انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير الطبريالآيات 17–43

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النحل

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:38:44

  1. 1 الآيات 1–29في هذه الصفحة 18:49
  2. 2 الآيات 30–50في هذه الصفحة 15:44

التفسير الصوتي لسورة النحل كاملًا (6 مقاطع)

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝١٧ وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره لعبدة الأوثان والأصنام: أفمن يخـلق هذه الـخلائق العجيبة التـي عددناها علـيكم وينعم علـيكم هذه النعم العظيـمة، كمن لا يخـلق شيئاً ولا ينعم علـيكم نعمة صغيرة ولا كبـيرة؟ يقول: أتشركون هذا فـي عبـادة هذا؟ يعرّفهم بذلك عظم جهلهم وسوء نظرهم لأنفسهم وقلَّة شكرهم لـمن أنعم علـيهم بـالنعم التـي عدّدها علـيهم التـي لا يحصيها أحد غيره، قال لهم جلّ ثناؤه موبخهم: {أفَلا تَذَكَّرُونَ} أيها الناس يقول: أفلا تذكرون نعم الله علـيكم وعظيـم سُلطانه وقُدرته علـى ما شاء، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تـجلب إلـى نفسها نفعاً ولا تدفع عنها ضرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتـم علـيه مقـيـمون من عبـادتكموها وإقراركم لها بـالألوهة؟ كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفَمَنْ يَخْـلُقُ كَمَنْ لاَ يخْـلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ} والله هو الـخالق الرازق، وهذه الأوثان التـي تعبد من دون الله تُـخْـلق ولا تَـخْـلُق شيئاً، ولا تـملك لأهلها ضرًّا ولا نفعاً، قال الله: {أفلا تذكَّرون}.

وقـيـل: {كَمَنْ لاَ يَخْـلُقُ} هو الوثن والصنـم، و «من» لذوي التـميـيز خاصة، فجعل فـي هذا الـموضع لغيرهم للتـميـيز، إذ وقع تفصيلاً بـين من يُخْـلق ومن لا يَخْـلُق. ومـحكّى عن العرب: اشتبه علـيّ الراكب وجمله، فما أدري مَنْ ذا ومَنْ ذا، حيث جمعا وأحدهما إنسان حسنت «مَنْ» فـيهما جميعاً ومنه قول الله عزّ وجلّ:

{ { فَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي علـى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي علـى رِجْلَـيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَـمْشِي علـى أرْبَعٍ } }

وقوله: {وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُـحْصُوها} لا تطيقوا أداء شكرها. {إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ} يقول جلّ ثناؤه: إن الله لغفور لـما كان منكم من تقصير فـي شكر بعض ذلك إذا تبتـم وأنبتـم إلـى طاعته واتبـاع مرضاته، رحيـم بكم أن يعذّبكم علـيه بعد الإنابة إلـيه والتوبة.

وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۝١٩ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ۝٢٠

يقول تعالـى ذكره: والله الذي هو إلهكم أيها الناس، يعلـم ما تسرّون فـي أنفسكم من ضمائركم فتـخفونه عن غيركم، فما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وما تعلنونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو مـحص ذلك كله علـيكم، حتـى يجازيكم به يوم القـيامة، الـمـحسن منكم بإحسانه والـمسيء منكم بإساءته، ومُسائلكم عما كان منكم من الشكر فـي الدنـيا علـى نعمة التـي أنعمها علـيكم فما التـي أحصيتـم والتـي لـم تـحصوا. وقوله: {والَّذِين تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْـلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْـلَقُونَ} يقول تعالـى ذكره: وأوثانكم الذين تدعون من دون الله أيها الناس آلهة لا تَـخْـلُق شيئاً وهي تُـخْـلَقَ، فكيف يكون إلها ما كان مصنوعاً مدَّبراً لا تـملك لأنفسها نفعاً ولا ضرًّا؟

أَمْوَٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره لهؤلاء الـمشركين من قريش: والذين تدعون من دون الله أيها الناس {أمْوَاتٌ غيرُ أحْياءٍ}. وجعلها جلّ ثناؤه أمواتاً غير أحياء، إذ كانت لا أرواح فـيها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أمْوَاتٌ غيرُ أحْياءٍ ومَا يَشْعُرُونَ أيَّانَ يُبْعَثُونَ} وهي هذه الأوثان التـي تُعبد من دون الله أموات لا أرواح فـيها، ولا تـملك لأهلها ضرًّا ولا نفعاً.

وفـي رفع الأموات وجهان: أحدهما أن يكون خبراً للذين، والآخر علـى الاستئناف. وقوله: {ومَا يَشْعُرُونَ} يقول: وما تدري أصنامكم التـي تدعون من دون الله متـى تبعث. وقـيـل: إنـما عنى بذلك الكفـار، أنهم لا يدرون متـى يبعثون.

إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: معبودكم الذي يستـحقّ علـيكم العبـادة وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء معبود واحد، لأنه لا تصلـح العبـادة إلا له، فأفردوا له الطاعة وأخـلصوا له العبـادة ولا تـجعلوا معه شريكاً سواه. {فـالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} يقول تعالـى ذكره: فـالذين لا يصدّقون بوعد الله ووعيده ولا يقرّون بـالـمعاد إلـيه بعد الـمـمات {قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} يقول تعالـى ذكره: مستنكرة لـما نقص علـيهم من قدرة الله وعظمته وجميـل نعمة علـيهم، وأن العبـادة لا تصلـح إلا له والألوهة لـيست لشيء غيره يقول: وهم مستكبرون عن إفراد الله بـالألوهة والإقرار له بـالوحدانـية، اتبـاعاً منهم لـما مضى علـيه من الشرك بـالله أسلافهم. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فـالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بـالآخِرةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} لهذا الـحديث الذي مضى، وهم مستكبرون عنه.

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ۝٢٣

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: لا جرم حقًّا أن الله يعلـم ما يسرّ هؤلاء الـمشركون من إنكارهم ما ذكرنا من الأنبـاء فـي هذه السورة، واعتقادهم نكير قولنا لهم: إلهكم إله واحد، واستكبـارهم علـى الله، وما يعلنون من كفرهم بـالله وفريتهم علـيه. {إنَّهُ لا يُحِبُّ الـمُسْتَكْبِرينَ} يقول: إن الله لا يحبّ الـمستكبرين علـيه أن يوحدوه ويخـلعوا ما دونه من الآلهة والأنداد. كما:

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا مِسْعر، عن رجل: أن الـحسن بن علـيّ كان يجلس إلـى الـمساكين، ثم يقول: {إنَّهُ لا يُحِبُّ الـمُسْتَكْبِرينَ}.

وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: وإذا قـيـل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بـالآخرة من الـمشركين: {ماذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} أيّ شيء أنزل ربكم؟ قالوا: الذي أنزل ما سطَّره الأوّلون من قبلنا من الأبـاطيـل. وكان ذلك كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ماذَا أنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِـينَ} يقول: أحاديث الأوّلـين وبـاطلهم، قال ذلك قوم من مشركي العرب كانوا يقعدون بطريق من أتـى نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، فإذا مرّ بهم أحد من الـمؤمنـين يريد نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم، قالوا لهم: أساطير الأوّلـين، يريد: أحاديث الأوّلـين وبـاطلهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {أساطِيرُ الأوَّلِـينَ} يقول: أحاديث الأوّلـين.

لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ۝٢٥

يقول تعالـى ذكره: يقول هؤلاء الـمشركون لـمن سألهم ماذا أنزل ربكم: الذي أنزل ربنا فـيـما يزعم مـحمد علـيه أساطير الأوّلـين، لتكون لهم ذنوبهم التـي هم علـيها مقـيـمون من تكذيبهم الله، وكفرهم بـما أنزل علـى رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذنوب الذين يصدّونهم عن الإيـمان بـالله يضلون يفتنون منهم بغير علـم. وقوله: {ألا ساءَ ما يَزِرُونَ} يقول: ألا ساء الإثم الذي يأثمون والثقل الذي يتـحملون.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ} ومن أوزار من أضلوا احتـمالهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه، إلا أنه قال: ومن أوزار الذين يضلونهم حملهم ذنوب أنفسهم، وسائر الـحديث مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ وَمِنْ أوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} قال: حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ} أي ذنوبهم وذنوب الذين يضلونهم بغير علـم، {ألا ساءَ ما يَزِرُونَ}.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ وَمِنْ أوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بغيرِ عِلْـمٍ} يقول: يحملون ذنوبهم، وذلك مثل قوله: {وأثْقالاً مَعَ أثْقالِهِمْ} يقول: يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يُضِلُونهم بغير علـم.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع: {لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ وَمِنْ أوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بغيرِ عِلْـمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ} قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم:

أيُّـمَا دَاعِ دَعا إلـى ضَلالَةٍ فـاتُّبِعَ، فإنَّ عَلَـيْهِ مِثْلَ أوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ غيرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أوْزَارِهِمْ شَيْءٌ. وأيُّـمَا دَاعِ دَعا إلـى هُدًى فـاتُّبِعَ، فَلَهُ مِثْلُ أجُورِهِمْ مِنْ غيرِ أنْ يُنْقَصَ مِنْ أجوْرِهِمْ شَيْءٌ ».

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن رجل، قال: قال زيد بن أسلـم: إنه بلغه أنه يتـمثل للكافر عمله فـي صورة أقبح ما خـلق الله وجهاً وأنتنه ريحاً، فـيجلس إلـى جنبه، كلـما أفزعه شيء زاده فزعاً وكلـما تـخوّف شيئاً زاده خوفـاً، فـيقول: بئس الصاحب أنت ومن أنت؟ فـيقول: وما تعرفنـي؟ فـيقول: لا، فـيقول: أنا عملك كان قبـيحاً فلذلك ترانـي قبـيحاً، وكان منتناً فلذلك ترانـي منتناً، طأطىء إلـيّ أركبك فطالـما ركبتنـي فـي الدنـيا فـيركبه، وهو قوله: {لِـيَحْمِلُوا أوْزَارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ القِـيامَةِ}.

قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: قد مكر الذين من قبل هؤلاء الـمشركين الذين يصدّون عن سبـيـل الله من أراد اتبـاع دين الله، فراموا مغالبة الله ببناءٍ بَنَوه، يريدون بزعمهم الارتفـاع إلـى السماء لـحرب من فـيها. وكان الذي رام ذلك فـيـما ذُكر لنا جبـار من جبـابرة النَّبَط فقال بعضهم: هو نـمرود بن كنعان، وقال بعضهم: هو بختنصر، وقد ذكرت بعض أخبـارهما فـي سورة إبراهيـم. وقـيـل: إن الذي ذُكر فـي هذا الـموضع هو الذي ذكره الله فـي سورة إبراهيـم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: أمر الذين حاجّ إبراهيـم فـي ربه بإبراهيـم فأُخُرِجَ، يعنـي من مدينته، قال: فلقـي لوطاً علـى بـاب الـمدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به، وقال: إنـي مهاجر إلـى ربـي. وحلف نـمرود أن يطلب إله إبراهيـم، فأخذ أربعة أفراخ من فِراخ النسور، فربـاهنّ بـاللـحم والـخبز حتـى كبرن وغلظن واستعجلن، فربطهنّ فـي تابوت، وقعد فـي ذلك التابوت ثم رفع لهنّ رِجلاً من لـحم، فطرن، حتـى إذا ذهبن فـي السماء أشرف ينظر إلـى الأرض، فرأى الـجبـال تدبّ كدبـيب النـمل. ثم رفع لهنّ اللـحم، ثم نظر فرأى الأرض مـحيطاً بها بحر كأنها فلكة فـي ماء. ثم رفع طويلاً فوقع فـي ظلـمة، فلـم ير ما فوقه وما تـحته، ففزع، فألقـى اللـحم، فـاتّبعته منقضَّات. فلـما نظرت الـجبـال إلـيهنّ، وقد أقبلن منقضات وسمعت حفـيفهنّ، فزعت الـجبـال، وكادت أن تزول من أمكنتها ولـم يفعلن وذلك قول الله تعالـى:

{ { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الـجِبـالُ } }، وهي فـي قراءة ابن مسعود: «وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ». فكان طَيْرُورتهن به من بـيت الـمقدس ووقوعهن به فـي جبل الدخان. فلـما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ فـي بنـيان الصرح، فبنى حتـى إذا شيده إلـى السماء ارتقـى فوقه ينظر، يزعم إلـى إله إبراهيـم، فأحدث، ولـم يكن يُحدث وأخذ الله بنـيانه من القواعد {فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وأتاهُمْ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} يقول: من مأمنهم، وأخذهم من أساس الصرح، فتنقَّض بهم فسقط. فتبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع، فتكلـموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بـابل. وإنـما كان لسان الناس من قبل ذلك بـالسريانـية.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأتَـى اللَّهُ بُنـيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ} قال: هو نـمرود حين بنى الصرح.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا قال: عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلـم: إن أوّل جبـار كان فـي الأرض نـمرود، فبعث الله علـيه بعوضة فدخـلت فـي منـخره، فمكث أربع مئة سنة يُضرب رأسُه بـالـمطارق، أرحم الناس به من جمع يديه، فضرب رأسه بهما، وكان جبـاراً أربع مئة سنة، فعذّبه الله أربع مئة سنة كمُلكه، ثم أماته الله. وهو الذي كان بنى صَرْحاً إلـى السماء، وهو الذي قال الله: {فَأَتـى اللَّهُ بُنْـيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ}.

وأما قوله: {فأَتَـى اللَّهُ بُنْـيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ} فإن معناه: هدم الله بنـيانهم من أصله. والقواعد: جمع قاعدة، وهي الأساس. وكان بعضهم يقول: هذا مثل للاستئصال وإنـما معناه: إن الله استأصلهم. وقال: العرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء.

وقوله: {فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: فخرّ علـيهم السقـف من فوقهم أعالـي بـيوتهم من فوقهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فأَتَـى اللَّهُ بُنْـيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ} إي والله، لأتاها أمر الله من أصلها {فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} والسقـف: أعالـي البـيوت، فـائتفكت بهم بـيوتهم فأهلكهم الله ودمرهم، {وأتاهُمُ العَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ}.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} قال: أتـى الله بنـيانهم من أصوله، فخرّ علـيهم السقـف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فأَتَـى اللَّهُ بُنْـيانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ} قال: مكر نـمرود بن كنعان الذي حاجّ إبراهيـم فـي ربه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: عنى بقوله: {فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} أن العذاب أتاهم من السماء. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {فَخَرَّ عَلَـيْهِمُ السَّقْـفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} يقول: عذاب من السماء لَـما رأوه استسلـموا وذلوا.

وأولـى القولـين بتأويـل الآية، قول من قال: معنى ذلك: تساقطت علـيهم سقوف بـيوتهم، إذ أتـى أصولها وقواعدها أمر الله، فـائتفكت بهم منازلهم لأن ذلك هو الكلام الـمعروف من قواعد البنـيان وخرّ السقـف، وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأشهر الأعرف منها، أولـى من توجيهها إلـى غير ذلك ما وُجِد إلـيه سبـيـل. {وأتاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} يقول تعالـى ذكره: وأتـى هؤلاء الذين مكروا من قَبْل مشركي قريش، عذاب الله من حيث لا يدرون أنه أتاهم منه.

ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمْ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: فعل الله بهؤلاء الذين مكروا الذين وصف الله جلّ ثناؤه أمرهم ما فعل بهم فـي الدنـيا من تعجيـل العذاب لهم والانتقام بكفرهم وجحودهم وحدانـيته، ثم هو مع ذلك يوم القـيامة مخزيهم فمذلهم بعذاب ألـيـم وقائل لهم عند ورودهم علـيه: {أيْنَ شُرَكائيَ الَّذِينَ كُنْتُـمْ تُشاقُّونَ فِـيهم}؟ أصله: من شاققت فلاناً فهو يشاقُّنـي، وذلك إذا فعل كلّ واحد منهما بصاحبه ما يشقّ علـيه. يقول تعالـى ذكره يوم القـيامة تقريعاً للـمشركين بعبـادتهم الأصنام: أين شركائي؟ يقول: أين الذين كنتـم تزعمون فـي الدنـيا أنهم شركائي الـيوم؟ ما لهم لا يحضرونكم فـيدفعوا عنكم ما أنا مـحلّ بكم من العذاب، فقد كنتـم تعبدونهم فـي الدنـيا وتتولونهم والولـيّ ينصر ولـيه؟ وكانت مشاقتهم الله فـي أوثانهم مخالفتهم إياه فـي عبـادتهم، كما:

حدثني الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله: {أيْنَ شُرَكائيَ الَّذِينَ كُنْتُـمْ تُشاقُّونَ فِـيهم} يقول: تـخالفونـي.

وقوله: {قالَ الَّذِينَ أُتُوا العلْـمَ إنَّ الـخِزْي الـيَوْمَ والسُّوءَ علـى الكافرِينَ} يعنـي: الذلة والهوان، {والسُّوءَ} يعنـي: عذاب الله علـى الكافرين.

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٢٨

يقول تعالى ذكره: قال الذين أوتوا العلم: إن الـخزي الـيوم والسوء على من كفر بالله فجحد وحدانيته، {الَّذِينَ تَتَوَفَّـاهُمُ الـمَلائِكَةُ} يقول: الذين تقبض أرواحهم الـملائكة، {ظالِـمِي أنْفُسِهمْ} يعنـي: وهم علـى كفرهم وشركهم بـالله. وقـيـل: إنه عنى بذلك من قتل من قريش ببدر وقد أخرج إلـيها كرهاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يعقوب بن مـحمد الزهري، قال: ثنـي سفـيان بن عيـينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال: كان ناس بـمكة أقرّوا بـالإسلام ولـم يهاجروا، فأخرج بهم كرهاً إلـى بدر، فقتل بعضهم، فأنزل الله فـيهم: {الَّذِينَ تَتَوَفَّـاهُمُ الـمَلائكَةُ ظالِـمِي أنْفُسِهمْ}.

وقوله: {فَألْقُوا السَّلَـمَ} يقول: فـاستسلـموا لأمره، وانقادوا له حين عاينوا الـموت قد نزل بهم. {ما كُنَّا نَعْمَلُ منْ سُوءٍ} وفـي الكلام مـحذوف استغنـي بفهم سامعيه ما دلّ علـيه الكلام عن ذكره، وهو: قالوا ما كنا نعمل من سوء. يخبر عنهم بذلك أنهم كذّبوا وقالوا: ما كنا نعصِي الله اعتصاماً منهم بـالبـاطل رجاء أن ينـجوا بذلك،، فكذّبهم الله فقال: بل كنتـم تعملون السوء وتصدّون عن سبـيـل الله. {إنَّ اللَّهَ عَلِـيـمٌ بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول: إن الله ذو علـم بـما كنتـم تعملون فـي الدنـيا من معاصيه وتأتون فـيها ما يسخطه.

فَٱدْخُلُوٓا۟ أَبْوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَبِّرِينَ ۝٢٩

يقول تعالـى ذكره، يقول لهؤلاء الظلـمة أنفسهم حين يقولون لربهم: ما كنا نعمل من سوء: ادخـلوا أبواب جهنـم، يعنـي: طبقات جهنـم، {خالدِينَ فـيها} يعنـي: ماكثـين فـيها، {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الـمُتَكَبِّرِين} يقول: فلبئس منزل من تكبر علـى الله ولـم يقرّ بربوبـيته ويصدّق بوحدانـيته جهنـم.

وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا۟ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ ٱلْـَٔاخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٣٠

يقول تعالـى ذكره: وقـيـل للفريق الآخر الذين هم أهل إيـمان وتقوى لله: {ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ قالُوا خَيْراً} يقول: قالوا: أنزل خيراً. وكان بعض أهل العربـية من الكوفـيـين يقول: إنـما اختلف الأعراب فـي قوله:

{ قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِـينَ }، وقوله: {خَيْراً}، والـمسألة قبل الـجوابـين كلـيهما واحدة، وهي قوله: {ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ} لأن الكفـار جحدوا التنزيـل، فقالوا حين سمعوه: أساطير الأوّلـين، أي هذا الذي جئت به أساطير الأوّلـين ولـم ينزل الله منه شيئاً. وأما الـمؤمنون فصدَّقوا التنزيـل، فقالوا خيراً بـمعنى أنه أنزل خيراً، فـانتصب بوقوع الفعل من الله علـى الـخير، فلهذا افترقا ثم ابتدأ الـخبر فقال: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةٌ}. وقد بـيَّنا القول فـي ذلك فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته.

وقوله: {لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةٌ} يقول تعالـى ذكره: للذين آمنوا بـالله فـي هذه الدنـيا ورسوله وأطاعوه فـيها ودعوا عبـاد الله إلـى الإيـمان والعمل بـما أمر الله به {حَسَنَةٌ} يقول: كرامة من الله، {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ} يقول: ولدار الآخرة خير لَهُمْ مِنْ دَارِ الدُّنْـيا، وكرامة الله التـي أعدّها لهم فـيها أعظم من كرامته التـي عجلها لهم فـي الدنـيا {وَلَنِعْمَ دَارُ الـمُتَّقـينَ} يقول: ولنعم دار الذين خافوا الله فـي الدنـيا فـاتقوا عقابه بأداء فرائضه وتـجنب معاصيه دار الآخرة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَقِـيـلَ لِلَّذِينَ اتَّقُوا ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةٌ} وهؤلاء مؤمنون، فـيقال لهم: {ماذَا أنْزَل رَبّكُمْ} فـيقولون {خَيْراً لِلَّذِينَ أحْسَنُوا فِـي هَذِهِ الدُّنْـيا حَسَنَةٌ}: أي آمنوا بـالله وأمروا بطاعة الله، وحثوا أهل طاعة الله علـى الـخير ودعوهم إلـيه.

جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَٰلِكَ يَجْزِى ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ ۝٣١

يعنـي تعالـى ذكر بقوله: {جَنَّاتُ عَدْنٍ} بساتـين للـمقام، وقد بـيَّنا اختلاف أهل التأويـل فـي معنى عدن فـيـما مضى بـما أغنى عن إعادته. {يَدْخُـلُونَها} يقول: يدخـلون جنات عدن. وفـي رفع «جناتٌ» أوجه ثلاث: أحدها: أن يكون مرفوعاً علـى الابتداء، والآخر: بـالعائد من الذكر فـي قوله: {يَدْخُـلُونَها}، والثالث: علـى أن يكون خبر النعم، فـيكون الـمعنى إذا جعلت خبر النعم: ولنعم دار الـمتقـين جنات عدن، ويكون {يَدْخُـلُونَها} فـي موضع حال، كما يقال: نعم الدار دار تسكنها أنت. وقد يجوز أن يكون إذا كان الكلام بهذا التأويـل «يدخـلونها» من صلة «جنات عدن». وقوله: {تَـجْرِي مِنْ تَـحْتِها الأنهَارُ} يقول: تـجري من تـحت أشجارها الأنهار. {لَهُمْ فِـيها ما يشاءُونَ} يقول: للذين أحسنوا فـي هذه الدنـيا فـي جنات عدن ما يشاؤون مـما تشتهي أنفسهم وتلذّ أعينهم. {كَذلكَ يَجْزِي اللَّهُ الـمُتَّقِـينَ} يقول: كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا فـي هذه الدنـيا بـما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به فـي الدنـيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: كذلك يجزي الله الـمتقـين الذين تَقْبِض أرواحَهم ملائكةُ الله، وهم طيبون بتطييب الله إياهم بنظافة الإيـمان، وطهر الإسلام فـي حال حياتهم وحال مـماتهم. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنـي عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وحدثنـي الـحارث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّـاهُمُ الـمَلائِكَةُ طَيِّبِـينَ} قال: أحياء وأمواتاً، قدّر الله ذلك لهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَـيْكُمْ} يعنـي جلّ ثناؤه أن الـملائكة تقبض أرواح هؤلاء الـمتقـين، وهي تقول لهم: سلام علـيكم صيروا إلـى الـجنة بشارة من الله تبشرهم بها الـملائكة. كما:

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي أبو صخر، أنه سمع مـحمد بن كعب القُرَظيّ يقول: إذا استنقعت نفس العبد الـمؤمن جاءه ملك فقال: السلام علـيك ولـيّ الله، الله يقرأ علـيك السلام. ثم نزع بهذه الآية: {الَّذِينَ تَتَوَفَّـاهُمُ الـمَلائِكَةُ طَيِّبِـينَ}... إلـى آخر الآية.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخراسانـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:

{ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَابِ الـيَـمِينِ } قال: الـملائكة يأتونه بـالسلام من قِبَل الله، وتـخبره أنه من أصحاب الـيـمين.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا الأشبُّ أبو علـيّ، عن أبـي رجاء، عن مـحمد بن مالك، عن البراء، قال: قوله:

{ { سَلامٌ قَوْلاً مِنْ ربّ رَحِيـمٍ } } قال: يسلـم علـيه عند الـموت.

وقوله: {بِـمَا كُنْتُـمْ تَعْمَلُونَ} يقول: بـما كنتـم تصيبون فـي الدنـيا أيام حياتكم فـيها طاعة الله طلب مرضاته.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝٣٣

يقول تعالـى ذكره: هل ينتظر هؤلاء الـمشركون إلا أن تأتـيهم الـملائكة لقبض أرواحهم، أو يأتـي أمر ربك بحشرهم لـموقـف القـيامة. {كَذلكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} يقول جلّ ثناؤه: كما يفعل هؤلاء من انتظارهم ملائكة الله لقبض أرواحهم أو إتـيان أمر الله فعل أسلافهم من الكفرة بـالله لأن ذلك فـي كلّ مشرك بـالله. {وَما ظَلَـمَهُمُ اللَّهُ} يقول جلّ ثناؤه: وما ظلـمهم الله بإحلال سُخْطه، {ولكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِـمُونَ} بـمعصيتهم ربهم وكفرهم به، حتـى استـحقوا عقابه، فعجَّل لهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ تَأْتِـيهُمُ الـمَلائِكَةُ} قال: بـالـموت، وقال فـي آية أخرى:

{ وَلَوْ تَرَى إذْ يَتَوَفَّـى الَّذِينَ كَفَرُوا الـمَلائِكَةُ } وهو ملك الـموت وله رسل، قال الله تعالـى: {أوْ يَأْتِـيَ أمْرُ رَبِّكَ} ذاكم يوم القـيامة.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أنْ تَأْتِـيَهُمُ الـمَلائِكَةُ} يقول: عند الـموت حين تتوفـاهم، أو يأتـي أمر ربك ذلك يوم القـيامة.

فَأَصَابَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: فأصاب هؤلاء الذين فعلوا من الأمـم الـماضية فعل هؤلاء الـمشركين من قريش سيئات ما عملوا يعنـي عقوبـات ذنوبهم ونقم معاصيه التـي اكتسبوها. {وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} يقول: وحلّ بهم من عذاب الله ما كانوا يستهزئون منه ويسخرون عند إنذارهم ذلك رُسل الله، ونزل ذلك بهم دون غيرهم من أهل الإيـمان بـالله.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: وقال الذين أشركوا بـالله فعبدوا الأوثان والأصنام من دون الله: ما نعبد هذه الأصنام إلا لأن الله قد رضي عبـادتنا هؤلاء، ولا نـحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب إلا أن الله شاء منا ومن آبـائنا تـحريـمناها ورضيه، لولا ذلك لقد غير ذلك ببعض عقوبـاته أو بهدايته إيانا إلـى غيره من الأفعال. يقول تعالـى ذكره: كذلك فعل الذين من قبلهم من الأمـم الـمشركة الذين استنّ هؤلاء سنتهم، فقالوا مثل قولهم، وسلكوا سبـيـلهم فـي تكذيب رسل الله واتبـاع أفعال آبـائهم الضلال. وقوله: {فَهَلْ علـى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ الـمُبِـينُ} يقول جلّ ثناؤه: فهل أيها القائلون لو شاء الله ما أشركنا ولا آبـاؤنا علـى رسلنا الذين نرسلهم بـانذاركم عقوبتنا علـى كفركم، إلا البلاغ الـمبـين يقول: إلا أن تبلغكم ما أرسلنا إلـيكم من الرسالة. ويعنـي بقوله {الـمُبِـينُ}: الذي يبـين عن معناه لـمن أبلغه، ويفهمه من أرسل إلـيه.

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَٰلَةُ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: ولقد بعثنا أيها الناس فـي كلّ أمة سلفت قبلكم رسولاً كما بعثنا فـيكم بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له وأفردوا له الطاعة وأخـلصوا له العبـادة، {وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم ويصدّكم عن سبـيـل الله فتضلوا. {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} يقول: فمـمن بعثنا فـيهم رسلنا من هدى الله، فوفَّقه لتصديق رسله والقبول منها والإيـمان بـالله والعمل بطاعته، ففـاز وأفلـح ونـجا من عذاب الله {وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَـيْهِ الضَّلالَةُ} يقول: ومـمن بعثنا رسلنا إلـيه من الأمـم آخرون حقَّت علـيهم الضلالة، فجاروا عن قصد السبـيـل، فكفروا بـالله وكذّبوا رسله واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه وأنزل علـيهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم الـمـجرمين. {فَسِيرُوا فِـي الأرْضِ فـانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الـمُكَذّبِـينَ} يقول تعالـى ذكره لـمشركي قريش: إن كنتـم أيها الناس غير مصدّقـي رسولنا فـيـما يخبركم به عن هؤلاء الأمـم الذين حلّ بهم ما حلّ من بأسنا بكفرهم بـالله وتكذيبهم رسوله، فسيروا فـي الأرض التـي كانوا يسكنونها والبلاد التـي كانوا يعمرونها فـانظروا إلـى آثار الله فـيهم وآثار سخطه النازل بهم، كيف أعقبهم تكذيبهم رسل الله ما أعقبهم، فإنكم ترون حقـيقة ذلك وتعلـمون به صحة الـخبر الذي يخبركم به مـحمد صلى الله عليه وسلم.

إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَىٰهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: إن تـحرص يا مـحمد علـى هدى هؤلاء الـمشركين إلـى الإيـمان بـالله واتبـاع الـحقّ {فإنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ}.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الكوفـيـين: {فإنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ يَضِلُّ} بفتـح الـياء من «يهدي»، وضمها من «يضلّ». وقد اختلف فـي معنى ذلك قارئوه كذلك، فكان بعض نـحويـي الكوفة يزعم أن معناه: فإن الله من أضله لا يهتدي، وقال: العرب تقول: قد هُدي الرجل يريدون قد اهتدى، وهُدي واهتدى بـمعنى واحد. وكان آخرون منهم يزعمون أن معناه: فإن الله لا يهدي من أضله، بـمعنى: أن من أضله الله فإن الله لا يهديه. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والشام والبصرة: «فإنَّ اللّهَ لاَ يُهْدَى» بضم الـياء من «يُهدى» ومن «يُضل» وفتـح الدال من «يُهدَى» بـمعنى: من أضله الله فلا هادي له.

وهذه القراءة أولـى القراءتـين عندي بـالصواب، لأن يَهْدي بـمعنى يهتدى قلـيـل فـي كلام العرب غير مستفـيض، وأنه لا فـائدة فـي قول قائل: من أضله الله فلا يهديه، لأن ذلك مـما لا يجهله أحد. وإذ كان ذلك كذلك، فـالقراءة بـما كان مستفـيضاً فـي كلام العرب من اللغة بـما فـيه الفـائدة العظيـمة أولـى وأحرى.

فتأويـل الكلام لو كان الأمر علـى ما وصفنا: إن تـحرص يا مـحمد علـى هداهم، فإن من أضله الله فلا هادي له، فلا تـجهد نفسك فـي أمره وبلغه ما أرسلت به لتتـمّ علـيه الـحجة. {وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ} يقول: وما لهم من ناصر ينصرهم من الله إذا أراد عقوبتهم، فـيحول بـين الله وبـين ما أراد من عقوبتهم.

وفـي قوله: {إنْ تَـحْرِصْ} لغتان: فمن العرب من يقول: حَرَصَ يَحْرِصُ بفتـح الراء فـي فعَل وكسرها فـي يفعل. وحَرِصَ يَحْرَصُ بكسر الراء فـي فعِل وفتـحها فـي يفعَل. والقراءة علـى الفتـح فـي الـماضي والكسر فـي الـمستقبل، وهي لغة أهل الـحجاز.

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَا يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝٣٨

يقول تعالـى ذكره: وحلف هؤلاء الـمشركون من قريش بـالله جَهْد أيْـمانِهِمْ حلفهم، لا يبعث الله من يـموت بعد مـماته، وكذبوا وأبطلوا فـي أيـمانهم التـي حلفوا بها كذلك، بل سيبعثه الله بعد مـماته، وعداً علـيه أن يبعثهم وعد عبـاده، والله لا يخـلف الـميعاد. {ولَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ} يقول: ولكن أكثر قريش لا يعلـمون وعد الله عبـاده أنه بـاعثهم يوم القـيامة بعد مـماتهم أحياء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأقْسَمُوا بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَـمُوتُ} تكذيبـاً بأمر الله أو بأمرنا، فإن الناس صاروا فـي البعث فريقـين: مكذّب ومصدّق. ذُكر لنا أن رجلاً قال لابن عبـاس: إن ناساً بهذا العراق يزعمون أن علـيًّا مبعوث قبل يوم القـيامة، ويتأوّلون هذه الآية فقال ابن عبـاس: كذب أولئك، إنـما هذه الآية للناس عامَّة، ولعمري لو كان علـيّ مبعوثاً قبل يوم القـيامة ما أنكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: قال ابن عبـاس: إن رجالاً يقولون: إن علـيًّا مبعوث قبل يوم القـيامة، ويتأوّلون: {وأقْسَمُوا بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَـمُوتُ بَلـى وَعْداً عَلَـيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ} قال: لو كنا نعلـم أن علـيًّا مبعوث، ما تزوّجنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، ولكن هذه للناس عامة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله: {وأقْسَمُوا بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَـمُوتُ} قال: حلف رجل من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم عند رجل من الـمكذّبـين، فقال: والذي يرسل الروح من بعد الـموت فقال: وإنك لتزعم أنك مبعوث من بعد الـموت؟ وأقسم بـالله جهد يـمينه لا يبعث الله من يـموت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: كان لرجل من الـمسلـمين علـى رجل من الـمشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فـيـما تكلـم به: والذي أرجوه بعد الـموت إنه لكذا فقال الـمشرك: إنك تزعم أنك تُبعث بعد الـموت؟ فأقسم بـالله جهد يـمينه لا يبعث الله من يـموت فأنزل الله: {وأقْسَمُوا بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَـمُوتُ بَلـى وَعْداً عَلَـيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَـمُونَ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن عطاء بن أبـي ربـاح أنه أخبره أنه سمع أبـا هريرة يقول: «قال الله: سبنـي ابن آدم، ولـم يكن ينبغي له أن يسبنـي، وكذّبنـي ولـم يكن ينبغي له أن يكذّبنـي فأما تكذيبه إياي فقال: {وأقْسَمُوا بـاللّهِ جَهْدَ أيـمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللّهُ مَنْ يَـمُوتُ} قال: قلت: {بَلـى وَعْدا عَلَـيْهِ حَقًّا}. وأما سَبُّه إياي فقال:

{ إنَّ اللّهَ ثالثُ ثَلاثَةٍ }، وقلت: {قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهُ الصَّمَدُ لَـمْ يَـلِدْ ولَـمْ يُولَدْ ولَـمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ}

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰذِبِينَ ۝٣٩

يقول تعالـى ذكره: بل لَـيبعثنّ الله من يـموت وعداً علـيه حقًّا، لـيبـين لهؤلاء الذين يزعمون أن الله لا يبعث من يـموت ولغيرهم الذي يختلفون فـيه من إحياء الله خـلقه بعد فنائهم، ولـيعلـم الذين جحدوا صحة ذلك وأنكروا حقـيقته أنهم كانوا كاذبـين فـي قـيـلهم لا يبعث الله من يـموت. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لِـيُبَـيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِـيهِ} قال: للناس عامَّة.

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ۝٤٠ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى ٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا۟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يـموت فلا تعب علـينا ولا نصب فـي إحيائناهم، ولا فـي غير ذلك مـما نـخـلق ونكوّن ونـحدث لأنا إذا أردنا خـلقه وإنشاءه فإنـما نقول له كن فـيكون، لا معاناة فـيه ولا كُلفة علـينا.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: «يكون» فقرأه أكثر قرّاء الـحجاز والعراق علـى الابتداء، وعلـى أن قوله: {إنَّـمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ} كلام تامّ مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فـيقال: «فـيكونُ»، كما قال الشاعر:

يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فـيعجِمُهْ

وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الشام وبعض الـمتأخرين من قرّاء الكوفـيـين: «فَـيَكُونَ» نصبـاً، عطفـاً علـى قوله: {أنْ نَقُولَ لَهُ}. وكأن معنى الكلام علـى مذهبهم: ما قولنا لشيء إذا أردناه إلاَّ أن نقول له: كن، فـيكون. وقد حُكي عن العرب سماعاً: أريد أن آتـيك فـيَـمْنَعَنـي الـمطر، عطفـاً بـ «يَـمْنَعَنـي» علـى «آتـيك».

وقوله: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً} يقول تعالـى ذكره: والذين فـارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم فـي الله علـى كفرهم إلـى آخرين غيرهم. {مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا} يقول: من بعد ما نـيـل منهم فـي أنفسهم بـالـمكاره فـي ذات الله. {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً} يقول: لنسكننهم فـي الدنـيا مسكناً يرضونه صالـحاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا لَنُبَوّئَنَّهُمْ} قال: هؤلاء أصحاب مـحمد ظلـمهم أهل مكة، فأخرجوهم من ديارهم حتـى لـحق طوائف منهم بـالـحبشة، ثم بوأهم الله الـمدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من الـمؤمنـين.

حُدثت عن القاسم بن سلام، قال: ثنا هشيـم، عن داود بن أبـي هند، عن الشعبـي: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً} قال: الـمدينة.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً} قال: هم قوم هاجروا إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلـمهم، وظَلَـمَهُم الـمشركون.

وقال آخرون: عنى بقوله: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً} لنرزقنهم فـي الدنـيا رزقاً حسناً. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {لَنُبَوّئَنَّهُمْ} لنرزقنهم فـي الدنـيا رزقاً حسناً.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا هشيـم، عن العوامّ، عمن حدثه أن عمر بن الـخطاب كان إذا أعطى الرجل من الـمهاجرين عطاءه يقول: خذ بـارك الله لك فـيه، هذا ما وعدك الله فـي الدنـيا، وما ذخره لك فـي الآخرة أفضل. ثم تلا هذه الآية: {لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِـي الدُّنْـيا حَسَنَةً ولأَجْرُ الآخرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ}.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: معنى {لَنُبَوّئَنَّهُمْ}: لنـحلنهم ولنسكننهم، لأن التبوأ فـي كلام العرب الـحلول بـالـمكان والنزول به. ومنه قول الله تعالـى:

{ { وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنـي إسْرَائيـلَ مُبَوَّأَ صدْقٍ } }. وقـيـل: إن هذه الآية نزلت فـي أبـي جندل بن سهيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا جعفر بن سلـيـمان، عن داود بن أبـي هند، قال: نزلت {والَّذِينَ هاجَرُوا فِـي اللّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِـمُوا...} إلـى قوله:

{ وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فـي أبـي جندل بن سهيـل.

وقوله: {وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ} يقول: ولثواب الله إياهم علـى هجرتهم فـيه فـي الآخرة أكبر، لأن ثوابه إياهم هنالك الـجنة التـي يدوم نعيـمها ولا يبـيد.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: قال الله: {وَلأَجْرُ الآخرَةِ أكْبَرُ} أي والله لـما يثـيبهم الله علـيه من جنته أكبر {لَوْ كانُوا يَعْلَـمُونَ}.

ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝٤٢

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، وآتـيناهم الثواب الذي ذكرناه، الذين صبروا فـي الله علـى ما نابهم فـي الدنـيا. {وَعَلـى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يقول: وبـالله يثقون فـي أمورهم، وإلـيه يستندون فـي نوائب الأمور التـي تنوبهم.

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: وما أرسلنا من قبلك يا مـحمد إلـى أمة من الأمـم، للدعاء إلـى توحيدنا والانتهاء إلـى أمرنا ونهينا، إلاَّ رجالاً من بنـي آدم نوحي إلـيهم وحينا لا ملائكة، يقول: فلـم نرسل إلـى قومك إلاَّ مثل الذي كنا نرسل إلـى من قَبلهم من الأمـم من جنسهم وعلـى منهاجهم. {فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ} يقول لـمشركي قريش: وإن كنتـم لا تعلـمون أن الذين كنا نرسل إلـى من قبلكم من الأمـم رجال من بنـي آدم مثل مـحمد صلى الله عليه وسلم وقلتـم هم ملائكة أي ظننتـم أن الله كلـمهم قبلاً، {فـاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} وهم الذين قد قرأوا الكتب من قبلهم: التوراة والإنـجيـل، وغير ذلك من كتب الله التـي أنزلها علـى عبـاده.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن لـيث، عن مـجاهد: {فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ} قال: أهل التوراة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن سفـيان، قال: سألت الأعمش، عن قوله: {فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ} قال: سمعنا أنه من أسلـم من أهل التوراة والإنجيل.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قوله: {وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيْهِمْ فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} قال: هم أهل الكتاب.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبـيد الله، عن إسرائيـل، عن أبـي يحيى، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} قال: قال لـمشركي قريش: إن مـحمداً فـي التوراة والإنـجيـل.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة، عن أبـي روق، عن الضحاك عن ابن عبـاس، قال: لـما بعث الله مـحمداً رسولاً، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل مـحمد. قال: فأنزل الله:

{ { أكانَ للنَّاسِ عَجَبـاً أنْ أوْحَيْنا إلـى رَجُلٍ مِنْهُمْ } } وقال: { { وَما أرْسلنَا مِنْ قبلكَ إلاَّ رِجالاً نُوحِي إلَـيهِمْ فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ بـالبـيِّناتِ والزُّبُرِ } } فـاسألوا أهل الذكر: يعنـي أهل الكتب الـماضية، أبشراً كانت الرسل التـي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتـم، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون مـحمد رسولاً. قال: ثم قال: {وما أرْسَلْنَا منْ قَبْلك إلاّ رِجَالاً نُوحي إلـيهم مِنْ أهْلِ القُرَى} أي لـيسوا من أهل السماء كما قلتـم.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا ابن يـمان، عن إسرائيـل، عن جابر، عن أبـي جعفر: {فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} قال: نـحن أهل الذكر.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {فـاسْئَلُوا أهْلَ الذّكْرِ إنْ كُنْتُـمْ لا تَعْلَـمُونَ} قال: الذكر: القرآن. وقرأ:

{ { إنَّا نَـحْنُ نَزَّلْنا الذّكْرَ وإنَّا لَهُ لَـحافظُونَ } }، وقرأ: { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بـالذّكْرِ لَـمَّا جاءَهُمْ... } الآية.
السبت، 7 نوفمبر 2026 27 جمادى الأولى 1448 هـ