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {بـالبَـيِّناتِ والزُّبُرِ} قال: الزبر: الكتب.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بـالبَـيِّناتِ والزُّبُرِ} قال: الآيات. والزبر: الكتب.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الزُّبُر: الكُتُب.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَالزُّبُرِ} يعنـي: بـالكتب.

وقوله: {وأنْزَلْنا إلَـيْكَ الذّكْرَ} يقول: وأنزلنا إلـيك يا مـحمد هذا القرآن تذكيراً للناس وعظة لهم. {لِتُبَـيِّنَ للنَّاسِ} يقول: لتعرفهم ما أنزل إلـيهم من ذلك. {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} يقول: ولـيتذكروا فـيه ويعتبروا به أي بـما أنزلنا إلـيك. وقد:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا الثوري، قال: قال مـجاهد: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} قال: يطيعون.

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: أفأمن الذين ظلـموا الـمؤمنـين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراموا أن يفتنوهم عن دينهم من مشركي قريش الذين قالوا إذ قـيـل لهم ماذا أنزل ربكم: أساطير الأوّلـين، صدًّا منهم لـمن أراد الإيـمان بـالله عن قصد السبـيـل، أن يخسف الله بهم الأرض علـى كفرهم وشركهم، أو يأتـيهم عذاب الله من مكان لا يشعر به ولا يدري من أين يأتـيه؟ وكان مـجاهد يقول: عنى بذلك نـمرود بن كنعان.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد: {أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأرْضَ}... إلـى قوله:

{ أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ } قال: هو نـمرود بن كنعان وقومه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وإنـما اخترنا القول الذي قلناه فـي تأويـل ذلك، لأن ذلك تهديد من الله أهل الشرك به، وهو عقـيب قوله:

{ وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيْهِمْ فَـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعلَـمونَ } فكان تهديد من لـم يقرّ بحجة الله الذي جرى الكلام بخطابه قبل ذلك أحرى من الـخبر عمن انقطع ذكره عنه.

وكان قتادة يقول فـي معنى السيئات فـي هذا الـموضع، ما:

حدثنا به بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفَأمنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ}: أي الشرك.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝٤٦ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٤٧

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {أوْ يَأْخُذَهُمْ فِـي تَقَلُّبِهِمْ} أو يهلكهم فـي تصرّفهم فـي البلاد وتردّدهم فـي أسفـارهم. {فمَا هُمْ بِـمعجِزِين} يقول جلّ ثناؤه: فإنهم لا يعجزون الله من ذلك إن أراد أخذهم كذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى وعلـيّ بن داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أوْ يَأْخُذَهُمْ فِـي تَقَلُّبِهِمْ} يقول: فـي اختلافهم.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أوْ يَأْخُذَهُمْ فِـي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِـمُعْجِزِينَ} قال: إنْ شئت أخذته فـي سفر.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أوْ يَأْخُذَهُمْ فِـي تَقَلُّبِهِمْ} فـي أسفـارهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، مثله.

وقال ابن جريج فـي ذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أوْ يَأْخُذَهُمْ فِـي تَقَلُّبِهِمْ} قال: التقلب: أن يأخذهم بـاللـيـل والنهار.

وأما قوله: {أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ} فإنه يعنـي: أو يهلكهم بتـخوّف، وذلك بنقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتـى يهلك جميعهم، يقال منه: تـخوّف مال فلان الإنفـاق: إذا انتقصه، ونـحو تـخوّفه من التـخوّف بـمعنى التنقص، وقول الشاعر:

تَـخَوَّفَ السَّيْرُ مِنْها تامِكاً قَرِداًكما تَـخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

يعنـي بقوله: تـخوّف السير: تنقص سَنامها. وقد ذكرنا عن الهيثم بن عديّ أنه كان يقول: هي لغة لأزد شَنوءة معروفة لهم ومنه قول الآخر:

تَـخَوَّفَ عَدْوُهُمْ مالـي وأهْدَىسَلاسِل فـي الـحُلُوقِ لَهَا صَلِـيـلُ

وكان الفرّاء يقول: العرب تقول: تـحوّفته: أي تنقصته، تـحوّفـاً: أي أخذته من حافـاته وأطرافه، قال: فهذا الذي سمعته، وقد أتـى التفسير بـالـحاء وهما بـمعنى. قال: ومثله ما قرىء بوجهين قوله: إن لكَ فـي النَّهارِ سَبْحاً و «سَبْخاً».

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن الـمسعودي، عن إبراهيـم بن عامر بن مسعود، عن رجل، عن عُمَر أنه سألهم عن هذه الآية: {أوْ يَأْخُذَهُمْ فِـي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِـمُعْجِزِينَ أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ} فقالوا: ما نرى إلاَّ أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات، فقال عمر: ما أرى إلاَّ أنه علـى ما تنتقصون من معاصي الله. قال: فخرج رجل مـمن كان عند عمر، فلقـى أعرابـيًّا، فقال: يا فلان ما فعل ربك؟ قال: قد تَـخَيفته، يعنـي تنقصته. قال: فرجع إلـى عمر فأخبره، فقال: قدّر الله ذلك.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخُوُّفٍ} يقول: إن شئت أخذته علـى أثر موت صاحبه وتـخوّف بذلك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس: {علـى تَـخَوُّفٍ} قال: التنقص والتفزيع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ} علـى تنقص.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {علـى تَـخَوُّفٍ} قال: تنقص.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {أو يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ} فـيعاقب أو يتـجاوز.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ} قال: كان يقال: التـخوّف: التنقُّص، ينتقصهم من البلدان من الأطراف.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {أوْ يَأْخُذَهُمْ علـى تَـخَوُّفٍ} يعنـي: يأخذ العذاب طائفة ويترك أخرى، ويعذّب القرية ويهلكها، ويترك أخرى إلـى جنبها.

وقوله: {فإنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيـمٌ} يقول: فإن ربكم إن لـم يأخذ هؤلاء الذين مكروا السيئات بعذاب معجَّل لهم، وأخذهم بـموت وتنقص بعضهم فـي أثر بعض، لرؤوف بخـلقه، رحيـم بهم، ومن رأفته ورحمته بهم لـم يخسف بهم الأرض، ولـم يعجِّل لهم العذاب، ولكن يخوّفهم وينقِّصهم بـموت.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ ۝٤٨

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الـحجاز والـمدينة والبصرة: {أو لَـمْ يَرَوْا} بـالـياء علـى الـخبر عن الذين مكروا السيئات. وقرأ ذلك بعض قراء الكوفـيـين: «أو لَـمْ تَرَوا» بـالتاء علـى الـخطاب.

وأولـى القراءتـين عندي الصواب قراءة من قرأ بـالـياء علـى وجه الـخبر عن الذين مكروا السيئات لأن ذلك فـي سياق قَصَصِهم والـخبر عنهم، ثم عقب ذلك الـخبر عن ذهابهم عن حجة الله علـيهم وتركهم النظر فـي أدلته والاعتبـار بها. فتأويـل الكلام إذن: أو لـم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلـى ما خـلق الله من جسم قائم شجر أو جبل أو غير ذلك {يَتَفَـيَّأُ ظِلالَهُ عَنِ الـيَـمِينِ والشَّمَائِلِ} يقول: يرجع من موضع إلـى موضع، فهو فـي أوّل النهار علـى حال، ثم يتقلَّص، ثم يعود إلـى حال أخرى فـي آخر النهار.

وكان جماعة من أهل التأويـل يقولون فـي الـيـمين والشمائل ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الـيَـمِينِ والشمائِلِ سُجَّدا لِلّهِ} أما الـيـمين: فأوّل النهار وأما الشمال: فآخر النهار.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُه عَنِ الـيَـمِينِ والشَّمائِلِ} قال: الغدوّ والآصال، إذا فـاءت الظِّلال ظلال كلّ شيء بـالغدوّ سجدت لله، وإذا فـاءت بـالعشيّ سجدت لله.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُه عَنِ الـيَـمِينِ والشَّمائِلِ} يعنـي: بـالغدوّ والآصال، تسجد الظلال لله غدوة إلـى أن يفـيء الظلّ، ثم تسجد لله إلـى اللـيـل، يعنـي: ظلّ كلّ شيء.

وكان ابن عبـاس يقول فـي قوله {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} ما:

حدثنا الـمثنى، قال: أخبرنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} يقول: تتـميـل.

واختلف فـي معنى قوله: {سُجَّداً لِلّهِ} فقال بعضهم: ظلّ كلّ شيء سجوده. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} قال: ظلّ كلّ شيء سجوده.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا إسحاق الرازيّ، عن أبـي سنان، عن ثابت عن الضحاك: {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} قال: سجد ظلّ الـمؤمن طوعاً، وظلّ الكافر كَرْهاً.

وقال آخرون: بل عنى بقوله {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} كلاًّ عن الـيـمين والشمائل فـي حال سجودها، قالوا: وسجود الأشياء غير ظلالها. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد وحدثنـي نصر بن عبد الرحمن الأَوديّ، قالا: ثنا حَكَّام، عن أبـي سنان، عن ثابت عن الضحاك، فـي قول الله: {أو لَـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} قال: إذا فـاء الفـيء توجه كلّ شيء ساجداً قبَل القبلة من نبت أو شجر، قال: فكانوا يستـحبون الصلاة عند ذلك.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا الـحِمَّانـيّ، قال: ثنا يحيى بن يـمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مـجاهد فـي قول الله: {يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} قال: إذا زالت الشمس سجد كلّ شيء لله عزّ وجلّ.

وقال آخرون: بل الذي وصف الله بـالسجود فـي هذه الآية ظلال الأشياء، فإنـما يسجد ظلالها دون التـي لها الظلال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَـيأُ ظِلالُهُ} قال: هو سجود الظلال، ظلال كلّ شيء ما فـي السموات وما فـي الأرض من دابة، قال: سجود ظلال الدوابّ، وظلال كلّ شيء.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أو لَـمْ يَرَوْا إلـى ما خَـلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَـيَّأُ ظِلالُهُ} ما خـلق من كلّ شيء عن يـمينه وشمائله، فلفظ ما لفظ عن الـيـمين والشمائل، قال: ألـم تر أنك إذا صلـيت الفجر كان ما بـين مطلع الشمس إل مغربها ظلاًّ؟ ثم بعث الله علـيه الشمس دلـيلاً، وقبض الله الظلّ.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله أخبر فـي هذه الآية أن ظلال الأشياء هي التـي تسجد، وسجودها: مَيَلانها ودورانها من جانب إلـى جانب وناحية إلـى ناحية، كما قال ابن عبـاس يقال من ذلك: سجدت النـخـلة إذا مالت، وسجد البعير وأسجد: إذا أميـل للركوب. وقد بـيَّنا معنى السجود فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته.

وقوله: {وَهُمْ دَاخرُونَ} يعنـي: وهم صاغرون، يقال منه: دخر فلان لله يدخر دخراً ودخوراً: إذا ذلّ له وخضع ومنه قول ذي الرُّمَّة:

فَلَـمْ يَبْقَ إلاَّ داخِرٌ فِـي مُخَيَّسٍومُنْـجَحِرٌ فِـي غيرِ أرْضِكَ فـي جُحْرِ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَهُمْ دَاخِرُونَ}: صاغرون.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَهُمْ دَاخِرُونَ}: أي صاغرون.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله.

وأما توحيد الـيـمين فـي قوله: {عَنِ الـيَـمِينِ والشَّمائِلِ} فجمعها، فإن ذلك إنـما جاء كذلك، لأن معنى الكلام: أو لـم يروا إلـى ما خـلق الله من شيء يتفـيأ ظلال ما خـلق من شيء عن يـمينه: أي ما خـلق، وشمائله. فلفظ «ما» لفظ واحد، ومعناه معنى الـجمع، فقال: «عن الـيـمين» بـمعنى: عن يـمين ما خـلق، ثم رجع إلـى معناه فـي الشمائل. وكان بعض أهل العربـية يقول: إنـما تفعل العرب ذلك، لأن أكثر الكلام مواجهة الواحد الواحد، فـيقال للرجل: خذ عن يـمينك، قال: فكأنه إذا وحد ذهب إلـى واحد من القوم، وإذا جمع فهو الذي لا مساءلة فـيه واستشهد لفعل العرب ذلك بقول الشاعر:

بِفـي الشَّامِتِـينَ الصَّخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِـيرَزِيَّةُ شِبْلَـيْ مُخْدِرٍ فـي الضَّراغمِ

فقال: «بِفـي الشامتـين»، ولـم يقل: «بأفواه» وقول الآخر:

الوَارِدُونَ وتَـيْـمٌ فِـي ذَرَا سَبإٍقد عَضَّ أعْناقَهُمْ جِلْدُ الـجَوَامِيسِ

ولـم يقل: جلود.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره: ولله يخضع ويستسلـم لأمره ما فـي السموات وما فـي الأرض من دابَّة يدبّ علـيها، والـملائكة التـي فـي السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بـالطاعة. {وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ قُلُوبهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} وظلالهم تتفـيأ عن الـيـمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون.

وكان بعض نـحويِّـي البصرة يقول: اجتزىء بذكر الواحد من الدوابّ عن ذكر الـجميع. وإنـما معنى الكلام: ولله يسجد ما فـي السموات وما فـي الأرض من الدوابّ والـملائكة، كما يقال: ما أتانـي من رجل، بـمعنى: ما أتانـي من الرجال.

وكان بعض نـحويِّـي الكوفة يقول: إنـما قـيـل: من دابة، لأن «ما» وإن كانت قد تكون علـى مذهب الذي، فإنها غير مؤقتة، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الـجزاء، والـجزاء يدخـل من فـيـما جاء من اسم بعده من النكرة، فـيقال: من ضربه من رجل فـاضربوه، ولا تسقط «مِن» مِن هذا الـموضع كراهية أن تشبه أن تكون حالاً لـ «من» و «ما»، فجعلوه بـمن لـيدلّ علـى أنه تفسير لـما ومن لأنهما غير موقتتـين، فكان دخول من فـيـما بعدهما تفسيراً لـمعناهما، وكان دخول من أدلّ علـى ما لـم يوقت من من وما، فلذلك لـم تلغيا.

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: يخاف هؤلاء الـملائكة التـي فـي السموات وما فـي الأرض من دابة، ربَّهم من فوقهم، أن بعذّبهم إن عَصَوا أمره. {ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ} يقول: ويفعلون ما أمرهم الله به، فـيؤدّون حقوقه ويجتنبون سُخْطه.

وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره: وقال الله لعبـاده: لا تتـخذوا لـي شريكاً أيها الناس، ولا تعبدوا معبودَين، فإنكم إذا عبدتـم معـي غيري جعلتـم لـي شريكاً، ولا شريك لـي، إنـما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذلك. {فإيَّايَ فـارْهَبُونِ} يقول: فإياي فـاتقوا وخافوا عقابـي بـمعصيتكم إياي إن عصيتـمونـي وعبدتـم غيري، أو أشركتـم فـي عبـادتكم لـي شريكاً.

وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره: ولله ملك ما فـي السموات والأرض من شيء، لا شريك له فـي شيء من ذلك، هو الذي خـلقهم، وهو الذي يرزقهم، وبـيده حياتهم وموتهم. وقوله: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} يقول جلّ ثناؤه: وله الطاعة والإخلاص دائماً ثابتاً واجبـاً، يقال منه: وَصَبَ الدَّينُ يَصِبُ وُصُوبـاً ووَصْبـاً كما قال الدِّيِـلـيّ:

لا أبْتَغِي الـحَمْدَ القَلِـيـلَ بَقاؤُهُيَوْماً بِذَمّ الدَّهْرِ أجمَعَ وَاصِبـا

ومنه قول الله: {ولَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} وقول حسان:

غَيَّرَتْهُ الرّيحُ تَسْفِـي بِهِوهَزِيـمٌ رَعْدُهُ وَاصِبُ

فأما من الألـم، فإنـما يقال: وصب الرجل يُوصَبُ وَصَبـاً، وذلك إذا أعيا وملّ ومنه قول الشاعر:

لا يغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أيْنٍ ولا وَصَبٍولا يعَضُّ علـى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل الواصب، فقال بعضهم: معناه، ما قلنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قـيس، عن الأغرّ بن الصبـاح، عن خـلـيفة بن حصين عن أبـي نضرة، عن ابن عبـاس: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: دائماً.

حدثنـي إسماعيـل بن موسى، قال: أخبرنا شريك، عن أبـي حصين، عن عكرمة، فـي قوله: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: دائماً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن قـيس، عن يعلـى بن النعمان، عن عكرمة، قال: دائماً.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال أخبرنا: إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: دائماً.

حدثنا القاسم قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {ولَه الدّين وَاصبـاً} قال: دائماً.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: دائماً.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هُشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً}: أي دائماً، فإن الله تبـارك وتعالـى لـم يدع شيئاً من خـلقه إلاَّ عبده طائعاً أو كارهاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاصِبـاً} قال: دائماً، ألا ترى أنه يقول: {عَذَابٌ وَاصِبٌ}: أي دائم؟

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: دائماً، والواصب: الدائم.

وقال آخرون: الواصب فـي هذا الـموضع: الواجب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن قـيس، عن يَعْلَـى بن النعمان، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: واجبـاً.

وكان مـجاهد يقول: معنى الدين فـي هذا الـموضع: الإخلاص. وقد ذكرنا معنى الدين فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلَهُ الدّينُ وَاصِبـاً} قال: الإخلاص.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: الدِّينُ: الإخلاص.

وقوله: {أفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ} يقول تعالـى ذكره: أفغير الله أيها الناس تتقون، أي ترهبون وتـحذرون أن يسلبكم نعمة الله علـيكم بإخلاصكم العبـادة لربكم، وإفرادكم الطاعة له، وما لكم نافع سواه.

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ ۝٥٣

اختلف أهل العربـية فـي وجه دخول الفـاء فـي قوله: {فَمِنَ اللّهِ} فقال بعض البصريـين: دخـلت الفـاء، لأن «ما» بـمنزلة «من» فجعل الـخبر بـالفـاء. وقال بعض الكوفـيـين: «ما» فـي معنى جزاء، ولها فعل مضمر، كأنك قلت: ما يكن بكم من نعمة فمن الله، لأن الـجزاء لا بدّ له من فعل مـجزوم، إن ظهر فهو جزم، وإن لـم يظهر فهو مضمر كما قال الشاعر:

إن العَقْلُ فـي أموَالِنا لا نَضِقْ بِهِذِرَاعاً وَإنْ صَبْراً فنَعْرِفُ للصَّبْرِ

وقال: أراد: إن يكن العقل فأضمره. قال: وإن جعلت «ما بكم» فـي معنى «الذي» جاز، وجعلت صلته «بكم» و «ما» فـي موضع رفع بقوله: {فَمِنَ اللّهِ} وأدخـل الفـاء كما قال: {إنَّ الـمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإنَّه مُلاقِـيكُمْ} وكل اسم وصل مثل «من» و «ما» و «الذي»، فقد يجوز دخول الفـاء فـي خبره لأنه مضارع للـجزاء والـجزاء قد يجاب بـالفـاء، ولا يجوز أخوك فهو قائم، لأنه اسم غير موصول، وكذلك تقول: مالك لـي، فإن قلت: مالك، جاز أن تقول: مالك فهو لـي، وإن ألقـيت الفـاء فصواب.

وتأويـل الكلام: ما يكن بكم فـي أبدانكم أيها الناس من عافـية وصحة وسلامة وفـي أموالكم من نـماء، فـالله الـمنعم علـيكم بذلك لا غيره، لأن ذلك إلـيه وبـيده. {ثُمَّ إذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} يقول: إذا أصابكم فـي أبدانكم سَقَم ومرض وعلة عارضة وشدّة من عيش، {فإلَـيْهِ تَـجْأَرُونَ} يقول: فإلـى الله تصرخون بـالدعاء وتستغيثون به، لـيكشف ذلك عنكم. وأصله: من جؤار الثور، يقال منه: جأر الثور يجأر جُؤاراً، وذلك إذا رفع صوتاً شديداً من جوع أو غيره ومنه قول الأعشى:

وَما أيْبُلِـيٌّ عَلـى هَيْكَلٍبَناهُ وَصَلَّبَ فِـيهِ وصَارَا يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الـمَلِـيـكِ طَوْراً سُجُوداً وَطَوْراً جُؤَارا

يعنـي بـالـجؤار: الصياح، إما بـالدعاء وإما بـالقراءة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {فإلَـيْهِ تَـجأَرُونَ} قال: تضرعون دعاء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، رضي الله عنهما، قال: الضُّرّ: السُّقْم.

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝٥٤ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٥٥

يقول تعالـى ذكره: ثم إذا وهب لكم ربكم العافـية، ورفع عنكم ما أصابكم من الـمرض فـي أبدانكم ومن الشدّة فـي معاشكم، وفرّج البلاء عنكم {إذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} يقول: إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكاً فـي عبـادتهم، فـيعبدون الأوثان ويذبحون لها الذبـائح شكراً لغير من أنعم علـيهم بـالفرج مـما كانوا فـيه من الضرّ. {لـيَكْفُرُوا بِـمَا آتَـيْناهُمْ} يقول: لـيجحدوا الله نعمته فـيـما آتاهم من كشف الضرّ عنهم. {فَتَـمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَـمُونَ}، وهذا من الله وعيد لهؤلاء الذين وصف صفتهم فـي هذه الآيات وتهديد لهم، يقول لهم جلّ ثناؤه: تـمتعوا فـي هذه الـحياة الدنـيا إلـى أن توافـيكم آجالكم، وتبلغوا الـميقات الذي وقته لـحياتكم وتـمتعكم فـيها، فإنكم من ذلك ستصيرون إلـى ربكم، فتعلـمون بلقائه وبـال ما كسبت أيديكم، وتعرفون سوء مغبة أمركم، وتندمون حين لا ينفعكم الندم.

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَٰهُمْ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ۝٥٦

يقول تعالـى ذكره: ويجعل هؤلاء الـمشركون من عَبَدة الأوثان، لـما لا يعلـمون منه ضرًّا ولا نفعاً {نَصِيبـاً} يقول: حظًّا وجزاء مـما رزقناهم من الأموال، إشراكاً منهم له الذي يعلـمون أنه خـلقهم، وهو الذي ينفعهم ويضرّهم دون غيره. كالذي:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {ويَجْعَلُونَ لِـمَا لا يَعْلَـمُونَ نَصِيبـاً مِـمَّا رزَقْناهُمْ} قال: يعلـمون أن الله خـلقهم ويضرّهم وينفعهم، ثم يجعلون لـما لا يعلـمون أنه يضرّهم ولا ينفعهم نصيبـاً مـما رزقناهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويَجْعَلُونَ لِـمَا لا يَعْلَـمُونَ نَصِيبـاً مِـمَّا رَزَقْناهُمْ} وهم مشركو العرب، جعلوا لأوثانهم نصيبـاً مـما رزقناهم، وجزءاً من أموالهم يجعلونه لأوثانهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {ويَجْعَلُونَ لِـمَا لا يَعْلَـمُونَ نَصِيبـاً مِـمَّا رزَقْناهُمْ} قال: جعلوا لآلهتهم التـي لـيس لها نصيب ولا شيء، جعلوا لها نصيبـاً مـما قال الله من الـحرث والأنعام، يسمون علـيها أسماءها ويذبحون لها.

وقوله: { تاللّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُـمْ تَفْتَرُونَ} يقول تعالـى ذكره: والله أيها الـمشركون الـجاعلون الآلهة والأنداد نصيبـاً فـيـما رزقناكم شركاً بـالله وكفراً، لـيسألنكم الله يوم القـيامة عما كنتـم فـي الدنـيا تفترون، يعنـي: تـختلقون من البـاطل والإفك علـى الله بدعواكم له شريكاً، وتصيـيركم لأوثانكم فـيـما رزقكم نصيبـاً، ثم لـيعاقبنكم عقوبة تكون جزاء لكفرانكم نعمه وافترائكم علـيه.

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ سُبْحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ۝٥٧ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝٥٨

يقول تعالـى ذكره: ومن جهل هؤلاء الـمشركين وخُبث فعلهم وقبح فِرْيتهم علـى ربهم، أنهم يجعلون لـمن خـلقهم ودبَّرهم وأنعم علـيهم، فـاستوجب بنعمه علـيهم الشكر، واستـحقّ علـيهم الـحمد {البَنَاتِ}، ولا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى سبحانه، نزّه جلّ جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إلـيه ونسبوه من البنات، فلـم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إلـيه ما لا ينبغي إضافته إلـيه. ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إلـيه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها، ولكنهم أضافوا إلـيه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم. وفـي «ما» التـي فـي قوله: {ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ} وجهان من العربـية: النصب عطفـاً لها علـى «البنات»، فـيكون معنى الكلام إذا أريد ذلك: ويجعلون لله البنات ولهم البنـين الذين يشتهون، فتكون «ما» للبنـين، والرفع علـى أن الكلام مبتدأ من قوله: {ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ} فـيكون معنى الكلام: ويجعلون لله البنات ولهم البنون.

وقوله: {وَإذَا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بـالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا} يقول: وإذا بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات بولادة ما يضيفه إلـيه من ذلك له، ظلّ وجهه مسودًّا من كراهته له {وَهُوَ كَظِيـمٌ} يقول قد كَظَم الـحزنَ، وامتلأ غمًّا بولادته له، فهو لا يظهر ذلك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {ويَجْعَلُونَ لِلّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ}، ثم قال: {وَإذَا بُشِّرَ أحَدُهُمْ بـالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيـمٌ...} إلـى آخر الآية، يقول: يجعلون لله البنات ترضونهنّ لـي ولا ترضونهنّ لأنفسكم وذلك أنهم كانوا فـي الـجاهلـية إذا وُلد للرجل منهم جارية أمسكها علـى هون، أو دسها فـي التراب وهي حية.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَإذَا بُشِّرَ أحَدهُمْ بـالأُنْثى ظَلَّ وَجْهَهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيـمٌ} وهذا صنـيع مشركي العرب، أخبرهم الله تعالـى ذكره بخبث صنـيعهم فأما الـمؤمن فهو حقـيق أن يرضى بـما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء الـمرء لنفسه، ولعمري ما يدري أنه خير، لرُبّ جارية خير لأهلها من غلام. وإنـما أخبركم الله بصنـيعهم لتـجتنبوه وتنتهوا عنه، وكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {وَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: حزين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {وَهُوَ كَظِيـمٌ} قال: الكظيـم: الكميد.

وقد بـيَّنا ذلك بشواهده فـي غير هذا الـموضع.

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ۝٥٩

يقول تعالـى ذكره: يتوارى هذا الـمبشِّر بولادة الأنثى من الولد له من القوم، فـيغيب عن أبصارهم {مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ} يعنـي: من مساءته إياه مـميلاً بـين أن يـمسكه علـى هُون: أي علـى هوان، وكذلك ذلك لغة قريش فـيـما ذكر لـي، يقولون للهوان: الهُون ومنه قول الـحطيئة:

فلَّـما خَشِيتُ الهُونَ والعَيْرُ مُـمْسِكٌعلـى رَغْمِهِ ما أثبتَ الـحبلَ حافِرُهْ

وبعض بني تميم جعل الهُونَ مصدراً للشيء الهين. ذكر الكسائي أنه سمعهم يقولون: إن كنت لقلـيـل هون الـمؤنة منذ الـيوم قال: وسمعت: الهوان فـي مثل هذا الـمعنى، سمعت منهم قائلاً يقول لبعير له: ما به بأس غير هوانه، يعنـي خفـيف الثمن، فإذا قالوا: هو يـمشي علـى هَوْنه، لـم يقولوه إلا بفتـح الهاء، كما قال تعالـى: { وَعبـادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَـمْشُونَ علـى الأرْضِ هَوْناً }. {أمْ يَدسُّهُ فِـي التُّرَابِ} يقول: يدفنه حيًّا فـي التراب فـيئده. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أيُـمْسكُهُ علـى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ فـي التُّرَابِ} يئد ابنته.

وقوله: {ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ} يقول: ألا ساء الـحكم الذي يحكم هؤلاء الـمشركون وذلك أن جعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم، وجعلوا لـما لا ينفعهم ولا يضرّهم شركاً فـيـما رزقهم الله، وعبدوا من خـلقهم وأنعم علـيهم.

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦٠

وهذا خبر من الله جلّ ثناؤه أن قوله:

{ { وَإذَا بُشِّرَ أحدَهُمْ بـالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيـمٌ } }، والآية التـي بعدها مثل ضربه الله لهؤلاء الـمشركين الذين جعلوا لله البنات، فبـين بقوله: {للَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ} أنه مثل، وعنى بقوله جلّ ثناؤه: {للَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ} للذين لا يصدّقون بـالـمعاد والثواب والعقاب من الـمشركين {مَثَلُ السَّوْءِ} وهو القبـيح من الـمثل، وما يسوء من ضرب له ذلك الـمثل. {ولِلَّهِ الـمَثَلُ الأعْلـى} يقول: ولله الـمثل الأعلـى، وهو الأفضل والأطيب، والأحسن، والأجمل، وذلك التوحيد والإذعان له بأنه لا إله غيره.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَلِلَّهِ الـمَثَلُ الأعْلَـى} قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سيعد، عن قتادة، قوله: {للَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الـمَثَلْ الأعْلَـى} الإخلاص والتوحيد.

وقوله: {وَهُوَ العَزِيرُ الـحَكِيـمُ} يقول تعالـى ذكره: والله ذو العزّة التـي لا يـمتنع علـيه معها عقوبة هؤلاء الـمشركين الذين وصف صفتهم فـي هذه الآيات، ولا عقوبة من أراد عقوبته علـى معصيته إياه، ولا يتعذّر علـيه شيء أراده وشاءه لأن الـخـلق خـلقه والأمر أمره، الـحكيـم فـي تدبـيره، فلا يدخـل تدبـيره خَـلَل ولا خطأ.

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٦١

يقول تعالـى ذكره: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ} عصاة بنـي آدم بـمعاصيهم، {ما تَرَكَ عَلَـيْها} يعنـي علـى الأرض {مِنْ دَابَّةٍ} تدبّ علـيها. {ولَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ} يقول: ولكن بحلـمه يؤخر هؤلاء الظلـمة فلا يُعاجلهم بـالعقوبة، {إلـى أجَلٍ مُسَمًّى} يقول: إلـى وقتهم الذي وُقِّت لهم. {فإذَا جاءَ أجَلُهُمْ} يقول: فإذا جاء الوقت الذي وُقِّت لهلاكهم، {لا يَسْتَأْخِرُونَ} عن الهلاك ساعة فـيـمهلون، {وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} له حتـى يستوفُوا آجالهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، عن أبـي إسحاق، عن أبـي الأحوص، قال: كاد الـجُعَل أن يعذَّب بذنب بنـي آدم. وقرأ: {لَوْ يُوءَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْـمهِمْ ما تَرَكَ عَلَـيْها مِنْ دَابَّةٍ}.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا إسماعيـل بن حكيـم الـخزاعيّ، قال: ثنا مـحمد بن جابر الـجعفـي، عن يحيى بن أبـي كثـير، عن أبـي سلـمة، قال: سمع أبو هريرة رجلاً وهو يقول: إن الظالـم لا يضرّ إلا نفسه، قال: فـالتفت إلـيه فقال: بلـى، والله إن الـحبـاري لتـموت فـي وكرها هزالاً بظلـم الظالـم

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا أبو عبـيدة الـحداد، قال: ثنا قرة بن خالد السدوسي، عن الزبـير بن عديّ، قال: قال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الـجُعَل.

حدثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبـي إسحاق، عن أبـي عبـيدة، قال: قال عبد الله: كاد الـجُعَل أن يهلك فـي جحره بخطيئة ابن آدم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال الله: {فإذَا جاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} قال: نرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يقدّم ما لـم يحضر أجله، فإن الله يؤخِّر ما شاء ويُقدّم ما شاءَ.

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ۝٦٢

يقول تعالـى ذكره: ويجعل هؤلاء الـمشركون لله ما يكرهونه لأنفسهم. {وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ} يقول: وتقول ألسنتهم الكذب وتفتريه {أنَّ لهم الـحُسْنَى} فأن فـي موضع نصب، لأنها ترجمة عن الكذب. وتأويـل الكلام: ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم، ويزعمون أن لهم الـحسنى الذي يكرهونه لأنفسهم، البنات يجعلونهن لله تعالـى، وزعموا أن الـملائكة بنات الله. وأما الـحُسنى التـي جعلوها لأنفسهم: فـالذكور من الأولاد وذلك أنهم كانوا يئدون الإناث من أولادهم ويستبقون الذكور منهم، ويقولون: لنا الذكور ولله البنات. وهو نـحو قوله:

{ { ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ وَلهُمْ ما يَشْتَهونَ } }

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الـحُسْنَى} قال: قول قريش: لنا البنون ولله البنات.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله، إلا أنه قال: قول كفَّـار قُريش.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ ألْسِنَتِهُمُ الكَذِبَ}: أي يتكلـمون بأن لهم الـحُسنى أي الغلـمان.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أنَّ لَهُمُ الـحُسْنَى} قال: الغلـمان.

وقوله: {لا جَرَمَ أن لَهُمُ النَّارَ وأنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} يقول تعالـى ذكره: حقًّا واجبـاً أن لهؤلاء القائلـين لله البنات الـجاعلـين له ما يكرهونه لأنفسهم ولأنفسهم الـحسنى عند الله يوم القـيامة النار.

وقد بـيَّنا تأويـل قول الله: {لا جَرَمَ} فـي غير موضع من كتابنا هذا بشواهده بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

ورُوي عن ابن عبـاس فـي ذلك، ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {لا جَرَمَ} يقول: بلـى.

وقوله: {لا جَرَمَ} كان بعض أهل العربـية يقول: لـم تُنْصَب جَرَمَ بـ «لا» كما نصبت الـميـم من قول: لا غلام لك قال: ولكنها نُصِبَت لأنها فعل ماض، مثل قول القائل: قَعَدَ فلان وجلس، والكلام: لا ردّ لكلامهم أي لـيس الأمر هكذا، جَرَم: كَسَبَ، مثل قوله: لا أقسم، ونـحو ذلك. وكان بعضهم يقول: نصب «جَرَمَ» بـ «لا»، وإنـما بـمعنى: لا بدّ، ولا مـحالة ولكنها كثرت فـي الكلام حتـى صارت بـمنزلة «حقًّا».

وقوله: {وأنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} يقول تعالـى ذكره: وأنهم مُخَـلَّفون متروكون فـي النار، منسيُّون فـيها.

واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال أكثرهم بنـحو ما قلنا فـي ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار وابن وكيع، قالا: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير فـي هذه الآية: {لا جَرَمَ أنّ لهُمُ النَّارَ وأنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} قال: منسيُّون مُضَيَّعون.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا زيد بن حبـاب، قال: أخبرنا سعيد، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا بهز بن أسد، عن شعبة، قال: أخبرنـي أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {لا جَرَمَ أنَّ لَهُمْ النَّارَ وأنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} قال: متروكون فـي النار، منسيُّون فـيها.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، قال: حصين، أخبرنا، عن سعيد بن جبـير، بـمثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا هشيـم، عن حصين، عن سعيد بن جبـير بـمثله.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} قال: منسيُّون.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبدة وأبو معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} قال: متروكون فـي النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم، عن مـجاهد: {مُفْرَطُونَ} قال: مَنْسيّون.

حدثنـي عبد الوارث بن عبد الصمد، قال: ثنـي أبـي، عن الـحسين، عن قتادة: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} يقول: مُضَاعُون.

حدثنا ابن الـمثنى، قال: ثنا بدل، قال: ثنا عبـاد بن راشد، قال: سمعت داود بن أبـي هند، فـي قول الله: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} قال: منسيون فـي النار.

وقال آخرون: معنى ذلك مُعْجَلُون إلـى النار مقدّمون إلـيها. وذهبوا فـي ذلك إلـى قول العرب: أفرطنا فلاناً فـي طلب الـماء، إذا قدّموه لإصلاح الدّلاء والأرشية وتسوية ما يحتاجون إلـيه عند ورودهم علـيه فهو مُفْرَط. فأما الـمتقدّم نفسه فهو فـارط، يقال: قد فَرَط فلان أصحابَه يَفْرُطهم فُرْطاً وفُروطاً: إذا تقدمهم. وجمع فـارط: فَرَّاط ومنه قول القُطامِيّ:

واسْتَعْجَلُونا وكانُوا مِنْ صَحَابَتِناكمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ

ومن قول النبـيّ صلى الله عليه وسلم:أنا فَرَطُكُمْ علـى الـحَوْضِ: أي متقدمكم إلـيه وسابقكم «حتـى تَردُوه». ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} يقول: مُعْجَلُون إلـى النار.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} قال: قد أُفْرِطوا فـي النار أي مُعْجَلُون.

وقال آخرون: معنى ذلك: مُبْعَدُون فـي النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أشعث السَّمان، عن الربـيع، عن أبـي بشر، عن سعيد: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} قال: مُخْسَئون مُبْعَدون.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب القول الذي اخترناه، وذلك أن الإفراط الذي هو بـمعنى التقديـم، إنـما يقال فـيـمن قدَم مقدمَاً لإصلاح ما يقدم إلـيه إلـى وقت ورود من قدّمه علـيه، ولـيس بـمُقَدَّم من قُدِّم إلـى النار من أهلها لإصلاح شيء فـيها لوارد يرد علـيها فـيها فـيوافقه مصلـحاً، وإنـما تَقَدّم مَن قُدِّم إلـيها لعذاب يُعجَّل له. فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويـل التعجيـل ففسد أن يكون له وجه فـي الصحة، صحّ الـمعنى الآخر وهو الإفراط الذي بـمعنى التـخـلـيف والترك وذلك أن يُحْكَى عن العرب: ما أفْرَطت ورائي أحداً: أي ما خَـلَّفته وما فرطته: أي لـم أخـلفه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الـمِصرَينِ الكوفة والبصرة: {وأنَّهُم مُفْرَطُونَ} بتـخفـيف الراء وفتـحها، علـى معنى ما لـم يُسَمّ فـاعله من أُفرِط فهو مُفْرَط. وقد بـيَّنت اختلاف قراءة ذلك كذلك فـي التأويـل. وقرأه أبو جعفر القارىء: «وأنَّهُم مُفْرَطُونَ» بكسر الراء وتشديدها، بتأويـل: أنهم مفرِّطون فـي أداء الواجب الذي كان لله علـيهم فـي الدنـيا، من طاعته وحقوقه، مضيعو ذلك، من قول الله تعالـى:

{ { يا حَسْرتَا علـى ما فَرَّطْتُ فـي جَنْبِ اللَّهِ } } . وقرأ نافع بن أبـي نعيـم: «وأنَّهُم مُفْرَطُونَ» بكسر الراء وتـخفـيفها.

حدثنـي بذلك يونس، عن وَرْش عنه.

بتأويـل: أنهم مُفْرِطون فـي الذنوب والـمعاصي، مُسْرِفون علـى أنفسهم مكثرون منها، من قولهم: أفرط فلان فـي القول: إذا تـجاوز حَدَّه، وأسرف فـيه.

والذي هو أولـى القراءات فـي ذلك بـالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لـموافقتها تأويـل أهل التأويـل الذي ذكرنا قبل، وخروج القراءات الأخرى عن تأويـلهم.

الجمعة، 6 نوفمبر 2026 26 جمادى الأولى 1448 هـ