انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة النحل

تفسير الطبريالآيات 1–16

تفسير سورة النحل آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة النحل

الخلاصة من تفسير الطبري · 6 مقاطع · 1:38:44

  1. 1 الآيات 1–29في هذه الصفحة 18:49
  2. 2 الآيات 30–50 15:44
  3. 3 الآيات 51–74 18:31
  4. 4 الآيات 75–89 14:49
  5. 5 الآيات 90–110 17:13
  6. 6 الآيات 111–128 13:38

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝١

يقول تعالـى ذكره: أتـى أمر الله فقرُب منكم أيها الناس ودنا، فلا تستعجلوا وقوعه.

ثم اختلف أهل التأويـل فـي الأمر الذي أعلـم الله عبـاده مـجيئه وقُربه منهم ما هو، وأيّ شيء هو؟ فقال بعضهم: هو فرائضه وأحكامه. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا ابن الـمبـارك، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {أتَـى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} قال: الأحكام والـحدود والفرائض.

وقال آخرون: بل ذلك وعيد من الله لأهل الشرك به، أخبرهم أن الساعة قد قَرُبت وأن عذابهم قد حضر أجله فدنا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: لـما نزلت هذه الآية، يعنـي: {أتَـى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} قال رجال من الـمنافقـين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله أتـى، فأمسِكوا عن بعض ما كنتـم تعملون حتـى تنظروا ما هو كائن فلـما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نراه نزل شيء فنزلت:

{ { اقْتَرَبَ للنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فـي غَفْلَة مُعْرِضُون } } فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً. فلـما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نراه نزل شيء فنزلت: { { وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إلـى أُمَّة مَعْدُودَةٍ لَـيَقُولُنَّ ما يَحْبَسُهُ ألا يَوْمَ يأتِـيهِمْ لَـيْسَ مَصْرُوفـاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } }

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا يحيى بن يـمان، قال: ثنا سفـيان، عن إسماعيـل، عن أبـي بكر بن حفص، قال: لـما نزلت: {أتَـى أمْرُ اللَّهِ} رفعوا رؤوسهم، فنزلت: {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ}.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو بكر بن شعيب، قال: سمعت صادق أبـا يقرأ: «يا عِبـادَي أتَـى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ».

وأولـى القولـين فـي ذلك عندي بـالصواب، قول من قال: هو تهديد من أهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك وذلك أنه عقَّب ذلك بقوله سبحانه وتعالـى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} فدلّ بذلك علـى تقريعه الـمشركين ووعيده لهم. وبعد، فإنه لـم يبلغنا أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجل فرائض قبل أن تُفرض علـيهم فـيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها. وأما مستعجلو العذاب من الـمشركين، فقد كانوا كثـيراً.

وقوله سبحانه وتعالـى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول تعالـى ذكره: تنزيهاً لله وعلوًّا له عن الشرك الذي كانت قريش ومن كان من العرب علـى مثل ما هم علـيه يَدين به.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله تعالـى: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} فقرأ ذلك أهل الـمدينة وبعض البصريـين والكوفـيـين: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} بـالـياء علـى الـخبر عن أهل الكفر بـالله وتوجيه للـخطاب بـالاستعجال إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك قرأوا الثانـية بـالـياء. وقرأ ذلك عامَّة قرّاء الكوفة بـالتاء علـى توجيه الـخطاب بقوله: {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} إلـى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقوله تعالـى: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» إلـى الـمشركين. والقراءة بـالتاء فـي الـحرفـين جميعاً علـى وجه الـخطاب للـمشركين أولـى بـالصواب لـما بـيَّنت من التأويـل أن ذلك إنـما هو وعيد من الله للـمشركين ابتدأ أوّل الآية بتهديدهم وختـم آخرها بنكير فعلهم واستعظام كفرهم علـى وجه الـخطاب لهم.

يُنَزِّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦٓ أَنْ أَنذِرُوٓا۟ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ ۝٢

اختلفت القراء فـي قراءة قوله: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ} فقرأ ذلك عامَّة قرّاء الـمدينة والكوفة: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ} بـالـياء وتشديد الزاي ونصب الـملائكة، بـمعنى يُنَزّل الله الـملائكة بـالروح. وقرأ ذلك بعض البصريـين وبعض الـمكيـين: «يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ» بـالـياء وتـخفـيف الزاي ونصب الـملائكة. وحُكي عن بعض الكوفـيـين أنه كان يقرؤه: «تَنَزَّلُ الـمَلائِكَةَ» بـالتاء وتشديد الزاي والـملائكة بـالرفع، علـى اختلاف عنه فـي ذلك. وقد رُوي عنه موافقة سائر قرّاء بلده.

وأولـى القراءات بـالصواب فـي ذلك عندي قراءة من قرأ: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ} بـمعنى: ينزّل الله ملائكة. وإنـما اخترت ذلك، لأن الله هو الـمنزّل ملائكته بوحيه إلـى رسله، فإضافة فعل ذلك إلـيه أولـى وأحقّ واخترت «ينزّل» بـالتشديد علـى التـخفـيف، لأنه تعالـى ذكره كان ينزّل من الوحي علـى من نزّله شيئاً بعد شيء، والتشديد به إذ كان ذلك معناه أولـى من التـخفـيف.

فتأويـل الكلام: ينزّل الله ملائكته بـما يحيا به الـحقّ ويضمـحلّ به البـاطل من أمره {علـى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَـادِهِ} يعنـي علـى من يشاء من رسله {أنْ أنْذِرُوا} فـ «أنْ» الأولـى فـي موضع خفض، ردًّا علـى «الروح»، والثانـية فـي موضع نصب بـ «أنْذِرُوا». ومعنى الكلام: ينزل الـملائكة بـالروح من أمره علـى من يشاء من عبـاده، بأن أنذروا عبـادي سطوتـي علـى كُفرهم بـي وإشراكهم فـي اتـخاذهم معي الآلهة والأوثان، فإنه {لا إله إلاَّ أنا} يقول: لا تنبغي الأولوهة إلا لـي، ولا يصلـح أن يُبعد شيء سواي، {فـاتَّقُونِ} يقول: فـاحذرونـي بأداء فرائضي وإفراد العبـادة وإخلاص الربوبـية لـي، فإن ذلك نـجاتكم من الهلكة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ} يقول: بـالوحي.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ علـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ} يقول: ينزل الـملائكة....

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {بالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ} إنه لا ينزل ملَك إلا ومعه روح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مـجاهد: قوله: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ} قال: لا ينزل ملك إلا معه روح {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ علـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ} قال بـالنبوّة. قال ابن جريج: وسمعت أن الروح خـلق من الـملائكة نزل به الروح

{ { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِنْ أمْرِ رَبّـي } }.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ علـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أنَا فـاتَّقُونِ} قال: كل كَلِـم تكلـم به ربنا فهو روح منه، { { وكذلكَ أوْحَيْنا إلَـيْكَ رُوحاً منْ أمْرِنا } }... إلـى قوله: { { ألا إلـى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ } }.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ} يقول: ينزّل بـالرحمة والوحي من أمره، {علـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبَـادِهِ} فـيصطفـي منهم رسلاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يُنَزّلُ الـمَلائِكَةَ بـالرُّوحِ مِنْ أمْرِهِ علـى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبـادِهِ} قال: بـالوحي والرحمة.

وأما قوله: {أنْ انْذِرُوا أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ أنا فـاتَّقُونِ} فقد بـيَّنا معناه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ أنا فـاتَّقُونِ} إنـما بعث الله الـمرسلـين أن يوحَّدَ الله وحده، ويُطاع أمره، ويجتنب سخطه.

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ۝٣

يقول تعالـى ذكره معرّفـاً خـلقه حجته علـيهم فـي توحيده، وأنه لا تصلـح الألوهة إلا له: خـلق ربكم أيها الناس السموات والأرض بـالعدل وهو الـحقّ منفرداً بخـلقها لـم يشركه فـي إنشائها وإحداثها شريك ولـم يعنه علـيه معين، فأنَّى يكون له شريك. {تَعالـى عَمَّا يُشْرِكُونَ} يقول جلّ ثناؤه: علا ربكم أيها القوم عن شرككم ودعواكم إلهاً دونه، فـارتفع عن أن يكون له مثل أو شريك أو ظهير، لأنه لا يكون إلهاً إلا من يخـلق وينشىء بقدرته مثل السموات والأرض ويبتدع الأجسام فـيحدثها من غير شيء، ولـيس ذلك فـي قُدرة أحد سوى الله الواحد القهَّار الذي لا تنبغي العبـادة إلا له ولا تصلـح الألوهة لشيء سواه.

خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ۝٤

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه علـيكم أيضاً الناس، أنه خـلق الإنسان من نطفة، فأحدث من ماء مهين خـلقاً عجيبـاً، قلبه تاراتٍ خـلقاً بعد خـلق فـي ظلـمات ثلاث، ثم أخرجه إلـى ضياء الدنـيا بعد ما تـمّ خـلقه ونفخ فـيه الروح، فغذّاه ورزقه القوت ونـماه، حتـى إذا استوى علـى سوقه كفر بنعمة ربه وجحد مدبره وعبد من لا يضرّ ولا ينفع وخاصم إلهه فقال {مَنْ يُحْيِـي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيـمٌ} ونسي الذي خـلقه فسوّاه خـلقاً سويًّا من ماء مهين. ويعنـي بـالـمبـين: أنه يبـين عن خصومته بـمنطقه ويجادل بلسانه، فذلك إبـانته. وعنى بـالإنسان: جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد وهو فـي معنى الـجميع.

وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ۝٥

يقول تعالـى ذكره: ومن حججه علـيكم أيها الناس ما خـلق لكم من الأنعام، فسخَّرها لكم، وجعل لكم من أصوافها وأوبـارها وأشعارها ملابس تدفئون بها ومنافع من ألبـانها وظهورها تركبونها. {وَمِنْها تَأْكُلُونَ} يقول: ومن الأنعام ما تأكلون لـحمه كالإبل والبقر والغنـم وسائر ما يؤكل لـحمه. وحذفت «ما» من الكلام لدلالة من علـيها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، وعلـيّ بن داود، قال: الـمثنى أخبرنا، وقال ابن داود: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ} يقول: الثـياب.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ} يعنـي بـالدفء: الثـياب، والـمنافع: ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله تعالـى: {لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ} قال: لبـاس ينسج، ومنا مركب ولبن ولـحم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {لَكُمْ فِـيهَا دفْءٌ} لبـاس ينسج ومنافع، مركب ولـحم ولبن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا إسرائيـل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قوله: {لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافعُ} قال: نسل كلّ دابة.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل بإسناده، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافعُ} يقول: لكم فـيها لبـاس ومنفعة وبلغة.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: قال ابن عبـاس: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافعُ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ} قال: هو منافع ومآكل.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافعُ} قال: دفء اللـحف التـي جعلها الله منها.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغنـي، عن مـجاهد: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ} قال: نتاجها وركوبها وألبـانها ولـحومها.

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ۝٦ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا۟ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: ولكم فـي هذه الأنعام والـمواشي التـي خـلقها لكم {جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ} يعنـي: تردّونها بـالعشيّ من مسارحها إلـى مراحها ومنازلها التـي تأوي إلـيها ولذلك سمي الـمكان الـمراح، لأنها تراح إلـيه عشيًّا فتأوي إلـيه، يقال منه: أراح فلان ماشيته فهو يريحها إراحة. وقوله: {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} يقول: وفـي وقت إخراجكموها غدوة من مُراحها إلـى مسارحها، يقال منه: سَرَّح فلان ماشيته يُسَرِّحُها تسريحاً، إذا أخرجها للرعي غدوة، وسرَحَتِ الـماشيةُ: إذا خرجت للـمرعى تَسْرَحُ سَرْحاً وسُرُوحاً، فـالسرح بـالغداة والإراحة بـالعشي، ومنه قوله الشاعر:

كأنَّ بَقايا الأُتْنِ فَوْقَ مُتُونِهِمدَبُّ الدَّبَى فَوْقَ النَّقا وَهْوَ سارِحُ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلَكُمْ فِـيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاماً ضروعها طوالاً أسنـمتها، وحين تسرحون إذا سرحت لرعيها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَلَكُمْ فِـيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} قال: إذا راحت كأعظم ما تكون أسنـمة، وأحسن ما تكون ضروعاً.

وقوله: {وَتـحْمِلُ أثقالَكُمْ إلـى بَلَدٍ لَـمْ تَكُونُوا بـالغِيهِ إلاَّ بِشِقّ الأنْفُس} يقول: وتـحمل هذه الأنعام أثقالكم إلـى بلد آخر لـم تكونوا بـالغِيهِ إلا بجهد من أنفسكم شديد ومشقة عظيـمة. كما:

حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريك، عن جابر، عن عكرمة: {وَتَـحْمِلُ أثْقالَكُمْ إلـى بَلَدٍ لَـمْ تَكُونُوا بـالِغِيهِ إلاَّ بِشِقّ الأنْفُسِ} قال: لو تكلفونه لـم تبلغوه إلا بجهد شديد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة: {إلـى بَلَدٍ لَـمْ تَكُونُوا بـالِغيهِ إلاَّ بِشِقّ الأنْفُسِ} قال: لو كلفتـموه لـم تبلغوه إلا بشقّ الأنفس.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحِمانـي، قال: ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة: {إلـى بَلَدٍ لَـمْ تَكُونوا بـالِغِيهِ إلاَّ بِشقّ الأنْفُسِ} قال: البلد: مكة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {إلاَّ بِشِقّ الأنْفُسِ} قال: مشقة علـيكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَتـحْمِلُ أثْقالَكُمْ إلـى بَلَدٍ لَـمْ تَكُونُوا بـالِغيهِ إلاَّ بِشِقّ الأنْفُسِ} يقول: بجهد الأنفس.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنـحوه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامَّة قرّاء الأمصار بكسر الشين: {إلاَّ بِشِقّ الأنْفُسِ} سوى أبـي جعفر القارىء، فإن:

الـمثنى حدثنـي، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبـي حماد، قال: ثنـي أبو سعيد الرازي، عن أبـي جعفر قارىء الـمدينة، أنه كان يقرأ: «لَـمْ تَكُونُوا بـالِغيهِ إلاَّ بِشَقّ الأنْفُسِ» بفتـح الشين، وكان يقول: إنـما الشقّ: شقّ النفس. وقال ابن أبـي حماد: وكان معاذ الهرّاء يقول: هي لغة، تقول العرب بشقّ وبشِقّ، وبرَق وبرِق.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار وهي كسر الشين، لإجماع الـحجة من القرّاء علـيه وشذوذ ما خالفه. وقد يُنشد هذا البـيت بكسر الشين وفتـحها، وذلك قول الشاعر:

وذِي إبِلِ يَسْعَى وَيحْسِبُها لَهُأخِي نَصَبٍ مِنْ شَقِّها ودُؤُوبِ

و «من شِقِّـيها» أيضاً بـالكسر والفتـح وكذلك قول العجاج:

أصبحَ مَسْحُولٌ يُوَازِي شَقَّا

و «شِقًّا» بـالفتـح والكسر. ويعنـي بقوله: «يوازي شَقَّا»: يقاسي مشقة. وكان بعض أهل العربـية يذهب بـالفتـح إلـى الـمصدر من شققت علـيه أشقّ شقًّا، وبـالكسر إلـى الاسم. وقد يجوز أن يكون الذين قرأوا بـالكسر أرادوا إلا بنقص من القوّة وذهاب شيء منها حتـى لا يبلغه إلا بعد نقصها، فـيكون معناه عند ذلك: لـم تكونوا بـالغيه إلا بشقّ قوى أنفسكم وذهاب شقها الآخر. ويحكى عن العرب: خذ هذا الشِّقّ: لشقة الشاة بـالكسر، فأما فـي شقت علـيك شَقًّا فلـم يحك فـيه إلا النصب.

وقوله: {إنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيـمٌ} يقول تعالـى ذكره: إن ربكم أيها الناس ذو رأفة بكم ورحمة من رحمته بكم، خـلق لكم الأنعام لـمنافعكم ومصالـحكم، وخـلق السموات والأرض أدلة لكم علـى وحدانـية ربكم ومعرفة إلهكم، لتشكروه علـى نعمة علـيكم، فـيزيدكم من فضله.

وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: وخـلق الـخيـل والبغال والـحمير لكم أيضاً {لتَرْكَبُوهَا وزِينَةً} يقول: وجعلها لكم زينةً تتزينون بها مع الـمنافع التـي فـيها لكم، للركوب وغير ذلك. ونصب الـخيـل والبغال عطفـاً علـى الهاء والألف فـي قوله: {خَـلَقَها}. ونصب الزينة بفعل مضمر علـى ما بـيَّنت، ولو لـم يكن معها واو وكان الكلام: «لتركبوها زينةً كانت منصوبة بـالفعل الذي قبلها الذي هي به متصلة، ولكن دخول الواو آذنت بأن معها ضمير فعل وبـانقطاعها عن الفعل الذي قبلها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {لتَرْكَبُوها وَزِينَةً} قال: جعلها لتركبوها، وجعلها زينة لكم.

وكان بعض أهل العلـم يرى أن فـي هذه الآية دلالة علـى تـحريـم أكل لـحوم الـخيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو ضمرة، عن أبـي إسحاق، عن رجل، عن ابن عبـاس، قوله: {والـخَيْـلَ والبغالَ والـحَميرَ لتَرْكَبُوها} قال: هذه للركوب.

{ والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ } قال: هذه للأكل.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا هشام الدستوائي، قال: ثنا يحيى بن أبـي كثـير، عن مولـى نافع بن علقمة: أن ابن عبـاس كان يكره لـحوم الـخيـل والبغال والـحمير، وكان يقول: قال الله

{ والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ } فهذه للأكل، {والـخَيْـلَ والبغالَ والـحَميرَ لتَرْكَبُوها} فهذه للركوب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال، عن سعيد، عن ابن عبـاس: أنه سئل عن لـحوم الـخيـل، فكرهها وتلا هذه الآية: {والـخَيْـلَ والبغالَ والـحَميرَ لتَرْكَبُوها}... الآية.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا قـيس بن الربـيع، عن ابن أبـي لـيـلـى عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير عن ابن عبـاس: أنه سئل عن لـحوم الـخيـل، فقال: اقرأ التـي قبلها: {والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ ومنَافِعُ ومَنْها تَأْكُلُونَ والـخَيْـلَ والبغالَ والـحَميرَ لتَرْكَبُوها وَزِينَةً} فجعل هذه للأكل، وهذه للركوب.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن عبد الـملك بن أبـي غنـية، عن أبـيه، عن الـحكم:

{ والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ } فجعل منه الأكل. ثم قرأ حتـى بلغ: {والـخَيْـلَ والبغالَ والـحَميرَ لتَرْكَبُوها} قال: لـم يجعل لكم فـيها أكلاً. قال: وكان الـحكم يقول: والـخيـل والبغال والـحمير حرام فـي كتاب الله.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا ابن أبـي غنـية، عن الـحكم، قال: لـحوم الـخيـل حرام فـي كتاب الله. ثم قرأ:

{ والأنْعامَ خَـلَقَها لَكُمْ فِـيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ... } إلـى قوله: {لتَرْكَبُوها}.

وكان جماعة غيرهم من أهل العلـم يخالفونهم فـي هذا التأويـل، ويرون أن ذلك غير دالّ علـى تـحريـم شيء، وأن الله جلّ ثناؤه إنـما عرَّف عبـاده بهذه الآية وسائر ما فـي أوائل هذه السورة نعمة علـيهم ونبههم به علـى حججه علـيهم وأدلته علـى وحدانـيته وخطأ فعل من يشرك به من أهل الشرك. ذكر بعض من كان لا يرى بأسا بأكل لـحم الفرس:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيـم، عن الأسود: أنه أكل لـحم الفرس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن الـحكم، عن إبراهيـم، عن الأسود بنـحوه.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم قال: نـحر أصحابنا فرساً فـي النـجع وأكلوا منه، ولـم يروا به بأساً.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله أهل القول الثانـي، وذلك أنه لو كان فـي قوله تعالـى ذكره: {لِتَرْكَبُوها} دلالة علـى أنها لا تصلـح إذ كانت للركوب للأكل لكان فـي قوله:

{ فِـيها دِفْءٌ ومنَافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ } دلالة علـى أنها لا تصلـح إذ كانت للأكل والدفء للركوب. وفـي إجماع الـجميع علـى أن ركوب ما قال تعالـى ذكره {وَمِنْها تَأْكُلُونَ} جائز حلال غير حرام، دلـيـل واضح علـى أن أكل ما قال: {لِتَرْكَبُوها} جائز حلال غير حرام، إلا بـما نصّ علـى تـحريـمه أو وضع علـى تـحريـمه دلالة من كتاب أو وحي إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بهذ الآية فلا يحرم أكل شيء. وقد وضع الدلالة علـى تـحريـم لـحوم الـحمُر الأهلـية بوحيه إلـى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلـى البغال بـما قد بـيَّنا فـي كتابنا كتاب الأطعمة بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع، إذا لـم يكن هذا الـموضع من مواضع البـيان عن تـحريـم ذلك، وإنـما ذكرنا ما ذكرنا لـيدلّ علـى أنه لا وجه لقول من استدلّ بهذه الآية علـى تـحريـم لـحم الفرس.

حدثنا أحمد، ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيـل، عن عبد الكريـم، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا نأكل لـحم الـخيـل علـى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: فـالبغال؟ قال: أما البغال فلا.

وقوله: {وَيَخْـلُقُ ما لا تَعْلَـمُونَ} يقول تعالـى ذكره: ويخـلق ربكم مع خـلقه هذه الأشياء التـي ذكرها لكم ما لا تعلـمون مـما أعدّ فـي الـجنة لأهلها وفـي النار لأهلها مـما لـم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر علـى قلب بشر.

وَعَلَى ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: وعلـى الله أيها الناس بـيان طريق الـحقّ لكم، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنـما يضلّ علـيها. والسبـيـل: هي الطريق، والقصد من الطريق: الـمستقـيـم الذي لا اعوجاج فـيه، كما قال الراجز:

فصَدَّ عَنْ نَهْجِ الطَّرِيقِ القاصِدِ

وقوله: {وَمِنْها جائِرٌ} يعنـي تعالـى ذكره: ومن السبـيـل جائر عن الاستقامة معوّج، فـالقاصد من السبل: الإسلام، والـجائر منها: الـيهودية والنصرانـية وغير ذلك من ملل الكفر كلها جائر عن سواء السبـيـل وقصدها، سوى الـحنـيفـية الـمسلـمة. وقـيـل: ومنها جائر، لأن السبـيـل يؤنث ويذكر، فأنثت فـي هذا الـموضع. وقد كان بعضهم يقول: وإنـما قـيـل: «ومنها» لأن السبـيـل وإن كان لفظها لفظ واحد فمعناها الـجمع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} يقول: البـيان.

حدثنا مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} يقول: علـى الله البـيان، أن يبـين الهدى والضلالة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن. قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعاً عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} قال: طريق الـحقّ علـى الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} يقول: علـى الله البـيان، بـيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} قال: السبـيـل: طريق الهدى.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} قال إنارتها.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَعلـى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِـيـلِ} يقول: علـى الله البـيان، يبـين الهدى من الضلالة، ويبـين السبـيـل التـي تفرّقت عن سبله، ومنها جائر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَمِنْها جائِرٌ}: أي من السبل، سبل الشيطان. وفـي قراءة عبد الله بن مسعود: «وَمِنْكُمْ جائِرٌ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَاكُمْ أجمَعِينَ».

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَمِنْها جائِرٌ} قال: فـي حرف ابن مسعود: «وَمِنْكُمْ جائِرٌ».

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَمِنْها جائِرٌ} يعنـي السبل الـمتفرّقة.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَمِنْها جائِرٌ} يقول: الأهواء الـمختلفة.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَمِنْها جائِرٌ} يعنـي السبل التـي تفرّقت عن سبـيـله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَمِنْها جائِرٌ} السبل الـمتفرقة عن سبـيـله.

حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَمِنْها جائِرٌ} قال: من السبل جائر عن الـحقّ قال: قال الله:

{ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبْلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِـيـلِهِ }

وقوله: {وَلَوْ شاءَ لَهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ} يقول: ولو شاء الله للطف بجميعكم أيها الناس بتوفـيقه، فكنتـم تهتدون وتلزمون قصد السبـيـل ولا تـجورون عنه فتتفرّقون فـي سبل عن الـحقّ جائرة. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْ شَاءَ لَهَداكُمْ أجْمَعِينَ} قال: لو شاء لهداكم أجمعين لقصد السبـيـل الذي هو الـحقّ. وقرأ:

{ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِـي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً... } الآية، وقرأ: { { وَلَوْ شِئْنَا لآتَـيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاها } } ... الآية.

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ۝١٠

يقول تعالـى ذكره: والذي أنعم عليكم هذه النعم وخـلق لكم الأنعام والـخيـل وسائر البهائم لـمنافعكم ومصالـحكم، هو الربّ الذي أنزل من السماء ماء، يعنـي: مطراً لكم من ذلك الـماء شراب تشربونه ومنه شراب أشجاركم وحياة غروسكم ونبـاتها. {فِـيهِ تُسِيـمُونَ} يقول: فـي الشجر الذي ينبت من الـماء الذي أنزل من السماء تسيـمون، يعنـي ترعون، يقال منه: أسام فلان إبله يسيـمها إسامة إذا أرعاها، وسوّمها أيضاً يسوّمها، وسامت هي إذا رعت، فهي تسوم، وهي إبل سائمة ومن ذلك قـيـل للـمواشي الـمطلقة فـي الفلاة وغيرها للرعي سائمة. وقد وجَّه بعضهم معنى السوم فـي البـيع إلـى أنه من هذا، وأنه ذهاب كلّ واحد من الـمتبـايعين فـيـما ينبغي له من زيادة ثمن ونقصانه، كما تذهب سوائم الـمواشي حيث شاءت من مراعيها ومنه قول الأعشى:

وَمَشَى القَوْمُ بـالعمادِ إلـى الـمَرْعَى وأعْيا الـمُسِيـمَ أيْنَ الـمَساقُ

وبنحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن النضْر بن عربـي، عن عكرمة: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فـيهِ تُسيـمُونَ} قال: ترعون.

حدثنا أحمد بن سهيـل الواسطي، قال: ثنا قرة بن عيسى، عن النضر بن عربـي، عن عكرمة، فـي قوله: {فـيهِ تُسيـمُونَ} قال: ترعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: ترعون.

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فـيهِ تُسيـمُونَ} يقول: يرعون فـيه أنعامهم وشَاءَهُمْ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {فـيهِ تُسيـمُونَ} قال: ترعون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا معاوية وأبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك: فـيه ترعون.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد، عن الضحاك، فـي قوله: {تُسيـمُونَ} يقول: ترعون أنعامكم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن طلـحة بن أبـي طلـحة القناد، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي، قال: فـيه ترعون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {شَجَرٌ فـيهِ تُسيـمُونَ} يقول: ترعون.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: ترعون.

حدثنا مـحمد بن سنان، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، عن قتادة فـي قول الله: {شَجَرٌ فـيهِ تُسيـمُونَ} قال: تَرْعون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَمِنْهُ شَجَرٌ فـيهِ تُسيـمُونَ} قال: تَرْعون. قال: الإسامة: الرّعية.

وقال الشاعر:

مثلَ ابنِ بَزْعَةَ أو كآخَرَ مِثْلِهِأوْلـى لَكَ ابنَ مُسِيـمةِ الأجْمالِ

قال: يا ابن راعية الأجمال.

يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلْأَعْنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: يُنبت لكم ربكم بـالـماء الذي أنزل لكم من السماء زرعَكم وزيتونَكم ونـخيـلكم وأعنابكم {ومِنْ كُلِّ الثّمراتِ} يعنـي من كلّ الفواكه غير ذلك أرزاقاً لكم وأقواتاً وإداماً وفـاكهة، نعمة منه علـيكم بذلك وتفضّلاً، وحُجة علـى من كفر به منكم. {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً} يقول جلّ ثناؤه: إن فـي إخراج الله بـما ينزل من السماء من ماء ما وصف لكم {لآيةً} يقول: لدلالة واضحة وعلامة بـينة، {لقومٍ يَتَفَكَّرُونَ} يقول: لقوم يعتبرون مواعظ الله ويتفكَّرون فـي حججه، فـيتذكرون وينـيبون.

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتٌۢ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره: ومن نِعَمه علـيكم أيها الناس مع التـي ذكرها قبل أن سخر لكم اللـيـل والنهار يتعاقبـان علـيكم، هذا لتصرفكم فـي معاشكم وهذا لسكنكم فـيه {والشَّمْسَ والقَمَرَ} لـمعرفة أوقات أزمنتكم وشهوركم وسنـينكم وصلاح معايشكم. {والنُّـجُومُ مُسَخَّراتٌ} لكم بأمر الله تـجري فـي فلكها لتهتدوا بها فـي ظلـمات البرّ والبحر. {إنَّ فِـي ذلكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقَلُونَ} يقول تعالـى ذكره: إن فـي تسخير الله ذلك علـى ما سخره لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله ويفهمون عنه تنبـيهه إياهم.

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَٰنُهُۥٓ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ۝١٣

يعنـي جلّ ثناؤه بقوله: {ومَا ذَرأَ لَكُمْ} وسخر لكم ما ذرأ: أي ما خـلق لكم فـي الأرض مختلفـاً ألوانه من الدواب والثمار. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ومَا ذَرأَ لَكُمْ فِـي الأرْضِ} يقول: وما خـلق لكم مختلفـاً ألوانه من الدوابّ ومن الشجر والثمار، نِعَم من الله متظاهرة فـاشكروها لله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: من الدوابّ والأشجار والثمار.

ونصب قوله: «مختلفـاً» لأن قوله: «وَما» فـي موضع نصب بـالـمعنى الذي وصفت. وإذا كان ذلك كذلك، وجب أن يكون «مختلفـاً ألوانه» حالاً من «ما»، والـخبر دونه تامّ، ولو لـم تكن «ما» فـي موضع نصب، وكان الكلام مبتدأ من قوله: {وَما ذَرأَ لَكُمْ} لـم يكن فـي مختلف إلا الرفع، لأنه كان يصير مرافع «ما» حينئذ.

وَهُوَ ٱلَّذِى سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا۟ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا۟ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم وأنعم علـيكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كلّ نهر ملـحاً ماؤه أو عذبـاً. {لتَأْكُلُوا منْهُ لَـحْماً طرِيًّا} وهو السمك الذي يصطاد منه. {وتَسْتَـخْرِجُوا منْهُ حلْـيَةً تَلْبَسُونَها} وهو اللؤلؤ والـمرجان. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: أخبرنا هشام، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة، فـي قوله: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لتَأْكُلُوا منْهُ لَـحْماً طَرِيًّا} قال: منهما جميعاً. {وتَسْتَـخْرِجُوا مِنْهُ حلْـيَةً تَلْبَسُونَهَا} قال: هذا اللؤلؤ.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَـحْماً طَرِيًّا} يعنـي حيتان البحر.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا حماد، عن يحيى، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الـملك، قال: جاء رجل إلـى أبـي جعفر، فقال: هل فـي حلـيّ النساء صدقة؟ قال: لا، هي كما قال الله تعالـى: {حِلْـيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ} يعنـي السفن، {مَوَاخرَ فِـيهِ} وهي جمع ماخرة.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل قوله: {مَوَاخرَ} فقال بعضهم: الـمواخر: الـمواقر. ذكر من قال ذلك:

حدثنا عمرو بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الـحسن، فـي قوله: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} قال: الـمواقر.

وقال آخرون فـي ذلك ما:

حدثنا به عبد الرحمن بن الأسود، قال: ثنا مـحمد بن ربـيعة، عن أبـي بكر الأصمّ، عن عكرمة، فـي قوله: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} قال: ما أخذ عن يـمين السفـينة وعن يسارها من الـماء، فهو الـمواخر.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي مكين، عن عكرمة، فـي قوله: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} قال: هي السفـينة تقول بـالـماء هكذا، يعنـي تشقه.

وقال آخرون فـيه، ما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن إسماعيـل، عن أبـي صالـح: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} قال: تـجري فـيه متعرضّة.

وقال آخرون فـيه، بـما:

حدثنـي به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} قال: تـمخر السفـينة الرياح، ولا تـمخر الريحَ من السفن إلا الفلك العظامُ.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا الـحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء جميعاً، عن ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد نـحوه، غير أن الـحرث قال فـي حديثه: ولا تـمخر الرياح من السفن.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مَوَاخرَ} قال: تـمخر الريح.

وقال آخرون فـيه، ما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} تـجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة.

حدثنا ابن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: تـجري مقبلة ومدبرة بريح واحدة.

حدثنا الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن إبراهيـم، قال: سمعت الـحسن: {وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِـيهِ} قال: مقبلة ومدبرة بريح واحدة.

والـمخْر فـي كلام العرب: صوت هبوب الريح إذا اشتدّ هبوبها، وهو فـي هذا الـموضع: صوت جري السفـينة بـالريح إذا عصفت وشقها الـماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفـينة تـمخر مخراً ومخوراً، وهي ماخرة، ويقال: امتـخرت الريح وتـمخرتها: إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمَّعت صوت هبوبها. ومنه قول واصل مولـى ابن عيـينة: كان يقال: إذا أراد أحدكم البول فلـيتـمخر الريح، يريد بذلك: لـينظر من أين مـجراها وهبوبها لـيستدبرها فلا ترجع علـيه البول وتردّه علـيه.

وقوله: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} يقول تعالـى ذكره: ولتتصرّفوا فـي طلب معايشكم بـالتـجارة سخر لكم. كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} قال: تـجارة البرّ والبحر.

وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول: ولتشكروا ربكم علـى ما أنعم به علـيكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التـي عدّدها فـي هذه الآيات.

وَأَلْقَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ رَوَٰسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَٰرًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: ومن نِعمه علـيكم أيها الناس أيضاً، أن ألقـى فـي الأرض رواسي، وهي جمع راسية، وهي الثوابت فـي الأرض من الـجبـال. وقوله: {أنْ تَـمِيدَ بِكُمْ} يعنـي: أن لا تـميد بكم، وذلك كقوله:

{ يُبَـيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلُّوا }، والـمعنى: أن لا تضلوا. وذلك أنه جلّ ثناؤه أرسى الأرض بـالـجبـال لئلا يـميد خـلقه الذي علـى ظهرها، بل وقد كانت مائدة قبل أن تُرْسى بها. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، عن قـيس بن عبـاد: أن الله تبـارك وتعالـى لـما خـلق الأرض جعلت تـمور، قالت الـملائكة: ما هذه بـمقرّة علـى ظهرها أحداً فأصبحت صبحاً وفـيها رواسيها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبـيب، عن علـيّ بن أبـي طالب، قال: لـما خـلق الله الأرض قَمَصَت، وقالت: أي ربّ أتـجعل علـيّ بنـي آدم يعملون علـيّ الـخطايا ويجعلون علـيّ الـخبث؟ قال: فأرسى الله علـيها من الـجبـال ما ترون وما لا ترون، فكان قرارها كاللـحم يترجرج.

والـميد: هو الاضطراب والتكفؤ، يقال: مادت السفـينة تـميد ميداً: إذا تكفأت بأهلها ومالت، ومنه الـميد الذي يعتري راكب البحر، وهو الدوار.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {أنْ تَـمِيدَ بِكُمْ}: أن تكفأ بكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الـحسن، فـي قوله: {وألْقَـى فِـي الأرْضِ روَاسِيَ أنْ تَـمِيدُ بِكُمْ} قال: الـجبـال أن تـميد بكم. قال: قتادة: سمعت الـحسن يقول: لـما خـلقت الأرض كادت تـميد، فقالوا: ما هذه بـمقرّة علـى ظهرها أحداً فأصبحوا وقد خُـلقت الـجبـال، فلـم تدر الـملائكة مـم خُـلقت الـجبـال.

وقوله: {وأنهَاراً} يقول: وجعل فـيها أنهاراً، فعطف بـالأنهار علـى الرواسي، وأعمل فـيها ما أعمل فـي الرواسي، إذ كان مفهوماً معنى الكلام والـمراد منه وذلك نظير قول الراجز:

تَسْمَعُ فـي أجْوَافِهِنَّ صَوْرَاوفـي الـيَدَيْنِ حَشَّةً وبَوْرَا

والـحشة: الـيُبس، فعطف بـالـحشة علـى الصوت، والـحشة لا تسمع، إذ كان مفهوماً الـمراد منه وأن معناه وترى في اليدين حَشَّةً.

وقوله: {وَسُبُلاً} وهي جمع سبـيـل، كما الطرق جمع طريق. ومعنى الكلام: وجعل لكم أيها الناس فـي الأرض سُبلاً وفجاجاً تسلكونها وتسيرون فـيها فـي حوائجكم وطلب معايشكم رحمة بكم ونعمة منه بذلك علـيكم ولو عماها لهلكتـم ضلالاً وحيرة.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {سُبُلاً}: أي طرقاً.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {سُبُلاً} قال: طرقاً. وقوله {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} يقول: لكي تهتدوا بهذه السبل التـي جعلها لكم فـي الأرض إلـى الأماكن التـي تقصدون والـمواضع التـي تريدون، فلا تضلوا وتتـحيروا.

وَعَلَٰمَٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ۝١٦

اختلف أهل التأويـل فـي الـمعنّى بـالعلامات، فقال بعضهم: عُنـي بها معالـم الطرق بـالنهار. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {وَعَلاماتٍ وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} يعنـي بـالعلامات: معالـم الطرق بـالنهار، وبـالنـجم هم يهتدون بـاللـيـل.

وقال آخرون: عُنـي بها النـجوم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: {وَعَلاماتٍ وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} قال: منها ما يكون علامات، ومنها ما يهتدون به.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد: {وَعَلاماتٍ وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} قال: منها ما يكون علامة، ومنها ما يهتدي به.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن منصور، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا قبـيصة، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، مثله.

قال: الـمثنى، قال: ثنا إسحاق خالف قبـيصة وكيعاً فـي الإسناد.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَعَلاماتٍ وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} والعلامات: النـجوم، وإن الله تبـارك وتعالـى إنـما خـلق هذه النـجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجوماً للشياطين. فمن تعاطى فـيها غير ذلك، فَقَدَ رَأْيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا علـم له به.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتاد: {وَعَلاماتٍ} قال النـجوم.

وقال آخرون: عُنـي بها الـجبـال. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبـي: {وَعَلاماتٍ} قال: الـجبـال.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب أن يقال: إن الله تعالـى ذكره عدّد علـى عبـاده من نعمه، إنعامَهُ علـيهم بـما جعل لهم من العلامات التـي يهتدون بها فـي مسالكهم وطرقهم التـي يسيرونها، ولـم يخصص بذلك بعض العلامات دون بعض، فكلّ علامة استدلّ بها الناس علـى طرقهم وفجاج سُبلهم فداخـل فـي قوله: {وَعَلاماتٍ}. والطرق الـمسبولة: الـموطوءة، علامة للناحية الـمقصودة، والـجبـال علامات يهتدي بهنّ إلـى قصد السبـيـل، وكذلك النـجوم بـاللـيـل. غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار، إذ كان الله قد فصل منها أدلة اللـيـل بقوله: {وبـالنَّـجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ}. وإذا كان ذلك أشبه وأولـى بتأويـل الآية، فـالواجب أن يكون القول فـي ذلك ما قاله ابن عبـاس فـي الـخبر الذي رويناه عن عطية عنه، وهو أن العلامات معالـم الطرق وأماراتها التـي يهتدى بها إلـى الـمستقـيـم منها نهاراً، وأن يكون النـجم الذي يهتدى به لـيلاً هو الـجدي والفرقدان، لأن بها اهتداء السفر دون غيرها من النـجوم. فتأويـل الكلام إذن: وجعل لكم أيها الناس علامات تستدلون بها نهاراً علـى طرقكم فـي أسفـاركم. ونـجوماً تهتدون بها لـيلاً فـي سُبلكم.

الأحد، 1 نوفمبر 2026 21 جمادى الأولى 1448 هـ