انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير البغويالآيات 1–72

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١

{أَتَىٰ} أي: جاء ودَنَا وقَرُبَ، {أَمْرُ ٱللَّهِ}، قال ابن عرفة: تقول العرب: أتاك الأمر وهو متوقع بعد، أي: أتى أمر الله وعداً فلا تستعجلوه وقوعاً.

{أَمْرُ ٱللَّهِ} قال الكلبي وغيره: المراد منه القيامة.

وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى:

{ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ } [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسِكُوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما لم ينزل شيء قالوا: ما نرى شيئاً فنزل قوله { ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ }[الأنبياء: 1] فأشفقوا، فلما امتدَّتِ الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فأنزل الله تعالى: {أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} فوثب النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزلت {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} فاطمأنوا.

والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه.

ولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم:

بعثتُ أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه، وإن كادت لتسبقني ».

قال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مرّ جبريل عليه السلام بأهل السموات مبعوثاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة.

وقال قوم: المراد بالأمر هاهنا: عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف، وذلك أن النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فاستعجل العذاب، فنزلت هذه الآية. وقتل النضر يوم بدر صبراً.

{سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، معناه تعاظم بالأوصاف الحميدة عمّا يصفه به المشركون.

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ۝٢

{يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ}، قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي، {والملائكة} نصب. وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و{الملائكة} رفع، {يُنَزِّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ} بالوحي، سماه روحاً لأنه يُحيي به القلوب والحق.

قال عطاء: بالنبوة.

وقال قتادة: بالرحمة.

وقال أبو عبيدة: "بالروح" يعني مع الروح، وهو جبريل. {مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوۤاْ}، أعلموا: {أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَ أَنَاْ فَٱتَّقُونِ}.

وقيل: معناه مروهم بقول "لا إله إلا الله" منذرين مخوِّفين بالقرآن إن لم يقولوا.

وقوله "فاتقون" أي: فخافون.

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٣ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ۝٤ وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٥ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ۝٦ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٧

{خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: ارتفع عما يشركون.

{خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ}، جَدِلٌ بالباطل، {مُّبِينٌ}.

نزلت في أبيّ بن خلف الجمحي، وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم فقال: أتقول إن الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رمَّ؟ كما قال جل ذكره

{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ }[يس: 78]، نزلت فيه أيضاً.

والصحيح أن الآية عامة، وفيها بيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوه، من جحد نعم الله مع ظهورها عليهم.

قوله تعالى: {وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا}، يعني الإِبل والبقر والغنم، {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} يعني: من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ولُحفاً تستدفئون بها، {وَمَنَـٰفِعُ}، بالنسل والدر والركوب والحمل وغيرها، {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ}، يعني لحومها.

{وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ}، زينة، {حِينَ تُرِيحُونَ}، أي: حين تردونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوى إليها، {وَحِينَ تَسْرَحُونَ}، أي: تخرجونها بالغداة من مراحها إلى مسارحها، وقدم الرواح لأن المنافع تؤخذ منها بعد الرواح، ومالكَها يكون أعجب بها إذا راحت.

{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ}، أحمالكم، {إِلَىٰ بَلَدٍ}، آخر غير بلدكم. قال عكرمة: البلد مكة، {لَّمْ تَكُونُواْ بَـٰلِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ}، أي: بالمشقة والجهد. والشق: النصف أيضاً أي: لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها.

وقرأ أبو جعفر {بِشَقِّ} بفتح الشين، وهما لغتان، مثل: رطْل ورِطْل.

{إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، بخلقه حيث جعل لكم هذه المنافع.

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨

{وَٱلْخَيْلَ}، يعني: وخلق الخيل، وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإِبل والنساء،

{وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}، يعني: وجعلها زينة لكم مع المنافع التي فيها.

واحتج بهذه الآية من حرَّم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية، فقال: هذه للركوب، وإليه ذهب الحَكَمُ، ومالك، وأبو حنيفة.

وذهب جماعة إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.

ومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم بل المراد منه تعريف الله عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما:

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن عمرو - هو ابن دينار - عن محمد بن علي، عن جابر رضي الله عنه قال:

نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخَّص في لحوم الخيل».

أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبدالله بن عدي الحافظ، حدثنا الحسن بن الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا عبدالله ابن عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر: أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونهى عن لحوم البغال والحمير؛ روي عن المقدام بن معدي كرب عن خالد بن الوليد

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وإسناده ضعيف.

{وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، قيل: يعني ما أعدَّ الله في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها، مما لم تره عين ولا تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر.

وقال قتادة يعني: السوس في النبات والدود في الفواكه.

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ۝٩ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ۝١٠

قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ} يعني: بيان طريق الهدى من الضلالة. وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين والقصد: الصراط المستقيم.

{وَمِنْهَا جَآئِرٌ} يعني: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوجٌّ، فالقصد من السبيل: دين الإِسلام، والجائر منها: اليهودية، والنصرانية، وسائر مِلَلِ الكفر.

قال جابر بن عبدالله: "قصد السبيل": بيان الشرائع والفرائض.

وقال عبدالله بن المبارك، وسهل بن عبدالله: "قصد السبيل" السنة، "ومنها جائر" الأهواء والبدع، دليله قوله تعالى:

{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ } [الأنعام: 153].

{وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}، نظيره قوله تعالى:

{ وَلَوْ شِئْنَا لأَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا }[السجدة: 13].

قوله عزّ وجلّ: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ}، تشربونه، {وَمِنْهُ شَجَرٌ}، أي: من ذلك الماء شراب أشجاركم، وحياة نباتكم، {فِيهِ} يعني: في الشجر، {تُسِيمُونَ}، ترعون مواشيكم.

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝١١ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝١٢ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ۝١٣ وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٤

{يُنبِتُ لَكُم بِهِ} أي: يُنْبِتُ الله لكم به، يعني بالماء الذي أنزل، وقرأ أبو بكر عن عاصم {نُنبت} بالنون. {ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ} ذلّل لكم، {ٱلَّيْلَ وَٱلْنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلْنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌ}، مذللات، {بِأَمْرِهِ} أي: بإذنه، وقرأ حفص عن عاصم {وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌ} بالرفع على الابتداء. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

{وَمَا ذَرَأَ} خلق، {لَكُمْ}، لأجلكم، أي: وسخر ما خلق لأجلكم، {فِى ٱلأَرْضِ}، من الدواب والأشجار والثمار وغيرها، {مُخْتَلِفًا}، نصب على الحال، {أَلْوَٰنُهُ}.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَة لِّقَومٍ يذَّكَّرُونَ}، يعتبرون.

{وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} يعني: السمك، {وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} يعني: اللؤلؤ والمرجان، {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ}، جواري.

قال قتادة: مقبلة ومدبرة وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر، تجريان بريح واحدة.

وقال الحسن: "مواخر" أي: مملوءة.

وقال الفراء والأخفش: شواقّ تشق الماء بجناحيها.

قال مجاهد: تمخر السفن الرياح.

وأصل المخر: الرفع والشق. وفي الحديث:

إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريحأي: لينظر من أين مجراها وهبوبها، فليستدبرها حتى لا يردّ عليه البول.

وقال أبو عبيدة: صوائخ، والمَخْر: صوتُ هبوب الريح عند شدتها.

{وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} يعني: التجارة، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، إذا رأيتم صنع الله فيما سخر لكم.

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥ وَعَلَٰمَٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ۝١٦

{وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} أي: لئلا تميد بكم أي: تتحرك وتميل.

والمَيْد: هو الاضطراب والتكفؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: مَيَدٌ.

قال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: أن هذه غير مقرّة أحداً على ظهرها فأصبحت وقد أُرسيت بالجبال فلم تَدْرِ الملائكة ممَّ خلقت الجبال.

{وَأَنْهَـٰراً وَسُبُلاً} أي: وجعل فيها أنهاراً وطرقاً مختلفة، {لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، إلى ما تريدون فلا تضلون.

{وَعَلاَمَـٰتٍ}، يعني: معالم الطرق. قال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثم ابتدأ، {وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}.

قال محمد بن كعب والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال علامات النهار، والنجوم علامات الليل.

وقال مجاهد: أراد بالكلِّ النجومَ، منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به.

قال السدي: أراد بالنجم، الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجَدْي، يهتدى بها إلى الطرق والقبلة.

وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء، ومعالم للطرق، ورجوماً للشياطين، فمن قال غير هذا فقد تكلَّف ما لا علم له به.

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝١٧ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٨ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۝١٩ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝٢٠ أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ۝٢١ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ۝٢٢

{أَفَمَن يَخْلُقُ} يعني: الله تعالى، {كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}، يعني: الأصنام، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}.

{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ} لتقصيركم في شكر نعمه، {رَّحِيمٌ} بكم حيث وسّع عليكم النِّعم، ولم يقطعها عنكم بالتقصير والمعاصي.

{وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ}.

{وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني: الأصنام، وقرأ عاصم ويعقوب {يَدْعُونَ} بالياء. {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ}.

{أَمْوٰتٌ} أي: الأصنام {غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ}، يعني: الأصنام {أَيَّانَ} متى {يُبْعَثُونَ}، والقرآن يدل على أن الأصنام تُبْعث وتُجْعل فيها الحياة فتتبرأ من عابديها.

وقيل: وما يدري الكفار عبدة الأصنام متى يبعثون.

قوله تعالى: {إِلَـٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ}، جاحدة، {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}، متعظِّمون.

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ۝٢٣ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٤ لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ۝٢٥

{لاَ جَرَمَ}، حقاً {أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}.

أخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، أخبرنا أبو الحسن عبدالرحمن ابن إبراهيم بن سختويْه، أخبرنا أبو الفضل سفيان بن محمد الجوهري، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي، حدثنا يحيـى بن حماد، حدثنا شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ ذرة من كِبْرٍ، ولا يدخلُ النار من في قلبه مثقالُ ذرة من إيمان»، فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً؟ قال: «إنّ الله جميلٌ يحبُّ الجَمال، الكِبَرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ النَاسِ« .

{وَإِذَا قِيلَ لَهُم} يعني: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم مشركو مكة الذين اقتسموا عِقَابها، إذا سأل الحاج: {مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، أحاديثهم وأباطيلهم.

{لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ}، ذنوب أنفسهم، {كَامِلَةً}، وإنما ذكر الكمال لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا وما يفعلون فيها من الحسنات لا تكفِّر عنهم شيئاً، {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}، بغير حجة فيصدُّونهم عن الإِيمان، {أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ}، يحملون.

أنبأنا أبو عبدالله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن علي ابن عبدالله الطيسفوني، أخبرنا عبدالله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي ابن حجر، حدثنا إسماعيل ابن جعفر، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من دعا إلى هُدىً كان له من الأجر مثلُ أجورِ من تَبِعَه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلكَ من آثامهم شيئاً .«

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝٢٦ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٢٧ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٢٨

قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، وهو نمروذ بن كنعان، بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء.

قال ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع.

وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبَّتْ ريح وألقت رأسه في البحر، وخرّ عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية، فذلك قوله تعالى:

{فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} أي: قصد تخريب بنيانهم من أصولها، {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ} يعني أعلى البيوت {مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَـٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}، من مأمنهم.

{ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُخْزِيهِمْ}، يهينهم بالعذاب، {وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَـٰقُّونَ فِيهِمْ}، تخالفون المؤمنين فيهم، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟

وكسر نافع النون من "تشاقون" على الإِضافة، والآخرون بفتحها.

{قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ}، وهم المؤمنون، {إِنَّ ٱلْخِزْىَ}، الهوان، {ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ}، أي: العذاب، {عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}.

{ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ}، يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه، قرأ حمزة {يتوفاهم} بالياء وكذا ما بعده، {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ}، بالكفر، نصب على الحال أي: في حال كفرهم، {فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ} أي: استسلموا وانقادوا وقالوا: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}، شرك، فقال لهم الملائكة: {بَلَىٰ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قال عكرمة: عنى بذلك من قتل من الكفار ببدر.

فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٢٩ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا۟ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٣٠ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٣١ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٣٢

{فَٱدْخُلُوۤاْ} أي: قال لهم ادخلوا {أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ}، عن الإِيمان.

{وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه، فيقولون: ساحر، كاهن، شاعر، كذاب، مجنون، ولو لم تلقه خيرٌ لك، فيقول السائل: أنا شر وفدٍ إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة فألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث. فذلك قوله:

{وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا} يعني: أنزل خيراً.

ثم ابتدأ فقال: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَٰذِهِ ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةٌ}، كرامة من الله.

قال ابن عباس: هي تضعيف الأجر إلى العشر.

وقال الضحاك: هي النصر والفتح.

وقال مجاهد: هي الرزق الحسن.

{وَلَدَارُ ٱلأَخِرَةِ}، أي ولَدارُ الحال الآخرة، {خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ}، قال الحسن: هي الدنيا؛ لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة. وقال أكثر المفسرين: هي الجنة، ثم فسرها فقال:

{جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ}.

{ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيِّبِينَ}، مؤمنين طاهرين من الشرك.

قال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم.

وقيل: معناه إن وفاتهم تقع طيبة سهلة. {يَقُولُونَ} يعني: الملائكة لهم، {سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ}، وقيل: يبلغونهم سلام الله، {ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٣٣ فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٣٤ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٣٥ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝٣٦

قوله عزّ وجلّ: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلـٰئِكَةُ}، لقبض أرواحهم، {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ}، يعني: يوم القيامة، وقيل: العذاب. {كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}، أي: كفروا، {وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ} بتعذيبه إيّاهم، {وَلـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

{فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ}، عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة، {وَحَاقَ بِهِم}، نزل بهم، {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}.

{وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ}، يعني: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فلولا أن الله رضيها لغيَّر ذلك وهدانا إلى غيرها، {كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ}، أي: ليس إليهم الهداية إنما إليهم التبليغ.

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً} أي: كما بعثنا فيكم، {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ}، وهو كلُّ معبود من دون الله، {فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ}، أي: هداه الله إلى دينه، {وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ} أي: وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره، {فَسِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}، أي: مآل أمرهم، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك.

إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٣٧ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٨ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰذِبِينَ ۝٣٩ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٤٠

{إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ}، يا محمد، {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ}، قرأ أهل الكوفة {يَهْدِي} بفتح الياء وكسر الدال أي: لا يهدي الله من أضلَّه. وقيل: معناه لا يهتدي من أضله الله.

وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الدال يعني من أضله الله فلا هادي له كما قال:

{ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } [الأعراف: 186].

{وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِينَ} أي: مانعين من العذاب.

قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ}، وهم منكرُو البعث، قال الله تعالى رَدّاً عليهم: {بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.

{لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أي: ليظهر لهم الحق فيما يختلفون فيه {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَـٰذِبِينَ}.

{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، يقول الله تعالى: إذا أردنا أن نبعث الموتى لا تَعَبَ علينا في إحيائهم، ولا في شيء مما يحدث، إنما نقول له: كن فيكون.

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبدالرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال الله: كذَّبَنِي عَبْدِي، ولم يكن له ذلك، وشَتَمَنِي عبدي ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبُه إيّايَ، أن يقول: لن يعيدَنا كما بدأنا، وأما شتمُه إيّايّ، أن يقول: اتخذ الله ولداً، وأنا الصَّمَدُ لم ألِدْ، ولم يكن لي كفواً أحد .«

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٤١ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٤٢ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٤٣

قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ فِى ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ}، عذبوا وأوذوا في الله.

نزلت في بلال، وصُهيب، وخبَّاب، وعمّار، وعابس، وجبر، وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فعذَّبوهم.

وقال قتادة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ظلمهم أهل مكة، وأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينةَ بعد ذلك فجعلها لهم دارَ هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين.

{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَة}، وهو أنه أنزلهم المدينة.

روي أن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول: خُذْ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادَّخَرَ لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية.

وقيل: معناه لنحسننّ إليهم في الدنيا.

وقيل: الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية.

{وَلأَجْرُ ٱلأَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. وقوله: «لو كانوا يعلمون»، ينصرف إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه.

{ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}، في الله على ما نابهم، {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.

{وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ}، نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، فهلاّ بعث إلينا مَلَكاً؟

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ}، يعني مؤمني أهل الكتاب، {إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.

بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ۝٤٤ أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝٤٥ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝٤٦ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٤٧

{بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِ}، واختلفوا في الجالب للباء في قوله {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} قيل: هي راجعة إلى قوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا}، وإلا بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يُوحى إليهم ولم نبعث ملائكة.

وقيل: تأويله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم أرسلناهم بالبينات والزبر.

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، أراد بالذكر الوحيَ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مبيِّناً للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة، {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

{أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ}، عملوا {ٱلسَّيِّئَاتِ}، من قبل، يعني: نمرودَ بن كنعان وغيره من الكفار، {أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}.

{أَوْ يَأْخُذَهُمْ}، بالعذاب، {فِى تَقَلُّبِهِمْ}، تصرُّفهم في الأسفار. وقال ابن عباس: في اختلافهم. وقال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم، {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ}، بسابقين الله.

{أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ}، والتخوُّف: التنقُّص، أي: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال: تخوَّفه الدهر وتخوَّنه: إذا نقصه وأخذ ماله وحشمه.

ويقال: هذه لغة بني هذيل.

وقال الضحاك والكلبي: هو من الخوف، أي يعذب طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم.

{فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، حين لم يعجل بالعقوبة.

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا۟ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَٰخِرُونَ ۝٤٨ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝٤٩

قوله عزّ وجلّ: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ} - قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت، والآخرون بالياء، خبراً عن الذين مكروا السيئات - إلى ما خلق الله من شيء من جسم قائم، له ظلٌّ، {يَتَفَيَّؤُا}، قرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتاء والآخرون بالياء. {ظِلاَلُهُ}، أي: تميل وتدور من جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال، ثم تتقلص، ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى سجداً لله، فميلانُها ودورانُها: سجودها لله عزّ وجلّ.

ويقال للظل بالعشي: فيءٌ؛ لأنه فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق، فالفيء الرجوع. والسجود الميل. يقال: سجدت النخلة إذا مالت.

قوله عزّ وجلّ: {عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ}، قال قتادة والضحاك: أما اليمين: فأول النهار، والشمال: آخر النهار، تسجد الظلال لله.

وقال الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، وكذلك إذا غابت، فإذا طلعت كان من قدامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك، ثم بعده كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك، فهذا تفيؤه، وتقلُّبه، وهو سجوده.

وقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.

وقيل: المراد من الظلال: سجود الأشخاص.

فإن قيل لِمَ وحَّد اليمين وجمع الشمائل؟

قيل: من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة، كقوله تعالى:

{ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ }[البقرة: 7]، وقوله: { يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ }[البقرة: 257].

وقيل: اليمين يرجع إلى قوله: "ما خلق الله". ولفظ "ما" واحدٌ، والشمائل: يرجع إلى المعنى.

{وَهُمْ دَاخِرُونَ}، صاغرون.

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ}، إنما أخبر بما لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد، والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث، {مِن دَآبَّةٍ}، أراد من كل حيوان يدب. ويقال: السجود: الطاعة، والأشياء كلها مطيعة لله عزّ وجلّ من حيوانٍ وجماد، قال الله تعالى:

{ قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }[فصلت: 11].

وقيل: سجود الأشياء تذلُّلُها وتسخرها لما أُريدت له وسُخّرت له.

وقيل: سجود الجمادات ومالا يعقل: ظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يدعو الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه، قال الله تعالى:

{ سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ }[فصلت: 53].

{وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ}، خصّ الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في السموات والأرض تشريفاً ورفعاً لشأنهم.

وقيل: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها.

وقيل؛ أراد: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة وما في الأرض من دابة، وتسجد الملائكة.

{وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}.

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ۝٥٠ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓا۟ إِلَٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ ۝٥١ وَلَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ۝٥٢

{يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ}، كقوله:

{ وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } [الأنعام: 18 و61].

{وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.

أخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا محمد بن سمعان، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الشعراني، حدثنا محمد بن يحيـى الذهلي، حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني أرى ما لا ترونَ، وأسمعُ مالا تسمعونَ، أطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، والذي نفسي بيده ما فيها موضعُ، أربعِ أصابعَ إلا وفيه مَلَك يُمجِّد الله، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبَكَيْتُم كثيراً وما تلذَّذْتُم بالنساءِ على الفُرُشَات، ولَصَعَدْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تجأرونَ، قال أبو ذر "يا ليتني كنتُ شجرةً تُعْضَدُ". رواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل وقال: "إلاّ وَمَلكٌ واضعٌ جبهَته ساجداً لله".

قوله تعالى: {وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلَـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ}.

{وَلَهُ مَا فِى ٱلْسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ}، الطاعة والإِخلاص {وَاصِبًا}، دائماً ثابتاً.

معناه: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلاك، غير الله عزّ وجلّ، فإن الطاعة تدوم له ولا تنقطع.

{أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ}، أي: تخافون، استفهام على طريق الإِنكار.

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـَٔرُونَ ۝٥٣ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝٥٤ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ۝٥٥ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَٰهُمْ تَٱللَّهِ لَتُسْـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ۝٥٦ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَٰتِ سُبْحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ۝٥٧ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝٥٨

قوله تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} أي: وما يكن بكم من نعمة فمن الله، {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ}، القحط والمرض، {فَإِلَيْهِ تَجْـأرُونَ}، تضجُّون وتصيحون بالدعاء والاستغاثة.

{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ}.

{لِيَكْفُرُواْ}، ليجحدوا، وهذه اللام تُسمى لام العاقبة، أي: حاصل أمرهم هو كفرهم {بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ} أعطيناهم من النعماء وكشف الضراء والبلاء، {فَتَمَتَّعُواْ}، أي: عيشوا في الدنيا المدة التي ضربتها لكم، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة أمركم. هذا وعيدٌ لهم.

{وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ}، له حقاً، أي: الأصنام، {نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ}، من الأموال، وهو ما جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا.

ثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: {تَٱللهِ لَتُسْئَلُنَّ}، يوم القيامة، {عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ}، في الدنيا.

{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَـٰتِ} وهم خزاعة وكنانة، قالوا: الملائكة بنات الله تعالى: {سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ}، أي: ويجعلون لأنفسهم البنين الذين يشتهونهم، فتكون "ما" في محل النصب، ويجوز أن تكون على الابتداء فتكون "ما" في محل الرفع.

{وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا}، متغيراً من الغمِّ والكراهية، {وَهُوَ كَظِيمٌ}، وهو ممتلىء حزناً وغيظاً، فهو يكظمه، أي: يمسكه ولا يظهره.

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ۝٥٩ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝٦٠

{يَتَوَارَىٰ} أي: يختفي، {مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ}، من الحزن والعار، ثم يتفكر: {أَيُمْسِكُهُ}، ذكر الكناية رداً على «ما» {عَلَىٰ هُونٍ} أي: هَوانٍ، {أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ}، أي: يخفيه منه، فيئده.

وذلك: أن مضر وخزاعة وتميماً كانوا يدفنون البنات أحياء، خوفاً من الفقر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها: ألبسها جُبَّةً من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإِبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها: تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئر في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في البئر، ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، فذلك قوله عزّ وجلّ: {أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى ٱلتُّرَابِ}.

وكان صعصعة عمُّ الفرزدق إذا أحسَّ بشيء من ذلك وجّه إلى والد البنت إبلاً يحييها بذلك، فقال الفرزدق يفتخر به.

وَعَمِّي الذي مَنَعَ الوَائِدَاتْفأحيا الوَئِيْدَ فلم تُوْأَدِ

{أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}، بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين، نظيره: { { أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنثَىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ }[النجم:21،22]، وقيل: بئس حكمهم وأد البنات.

{لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ}، يعني: لهؤلاء الذين يصفون لله البنات ولأنفسهم البنينَ {مَثَلُ ٱلسَّوْءِ}، صفة السوء من الاحتياج إلى الولد، وكراهية الإِناث، وقتلهن خوف الفقر، {وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}، الصفة العليا وهي التوحيد وأنه لا إله إلا هو.

وقيل: جميع صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من الصفات.

قال ابن عباس: "مثل السوء": النار، "والمَثَل الأعلى": شهادة أن لا إله إلا الله.

{وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ۝٦١ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ۝٦٢

{وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ} فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم، {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا}، أي: على الأرض، كناية عن غير مذكور، {مِن دَآبَّةٍ}.

قال قتادة في الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح، فأهلك مَنْ على الأرض، إلا مَنْ كان في سفينة نوح عليه السلام

روى أن أبا هريرة سمع رجلاً يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ما قلت إن الحبارى تموت في وكرها بظلم الظالم.

وقال ابن مسعود: إن الجُعَل لتعذب في جحرها بذنب ابن آدم.

وقيل: معنى الآية لو يؤاخذ الله آباء الظالمين بظلمهم انقطع النسل، ولم توجد الأبناء، فلم يبق في الأرض أحد.

{وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ}، يمهلهم بحلمه إلى أجل، {مُّسَمًّىٰ}، إلى منتهى آجالهم وانقطاع أعمارهم. {فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَـأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}.

قوله عزّ وجلّ: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ}، لأنفسهم يعني البنات، {وَتَصِفُ}، أي: تقول، {أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ}، يعني البنين، محل "إن" نصب بدل عن الكذب.

قال يمان: يعني بـ "بالحسنى": الجنة في المعاد، إن كان محمد صادقاً بالوعد في البعث.

{لاَ جَرَمَ} حقاً. قال ابن عباس: بلى، {أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ}، في الآخرة، {وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ}، قرأ نافع بكسر الراء أي: مسرفون.

وقرأ أبو جعفر بتشديد الراء وكسرها أي: مضيعون أمر الله.

وقرأ الآخرون بفتح الراء وتخفيفها أي: منسيون في النار، قاله ابن عباس.

وقال سعيد بن جبير: مبعدون.

وقال مقاتل: متروكون.

قال قتادة: معجلون إلى النار.

قال الفراء: مقدّمون إلى النار، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:

أنا فَرَطكُم على الحوض أي: متقدمكم.

تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَعْمَٰلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٦٣ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ۝٦٤ وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ۝٦٥ وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَٰمِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّٰرِبِينَ ۝٦٦

{تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ} كما أرسلنا إلى هذه الأمة، {فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـانُ أَعْمَالَهُمْ}، الخبيثة، {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ}، ناصرهم، {ٱلْيَوْمَ}، وقرينهم، سمَّاه ولياً لهم، لطاعتهم إيّاه، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، في الآخرة.

{وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} من الدين والأحكام، {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بياناً وهدىً ورحمة، فالهدى والرحمة عطف على قوله: "لتبين".

{وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَآءِ مَآءً} يعني: المطر: {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ}، بالنبات، {بَعْدَ مَوْتِهَآ}، يبوستها، {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}، سمع القلوب لا سمع الأذان.

{وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً}، لعظة، {نُّسْقِيكُم}، بفتح النون هاهنا وفي المؤمنين، قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب والباقون بضمها وهما لغتان. {مِّمَّا فِى بُطُونِهِ}، قال الفراء: رد الكناية إلى النَّعَم، والنَّعَمُ والأنعامُ واحد.

ولفظ النَّعم مذكر، قال أبو عبيدة، والأخفش: النَّعم يذكر ويؤنث فمن أنَّث فلمعنى الجمع، ومن ذكَّر فلحكم اللفظ.

قال الكسائي: ردَّه إلى ما يعني في بطون ما ذكرنا.

وقال المؤرّج. الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نسقيكم مما في بطونه اللبن، إذ ليس لكلها لَبَن، واللَّبن فيه مضمرٌ.

{مِن بَيْنِ فَرْثٍ}، وهو ما في الكرش من الثقل، فإذا خرج منه لا يُسمى فرثاً، {وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا}، من الدم والفرث ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث.

{سَآئِغًا لِّلشَّارِبِينَ}، هنيئاً يجري على السهولة في الحلق.

وقيل: إنه لم يغصَّ أحدٌ باللبن قَط.

قال ابن عباس: إذا أكلتِ الدابَّةُ العلفَ واستقرَّ في كرشها وطحنته فكان أسفله فرثاً، وأوسطه اللبن، وأعلاه الدم، والكَبِدُ مسلَّطة عليها، تقسها بتقدير الله تعالى، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو.

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝٦٧

{وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَـٰبِ}، يعني: ولكم أيضاً عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ} والكناية في {مِنْه} عائدة إلى (ما) محذوفة أي: ما تتخذون منه، {سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا}.

قال قوم: "السَّكَر" الخمر، و"الرزق الحسن": الخَلُّ، والزبيب، والتمر والرُّبُ، قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر، وإلى هذا ذهب ابن مسعود، وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن، ومجاهد.

وقال الشعبي: "السَّكر" ما شربت، و"الرزق الحسن": ما أكلت.

وروى العوفي عن ابن عباس: أن "السَّكَر" هو الخل بلغة الحبشة.

وقال بعضهم: "السَّكَر" النبيذ المُسْكرِ، وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتدَّ، والمطبوخ من العصير، وهو قول الضحاك والنخعي.

ومن يبيح شرب النبيذ ومن حرمه يقول: المراد من الآية: الإِخبار لا الإِحلال.

وأولى الأقاويل أن قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} منسوخ، روي عن ابن عباس قال: "السَّكَر" ما حرم من ثمرها، و"الرزق الحسن": ما أحل.

وقال أبو عبيد "السَّكَر": الطُّعْم، يقال هذا سَكَر لك أي: طُعْم.

{إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ۝٦٨ ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝٦٩

{وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ}، أي: ألهمها وقذف في أنفسها، ففهمته، والنَّحل زنابير العسل، واحدتها نحلة.

{أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}، يبنون، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن، فهي تأوي إليها، قال ابن زيد: هي الكروم.

{ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ}، ليس معنى الكل العموم، وهو كقوله تعالى:

{ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ }[النمل: 23].

{فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً}. قيل: هي نعت الطرق، يقول: هي مذللة للنحل سهلة المسالك.

قال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته.

وقال آخرون: الذلل نعت النحل، أي: مطيعة منقادة بالتسخير. يقال: إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت.

{يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ}، يعني: العسل {مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}، أبيض وأحمر وأصفر. {فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ}، أي: في العسل. وقال مجاهد: أي في القرآن، والأول أولى.

أنبأنا إسماعيل بن عبدالقاهر، حدثنا عبدالغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن مثنى. أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلقَ بطنُه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ٱسقِهِ عسلاً، فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيتُه فلم يَزِدْهُ إلا استطلاقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلاً، قال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صدق الله وكذب بطن أخيك"، فسقاه فبرأ.

قال عبدالله بن مسعود: العسلُ شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور.

وروي عنه أنه قال: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل.

{إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فيعتبرون.

وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْـًٔا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ۝٧٠

{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّـٰكُمْ} صبياناً أو شباناً أو كهولاً، {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}، أردئه، قال مقاتل: يعني الهرم.

قال قتادة: أرذل العمر تسعون سنة.

روى عن علي قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة.

{لِكَىْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}، لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئاً، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.

أنبأنا عبدالواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى، حدثنا أبو عبدالله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «أعوذ بك من البخلِ والكسلِ، وأرذل العُمُرِ، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات«

وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُوا۟ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ۝٧١ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ أَفَبِٱلْبَٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ۝٧٢

{وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلْرِّزْقِ}، بسط على واحدٍ، وضيَّق على الآخر، وقلّل وكثّر.

{فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّى رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ}، من العبيد، {فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ}، أي: حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك. يقول الله تعالى: لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. يلزم به الحجة على المشركين.

قال قتادة: هذا مَثَل ضربه الله عزّ وجلّ، فهل منكم أحد يشركه مملوكه في زوجته وفراشه وماله؟ أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟؟

{أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ}، بالإِشراك به، وقرأ أبو بكر بالتاء لقوله: "والله فضّل بعضَكم على بعض في الرزق"، الآخرون بالياء لقوله: "فهم فيه سواء".

قوله تعالى: {واللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً}، يعني: النساء، خلق من آدم زوجته حواء. وقيل: "من أنفسكم" أي: من جنسكم أزواجاً.

{ وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً}، قال ابن مسعود، والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته.

وعن ابن مسعود أيضاً: أنهم الأصهار، فيكون معنى الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار.

وقال عكرمة، والحسن، والضحاك: هم الخدم.

قال مجاهد: هم الأعوان، مَنْ أعانك فقد حفدك.

وقال عطاء: هم ولد ولد الرجل، الذين يعينونه ويخدمونه.

وقال قتادة: مهنة يمتهنونكم ويخدمونكم من أولادكم.

قال الكلبي ومقاتل: "البنين": الصغار، و"الحفدة": كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله.

وروى مجاهد، وسعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهم ولد الولد.

وروى العوفي عنه: أنهم بنو امرأة الرجل ليسوا منه.

{وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ}، من النِّعم والحلال، {أَفَبِالبَاطِلِ}، يعني الأصنام، {يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ ٱللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}؟ يعني التوحيد والإِسلام.

وقيل: "الباطل": الشيطان، أمرهم بتحريم البَحِيْرَة، والسائبة، و"بنعمة الله" أي: بما أحلَّ الله لهم "يكفرون": يجحدون تحليله.

الاثنين، 2 نوفمبر 2026 22 جمادى الأولى 1448 هـ