انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير الطبريالآيات 82–98

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة هود

الخلاصة من تفسير الطبري · 7 مقاطع · 1:30:22

  1. 1 الآيات 61–83في هذه الصفحة 16:25
  2. 2 الآيات 84–107في هذه الصفحة 16:25

التفسير الصوتي لسورة هود كاملًا (7 مقاطع)

فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ ۝٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ ۝٨٣

يقول تعالـى ذكره: ولـما جاء أمرنا بـالعذاب وقضاؤنا فـيهم بـالهلاك، {جَعَلْنا عالِـيَها} يعنـي عالـي قريتهم {سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَـيْها} يقول: وأرسلنا علـيها {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ}.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى سجيـل، فقال بعضهم: هو بـالفـارسية سِنْك وكل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {مِنْ سِجِّيـلٍ} بـالفـارسية، أوّلها حجر، وآخرها طين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد بنـحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبـير: {حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ } قال: فـارسية أعربت سنك وكل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: السجيـل: الطين.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة:{ مِنْ سِجِّيـلٍ } قالا: من طين.

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد، عن وهب قال: سجيـل بـالفـارسية: سنك وكل.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ} أما السجيـل فقال ابن عبـاس: هو بـالفـارسية: سنك وجل، سنك: هو الـحجر، وجل هو الطين. يقول: أرسلنا علـيهم حجارة من طين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفـيان، عن السديّ، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ} قال: طين فـي حجارة.

وقال ابن زيد فـي قوله ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ} قال: السماء الدنـيا. قال: والسماء الدنـيا اسمها سجيـل، وهي التـي أنزل الله علـى قوم لوط.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من البصريـين يقول: السجيـل: هو من الـحجارة الصلب الشديد ومن الضرب، ويستشهد علـى ذلك بقول الشاعر:

ضَرْبـاً تَوَاصَى بهِ الأبْطالُ سِجِّيلاً

وقال بعضهم: تـحوّل اللام نوناً. وقال آخر منهم: هو فعيـل من قول القائل: أسجلته: أرسلته، فكأنه من ذلك أي مرسلة علـيهم. وقال آخر منهم: بل هو من «سجلت له سجلاً» من العطاء، فكأنه قـيـل: منـحوا ذلك البلاء فأعطوه، وقالوا أسجله: أهمله. وقال بعضهم: هو من السِّجِلِّ، لأنه كان فـيها علـم كالكتاب. وقال آخر منهم: بل هو طين يطبخ الآجرّ، وينشد بـيت الفضل بن عبـاس:

مَنْ يُساجِلْنِـي يُساجِلْ ماجِداًيَـمْلأُ الدَّلْوَ إلـى عَقْدِ الكَرَبِ

فهذا من سَجَلْت له سَجْلاً: أعطيته.

والصواب من القول فـي ذلك عندنا ما قاله الـمفسرون، وهو أنها من طين، وبذلك وصفها الله فـي كتابه فـي موضع، وذلك قوله: {لِنُرْسِلَ عَلَـيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ للْـمُسْرِفِـينَ}. وقد رُوى عن سعيد بن جبـير أنه كان يقول: هي فـارسية ونبطية.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبـير، قال: فـارسية ونبطية سج ايـل.

فذهب سعيد بن جبـير فـي ذلك إلـى أن اسم الطين بفـارسية جل لا ايـل، وأن ذلك لو كان بـالفـارسية لكان سجِلٌّ لاِ سجِّيـل، لأن الـحجر بـالفـارسية يدعى سِجَ والطين جِلْ، فلا وجه لكون الـياء فـيها وهي فـارسية. وقد بـيَّنا الصواب من القول عندنا فـي أول الكتاب بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع. وقد ذُكر عن الـحسن البصري أنه قال: كان أصل الـحجارة طينا فشددت.

وأما قوله: {مَنْضُودٍ} فإن قتادة وعكرمة يقولان فـيه ما:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: مَنْضُودٍ يقول: مصفوفة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة {مَنْضُودٍ} يقول: مصفوفة.

وقال الربـيع بن أنس فـيه، ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع بن أنس، فـي قوله {مَنْضُودٍ} قال: نضد بعضه علـى بعض.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر الهذلـيّ بن عبد الله: أما قوله: {مَنْضُودٍ} فإنها فـي السماء منضودة: معدّة، وهي من عدّة الله التـي أعدّ للظلـمة.

وقال بعضهم: منضود: يتبع بعضه بعضاً علـيهم، قال: فذلك نَضْدُهُ.

والصواب من القول فـي ذلك ما قاله الربـيع بن أنس، وذلك أن قوله:{ مَنْضُودٍ } من نعت «سجيـل»، لا من نعت الـحجارة، وإنـما أمطر القوم حجارة من طين، صفة ذلك الطين أنه نضد بعضه إلـى بعض، فـيصير حجارة، ولـم يـمطروا الطين فـيكون موصوفـا بأنه تتابع علـى القوم بـمـجيئه، وإنـما كان جائزاً أن يكون علـى ما تأوّله هذا الـمتأوّل لو كان التنزيـل بـالنصب متضودة فـيكون من نعت الـحجارة حينئذ.

وأما قوله: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} فإنه يقول: معلـمة عند الله، أعلـمها الله، والـمسوّمة من نعت الـحجارة، ولذلك نصبت ونعت بها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مُسَوَّمَةً} قال: معلـمة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. قال ابن جريج: مسوّمة لا تشاكل حجارة الأرض.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: {مُسَوَّمَةً} قالا: مطوّقة بها نضح من حمرة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مُسَوَّمَةً} علـيها سيـما معلومة حدّث بعض من رآها أنها حجارة مطوّقة علـيها، أو بها نضح من حمرة لـيست كحجارتكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، فـي قوله:{ مُسَوَّمَةً } قال: علـيها سيـما خطوط.

حدثنـي موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ:{ مُسَوَّمَةً} قال: الـمسوّمة: الـمختـمة.

وأما قوله: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبَعِيدٍ} فإنه يقول تعالـى ذكره متهدّداً مشركي قريش: وما هذه الـحجارة التـي أمطرتها علـى قوم لوط من مشركي قومك يا مـحمد ببعيد أن يـمطروها إن لـم يتوبوا من شِركهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا أبو عتاب الدلال سهل بن حماد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبـان بن تغلب، عن مـجاهد، فـي قوله: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ ببَعِيدٍ } قال: أن يصيبهم ما أصاب القوم.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبَعِيدٍ} قال: يرهب بها من يشاء.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبَعِيدٍ} يقول: ما أجار الله منها ظالـما بعد قوم لوط.

حدثنـي مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة وعكرمة: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبِعِيدٍ} يقول: لـم يبرأ منها ظالـم بعدهم.

حدثنا علـيّ بن سهل، قال: ثنا ضَمْرة بن ربـيعة، عن ابن شَوْذَب، عن قتادة، فـي قوله: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبَعِيدٍ} قال: يعنـي ظالـمي هذه الأمة، قال: والله ما أجار منها ظالـماً بعد.

حدثنا موسى بن هارون، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبَعِيدٍ} يقول: من ظَلَـمة العرب إن لـم يتوبوا فـيعذّبوا بها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر الهذلـيّ بن عبد الله، قال يقول: {وَما هِيَ مِنَ الظَّالِـمِينَ بِبَعِيدٍ} من ظلـمة أمتك ببعيد، فلا يأمنها منهم ظالـم.

وكان قَلْبُ الـملائكةِ عالـي أرض سدوم سافلها، كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا الأعمش، عن مـجاهد، قال: أخذ جبرئيـل علـيه السلام قوم لوط من سَرْحهم ودورهم، حملهم بـمواشيهم وأمتعتهم حتـى سمع أهل السماء نُبـاح كلابهم ثم أكفأهم.

حدثنا به أبو كريب مرّة أخرى عن مـجاهد، قال: أدخـل جبرئيـل جناحه تـحت الأرض السفلـى من قوم لوط، ثم أخذهم بـالـجناح الأيـمن، فأخذهم من سرحهم ومواشيهم ثم رفعها.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، كان يقول: {فَلَـمَّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِـيَهَا سافِلَها} قال: لـما أصبحوا غدا جبرئيـل علـى قريتهم، ففتقها من أركانها، ثم أدخـل جناحه، ثم حملها علـى خوافـي جناحه.

قال: ثنا شبل، قال: فحدثنـي هذا ابنُ أبـي نـجيح، عن إبراهيـم بن أبـي بكر قال: ولـم يسمعه ابن أبـي نـجيح عن مـجاهد، قال: فحملها علـى خوافـي جناحه بـما فـيها، ثم صعد بها إلـى السماء حتـى سمع أهل السماء نبـاح كلابهم ثم قلبها، فكان أوّل ما سقط منها شرفها، فذلك قول الله: {جَعَلْنا عالِـيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَـيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ} قال مـجاهد: فلـم يصب قوماً ما أصابهم إن الله طمس علـى أعينهم، ثم قلب قريتهم، وأمطر علـيهم حجارة من سِجيِّـل.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أن جبرئيـل علـيه السلام أخذ بعُروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إلـى السماء، حتـى سمع أهل السماء ضَواغي كلابهم، ثم دمَّر بعضها علـى بعض فجعل عالـيها سافلها ثم أتبعهم الـحجارة. قال قتادة: وبلغنا أنهم كانوا أربعة آلاف ألف.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكِر لنا أن جبرئيـل علـيه السلام أخذ بعروتها الوسطى، ثم ألوى بها إلـى جوّ السماء حتـى سمعت الـملائكة ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضها علـى بعض ثم أتبع شُذَّان القوم صخرا، قال: وهي ثلاث قرى يقال لها سَدُوم، وهي بـين الـمدينة والشام. قال: وذُكر لنا أنه كان فـيها أربعة آلاف ألف. وذُكر لنا أن إبراهيـم علـيه السلام كان يُشْرِف يقول: سدوم يوم مَّا لك

حدثنـي موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسبـاط، عن السديّ، قال: لـما أصبحوا يعنـي قوم لوط نزل جبرئيـل، فـاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتـى بلغ السماء الدنـيا حتـى سمع أهل السماء نبـاح كلابهم وأصواب ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم فذلك حين يقول:

{ والـمُؤْتَفِكَةَ أهْوَى } الـمنقلبة حين أهوى بها جبرئيـل الأرض فـاقتلعها بجناحه، فمن لـم يـمت حين أسقط الأرض أمطر الله علـيه وهو تـحت الأرض الـحجارة، ومن كان منهم شاذّاً فـي الأرض وهو قول الله: {فجَعَلْنا عالِـيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَـيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ} ثم تتَبعَهم فـي القرى، فكان الرجل يأتـيه الـحجر فـيقتله، وذلك قول الله تعالـى: {وأمْطَرْنا عَلَـيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ}.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي بكر وأبو سفـيان، عن معمر، عن قتادة، قال: بلغنا أن جبرئيـل علـيه السلام لـما أصبح نشر جناحه، فـانتسف به أرضهم بـما فـيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فـيها، فضمها فـي جناحه، فحواها وطواها فـي جوف جناحه، ثم صعد بها إلـى السماء الدنـيا، حتـى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلـى الأرض منكوسة، دمدم بعضَها علـى بعض، فجعل عالـيها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيـل.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، قال: ثنـي ابن إسحاق، قال: ثنـي مـحمد بن كعب القُرَظي، قال: حُدثت أن نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم قال:

بَعَثَ الله جبرئيـل علـيه السلام إلـى الـمُؤْتَفِكة قَرْيَةِ لُوطٍ علـيه السلام التـي كان لُوطٌ فـيها، فـاحْتَـمَلَها بجَنَاحِهِ، ثم صَعِدَ بها حتـى إنَّ أهْلَ السَّماء الدُّنْـيا لَـيَسْمَعُونَ نُبَـاحَ كِلابها وأصْوَاتَ دَجَاجِهَا، ثم كَفَأَهَا علـى وَجْهِها، ثم أتْبَعَها اللَّهُ بـالـحِجَارَةِ، يقول الله: جَعَلْنا عالِـيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَـيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيـلٍ فأهْلَكَها الله وما حَوْلَها مِنَ الـمُؤْتَفِكَاتِ، وكُنَّ خَمْسَ قَرْيَاتٍ: صنعة، وصعوة، وعثرة، ودوماً، وسدوم وسدوم هي القرية العظمى، ونـجَّى الله لوطاً ومَنْ معه من أهله، إلا امْرَأَته كانَتْ فِـيـمَنَ هَلك ».

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ وَلَا تَنقُصُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ إِنِّىٓ أَرَىٰكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ۝٨٤

يقول تعالـى ذكره: {وَ} أرسلنا {إلـى} ولد {مَدْيَنَ أخاهُمْ شُعَيْبـاً} فلـما أتاهم {قالَ يا قَوْمِ اعْبُدوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غيرُهُ} يقول: أطيعوه، وتَذَللَّوا له بـالطاعة لـما أمركم به ونهاكم عنه، {ما لَكُمْ مِنْ إلهٍ غَيْرُهُ } يقول: ما لكم من معبود سواه يستـحق علـيكم العبـادة غيره. {وَلا تَنْقصُوا الـمِكْيالَ والـمِيزانَ} يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم فـي مكيالكم وميزانكم، {إنّـي أرَاكمْ بِخَيْرٍ}.

واختلف أهل التأويـل فـي الـخير الذي أخبر الله عن شعيب أنه قال لـمدين إنه يراهم به، فقال بعضهم: كان ذلك رُخْص السعر وحذرهم غَلاءه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة، قال: ثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: ثنا مـحمد بن موسى، عن الذيال بن عمرو، عن ابن عبـاس: {إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قال: رُخْص السعر. {وإنّـي أخافُ عَلَـيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُـحِيطٍ} قال: غلاء سعر.

حدثنـي أحمد بن علـيّ النصري، قال: ثنـي عبد الصمد بن عبد الوراث، قال: ثنا صالـح بن رستـم، عن الـحسن، وذكر قوم شعيب قال: {إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قال: رُخْص السعر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبـي عامر الـخراز، عن الـحسن، فـي قوله: {إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قال: الغنى ورُخْص السعر.

وقال آخرون: عنـي بذلك: إنـي أرى لكم مالاً وزينة من زين الدنـيا. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ} قال: يعنـي خير الدنـيا وزينتها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أبصر علـيهم قِشْراً من قِشْر الدنـيا وزينتها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله:{ إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ } قال: فـي دنـياكم، كما قال الله تعالـى: {إنْ تَرَكَ خَيْراً} سماه خيراً لأن الناس يسمون الـماء خيراً.

وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما أخبر الله عن شعيب أنه قال لقومه، وذلك قوله: {إنّـي أرَاكُمْ بِخَيْرٍ} يعنـي بخير الدنـيا. وقد يدخـل فـي خير الدنـيا الـمال وزينة الـحياة الدنـيا ورخص السعر، ولا دلالة علـى أنه عنـي بقـيـله ذلك بعض خيرات الدنـيا دون بعض، فذلك علـى كلّ معانـي خيرات الدنـيا التـي ذكر أهل العلـم أنهم كانوا أوتوها. وإنـما قال ذلك شعيب، لأن قومه كانوا فـي سعة من عيشهم ورخص من أسعارهم كثـيرة أموالهم، فقال لهم: لا تنقصوا الناس حقوقهم فـي مكايـيـلكم وموازينكم، فقد وسَّع الله علـيكم رزقكم، {وَإنِّـي أخافُ عَلـيكُم} بـمخالفتكم أمر الله وبخسكم الناس أموالهم فـي مكايـيـلكم وموازينكم عذابَ يومٍ مُـحيطٍ يقول: أن ينزل بكم عذاب يوم مـحيط بكم عذابه. فجعل الـمـحيط نعتاً للـيوم، وهو من نعت العذاب، إذ كان مفهوماً معناه، وكان العذاب فـي الـيوم، فصار كقولهم جُبَّتك مـحترقة.

وَيَٰقَوْمِ أَوْفُوا۟ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ۝٨٥

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل شعيب لقومه: أوفُوا الناس الكيـل والـميزان بـالقسط، يقول: بـالعدل، وذلك بأن توفُّوا أهل الـحقوق التـي هي مـما يكال أو يوزن حقوقهم علـى ما وجب لهم من التـمام بغير بخس ولا نقص.

وقوله: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْياءَهُمْ} يقول ولا تنقصوا الناس حقوقهم التـي يجب علـيكم أن توفوهم كيلاً أو وزناً أو غير ذلك. كما:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا علـي بن صالـح بن حيّ، قال: بلغنـي فـي قوله: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْياءَهُمْ} قال: لا تنقصوهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أشْياءَهُمْ} يقول: لا تظلـموا الناس أشياءهم.

وقوله: {وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول: ولا تسيروا فـي الأرض تعملون فـيها بـمعاصي الله. كما:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} قال: لا تسيروا فـي الأرض.

حُدثت عن الـمسيب، عن أبـي روق، عن الضحاك: {وَلا تَعْثَوْا فِـي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} يقول: لا تسعوا فـي الأرض مفسدين، يعنـي: نقصان الكيـل والـميزان.

بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ۝٨٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {بَقِـيَّة اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} ما أبقاه الله لكم بعد أن توفوا الناس حقوقهم بـالـمكيال والـميزان بـالقسط، فأحله لكم، خير لكم من الذي يبقـى لكم ببخسكم الناس من حقوقهم بـالـمكيال والـميزان، {إنْ كُنْتـمْ مُؤْمِنِـينَ} يقول: إن كنتـم مصدّقـين بوعد الله ووعيده وحلاله وحرامه. وهذا قول رُوى عن ابن عبـاس بإسناد غير مرتضىً عند أهل النقل.

وقد اختلف أهل التأويـل فـي ذلك، فقال بعضهم: معناه طاعة الله خير لكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو وكيع وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن لـيث، عن مـجاهد: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} قال: طاعة الله خير لكم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بَزّة، عن مـجاهد: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ} قال: طاعة الله {خَيْرٌ لَكُمْ}.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ} قال: طاعة الله.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن لـيث، عن مـجاهد: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} قال: طاعة الله خير لكم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} قال: طاعة الله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، نـحوه.

وقال آخرون: معنى ذلك: حظُّكم من ربكم خير لكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنِـينَ}: حظكم من ربكم خير لكم.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} قال: حظكم من الله خير لكم.

وقال آخرون: معناه: رزق الله خير لكم. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عمن ذكره، عن ابن عبـاس: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ} قال رزق الله.

وقال ابن زيد فـي قوله ما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {بَقِـيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُـمْ مُؤْمِنـين} قال: الهلاك فـي العذاب، والبقـية فـي الرحمة.

وإنـما اخترت فـي تأويـل ذلك القول الذي اخترته، لأن الله تعالـى ذكره إنـما تقدم إلـيهم بـالنهي عن بخس الناس أشياءهم فـي الـمكيال والـميزان، وإلـى ترك التطفـيف فـي الكيـل والبخس فـي الـميزان دعاهم شعيب، فتعقـيب ذلك بـالـخبر عما لهم من الـحظّ فـي الوفـاء فـي الدنـيا والآخرة أولـى، مع أن قوله:{ بَقِـيَّةُ } إنـما هي مصدر من قول القائل بَقَّـيْت بَقِـيَّة من كذا، فلا وجه لتوجيه معنى ذلك إلا إلـى: بقـية الله التـي أبقاها لكم مـما لكم بعد وفـائكم الناس حقوقهم خير لكم من بقـيتكم من الـحرام الذي يبقـى لكم من ظلـمكم الناس ببخسكم إياهم فـي الكيـل والوزن.

وقوله: {وَما أنا عَلَـيْكُمْ بِحَفِـيظٍ} يقول: وما أنا علـيكم أيها الناس برقـيب أرقبكم عند كيـلكم ووزنكم هل توفون الناس حقوقهم أم تظلـمونهم، وإنـما علـيّ أن أبلغكم رسالة ربـي فقد أبلغتكموها.

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىٓ أَمْوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُا۟ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ۝٨٧

يقول تعالـى ذكره: قال قوم شعيب: {يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ} عبـادة {ما يَعْبُدُ آبـاؤُنا} من الأوثان والأصنام، {أوْ أنْ نَفْعَلَ فِـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ} من كسر الدراهم وقطعها وبخس الناس فـي الكيـل والوزن {إنَّكَ لأَنْتَ الـحَلِـيـمُ} وهو الذي لا يحمله الغضب أن يفعل ما لـم يكن لـيفعله فـي حال الرضا،{ الرَّشِيدُ } يعنـي: رشيد الأمر فـي أمره إياهم أن يتركوا عبـادة الأوثان. كما:

حدثنا مـحمود بن خداش، قال: ثنا حماد بن خالد الـخياط، قال: ثنا داود بن قـيس، عن زيد بن أسلـم، فـي قول الله: {أصلاتُك تأمُرُك أن نَتْرُك ما يَعْبُدُ آبـاؤُنا أوْ أنْ نَفْعَل فـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ، إنَّكَ لانْتَ الـحَلِـيـمُ الرَّشيدُ} قال: كان مـما نهاهم عنه حذف الدراهم، أو قال: قطع الدراهم. الشك من حماد.

حدثنا سهل بن موسى الرازي، قال: ثنا ابن أبـي فُدَيك، عن أبـي مودود، قال: سمعت مـحمد بن كعب القرظي يقول: بلغنـي أن قوم شعيب عذّبوا فـي قطع الدراهم، وجدت ذلك فـي القرآن: {أصَلاتُكَ تَأمُرُكَ أن نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبـاؤُنا أو أن نَفْعَل فـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا زيد بن حبـاب، عن موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القرظي، قال: عذّب قوم شعيب فـي قطعهم الدراهم، فقالوا: {يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأمُرُكَ أن نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبـاؤُنا أو أن نَفْعَلَ فـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ}.

قال: ثنا حماد بن خالد الـخياط، عن داود بن قـيس، عن زيد بن أسلـم، فـي قوله: {أو أن نَفْعَلَ فِـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ} قال: كان مـما نهاهم عنه: حذف الدراهم.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبـاؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ فِـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ} قال: نهاهم عن قطع الدنانـير والدراهم، فقالوا: إنـما هي أموالنا نفعل فـيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها، وإن شئنا حَرّقناها، وإن شئنا طرحناها.

قال: وأخبرنا ابن وهب، قال: وأخبرنـي داود بن قـيس الـمري أنه سمع زيد بن أسلـم يقول فـي قول الله: {قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آبـاؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ فِـي أمْوَالِنا ما نَشاءُ} قال زيد: كان من ذلك قطع الدراهم.

وقوله: {أصَلاتُكَ} كان الأعمش يقول فـي تأويـلها ما:

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري عن الأعمش، فـي قوله: {أصَلاتُكَ} قال: قراءتك.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آبـاؤنا، أو أن نفعل فـي أموالنا ما نشاء، وإنـما كان شعيب نهاهم أن يفعلوا فـي أموالهم ما قد ذكرت أنه نهاهم عنه فـيها؟ قـيـل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت.

وقد اختلف أهل العربـية فـي معنى ذلك، فقال بعض البصريـين: معنى ذلك: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آبـاؤنا، أن أن نترك أن نفعل فـي أموالنا ما نشاء، ولـيس معناه: تأمرك أن نفعل فـي أموالنا ما نشاء، لأنه لـيس بذا أمرهم.

وقال بعض الكوفـيـين نـحو هذا القول، قال: وفـيها وجه آخر يجعل الأمر كالنهي، كأنه قال: أصلاتك تأمرك بذا وتنهانا عن ذا؟ فهي حينئذ مردودة علـى أن الأولـى منصوبة بقوله «تأمرك»، وأن الثانـية منصوبة عطفـاً بها علـى «ما» التـي فـي قوله:{ ما يَعْبُدُ}. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلام: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آبـاؤنا، أو أن نترك أن نفعل فـي أموالنا ما نشاء؟ وقد ذكر عن بعض القرّاء أنه قرأه «ما تَشاءُ»، فمن قرأ ذلك كذلك فلا مؤنة فـيه، وكانت «أن» الثانـية حينئذ معطوفة علـى «أن» الأولـى.

وأما قولهم لشعيب: {إنَّكَ لأَنْتَ الـحَلِـيـمُ الرَّشِيدُ} فإنهم أعداء الله قالوا ذلك له استهزاء به وإنـما سفهوه وجهلوه بهذا الكلام. وبـما قلنا من ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {إنَّكَ لأَنْتَ الـحَلِـيـمُ الرَّشِيدُ} قال: يستهزءون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّكَ لأَنْتَ الـحَلِـيـمُ الرَّشِيدُ} الـمستهزءون يستهزءون بأنك لأنت الـحلـيـم الرشيد.

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ۝٨٨

يقول تعالـى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتـم إن كنت علـى بـيان وبرهان من ربـي فـيـما أدعوكم إلـيه من عبـادة الله، والبراءة من عبـادة الأوثان والأصنام، وفـيـما أنهاكم عنه من إفساد الـمال {وَرَزَقَنِـي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً} يعنـي حلالاً طيبـاً. {وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ إلـى ما أنهاكُمْ عَنْهُ} يقول: وما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أفعل خلافه، بل لا أفعل إلا بـما آمركم به ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه. كما:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة:{ وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ إلـى ما أنهاكُم عَنْهُ } يقول: لـم أكن لأنهاكم عن أمر أركبه أو آتـيه.

{إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصْلاحَ} يقول: ما أريد فـيـما آمركم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحكم وإصلاح أمركم {ما اسْتَطَعْتُ} يقول: ما قدرت علـى إصلاحه لئلا ينالكم من الله عقوبة منكلة، بخلافكم أمره ومعصيتكم رسوله. {وَما تَوْفِـيقـي إلاَّ بـاللَّهِ} يقول: وما إصابتـي الـحقّ فـي مـحاولتـي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بـالله، فإنه هو الـمعين علـى ذلك إن لا يعنّـي علـيه لـم أصب الـحقّ فـيه.

وقوله: {عَلَـيهِ تَوَكَّلْتُ} يقول: إلـى الله أفوّض أمري، فإنه ثقتـي وعلـيه اعتـمادي فـي أموري. وقوله: {وَإلَـيْهِ أُنِـيبُ} وإلـيه أقبل بـالطاعة وأرجع بـالتوبة. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن إسحاق نـجيح، عن مـجاهد: {وَإلَـيْهِ أُنِـيبُ} قال: أرجع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {وإلَـيْهِ أُنِـيبُ} قال: أرجع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد قوله: {وإلَـيْهِ أُنِـيبُ} قال: أرجع.

وَيَٰقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِىٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَٰلِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ۝٨٩

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل شعيب لقومه: {ويا قَوْمِ لا يجْرِمَنَّكُمْ شِقاقـي} يقول: لا يحملنكم عداوتـي وبغضي وفراق الدين الذي أنا علـيه، علـى الإصرار علـى ما أنتـم علـيه من الكفر بـالله وعبـادة الأوثان وبخس الناس فـي الـمكيال والـميزان وترك الإنابة والتوبة، فـيصِيبكم {مثلُ ما أصابَ قومَ نوحٍ} من الغرق {أوْ قومَ هودٍ} من العذاب {أوْ قَوْمَ صَالـحٍ} من الرجفة. {وما قَوْمُ لُوطٍ} الذين ائتفكت بهم الأرض {مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} هلاكهم، أفلا تتعظون به وتعتبرون؟ يقول: فـاعتبروا بهؤلاء، واحذروا أن يصيبكم بشقاقـي مثل الذي أصابهم. كما:

حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {لا يجْرِمَنَّكُمْ شِقاقـي} يقول: لا يحملنكم فراقـي {إنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أصاب قَوْمَ نُوحٍ}... الآية.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقـي} يقول: لا يحملنكم شقاقـي.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقـي} قال عداوتـي وبغضائي وفراقـي.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} قال: إنـما كانوا حديثاً منهم قريبـاً يعنـي قوم نوح وعاد وثمود وصالـح.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} قال: إنـما كانوا حديثـي عهد قريب بعد نوح وثمود.

قال أبو جعفر: وقد يحتـمل أن يقال: معناه: وما دار قوم لوط منكم ببعيد.

وَٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ ۝٩٠

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل شعيب لقومه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} أيها القوم من ذنوبكم بـينكم وبـين ربكم التـي أنتـم علـيها مقـيـمون من عبـادة الآلهة والأصنام وبَخْس الناس حقوقهم فـي الـمكايـيـل والـموازين. {ثُمَّ تُوبُوا إلَـيْهِ} يقول: ثم ارجعوا إلـى طاعته والانتهاء إلا أمره ونهيه. {إنَّ رَبِّـي رَحِيـمٌ} يقول: هو رحيـم بـمن تاب وأناب إلـيه أن يعذبه بعد التوبة. {وَدُودٌ} يقول: ذو مـحبة لـمن أناب وتاب إلـيه يودّه ويحبه.

قَالُوا۟ يَٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ۝٩١

يقول تعالـى ذكره: قال قوم شعيب لشعيب: {يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِـيراً مِـمَّا تَقُول} أي ما نعلـم حقـيقة كثـير مـما تقول وتـخبرنا به. {وَإنَّا لَنَرَاك فِـينا ضَعِيفـاً} ذكر أنه كان ضريراً، فلذلك قالوا له: {إنَّا لَنَراكَ فِـينا ضَعِيفـاً}. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي عبد الأعلـى بن واصل، قال: ثنا أسد بن زيد الـجَصَّاص، قال: أخبرنا شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، فـي قوله: {وَإنَّا لَنَرَاكَ فِـينا ضَعِيفـاً} قال: كان أعمى.

حدثنا عبـاس بن أبـي طالب، قال: ثنـي إبراهيـم بن مهدي الـمصيِّصي، قال: ثنا خـلف بن خـلـيفة، عن سفـيان، عن سعيد، مثله.

حدثنا أحمد بن الولـيد الرملـي، قال: ثنا إبراهيـم بن زياد وإسحاق بن الـمنذر، وعبد الـملك بن زيد، قالوا: ثنا شريك، عن سالـم، عن سعيد، مثله.

قال: ثنا عمرو بن عون ومـحمد بن الصبـاح، قالا: سمعنا شريكا يقول فـي قوله: {وَإنَّا لَنَرَاكَ فِـينا ضَعِيفـاً} قال: أعمى.

حدثنا سعدويه، قال: ثنا عبـاد، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد بن جبـير، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان، قوله: {وَإنَّا لَنَرَاكَ فِـينا ضَعِيفـاً} قال: كان ضعيف البصر. قال سفـيان: وكان يقال له خطيب الأنبـياء.

قال: ثنا الـحمانـي، قال: ثنا عبـاد، عن شريك، عن سالـم، عن سعيد: {وَإنَّا لَنَرَاكَ فِـينا ضَعِيفـاً} قال: كان ضرير البصر.

وقوله: {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ} يقول: يقولون: ولولا أنت فـي عشيرتك وقومك لرجمناك، يعنون: لسببناك. وقال بعضهم: معناه لقتلناك. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجمْناكَ} قال: قالوا: لولا أن نتقـي قومك ورهطك لرجمناك. {وَما أنْتَ عَلَـيْنا بعَزيزٍ} يعنون: ما أنت مـمن يكرم علـينا، فـيعظم علـينا إذلاله وهَوَانُه، بل ذلك علـينا هَين.

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَهْطِىٓ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ۝٩٢

يقول تعالـى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أَعْزَزْتـم قومكم، فكانوا أعزّ علـيكم من الله، واستـخففتـم بربكم، فجعلتـموه خـلف ظهوركم، لا تأتـمرون لأمره ولا تـخافون عقابه، ولا تعظمونه حقّ عظمته. يقال للرجل إذا لـم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره: أي تركها لا يـلتفت إلـيها، وإذا قضاها قـيـل: جعلها أمامه ونُصْب عينـيه ويقال: ظهرت بحاجتـي وجعلتها ظِهرِية: أي خـلف ظهرك، كما قال الشاعر:

وَجَدْنا بنـي البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ

بـمعنى: أنهم يظهرون بحوائج الناس فلا يـلتفتون إلـيها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ واتـخَذْتُـمَوهُ وَرَاءَكُم ظهرِيًّا} وذلك أن قوم شعيب ورهطه كانوا أعزّ علـيهم من الله، وصَغُر شأن الله عندهم عزّ ربنا وجلّ ثناؤه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: قـفـا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ واتـخَذْتُـمَوهُ وَرَاءَكُم ظِهْرِيًّا} يقول: عَزَّزتـم قومكم، وأظهرتـم بربكم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاتَّـخَذْتُـمُوه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: لـم تراقبوه فـي شيء إنـما تراقبون قومي. {وَاتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} يقول: عَزَّزتـم قومكم وأظهرتـم بربكم.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وَاتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: لـم تراقبوه فـي شيء، إنـما تراقبون قومي، واتـخذتـموه وراءكم ظِهْرِيًّا لا تـخافونه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ} قال: أعززتـم قومكم واغتررتـم بربكم، سمعت إسحاق بن أبـي إسرائيـل قال: قال سفـيان: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} كما يقول الرجل للرجل: خـلفت حاجتـي خـلف ظهرك، فـاتـخذتـموه وراءكم ظهريًّا: استـخففتـم بأمره، فإذا أراد الرجل قضاء حاجة صاحبه جعلها أمامه بـين يديه ولـم يستـخف بها.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: الظهري الفضل، مثل الـجمال يخرج معه بـابل ظهارية فضل لا يحمل علـيها شيئاً إلا أن يحتاج إلـيها، قال: فـيقول: إنـما ربكم عندكم مثل هذا إن احتـجتـم إلـيه، وإن لـم تـحتاجوا إلـيه فلـيس بشيء.

وقال آخرون: معنى ذلك: واتـخذتـم ما جاء به شعيب وراءكم ظهريًّا، فـالهاء فـي قوله: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ} علـى هذا من ذكر ما جاء به شعيب علـيه السلام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: تركتـم ما جاء به شعيب.

قال: ثنا جعفر بن عون، عن سفـيان، عن جابر، عن مـجاهد، قال: نبذوا أمره.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، عن سفـيان، عن جابر، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: نبذتـم أمره.

حدثنا مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: هم رهط شعيب تركهم ما جاء به وراء ظهورهم ظهريًّا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} قال: استثناؤهم رهط شعيب، وتركهم ما جاء به شعيب وراء ظهورهم ظهريًّا.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـي تأويـل ذلك لقرب قوله: {واتَّـخَذْتُـمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} من قوله: أرَهْطِي أعَزُّ عَلَـيْكُمْ مِنَ اللَّهِ فكانت الهاء فـي قوله {واتَّـخَذْتُـمُوهُ} بأن تكون من ذكر الله لقرب جوارها منه أشبه وأولـى.

وقوله: {إنَّ رَبّـي بِـمَا تَعْمَلُونَ مُـحِيطٌ} يقول: إن ربـي مـحيط علـمه بعملكم، فلا يخفـى علـيه منه شيء، وهو مـجازيكم علـى جميعه عاجلاً وآجلاً.

وَيَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَٰمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَٰذِبٌ وَٱرْتَقِبُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ۝٩٣

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل شعيب لقومه: {ويا قَوْمِ اعْمَلُوا علـى مَكانَتِكُمْ} يقول: علـى تـمكنكم، يقال منه: الرجل يعمل علـى مَكينته ومكِنته: أي علـى اتئاده، ومَكُن الرجُل يـمكُن مَكْناً ومَكانة ومكاناً.

وكان بعض أهل التأويـل يقول فـي معنى قوله: {علـى مَكانَتِكُمْ}: علـى منازلكم. فمعنى الكلام إذاً: ويا قوم اعملوا علـى تـمكنكم من العمل الذي تعملونه، {إنّـي عامِلٌ} علـى تؤدة من اعمل الذي أعمله، {سَوفَ تَعْلَـمُونَ} أينا الـجانـي علـى نفسه والـمخطىء علـيها والـمصيب فـي فعله الـمـحسن إلـى نفسه.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: «مَنْ يَأْتِـيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إنّـي مَعَكُمْ رَقِـيبٌ».

يقول تعالـى ذكره مخبرا عن قـيـل نبـيه شعيب لقومه: الذي يأتـيه منا ومنكم أيها القوم {عَذابٌ يُخْزِيهِ} يقول: يذله ويهينه {وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ} يقول: ويخزي أيضاً الذي هو كاذب فـي قـيـله وخبره منا ومنكم. {وَارْتَقِبُوا}: أي انتظروا وتفقدوا من الرقبة، يقال منه: رَقَبْتُ فلاناً أرْقُبُه رِقْبة. وقوم: {إنّـي مَعَكُم رَقِـيبٌ} يقول: إنـي أيضاً ذو رِقبة لذلك العذاب معكم، وناظر إلـيه بـمن هو نازل منا ومنكم.

وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ ۝٩٤

يقول تعالـى ذكره: ولـما جاء قضاؤنا فـي قوم شعيب بعذابنا نـجينا شعيبـاً رسولنا والذين آمنوا به فصدّقوه علـى ما جاءهم به من عند ربهم مع شعيب، من عذابنا الذي بعثنا علـى قومه، برحمة منا له ولـمن آمن به واتبعه علـى ما جاءهم به من عند ربهم وأخذت الذين ظلـموا الصيحة من السماء أخمدتهم فأهلكتهم بكفرهم بربهم. وقـيـل: إن جبريـل علـيه السلام، صاح بهم صيحة أخرجت أرواحهم من أجسامهم. {فَأصْبَحُوا فِـي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ} علـى ركبهم وصَرْعَى بأفنـيتهم.

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَآ أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ۝٩٥

يقول تعالـى ذكره: كأن لـم يعش قوم شعيب الذين أهلكهم الله بعذابه حين أصبحوا جاثمين فـي ديارهم قبل ذلك. ولـم يغنوا، من قولهم: غنـيت بـمكان كذا: إذا أقمت به، ومنه قول النابغة:

غَنِـيَتْ بذلكَ إذْ هُمُ لـي جِيرَةٌمِنْها بعَطْفِ رِسالَةٍ وتَوَدُّدِ

وكما حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {كأنْ لَـمْ يَغْنَوْا فِـيها} قال: يقول: كأن لـم يعيشوا فـيها.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة مثله.

وقوله: {ألا بُعْداً لِـمَدْيَنَ كمَا بَعِدَتْ ثُمودُ} يقول تعالـى ذكره: ألا أبعد الله مدين من رحمته بـاحلال نقمته كما بعدت ثمود، يقول: كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته بإنزال سخطه بهم.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ ۝٩٦ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ۝٩٧

يقول تعالـى ذكره: ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا علـى توحيدنا، وحجة تبـين لـمن عاينها وتأملها بقلب صحيح، أنها تدل علـى توحيد الله وكذب كل من ادّعى الربوبـية دونه، وبطول قول من أشرك معه فـي الألوهة غيره. {إلَـى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} يعنـي إلـى أشراف جنده وتبَّـاعه. {فـاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ} يقول: فكذّب فرعون وملؤه موسى، وجحدوا وحدانـية الله، وأبوا قبول ما أتاهم به موسى من عند الله، واتبع ملأ فرعون دون أمر الله، وأطاعوه فـي تكذيب موسى وردّ ما جاءهم به من عند الله علـيه. يقول تعالـى ذكره: {وَما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} يعنـي: أنه لا يرشد أمر فرعون من قبله منه، فـي تكذيب موسى، إلـى خير، ولا يهديه إلا صلاح، بل يورده نار جهنـم.

يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ۝٩٨

يقول تعالـى ذكره: يقدم فرعون قومه يوم القـيامة يقودهم، فـيـمضي بهم إلـى النار حتـى يوردهموها ويصلـيهم سعيرها. {وَبِئْسَ الوِرْدُ} يقول: وبئس الورد الذي يردونه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ} قال: فرعون يقدم قومه يوم القـيامة يـمضي بـين أيديهم حتـى يهجم بهم علـى النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ} يقول: يقود قومه فأوردهم النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس قوله: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِـيامَةِ} يقول: أضلهم فأوردهم النار.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عمن سمع ابن عبـاس يقول فـي قوله: {فَأوْرَدَهُمُ النَّارَ} قال: الورد: الدخول.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} كان ابن عبـاس يقول: الورد فـي القرآن أربعة أوراد: فـي هود قوله: {وَبِئْس الورْدُ الـمَوْرُود}، وفـي مريـم:

{ { وَإنْ مِنْكُمْ إلاَّ وَاردُها } } ، وورد فـي الأنبـياء: { { حَصَبُ جَهَنَّـمُ أنْتُـمْ لَهَا وَاردُونَ } }، وورد فـي مريـم أيضاً: { { وَنَسُوقُ الـمُـجْرمينَ إلـى جَهَنَّـمَ ورْداً } }. كان ابن عبـاس يقول: كل هذا الدخول، والله لـيَرِدنّ جهنـم كلّ برّ وفـاجر. { { ثُمَّ نُنَـجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِـمِينَ فِـيهَا جِثِـيًّا } }.
السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ