انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير الطبريالآيات 14–24

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة هود

الخلاصة من تفسير الطبري · 7 مقاطع · 1:30:22

  1. 1 الآيات 6–23في هذه الصفحة 14:38
  2. 2 الآيات 24–40في هذه الصفحة 13:07

التفسير الصوتي لسورة هود كاملًا (7 مقاطع)

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٤

يقول تعالـى ذكره لنبـيه: قل يا مـحمد لهؤلاء الـمشركين: فإن لـم يستـجب لكم من تدعون من دون الله إلـى أن يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، ولـم تطيقوا أنتـم وهم أن تأتوا بذلك، فـاعلـموا وأيقنوا أنه إنـما أُنزل من السماء علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم بعلـم الله وإذنه، وأن مـحمداً لـم يفتره، ولا يقدر أن يفتريه، {وأن لا إلهَ إلاَّ هُوَ} يقول: وأيقنوا أيضاً أن لا معبود يستـحقّ الألوهة علـى الـخـلق إلا الله الذي له الـخـلق والأمر، فـاخـلعوا الأنداد والآلهة وأفردوا له العبـادة.

وقد قـيـل: إن قوله: {فإنْ لَـمْ يَسْتَـجِيبُوا لَكُمْ} خطاب من الله لنبـيه، كأنه قال: فإن لـم يستـجب لك هؤلاء الكفـار يا مـحمد، فـاعلـموا أيها الـمشركون أنـما أنزل بعلـم الله. وذلك تأويـل بعيد من الـمفهوم.

وقوله: {فَهَلْ أنْتُـمْ مُسْلِـمُونَ} يقول: فهل أنتـم مذعنون لله بـالطاعة، ومخـلصون له العبـادة بعد ثبوت الـحجة علـيكم؟ وكان مـجاهد يقول: عنـي بهذا القول أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَهَلْ أنْتُـمْ مُسْلِـمُونَ} قال: لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وأنْ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ فَهَلْ أنْتُـمْ مُسْلِـمُونَ} قال: لأصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقـيـل: {فإنْ لَـمْ يَسْتَـجُيبُوا لَكُمْ} والـخطاب فـي أوّل الكلام قد جرى لواحد، وذلك قوله:{ قُلْ فَأْتُوا} ولـم يقل: فإن لـم يستـجيبوا لك علـى نـحو ما قد بـيَّنا قبل فـي خطاب رئيس القوم وصاحب أمرهم، أن العرب تـخرج خطابه أحياناً مخرج خطاب الـجمع إذ كان خطابه خطاب لأتبـاعه وجنده، وأحياناً مخرج خطاب الواحد إذا كان فـي نفسه واحداً.

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝١٥

يقول تعالـى ذكره: {مَنْ كانَ يُرِيدُ} بعمله {الـحَياةَ الدُّنْـيا} وأثاثها {وَزِينَتَها} يطلب به، {نوَفّ إلَـيْهِمْ} أجور {أعْمَالَهُمْ فِـيها} وثوابها. {وَهُمْ فِـيها} يقول: وهم فـي الدنـيا {لا يُبْخَسُونَ} يقول: لا يُنقصون أجرها، ولكنهم يُوَفَّونه فـيها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وَزِينَتَها}... الآية، وهي ما يعطيهم الله من الدنـيا بحسناتهم وذلك أنهم لا يظلـمون نقـيراً، يقول: من عمل صالـحاً التـماس الدنـيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بـاللـيـل لا يعمله إلا لالتـماس الدنـيا يقول الله: أُوَفِّـيه الذي التـمس فـي الدنـيا من الـمثابة، وحبط عمله الذي كان يعمل التـماس الدنـيا، وهو فـي الآخرة من الـخاسرين.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبـير: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها} قال: ثواب ما عملوا فـي الدنـيا من خير أعطوه فـي الدنـيا،

{ { وَلَـيْس لهُمْ فـي الآخِرِةِ إلاَّ النَّارُ وحَبِط ما صَنُعوا فِـيها } }

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبـير، قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها} قال: وربـما عملوا من خير أعطوه فـي الدنـيا،

{ { ولَـيْسَ لَهُمْ فـي الآخِرِةِ إلاَّ النَّارُ وحَبِط ما صنَعُوا فِـيها } } قال: هي مثل الآية التـي فـي الروم: { وما أتَـيْتُـمْ مِنْ رِبـا لِـيَرْبُوَ فـي أمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْد اللَّهِ }

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن سعيد بن جبـير: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها} قال: من عمل للدنـيا وُفِّـيَهُ فـي الدنـيا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها} قال: من عمل عملاً مـما أمر الله به من صلاة أو صدقة لا يريد بها وجه الله أعطاه الله فـي الدنـيا ثواب ذلك مثل ما أنفق فذلك قوله: {نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها} فـي الدنـيا، {وَهُمْ فِـيهَا لا يُبْخَسُونَ} أجر ما عملوا فـيها،

{ { أولَئِكَ الَّذِينَ لَـيْسَ لَهُمْ فِـي الآخِرَةِ إلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِـيها } } ... الآية.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عيسى، يعنـي ابن ميـمون، عن مـجاهد، فـي قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها} قال: مـمن لا يقبل منه جُوزي به يُعطي ثوابه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن عيسى الـجرشي، عن مـجاهد: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها} قال: مـمن لا يقبل منه يعجل له فـي الدنـيا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها وَهُمْ فِـيها لا يُبْخَسُونَ} أي لا يظلـمون. يقول: من كانت الدنـيا همه وسَدَمه وطلبته ونـيته، جازاه الله بحسناته فـي الدنـيا، ثم يُفْضِي إلـى الآخرة ولـيس له حسنة يُعْطَي بها جزاء. وأما الـمؤمن فـيجازي بحسناته فـي الدنـيا ويثاب علـيها فـي الآخرة. {وَهُمْ فِـيها لا يُبْخَسُونَ}: أي فـي الآخرة لا يظلـمون.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق جميعاً، عن معمر، عن قتادة: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها}.... الآية، قال: من كان إنـما همته الدنـيا إياها يطلب أعطاه الله مالاً وأعطاه فـيها ما يعيش، وكان ذلك قصاصاً له بعمله. {وَهُمْ فِـيها لا يُبْخَسُونَ} قال: لا يظلـمون.

قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن لـيث بن أبـي سليـم، عن مـحمد بن كعب الُقَرِظيّ: أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال:

مَنْ أحْسَنَ مِنْ مُـحْسِنٍ فَقَدْ وَقَعَ أجْرُهُ علـى اللَّهِ فِـي عاجِلِ الدُّنْـيا وآجِلِ الآخِرَةِ

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها}.... الآية، يقول: من عمل عملاً صالـحاً فـي غير تقوى يعنـي من أهل الشرك أعطي علـى ذلك أجراً فـي الدنـيا يصل رحماً، يعطي سائلاً، يرحم مضطرّاً فـي نـحو هذا من أعمال البرّ يعجل الله له ثواب عمله فـي الدنـيا، ويوسع علـيه فـي الـمعيشة والرزق، ويقرّ عينه فـيـما خوّله، ويدفع عنه من مكاره الدنـيا فـي نـحو هذا، ولـيس له فـي الآخرة من نصيب.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا حفص بن عمرو أبو عمر الضرير، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أنس فـي قوله: {نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها وَهُمْ فِـيها لا يُبْخَسُونَ} قال: هي فـي الـيهود والنصارى.

قال: ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن أبـي رجاء الأزدي، عن الـحسن: {نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها} قال: طيبـاتهم.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن وهب أنه بلغه أن مـجاهداً كان يقول فـي هذه الآية: هم أهل الرياء، هم أهل الرياء.

قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن حيوة بن شريح، قال: ثنى الولـيد بن أبـي الولـيد أبو عثمان، أن عقبة بن مسلـم حدثه، أن شُفـي بن ماتع الأصبحي حدثه: أنه دخـل الـمدينة، فإذا هو برجل قد اجتـمع علـيه الناس، فقال من هذا؟ فقالوا أبو هريرة. فدنوت منه حتـى قعدت بـين يديه وهو يحدّث الناس، فلـما سكت وخَلا قلت: أنشدك بحقّ وبحقّ لـما حدثتنـي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عقلته وعلـمته قال: فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك حديثا حدثنـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نشغ نشغة، ثم أفـاق، فقال: لأحدثنك حديثاً حدثنـيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فـي هذا البـيت ما فـيه أحد غيري وغيره ثم نشغ أبو هريرة نشغة شديدة، ثم مال خارًّا علـى وجهه، واشتدّ به طويلاً، ثم أفـاق، فقال: حدثنـي رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن الله تبـارك وتعالـى إذا كان يوم القـيامة نزل إلـى أهل القـيامة لـيقضي بـينهم وكل أمة جاثـية، فأوّل من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل فـي سبـيـل الله، ورجل كثـير الـمال، فـيقول الله للقارىء: ألـم أعلـمك ما أنزلت علـى رسولـي؟ قال: بلـى يا ربّ قال: فماذا عملت فـيـما علـمت؟ قال: كنت أقوم آناء اللـيـل وآناء النهار. فـيقول الله له: كذبت وتقول له الـملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارىء فقد قـيـل ذلك. ويؤتـي بصاحب الـمال فـيقول الله له: ألـم أوسع علـيك حتـى لـم أدعك تـحتاج إلـى أحد؟ قال: بلـى يا ربّ قال: فماذا عملت فـيـما آتـيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدّق. فـيقول الله له: كذبت وتقول الـملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جواد، فقد قـيـل ذلك. ويؤتـى بـالذي قُتل فـي سبـيـل الله، فـيقال له: فيـماذا قتلت؟ فـيقول: أمرت بـالـجهاد فـي سبـيـلك، فقاتلت حتـى قتلت. فـيقول الله له: كذبت وتقول له الـملائكة: كذبت ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان جريء، وقد قـيـل ذلك ». ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى ركبتـي، فقال:يا أبـا هريرة أولئك الثلاثة أوّل خـلق الله تسعر بهم النار يوم القـيامة

قال الولـيد أبو عثمان: فأخبرنـي عقبة أن شفـيًّا هو الذي دخـل علـى معاوية، فأخبره بهذا.

قال أبو عثمان: وحدثنـي العلاء بن أبـي حكيـم أنه كان سيافـاً لـمعاوية، قال: فدخـل علـيه رجل فحدثه بهذا عن أبـي هريرة، فقال أبو هريرة وقد فعل بهؤلاء هذا، فكيف بـمن بقـي من الناس؟ ثم بكى معاوية بكاء شديداً حتـى ظننا أنه هلك، وقلنا: قد جاءنا هذا الرجل شرّ. ثم أفـاق معاوية ومسح عن وجهه فقال: صدق الله ورسوله {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها نُوفّ إلَـيْهِمْ أعْمالَهُمْ فِـيها} وقرأ إلـى:

{ { وَبـاطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ } }.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن عيسى بن ميـمون، عن مـجاهد: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا وزَينَتَها}... الآية، قال: مـمن لا يتقبل منه، يصوم ويصلـي يريد به الدنـيا، ويدفع عنه وهم الآخرة. {وَهُمْ فِـيها لا يُبْخَسُونَ} لا ينقصون.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٦

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين ذكرت أنا نوفـيهم أجور أعمالهم فـي الدنـيا {لَـيْسَ لَهُمْ فِـي الآخِرَةِ إلاَّ النارُ} يصلونها، {وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِـيها} يقول: وذهب ما عملوا فـي الدنـيا، {وَبـاطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} لأنهم كانوا يعملون لغير الله، فأبطله الله وأحبط عامله أجره.

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٧

يقول تعالـى ذكره: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} قد بـين له دينه فتبـينه، {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ.

} واختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك، فقال بعضهم: يعنـي بقوله: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} مـحمداً صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن خـلف، قال: ثنا حسين بن مـحمد، قال: ثنا شيبـان، عن قتادة، عن عروة، عن مـحمد ابن الـحنفـية، قال: قلت لأبـي: يا أبت أنت التالـي فـي {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ}؟ قال: لا والله يا بنـي وددت أنـي كنت أنا هو، ولكنه لسانه.

حدثنـي يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي رجاء، عن الـحسن: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: لسانه.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن الـحسن، فـي قوله:{ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: لسانه.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا الـحكم بن عبد الله أبو النعمان العجلـي، قال: ثنا شعبة، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، مثله.

حدثنـي علـيّ بن الـحسن الأزدي، قال: ثنا الـمعافـي بن عمران، عن قرة بن خالد، عن الـحسن، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} وهو مـحمد كان علـى بـينة من ربه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الـحسن، قوله: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: لسانه.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: لسانه هو الشاهد.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن أبـي رجاء، عن الـحسن، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، عن الـحسن، مثله.

وقال آخرون: يعنـي بقوله: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} مـحمداً صلى الله عليه وسلم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن عوف، عن سلـيـمان العلاف، عن الـحسين بن علـيّ فـي قوله: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: الشاهد مـحمد صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن عوف، قال: ثنـي سلـيـمان العلاف، قال: بلغنـي أن الـحسين بن علـيّ قال: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم.

قال: ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن سلـيـمان العلاف، سمع الـحسين بن علـيّ: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} يقول: مـحمد هو الشاهد من الله.

حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان علـى بـينة من ربه، والقرآن يتلوه شاهد منه أيضاً من الله بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} قال: النبـيّ صلى الله عليه وسلم.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن نضر بن عربـي، عن عكرمة، مثله.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان عن منصور، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا الـحرث، قال: ثنا أبو خالد، سمعت سفـيان يقول: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} قال: مـحمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: هو علـيّ بن أبـي طالب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا رزيق بن مرزوق، قال: ثنا صبـاح الفراء، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، قال: قال علـيّ رضي الله عنه: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فـيه الآية والآيتان. فقال له رجل: فأنت فأيّ شيء نزل فـيك؟ فقال علـيّ: أما تقرأ الآية التـي نزلت فـي هود {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ}؟

وقال آخرون: هو جبرئيـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} إنه كان يقول: جبرئيـل.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الـحسن بن عبـيد الله، عن إبراهيـم: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: جبرئيـل.

وحدثنا به أبو كريب مرّة أخرى بإسناده عن إبراهيـم، فقال: قال يقولون علـيّ إنـما هو جبرئيـل.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: هو جبرئيـل، تلا التوراة والإنـجيـل والقرآن، وهو الشاهد من الله.

حدثنا ابن بـاشر، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفـيان، وحدثنا مـحمد بن عبد الله الـمخرمي، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا سفـيان. وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: جبرئيـل.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا مـحمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيـم، مثله.

قال: ثنا سهل بن يوسف، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيـم، مثله.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيـم، مثله.

قال: ثنا جرير، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: جبرئيـل.

قال: ثنا عبد الله، عن إسرائيـل، عن السديّ، عن أبـي صالـح: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: جبرئيـل.

قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: جبرئيـل.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول، فـي قوله: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} يعنـي مـحمدا هو علـى بـينة من الله، {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} جبرئيـل شاهد من الله يتلو علـى مـحمد ما بعث به.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، قال: هو جبرئيـل.

قال: ثنا أبـي، عن نضر بن عربـي، عن عكرمة، قال: هو جبرئيـل.

قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن منصور، عن إبراهيـم، قال: جبرئيـل.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} يعنـي مـحمداً علـى بـينة من ربه، {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} فهو جبرئيـل شاهد من الله بـالذي يتلو من كتاب الله الذي أنزل علـى مـحمد، قال: ويقال: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ } يقول: يحفظه الـملك الذي معه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو النعمان عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: كان مـجاهد يقول فـي قوله: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ} قال: يعنـي مـحمداً، {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: جبرئيـل.

وقال آخرون: هو ملك يحفظه ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: معه حافظ من الله ملك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يزيد بن هارونَ، وسُوَيد بن عمرو، عن حماد بن سَلَـمة، عن أيوب، عن مـجاهد: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: ملك يحفظه.

قال: ثنا مـحمد بن بكر، عن ابن جريج، عمن سمع مـجاهداً: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: الـملك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} يتبعه حافظ من الله مَلَك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن مـجاهد: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: الـملك يحفظه:

{ { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتَهِ } } قال: يتبعونه حقّ اتبـاعه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} قال: حافظ من الله ملك.

وأولـى هذه الأقوال التـي ذكرناها بـالصواب فـي تأويـل قوله: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ}: قول من قال: هو جبرئيـل، لدلالة قوله: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماماً وَرَحْمَةً} علـى صحة ذلك وذلك أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لـم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فـيكون ذلك دلـيلاً علـى صحة قول من قال: عُنِـي به لسان مـحمد صلى الله عليه وسلم، أو مـحمد نفسه، أو علـيّ علـى قول من قال: عُنِـي به علـيٌّ. ولا يعلـم أن أحداً كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مـمن ذكر أهل التأويـل أنه عُنِـي بقوله: {وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ} غير جبرئيـل علـيه السلام.

فإن قال قائل: فإن كان ذلك دلـيـلك علـى أن الـمَعْنـيّ به جبرئيـل، فقد يجب أن تكون القراءة فـي قوله: {وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى} بـالنصب لأن معنى الكلام علـى ما تأوّلت يجب أن يكون: ويتلو القرآن شاهد من الله، ومن قَبل القرآن كتاب موسى؟ قـيـل: إن القراء فـي الأمصار قد أجمعت علـى قراءة ذلك بـالرفع فلـم يكن لأحد خلافُها، ولو كانت القراءة جاءت فـي ذلك بـالنصب كانت قراءة صحيحة ومعنى صحيحاً.

فإن قال: فما وجه رفعهم إذا الكتاب علـى ما ادّعيت من التأويـل؟ قـيـل: وجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الـخبر عن مـجيء كتاب موسى قبل كتابنا الـمنزل علـى مـحمد، فرفعوه ب «من» قبله، والقراءة كذلك، والـمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبرئيـل ذلك قبل القرآن، وأن الـمراد من معناه ذلك وإن كان الـخبر مستأنفـا علـى ما وصفت اكتفـاء بدلالة الكلام علـى معناه.

وأما قوله: {إماماً} فإنه نصب علـى القطع من كتاب موسى، وقوله {وَرَحْمَةً} عطف علـى «الإمام»، كأنه قـيـل: ومن قبله كتاب موسى إماماً لبنـي إسرائيـل يأَتَـمُّون به، ورحمة من الله تلاه علـى موسى. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن أبـيه، عن منصور، عن إبراهيـم، فـي قوله: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى} قال: من قبله جاء بـالكتاب إلـى موسى. وفـي الكلام مـحذوف قد ترك ذكره اكتفـاء بدلالة ما ذكر علـيه منه، وهو: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً} كمن هو فـي الضلالة متردّد، لا يهتدي لرشد، ولا يعرف حقًّا من بـاطل، ولا يطلب بعمله إلا الـحياة الدنـيا وزينتها؟ وذلك نظير قوله:

{ { أمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّـيْـلِ ساجِداً وقائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَـمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَـمُونَ } } والدلـيـل علـى حقـيقة ما قلنا فـي ذلك أن ذلك عَقِـيب قوله: {مَنْ كانَ يُرِيدُ الـحَياةَ الدُّنْـيا}... الآية، ثم قـيـل: أهذا خير أمَّن كان علـى بـينة من ربه؟ والعرب تفعل ذلك كثـيرا إذا كان فـيـما ذكَرَتْ دلالة علـى مرادها علـى ما حَذَفت، وذلك كقول الشاعر:

فأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُسِوَاكِ ولكنْ لَـمْ نَـجِدْ لكِ مَدْفَعا

وقوله: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} يقول: هؤلاء الذين ذكرت يصدّقون ويقرّون به إن كفر به هؤلاء الـمشركون الذين يقولون: إن مـحمداً افتراه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فـالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ إنَّهُ الـحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ}.

يقول تعالـى ذكره: ومن يكفر بهذا القرآن فـيجحد أنه من عند الله من الأحزاب وهم الـمتـحزبة علـى مللهم فـالنار موعده، إنه يصير إلـيها فـي الآخرة بتكذيبه يقول الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم. {فَلا تَكُ فِـي مِرْيَةٍ مِنْهُ} يقول: فلا تك فـي شكّ منه، من أن موعد من كفر بـالقرآن من الأحزاب النار، وأن هذا القرآن الذي أنزلناه إلـيك من عند الله. ثم ابتدأ جلّ ثناؤه الـخبر عن القرآن، فقال: إن هذا القرآن الذي أنزلناه إلـيك يا مـحمد الـحقّ من ربك لا شكّ فـيه، ولكن أكثر الناس لا يصدّقون بأن ذلك كذلك.

فإن قال قائل: أو كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم فـي شكّ من أن القرآن من عند الله، وأنه حقّ، حتـى قـيـل له: فلا تك فـي مرية منه؟ قـيـل: هذا نظير قوله:

{ { فإنْ كُنْتَ فِـي شَكَ مِـمَّا أَنْزَلْنا إلَـيْكَ } } وقد بـيَّنا ذلك هنالك.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، قال: نبئت أن سعيد بن جبـير قال: ما بلغنـي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى وجهه إلا وجدت مِصْداقه فـي كتاب الله تعالـى، حتـى قال

لا يَسْمَعُ بِـي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلاَ يَهُودِيّ وَلا نَصْرَانِـيّ ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِـمَا أُرْسِلْتُ بِهِ إلاَّ دَخَـلَ النَّارَ ». قال سعيد: فقلت أين هذا فـي كتاب الله؟ حتـى أتـيت علـى هذه الآية: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسَى إماماً وَرَحْمَةً أُولَئكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فـالنَّارُ مَوْعِدُهُ} قال: من أهل الـملل كلها.

حدثنا مـحمد بن عبد الله الـمُخَرِّميّ وابن وكيع، قالا: ثنا جعفر بن عون، قال: ثنا سفـيان، عن أيوب عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ} قال: من الـملل كلها.

حدثنـي يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن عُلَـية، قال: ثنا أيوب، عن سعيد بن جبـير، قال: كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم علـى وجهه، إلا وجدت مصداقه أو قال تصديقه فـي القرآن، فبلغنـي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لا يَسْمَعُ بِـي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلا يَهُودِيّ وَلا نَصْرَانِـيٌّ ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِـمَا أُرْسِلْتُ بِهِ إلاَّ دَخَـلَ النَّارَفجعلت أقول: أين مصداقها؟ حتـى أتـيت علـى هذا: {أفمَنْ كانَ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ}... إلـى قوله: {فـالنَّارُ مَوْعِدُهُ} قال: فـالأحزاب: الـملل كلها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، قال: ثنـي أيوب، عن سعيد بن جبـير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما مِنْ أحَدٍ يَسْمَعُ بِـي مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلا يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِـيّ فَلا يُؤْمِنُ بِـي إلاَّ دَخَـلَ النَّارفجعلت أقول: أين مصداقها فـي كتاب الله؟ قال: وقلـما سمعت حديثاً عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم إلا وجدت له تصديقاً فـي القرآن، حتـى وجدت هذه الآيات: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فـالنَّارُ مَوْعِدُهُ}: الـملل كلها.

قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فـالنَّارُ مَوْعِدُهُ} قال: الكفـار أحزاب كلهم علـى الكفر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ} أي يكفر ببعضه، وهم الـيهود والنصارى. قال: بلغنا أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

لا يَسْمَعُ بِـي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ وَلا يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِـيّ ثُمَّ يَـمُوتُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ بِـي، إلاَّ دَخَـلَ النَّارَ ».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا يوسف بن عديّ النضْريّ، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن شعبة، عن أبـي بشر، عن سعيد بن جُبـير، عن أبـي موسى الأشعري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:مَن سَمِعَ بِـي مِنْ أُمَّتِـي أوْ يَهُودِيّ أوْ نَصْرانِـيّ، فَلَـمْ يُؤْمِنْ بِـي لَـمْ يَدْخُـلِ الـجَنَّةَ ».

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٨

يقول تعالـى ذكره: وأيّ الناس أشدّ تعذيبـاً مـمن اختلق علـى الله كذبـاً فكذب علـيه، أولئك يُعْرضون علـى ربهم، ويقول الأشهاد: هؤلاء الذين يكذِبون علـى ربهم يعرَضون يوم القـيامة علـى ربهم، فـيسألهم عما كانوا فـي دار الدنـيا يعملون. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ومَنْ أظْلَـمُ مِـمَّنِ افْتَرَى علـى اللَّهِ كَذِبـاً} قال: الكافر والـمنافق {أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ علـى رَبِّهِمْ} فـيسألهم عن أعمالهم.

وقوله: {وَيَقُولُ الأشْهادُ} يعنـي الـملائكة والأنبـياء الذين شهدوهم وحفظوا علـيهم ما كانوا يعملون، وهم جمع شاهد مثل الأصحاب الذي هو جمع صاحب {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِّهِمْ} يقول: شهد هؤلاء الأشهاد فـي الآخرة علـى هؤلاء الـمفترين علـى الله فـي الدنـيا، فـيقولون: هؤلاء الذين كذبوا فـي الدنـيا علـى ربهم. يقول الله: {ألاَ لَعْنَةُ اللَّهِ علـى الظَّالِـمِينَ} يقول: ألا غضب الله علـى الـمعتدين الذين كفروا بربهم.

وبنـحو ما قلنا فـي قوله {وَيَقُولُ الأشْهادُ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا نـمير بن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَيَقُولُ الأشْهادُ} قال: الـملائكة.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قال: الـملائكة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد،قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَيَقُولُ الأشْهادُ} والأشهاد: الـملائكة، يشهدون علـى بنـي آدم بأعمالهم.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {الأشْهاد} قال: الـخلائق، أو قال: الـملائكة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَيَقُولُ الأشْهادُ} الذين كان يحفظون أعمالهم علـيهم فـي الدنـيا {هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِّهِمْ} حفظوه وشهدوا به علـيهم يوم القـيامة. قال ابن جريج: قال مـجاهد: الأشهاد: الـملائكة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، قال: سألت الأعمش، عن قوله: {وَيَقُولُ الأشْهادُ} قال: الـملائكة.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَيَقُولُ الأشْهادُ} يعنـي الأنبـياء والرسل، وهو قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِـي كُلّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَـيْهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَجِئنا بِكَ شَهِيداً علـى هَؤُلاءِ}. قال: وقوله: {وَيَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِّهِمْ} يقولون: يا ربنا أتـيناهم بـالـحقّ فكذّبوا، فنـحن نشهد علـيهم أنهم كذبوا علـيك يا ربنا.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبـي عديّ، عن سعيد وهشام، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز الـمازنـي، قال: بـينا نـحن بـالبـيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر ما سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فـي النـجوى؟ فقال: سمعت نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

يَدْنُو الـمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حتـى يَضَعَ عَلَـيْهِ كَنَفَهُ فَـيُقَرّرُهُ بذنُوبِهِ، فَـيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَـيَقُولُ: رَبّ أعْرِفُ. مَرَّتَـينِ. حتـى إذَا بَلَغَ بِهِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَبْلُغَ، قال: فإنّـي قَدْ سَترْتُها عَلَـيْكَ فِـي الدُّنْـيا وأنا أغْفِرُها لَكَ الـيَوْمَقالَ:فَـيُعْطَى صحِيفَةَ حَسَناتِهِ أوْ كِتابَهُ بِـيَـمِينِهِ. وأمَّا الكُفَّـارُ والـمُنافِقُونَ، فَـيُنادَى بِهِمْ علـى رُءوسِ الأشْهادِ: ألا هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علـى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ علـى الظَّالِـمِينَ ».

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا ابن علـية، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن صفوان بن مـحرز، عن ابن عمر، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم، نـحوه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: كنَّا نـحدّث أنه لا يخزي يومئذ أحد فـيخفـي خزيه علـى أحد مـمن خـلق الله أو الـخلائق.

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝١٩

يقول تعالـى ذكره: ألا لعنة الله علـى الظالـمين الذين يصدّون الناس عن الإيـمان به والإقرار له بـالعبودة وإخلاص العبـادة له دون الآلهة والأنداد من مشركي قريش، وهم الذين كانوا يفتِنون عن الإسلام مَن دخـل فـيه. {وَيَبْغُونَها عِوَجاً} يقول: ويـلتـمسون سبـيـل الله وهو الإسلام الذي دعا الناس إلـيه مـحمد، يقول: زيغا وميلاً عن الاستقامة. {وَهُمْ بـالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ} يقول: وهم بـالبعث بعد الـمـمات مع صدّهم عن سبـيـل الله وبغيهم إياها عوجاً كافرون، يقول: هم جاحدون ذلك منكرون.

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ ۝٢٠

يعنـي جلّ ذكره بقوله: {أُولَئِكَ لَـمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِـي الأرْضِ} هؤلاء الذين وصف جلّ ثناؤه أنهم يصدّون عن سبـيـل الله، يقول جلّ ثناؤه: إنهم لـم يكونوا بـالذين يُعْجزون ربهم بهربهم منه فـي الأرض إذا أراد عقابهم والانتقام منهم، ولكنهم فـي قَبضته ومِلْكه، لا يـمتنعون منه إذا أرادهم ولا يفوتونه هربـاً إذا طلبهم. {وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أوْلِـياءَ} يقول: ولـم يكن لهؤلاء الـمشركين إذا أراد عقابهم من دون الله أنصار ينصرونهم من الله ويحولون بـينهم وبـينه إذا هو عذّبهم، وقد كانت لهم فـي الدنـيا مَنَعة يـمتنعون بها مـمن أرادهم من الناس بسوء.

وقوله: {يُضَاعَفُ لَهُمُ العَذَابُ} يقول تعالـى ذكره: يزاد فـي عذابهم، فـيجعل لهم مكان الواحد اثنان.

وقوله: {ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ} فإنه اختلف فـي تأويـله، فقال بعضهم: ذلك وصف الله به هؤلاء الـمشركين أنه قد ختـم علـى سمعهم وأبصارهم، وأنهم لا يسمعون الـحقّ، ولا يبصرون حُجَج الله سماع منتفع ولا إبصار مهتد. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ} صمّ عن الـحقّ فما يسمعونه، بكم فما ينطقون به، عُمْي فلا يبصرونه، ولا ينتفعون به.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ} قال: ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خبراً فـينتفعوا به، ولا يبصروا خيراً فـيأخذوا به.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قال: أخبر الله سبحانه أنه حال بـين أهل الشرك وبـين طاعته فـي الدنـيا والآخرة. أما فـي الدنـيا فإنه قال: {ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} وهي طاعته، {وَما كانُوا يُبْصِرُونَ}. وأما فـي الآخرة فإنه قال: {فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً}.

وقال آخرون: إنـما عَنـي بقوله: {وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أوْلِـياءِ} آلهة الذين يصدّون عن سبـيـل الله. وقالوا: معنى الكلام: أولئك وآلهتهم لـم يكونوا معجزين فـي الأرض، {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ} يعنـي الآلهة أنها لـم يكن لها سمع ولا بصر. هذا قول رُوي عن ابن عبـاس من وجه كرهت ذكره لضعف سنده.

وقال آخرون: معنى ذلك: يضاعف لهم العذاب بـما كانوا يستطيعون السمع ولا يسمعونه، وبـما كانوا يبصرون ولا يتأملون حجج الله بأعينهم فـيعتبروا بها. قالوا: والبـاء كان ينبغي لها أن تدخـل، لأنه قد قال:

{ { فَلَهُمْ عَذَابٌ ألِـيـمٌ بِـمَا كانُوا يَكْذِبُونَ } } بكذبهم فـي غير موضع من التنزيـل أدخـلت فـيه البـاء، وسقوطها جائز فـي الكلام كقولك فـي الكلام: لاحن بـما فـيك ما علـمت وبـما علـمت، وهذا قول قاله بعض أهل العربـية.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله ابن عبـاس وقتادة، من أن الله وصفهم تعالـى ذكره بأنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الـحقّ سماع منتفع، ولا يبصرونه إبصار مهتد، لاشتغالهم بـالكفر الذي كانوا علـيه مقـيـمين، عن استعمال جوارحهم فـي طاعة الله، وقد كانت لهم أسماع وأبصار.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢١

يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين غَبَنُوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله. {وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ} وبطل كذبهم وإفكهم وفِرْيتهم علـى الله بإدّعائهم له شركاء، فسلك ما كانوا يدعونه إلهاً من دون الله غير مسلكهم، وأخذ طريقاً غير طريقهم، فضلّ عنهم، لأنه سلك بهم إلـى جهنـم، وصارت آلتهم عدما لا شيء، لأنها كانت فـي الدنـيا حجارة أو خشبـاً أو نـحاساً، أو كان لله ولـيًّا، فسلك به إلـى الـجنة، وذلك أيضاً غير مسلكهم، وذلك أيضاً ضلال عنهم.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ۝٢٢

يقول تعالـى ذكره: حقاً أن هؤلاء القوم الذين هذه صفتهم فـي الدنـيا فـي الآخرة هم الأخسرون، الذين قد بـاعوا منازلهم من الـجنان بـمنازل أهل الـجنة من النار وذلك هو الـخسران الـمبـين. وقد بـينا فـيـما مضى أن معنى قولهم، جَرَمْتُ: كسبت الذنب وأجرمته، أن العرب كثر استعمالها إياه فـي مواضع الأيـمان، وفـي مواضع «لا بدّ» كقولهم: لا جرم أنك ذاهب، بـمعنى: لا بد، حتـى استعملوا ذلك فـي مواضع التـحقـيق فقالوا: لا جرم لـيقومنّ، بـمعنى: حقًّا لـيقومنّ، فمعنى الكلام: لا منع عن أنهم، ولا صدّ عن أنهم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٣

يقول تعالـى ذكره: إن الذين صَدَقوا الله ورسوله وعملوا فـي الدنـيا بطاعة الله وأخبتوا إلـى ربهم.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى الإخبـات، فقال بعضهم: معنى ذلك: وأنابوا إلـى ربهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعمِلُوا الصَّالِـحاتِ وأخْبَتُوا إلـى رَبِّهِمْ} قال: الإخبـات: الإنابة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأخْبَتُوا إلـى رَبِّهِمْ} يقول: وأنابوا إلـى ربهم.

وقال آخرون: معنى ذلك: وخافوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وأخْبَتُوا إلـى رَبِّهِمْ} يقول: خافوا.

وقال آخرون: معناه: اطمأنوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وأخْبَتُوا إلـى رَبِّهِمْ} قال: اطمأنوا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

وقال آخرون: معنى ذلك: خشعوا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:{ وأخْبَتُوا إلـى رَبِّهِمْ} الإخبـات: التـخشع والتواضع.

قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربة الـمعانـي وإن اختلفت ألفـاظها، لأن الإنابة إلـى الله من خوف الله، ومن الـخشوع والتواضع لله بـالطاعة، والطمأنـينة إلـيه من الـخشوع له، غير أن نفس الإخبـات عند العرب الـخشوع والتواضع. وقال: {إلـى رَبِّهِمْ} ومعناه: أخبتوا لربهم، وذلك أن العرب تضع اللام موضع «إلـى» و«إلـى» موضع اللام كثـيراً، كما قال تعالـى:

{ { بأنَّ رَبَّكَ أوْحَى لَهَا } } بـمعنى: أوحى إلـيها. وقد يجوز أن يكون قـيـل ذلك كذلك، لأنهم وصفوا بأنهم عمدوا بإخبـاتهم إلـى الله.

وقوله: {أُولَئِكَ أصحَابُ الـجَنَّةِ هُمْ فِـيها خالِدُونَ} يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم هم سكان الـجنة الذين لا يخرجون عنها ولا يـموتون فـيها، ولكنهم فـيها لابثون إلـى غير نهاية.

مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٢٤

يقول تعالـى ذكره: مثل فريقـي الكفر والإيـمان كمثل الأعمى الذي لا يرى بعينه شيئاً، والأصمّ الذي لا يسمع شيئاً فكذلك فريق الكفر لا يُبصر الـحقّ فـيتبعه ويعمل به، لشغله بكفره بـالله وغَلَبة خِذلان الله علـيه، لا يسمع داعي الله إلـى الرشاد فـيجيبه إلـى الهدى فـيهتدي به، فهو مقـيـم فـي ضلالته، يتردّد فـي حَيرته. والسميع والبصير، فكذلك فريق الإيـمان أبصر حُجج الله، وأقرّ بـما دلت علـيه من توحيد الله والبراءة من الآلهة والأنداد ونبوّة الأنبـياء علـيهم السلام، وسمع داعي الله فأجابه وعمل بطاعة الله. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: {مَثَلُ الفَرِيقَـيْنِ كالأعْمَى والأصَمّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ} قال: الأعمى والأصمّ: الكافر، والبصير والسميع: الـمؤمن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مَثَلُ الفَرِيقَـيْنِ كالأعْمَى والأصَمّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ}: الفريقان الكافران، والـمؤمنان، فأما الأعمى والأصمّ فـالكافران، وأما البصير والسميع فهما الـمؤمنان.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مَثَلُ الفَرِيقَـيْنِ كالأعْمَى والأصَمّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ}.... الآية، هذا مثل ضربه الله للكافر والـمؤمن، فأما الكافر فصمّ عن الـحقّ فلا يسمعه، وعمي عنه فلا يبصره. وأما الـمؤمن فسمع الـحقّ فـانتفع به وأبصره فوعاه وحفظه وعمل به.

يقول تعالـى: {هَلْ يَسْتَوِيانِ} مَثَلاً يقول: هل يستوي هذان الفريقان علـى اختلاف حالتـيهما فـي أنفسهما عندكم أيها الناس؟ فإنهما لا يستويان عندكم، فكذلك حال الكافر والـمؤمن لا يستويان عند الله. {أفَلا تَذَكَّرُونَ} يقول جلّ ثناؤه: أفلا تعتبرون أيها الناس وتتفكرون، فتعلـموا حقـيقة اختلاف أمريهما، فتنزجروا عما أنتـم علـيه من الضلال إلـى الهدى ومن الكفر إلـى الإيـمان؟ فـالأعمى والأصم والبصير والسميع فـي اللفظ أربعة، وفـي الـمعنى اثنان، ولذلك قـيـل: {هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً} وقـيـل: كالأعمى والأصمّ، والـمعنى: كالأعمى الأصمّ، وكذلك قـيـل: والبصير والسميع، والـمعنى: البصير السميع، كقول القائل: قام الظريف والعاقل، وهو ينعت بذلك شخصاً واحداً.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ