انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير البغويالآيات 1–60

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير البغوي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ۝١ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ۝٢ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ۝٣

{الۤر كِتَابٌ}، أي: هذا كتاب، {أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ}، قال ابن عباس: لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به، {ثُمَّ فُصِّلَتْ}، بُيِّنَتْ بالأحكام والحلال والحرام. وقال الحسن: أحكمت بالأمر والنهي، ثم فُصلتْ بالوعد والوعيد. قال قتادة: أحكمت أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض وقال مجاهد: فُصلتْ أي: فُسرت. وقيل: فُصلتْ أي: أنزلت شيئاً فشيئاً، {مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.

{أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ}، أي: وفي ذلك الكتاب: أنْ لا تعبدوا إلاّ الله، ويكون محل «أن» رفعاً. وقيل: محله خَفْضٌ، تقديره: بأن لا تعبدوا إلاّ الله، {إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ} أي: من الله {نَذِيرٌ}، للعاصين، {وَبَشِيرٌ}، للمطيعين.

{وَأَنِ}، عطف على الأول، {ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ}، أي: ارجعوا إليه بالطاعة. قال الفرَّاء: «ثم» هنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار.

وقيل: وأن استغفروا ربكم في المعاصي ثم توبوا إليه في المستأنف {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَناً}، يعيشكم عيشاً حسناً في خفض ودعة وأمن وسعة. قال بعضهم: العيش الحسن هو الرضى بالميسور والصبر على المقدور.

{إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، إلى حين الموت، {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ}، أي: ويؤت كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة. وقال أبو العالية: من كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال.

وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، ثم يدخل الجنة بعد.

وقيل: يؤت كل ذي فضل فضله يعني: من عمل لله عزّ وجلّ وفَّقه الله فيما يستقبل على طاعته. {وَإِن تَوَلَّوْاْ}، أعرضوا، {فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ}، وهو يوم القيامة.

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٤ أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٥

{إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}.

قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}، قال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شُريق وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر، يَلْقَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ما يحب، وينطوي بقلبه على ما يكره.

قوله: «يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ» أي: يُخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة.

وقال عبدالله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مَرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطّى وجهه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب الله تعالى ولا ذكره.

وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه. ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي.

وقال السدي: يثنون أي: يعرضون بقلوبهم، من قولهم: ثنيت عناني. وقيل: يعطفون، ومنه ثني الثوب.

وقرأ ابن عباس: «يَثْنَوْنِي» على وزن «يَحْلَوْ لِي» جعل الفعل للمصدر، ومعناه المبالغة في الثني.

{لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ}، أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: ليستخفوا من الله إن استطاعوا، {أَلاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}، يغطون رؤوسهم بثيابهم، {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}، قال الأزهري: معنى الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم.

أخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن محمد بن صبَّاح، حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني محمد بن عبَّاد بن جعفر أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهم يقرأ: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}، فقال: سألته عنها فقال: كان أناس يستحيون أن يتخلَّوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٦

قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ}، أي: ليس دابة، «من» صلة، والدابة: كل حيوان يدب على وجه الأرض.

وقوله: {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}، أي: هو المتكفل بذلك فضلاً، وهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق.

وقيل: "على" بمعنى: "من" أي: من الله رزقها.

وقال مجاهد: ما جاءها من زرق فمن الله عزّ وجلّ، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً.

{وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}، قال ابن مقسم: ويُروَى ذلك عن ابن عباس، مستقرها: المكان الذي تأوي إليه، وتستقر فيه ليلاً ونهاراً، ومستودعها: الموضع الذي تدفن فيه إذا ماتت.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: المستقر أرحام الأمهات والمستودع المكان الذي تموت فيه وقال عطاء: المستقر أرحام الأمهات والمستودع أصلاب الآباء.

ورواه سعيد بن جبير، وعلي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس.

وقيل: المستقر: الجنة أو النار، والمستودع القبر، لقوله تعالى في صفة الجنة والنار

{ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً }[الفرقان: 76].

{كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، أي: كل مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن خلقها.

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاءِ}، قبل أن خلق السماءَ والأرض وكان ذلك الماء على متن الريح.

قال كعب: خلق الله عزّ وجلّ ياقوتةً خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح، فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء.

قال ضمرة: إن الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجّده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من خلقه.

{لِيَبْلُوَكُمْ}، ليختبركم، وهو أعلم، {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، أَعْمَلُ بطاعة الله، وأَوْرَعُ عن محارم الله تعالى. {وَلَئِن قُلْتَ}، يامحمد، {إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ} أي: {مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}، يعنون القرآن.

وقرأ حمزة والكسائي: «ساحر» يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم.

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٨ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ ۝٩

{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ}، إلى أجل محدود، وأصل الأُمة: الجماعة، فكأنه قال: إلى انقراض أمة ومجيء أمة أخرى، {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ}، أيُّ شيء يحبسه؟ يقولونه استعجالاً للعذاب واستهزاءً، يعنون: أنه ليس بشيء.

قال الله تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ}، يعني: العذاب، {لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}، لا يكون مصروفاً عنهم، {وَحَاقَ بِهِم}، نزل بهم، {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ}، أي: وبال استهزائهم.

قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِنَّا رَحْمَةً}، نعمةً وسعة، {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ}، أي: سلبناها منه، {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ}، قنوط في الشدة، {كَفُورٌ} في النعمة.

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ۝١٠ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝١١ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝١٢

{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ}، بعد بلاء أصابه، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ}، زالت الشدائد عني، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}، أُشِرٌ بَطِرٌ، والفرح لذة في القلب بنيل المشتهى، والفخر: هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، وذلك منهيٌّ عنه.

{إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ}، قال الفرَّاء: هذا استثناء منقطع، معناه: لكنّ الذين صبرُوا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ}، فإنهم وإن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ}، لذنوبهم، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، وهو الجنة.

{فَلَعَلَّكَ}، يامحمد، {تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ}، فلا تبلِّغه إياهم. وذلك أن كفار مكة لما قالوا:

{ { ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَآ } } [يونس: 15] ليس فيه سب آلهتنا همَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يَدَعَ آلهتَهم ظاهراً، فأنزل الله تعالى

{فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} يعني: سب الآلهة، {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}: أي: فلعلك يضيق صدرك {أَن يَقُولُواْ}، أي: لأن يقولوا، {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ} ينفقه {أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ}، يصدقه، قاله عبدالله بن أبي أمية المخزومي.

قال الله تعالى: {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ}، ليس عليك إلاّ البلاغ، {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ} حافظ.

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٣ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٤ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝١٥

{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}، بل يقولون اختلقه، {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}.

فإن قيلَ: قد قال في سورة يونس: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}، وقد عجزوا عنه فكيف قال: {فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ}، فهو كرجل يقول لآخر: أعطِني درهماً فيعجز، فيقول: أعطِني عشرة؟.

الجواب: قد قيل سورة هود أولاً.

وأنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولاً، وقال: معنى قوله في سورة يونس: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}، أي: مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم على الإِتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة، {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ}، واستعينوا بمن استطعتم، {مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}.

{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ}، يا أصحاب محمد. وقيل: لفظه جمع والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده. {فَٱعْلَمُوۤاْ}، قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: مع المشركين، {أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ}، يعني: القرآن. وقيل: أنزله وفيه علمه، {وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}، أي: فاعلموا أن لا إله إلا هو، {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ}، لفظه استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا.

قوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا}، أي: من كان يريد بعلمه الحياة الدنيا، {وَزِينَتَهَا}، نزلت في كل من عمل عملاً يريد به غير الله عزّ وجلّ {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}، أي: نُوَفِّ لهم أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبهها. {وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ}، أي: في الدنيا لا ينقص حظهم.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٦ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٧

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلأَخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} أي: في الدنيا، {وَبَاطِلٌ}، {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.

اختلفوا في معنى هذه الآية: فقال مجاهد: هم أهل الرياء. وروينا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

«إنّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغرُ»، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء».

قيل: هذا في الكفار، وأما المؤمن: فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة، فيجازى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.

وروينا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنّ الله عزّ وجلّ لايظلم المؤمنَ حسنةً، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكنْ له حسنة يُعطى بها خيراً».

قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ}، بيان، {مِّن رَّبِّهِ}، قيل: في الآية حذف، ومعناه: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، أو مَنْ كان على بينة من ربّه كمن هو في الضلالة والجهالة، والمراد بالذي هو على بينة من ربه: النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

{وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}، أي: يتبعه من يشهد له بصدقه. واختلفوا في هذا الشاهد: فقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وأكثر أهل التفسير: إنه جبريل عليه السلام

وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى ابن جريج عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدده.

وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن ونظمه وإعجازه.

وقيل: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال علي: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن، فقال له رجل: وأنت أيُّ شيءٍ نزل فيك؟ قال: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}.

وقيل: شاهد منه: هو الإِنجيل.

{وَمِن قَبْلِهِ}، أي: ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من قبل نزول القرآن. {كِتَابُ مُوسَىٰ}، أي: كان كتاب موسى، {إِمَاماً وَرَحْمَةً}، لمن اتبعها، يعني: التوراة، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم، {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}، يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب.

{وَمَن يَكْفُرْ بِهِ}، أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: بالقرآن، {مِنَ ٱلأَحْزَابِ}، من الكفار من أهل الملل كلها، {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}.

أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة، ولا يهوديٌّ، ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ ولم يؤمنْ بالذي أُرسلتُ به إلاّ كان من أصحاب النار».

قوله تعالى: {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ}، أي: في شكَ منه، {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٨

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً}، فزعم أنَّ له ولداً أو شريكاً، أي: لا أحد أظلم منه، {أُوْلَـٰئِكَ}، يعني: الكاذبين والمكذبين، {يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ}، فيسألهم عن أعمالهم.

{وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ}، يعني: الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم، قاله مجاهد.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو قول الضحاك.

وقال قتادة: الخلائق كلهم.

وروينا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ الله يدني المؤمن فيضع عليه كَنَفَهُ ويسترُه فيقول: أتعرفُ ذنبَ كذا؟ أتعرفُ ذنبَ كذا؟ فيقول: نعم أيْ ربِّ، حتى إذا قرّرَهُ بذنوبِهِ ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتُها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطَى كتابَ حسناته، وأما الكفار والمنافقون [فينادى بهم على رؤوس الخلائق]، {هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝١٩ أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ ۝٢٠ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢١ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ۝٢٢

{ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}، يمنعون عن دين الله، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ}.

{أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ}، قال ابن عباس: سابقين. وقال قتادة: هاربين. وقال مقاتل: فائتين. {فِى ٱلأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ}، يعني أنصاراً وأعواناً يحفظونهم من عذابنا، {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ}، أي: يزاد لهم في عذابهم. قيل: يضاعف العذاب عليهم لإِضلالهم الغير واقتداء الاتباع بهم.

{مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ}، قال قتادة: صُمٌّ عن سماع الحق فلا يسمعونه، وما كانوا يبصرون الهُدَى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخبر الله عزّ وجلّ أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا قال: "ما كانوا يستطيعون السمعَ" وهو طاعتُه، وفي الآخرة قال: "فلا يستطيعون"، خاشعة أبصارهم.

{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ}، غَبَنُوا أنفسهم، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}، يزعمون من شفاعة الملائكة والأصنام.

{لاَ جَرَمَ}، أي: حقاً. وقيل: بلى. وقال الفراء: لا محالة، {أَنَّهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ}، يعني: من غيرهم، وإن كان الكل في الخسار.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٣ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٢٤ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٢٥ أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ۝٢٦

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ}، قال ابن عباس: خافوا. قال قتادة: أنابوا. قال مجاهد: اطمأنوا. وقيل: خشعوا. وقوله: {إِلَىٰ رَبِّهِمْ}، أي: لربهم، {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}.

{مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ}، المؤمن والكافر، {كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً}، قال الفراء: لم يقل يستوون، لأن الأعمى والأصم في حيِّزٍ كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، لأنهما من وصف المؤمن، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، أي: تتعظون. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}، قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب: "أَني" بفتح الهمزة أي: بأني، وقرأ الباقون بكسرها، أي: فقال إني، لأن في الإِرسال معنى القول: إني لكم نذير مبين.

{أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنِّىۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}، أي: مؤلم. قال ابن عباس: بُعِث نوح عليه السلام بعد أربعين سنة، ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فكان عمره ألفاً وخمسين سنة.

وقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة.

وقيل: بُعث وهو ابن خمسين سنة. وقيل: بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة، ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمره ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة قال الله تعالى:

{ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً }[العنكبوت: 14] أي: فلبث فيهم داعياً.

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ ۝٢٧ قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ ۝٢٨ وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ۝٢٩

{فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ}: والملأ هم الأشراف والرؤساء. {مَا نَرَاكَ}، يانوح، {إِلاَّ بَشَراً}، آدمياً، {مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا}، سفَلَتُنا، والرذل: الدُّون من كل شيء، والجمع: أرْذُل، ثم يجمع على أراذل، مثل كَلْب وأَكْلُب وأَكَالِب، وقال في سورة الشعراء: {وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ}، يعني: السفلة. وقال عكرمة: الحاكة والأساكفة، {بَادِىَ ٱلرَّأْى}، قرأ أبو عمرو «بادىء» بالهمز أي: أول الرأي، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير روية وتفكر، ولو تفكروا لم يتبعوك. وقرأ الآخرون بغير همز، أي ظاهر الرأي من قولهم: بدا الشيء: إذا ظهر، معناه: اتبعوك ظاهراً من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطناً. قال مجاهد: رأي العين، {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَـٰذِبِينَ}.

{قَالَ}، نوح، {يَٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّي} أي: بيان من رَّبِّي، {وَءَاتَانِى رَحْمَةً}، أي: هدى ومعرفة، {مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ}، أي: خفيت والتبست عليكم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: «فعُمِّيت عليكُم» بضم العين وتشديد الميم، أي: شُبهت ولُبِّست عليكم، {أَنُلْزِمُكُمُوهَا}، أي: أنلزمكم البينة والرحمة، {وَأَنتُمْ لَهَا كَـٰرِهُونَ}، لا تريدونها. قال قتادة: لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يُلزموا قومَهم الإِيمان لألزموهم، ولكن لم يقدروا.

قوله: {وَيَٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً}، أي: على الوحي وتبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور، {إِنْ أَجْرِىَ}، ما ثوابي، {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}، هذا دليل على أنهم طلبوا منه طرد المؤمنين، {إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ}، أي: صائرون إلى ربهم في المعاد فيجزي من طردهم، {وَلَـٰكِنِّىۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ}.

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٣٠ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣١ قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٣٢ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ۝٣٣ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٣٤

{وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ}، من يمنعني من عذاب الله، {إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، تتعظون.

{وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ}، فآتي منها ما تطلبون، {وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ}، فأخبركم بما تريدون. وقيل: إنهم لما قالوا لِنُوح: إن الذين آمنوا بِكَ إنما اتّبعوك في ظاهر ما ترى منهم، قال نوح مجيباً لهم: ولا أقول لكم: عندي خزائن غيوب الله، التي يعلم منها ما يضمره الناس، ولا أعلم الغيب، فأعلم ما يسترونه في نفوسهم، فسبيلي قَبُول ما ظهر من إيمانهم، {وَلاَ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ}، هذا جواب قولهم: «مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا». {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىۤ أَعْيُنُكُمْ}، أي: تحتقره وتستصغره أعينكم، يعني: المؤمنين، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، {لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً} أي: توفيقاً وإيماناً وأجراً، {ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ}، من الخير والشر مني، {إِنِّىۤ إِذاً لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ}، لو قلتُ هذا.

{قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا}، خاصمتنا، {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ}، من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ}.

{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ}، يعني: بالعذاب، {وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ}، بفائِتِين.

{وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِىۤ}، أي: نصيحتي، {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}، يضلكم، {هُوَ رَبُّكُمْ}، له الحكم والأمر {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، فيجزيكم بأعمالكم.

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ۝٣٥ وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٣٦ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ۝٣٧

{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني نوحاً عليه السلام. وقال مقاتل: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى}، أي: إثمي ووبال جُرْمي. والإِجرام: كسب الذنب. {وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ}، لا أؤاخذُ بذنوبكم.

قوله تعالى: {وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ}، روى الضحاك عن ابن عباس: أن قوم نوح عليه السلام كانوا يضربون نوحاً حتى يسقط، فيلقونه في لَبَدٍ، ويلقونه في قعر بيت، يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ.

رُوي أنّ شيخاً منهم جاء يتوكأ على عصا، ومعه ابنه، فقال: يابني لا يغرنك هذا الشيخ المجنون، فقال له: يا أبت أمكني من العصا، فأخذ العصا من أبيه، فضرب نوحاً حتى شجَّه شجه منكرة، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءَامَنَ}، {فَلاَ تَبْتَئِسْ}أي: فلا تحزن، {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ}، فإنّي مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا نوح عليهم فقال:

{ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً }[نوح: 26].

وحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه: أنهم كان يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: ربِّ اغفرْ لقومي فإنّهم لا يعلمون، حتى إذا تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر الجيل بعد الجيل فلا يأتي قرن إلاّ كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنوناً لا يقبلون منه شيئاً، فشكا إلى الله تعالى فقال: «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً»، إلى أن قال: «رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً»، فأوحى الله تعالى إليه:

{وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}، قال ابن عباس بمرأىً منّا. وقال مقاتل: بعلمنا. وقيل: بحفظنا. {وَوَحْيِنَا}، بأمرنا. {وَلاَ تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ}، بالطوفان، قيل: معناه لا تخاطبني في إمهال الكفار، فإني قد حكمت بإغراقهم. وقيل: لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك وَاعِلة فإنهما هالكان مع القوم.

وفي القصةِ: أن جبريل أتى نوحاً عليه السلام فقال: إن ربّك عزّ وجلّ يأمرك أن تصنع الفلك، قال: كيف أصنع ولستُ بنجارٍ؟ فقال: إنّ ربّك يقول اصنع فإنك بعيني، فأخذ القدوم وجعل يصنع ولا يخطىء. وقيل: أوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر.

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ۝٣٨

قوله تعالى: {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ} فلما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك أقبل نوح عليه السلام على عمل الفلك ولَهَا عن قومه، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ويهيء عدة الفلك من القارّ وغيره، وجعل قومه يمرُون به وهو في عمله ويسخرون منه، ويقولون: يانوح قد صرت نجاراً بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم ولد.

وزعم أهل التوراة: أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أَزْوَر، وأن يطليه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعاً وعرضه خمسين ذراعاً وطوله في السماء ثلاثين ذراعاً، والذراع إلى المنكب، وأن يجعله ثلاثة أطباق سفلى ووسطى وعليا ويجعل فيه كوى، ففعله نوح كما أمره الله عزّ وجلّ.

وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعاً وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد.

قال قتادة: كان بابها في عرضها.

وروي عن الحسن: كان طولها ألفاً ومائتي ذراع وعرضها ست مائة ذراع. والمعروف هو الأول: أن طولها ثلاثمائة ذراع.

وعن زيد بن أسلم قال: مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها، ومائة سنة يعمل الفلك.

وقيل: غرس الشجر أربعين سنة وجفَّفه أربعين سنة.

وعن كعب الأحبار أن نوحاً عمل السفينة في ثلاثين سنة، وروى أنها كانت ثلاث طبقات، الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإِنس، والطبقة العليا فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أنِ اغْمِزْ ذنبَ الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفار بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها، أوحى الله تعالى إليه أن اضربْ بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفار.

قوله تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ}، كانوا يقولون: إنّ هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجاراً. ورُوي أنهم كانوا يقولون له: يانوح ماذا تصنع؟ فيقول: أصنع بيتاً يمشي على الماء، فيضحكون منه، {قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ}، إذا عاينتم عذاب الله، {كَمَا تَسْخَرُونَ}، فإن قيل: كيف تجوز السخرية من النبي؟ قيل: هذا على ازدواج الكلام، يعني: إن تستجهلوني فإني استجهلكم إذا نزل العذاب بكم. وقيل: معناه إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٣٩

{فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ}، يهينه، {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ}، يجب عليه، {عَذَابٌ مُّقِيمٌ}، دائم.

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ ۝٤٠

{حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا} عذابنا، {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}، اختلفوا في التنور، قال عكرمة والزهري: هو وجه الأرض، وذلك أنه قيل لنوح: إذا رأَيتَ الماء فارَ على وجه الأرض فاركبِ السفينة.

ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال: فار التنور أي: طلع الفجر ونور الصبح.

وقال الحسن ومجاهد والشعبي: إنه التنور الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر المفسرين.

ورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن: كان تنوراً من حجارة، كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح عليه السلام، فقيل لنوح: إذا رأيتَ الماءَ يفور من التنور فاركبِ السفينة أنتَ وأصحابُك.

واختلفوا في موضعه، قال مجاهد والشعبي: كان في ناحية الكوفة. وكان الشعبي يحلف: ما فار التنور إلاّ من ناحية الكوفة. وقال: اتّخذ نوحٍ السفينة في جوف مسجد الكوفة. وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب بني كندة، وكان فورانُ الماء منه عَلَماً لنوح عليه السلام

وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وكان بالشام بموضع يقال له: عين ورده.

ورُوي عن ابن عباس: أنه كان بالهند.

والفوران: الغليان.

قوله تعالى: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا}، أي: في السفينة، {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}، الزوجان: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، يقال لكل واحد منهما زوج، يقال: زوج خف وزوج نعل، والمراد بالزوجين هٰهنا: الذكر والأنثى.

قرأ حفص هٰهنا وفي سورة المؤمنين: {مِن كُلٍّ} بالتنوين، أي: من كل صنف زوجين اثنين، ذكره تأكيداً.

وفي القصة: أن نوحاً عليه الصّلاة والسلام قال: يا ربِّ كيفَ أحمل من زوجين اثنين، ولا أعرف الذكر من الأنثى؟ فحشر الله إليه الوحوشَ والسباعَ والهوام والطير، فجعل يضرب بيديه في كل جنس فيقع الذكر في يده والأنثى في يده اليسرى، فيحمله في السفينة.

{وَأَهْلَكَ}، أي: واحملْ أهلكَ، أي: ولدك وعيالك، {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ}، بالهلاك يعني امرأته وَاعِلة وابنه كنعان، {وَمَنْ ءَامَنَ}، يعني: واحمل من آمن بك، قال الله تعالىٰ:

{وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}، واختلفوا في عددهم، قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي: لم يكن في السفينة إلا ثمانية، نوح وامرأته وثلاثة بنين له سام وحام يافث، ونساؤهم. وقال الأعمش: كانوا سبعة نوح وثلاثة بنين له وثلاث كنائن له.

وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعاً.

وقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفراً نوحاً وامرأته وبنيه الثلاثة ونسائهم، فجميعهم ثمانية وسبعون نصفهم رجال ونصفهم نساء.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في سفينة نوح ثمانون رجلاً أحدهم جرهم.

قال مقاتل: حمل نوح معه جسد آدم فجعله معترضاً بين الرجال والنساء وقصد نوحاً جميعُ الدواب والطيور ليحملها.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار دخل صدره تعلق إبليس بذنبه، فلم يستقل رجلاه فجعل نوح يقول: ويحك ادخل فنهض فلم يستطع، حتى قال نوح: ويحك ادْخُلْ وإن كان الشيطان معك كلمة زلّت على لسانه، فلما قالها نوح خلّى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخلك عليَّ يا عدوّ الله؟ قال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك، قال: اخرج عني يا عدوّ الله، فقال: ما لك بدّ من أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك.

ورُوي عن بعضهم: أن الحية والعقرب أتيا نوحاً فقالتا: احملنا، فقال: إنكما سبب الضر والبلاء، فلا أحملكما، فقالتا له: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضرّ أحداً ذكرك فمن قرأ حين خاف مضرّتهما سلام على نوح في العالمين ما ضرّتاه.

قال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلاّ ما يلد ويبيض، فأمّا ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض والذباب فلم يحمل منها شيئاً.

وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٤١ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٢ قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ۝٤٣

{وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا}، أي: وقال لهم نوح اركبوا في السفينة، {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَآ}، قرأ حمزة والكسائي وحفص: «مَجْريها» بفتح الميم أي: جَرْيها «ومُرساها» بضمها، وقرأ محمد بن محيصن «مَجْريها ومَرساها بفتح الميمين من جرت ورست، أي: بسم الله جريها ورسوها، وهما مصدران. وقرأ الآخرون: «مُجراها ومُرساها» بضم الميمين من أجريت وأرسيت، أي: بسم الله إجراؤُها وإرساؤُها وهما أيضاً مصدران، كقوله:

{ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً }[المؤمنون: 29] و { أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ }[الإسراء: 80] والمراد منها: الإِنزال والإِدخال والإِخراج. {إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسوَ قال: بسم الله، فرست.

{وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ}، والموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبهّه بالجبال في عظمه وارتفاعه على الماء. {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ}، كنعان، وقال عبيد بن عمير: سام، وكان كافراً، {وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ}، عنه لم يركب السفينة، {يَٰبُنَىَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا}، قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بإظهار الباء، والآخرون يدغمونها في الميم، {وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، فتهلك.

{قَالَ} له ابنه: {سَآوِىۤ}، سأصير وألتجىء، {إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ}، يمنعني من الغرق، {قَالَ} له نوح: {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ}، أي: من عذاب الله، {إِلاَّ مَن رَّحِمَ}، قيل: «من» في محل رفع، أي: لا مانع من عذاب الله إلا الله الراحم. وقيل: «من» في محل النصب، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله، كقوله:

{ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ }[الحاقة: 21] أي: مرضية، {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ}، فصار، {مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}.

وروي أن الماء علا على رؤوس الجبال قدر أربعين ذراعاً، وقيل: خمسة عشر ذراعاً.

وروي: أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أمٌ لصبيٍّ عليه، وكانت تحبه حباً شديداً، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها الماء ذهبت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي.

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٤

{وَقِيلَ}، يعني: بعدما تناهى أمر الطوفان: {يَٰأَرْضُ ٱبْلَعِى}، تَشَرَّبي، {مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى}، أمسكي، {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ}، نقص ونضب، يقال: غاض الماء يغيض غيضاً إذا نقص، وغاضه الله، {وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ}، فرغ من الأمر وهو هلاك القوم {وَٱسْتَوَتْ}، يعني: السفينة استقرت، {عَلَى ٱلْجُودِىِّ}، وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل، {وَقِيلَ بُعْداً}، هلاكاً، {لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ}.

ورُوي أن نوحاً عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوح أن الماء قد نضب، فقيل: إنه دعا على الغراب بالخوف فذلك لا يألف البيوت، وطوق الحمامة الخضرةُ التي في عنقها ودعا لها بالأمان، فمن ثم تأمن وتألف البيوت.

ورُوي: أن نوحاً ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر، ومرت بالبيت فطافت به سبعاً وقدْ رفعَه الله من الغرق وبقي موضعه، وهبطوا يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه بالصوم شكراً لله عزّ وجلّ.

وقيل: ما نجا من الكفار من الغرق غير عُوج بن عُنُق كان الماء إلى حجزته، وكان سبب نجاته أن نوحاً احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله فحمله عوج إليه من الشام، فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك.

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٤٥ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٤٦

قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي}، وَقدْ وعدتني أن تنجيني وأهلي؟ {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ}، لا خلف فيه، {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَـٰكِمِينَ}، حكمت على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك.

{قَال} اللّهُ عزّ وجلّ {يَٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ}، قرأ الكسائي ويعقوب: «عمِلَ» بكسر الميم وفتح اللام «غيرَ» بنصب الراء على الفعل، أي: عمل الشرك والتكذيب. وقرأ الآخرون بفتح الميم ورفع اللام وتنوينه، «غير» برفع الراء معناه: أن سؤالك إيّاي أن أنجيه عمل غير صالح، {فَلاَ تَسْأَلْنِـي}، يانوح، {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}

قرأ أهل الحجاز والشام «فلا تسألَنَّ» بفتح اللام وتشديد النون، ويكسرون النون غير ابن كثير فإنه يفتحها. وقرأ الآخرون بجزم اللام وكسر النون خفيفة، ويُثبت أبو جعفر وأبو عمرو وورش ويعقوب الياء في الوصل.

{إِنِّىۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ}

واختلفوا في هذا الابن؛ قال مجاهد والحسن: كان ولد حنث من غير نوح، ولم يعلم بذلك نوح، ولذلك قال: {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} وقرأ الحسن:

{ فَخَانَتَاهُمَا }[التحريم: 10].

وقال أبو جعفر الباقر: كان ابن امرأته وكان يعلمه نوح ولذلك قال: «من أهلي»، ولم يقل مني.

وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرون: إنه كان ابن نوح عليه السلام من صلبه. قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أي: من أهل الدين، لأنه كان مخالفاً له في الدين، وقوله: «فخانتاهما» أي: في الدين والعمل الصالح لا في الفراش.

وقوله: {إِنِّىۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ}، يعني: أن تدعو بهلاك الكفار ثم تسأل نجاة كافر.

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٤٧ قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٤٨

{قالَ} نوح {رَبِّ إِنِّىۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}.

{قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ} إنزل من السفينة، {بِسَلَـٰمٍ مِّنَّا}، أي بأمن وسلامة منا، {وَبَركَـٰتٍ عَلَيْكَ}، البركة هي: ثبوت الخير، ومنه: بروك البعير. وقيل: البركة هاهنا هي أن الله تعالى جعل ذريته هُمُ الباقين إلى يوم القيامة، {وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ}، أي: على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء من بعدك، من ذرية من معك، من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد ابن كعب القرظي: دخل فيه كل مؤمن إلى قيام الساعة {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ}، هذا ابتداء، أي: أمم سنمتعهم في الدنيا، {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وهم الكافرون وأهل الشقاوة.

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ۝٤٩ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ۝٥٠ يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٥١ وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ۝٥٢

{تِلْكَ مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ}، من أخبار الغيب، {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا}، من قبل نزول القرآن، {فَٱصْبِرْ}، على القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح، {إِنَّ ٱلْعَـٰقِبَةَ} آخر الأمر بالسعادة والنصرة {لِلْمُتَّقِينَ}.

قوله تعالى: {وَإِلَىٰ عَادٍ} أي: وأرسلنا إلى عاد، {أَخَـٰهُمْ هُوداً}، في النسب لا في الدين، {قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ}، وحّدُوا الله {مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ}، ما أنتم [في إشراككم] إلاّ كاذبون.

{يَٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ}، أي: على تبليغ الرسالة، {أَجْرًا}، جَعْلاً، {إِنْ أَجْرِىَ}، ما ثوابي، {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىۤ}، خلقني، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

{وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ}، أي: آمنوا به، والإِستغفار هاهنا بمعنى الإِيمان، {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ}، من عبادة غيره ومن سالف ذنوبكم، {يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً}، أي: يرسل المطر متتابعاً، مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ}، أي: شدة مع شدتكم. وذلك أن الله عزّ وجلّ حبس عنهم القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم فلم يلدن، فقال لهم هود عليه السلام: إن آمنتم أرسل الله عليكم المطر، فتزدادون مالاً، ويعيد أرحام الأمهات إلى ما كانت، فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد. وقيل: تزدادون قوة في الدين إلى قوة في البدن. {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ}، أي: لا تدبروا مشركين.

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۝٥٣ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝٥٤ مِن دُونِهِۦ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ۝٥٥ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌۢ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ۝٥٦

{قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ}، أي: ببرهان وحجة واضحة على ما تقول، {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىۤ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ}، أي: بقولك، {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}، بمصدقين.

{إِنَ نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا} أي: أصابك {بِسُوۤءٍ} يعني: لست تتعاطى ما نتعاطاه من مخالفتنا وسبِّ آلهتنا إلاّ أن بعض آلهتنا، اعتراك، أي: أصابك بسُوء بخبل وجنون، وذلك أنك سببت آلهتنا فانتقموا منك بالتخبيل لا نحمل أمرك إلا على هذا، {قَالَ}، لهم هود، {إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ}، على نفسي، {وَٱشْهَدُوۤاْ}، ياقوم {أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}.

{مِن دُونِهِ}، يعني: الأوثان، {فَكِيدُونِي جَمِيعاً}، فاحتالوا في مكركم وضري أنتم وأوثانكم، {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ}، [لا تؤخرون ولا تمهلون].

{إِنِّي تَوَكَّلْتُ}، أي: اعتمدت {عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} قال الضحاك: يحييها ويميتها.

قال الفرَّاء: مالكها والقادر عليها.

وقال القتيبي: يقهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته.

وقيل: إنما خصّ الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنساناً بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا إنساناً وأرادوا إطلاقه والمَنَّ عليه جزوا ناصيته ليعتدّوا بذلك فخراً عليه، فخاطبهم الله بما يعرفون. {إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، يعني: إن ربي وإن كان قادراً عليهم فإنه لا يظلمهم ولا يعمل إلاّ بالإِحسان والعدل، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه. وقيل: معناه إن دين ربي إلى صراط مستقيم.

وقيل: فيه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم.

فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦٓ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيْـًٔا إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ۝٥٧ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ۝٥٨ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا۟ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓا۟ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ۝٥٩ وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ أَلَآ إِنَّ عَادًا كَفَرُوا۟ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ۝٦٠

{فَإِن تَوَلَّوْاْ}، أي: تتولوا، يعني: تعرضوا عمّا دعوتُكم إليه، {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْماً غَيْرَكُمْ}، أي: إن أعرضتم يهلككم الله عزّ وجلّ ويستبدل بكم قوماً غيركم أطوع منكم يوحّدُونه ويعبدونه، {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً}، بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم. وقيل: لاتنقصونه شيئاً إذا أهْلككم لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء، {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}، أي: لكل شيء حافظ، يحفظني من أن تنالوني بسوء.

قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا}، عذابنا، {نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ}، وكانوا أربعة آلاف. {بِرَحْمَةٍ} بنعمة {مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}، وهو الريح التي أهلك بها عاداً، وقيل: العذاب الغليظ: عذاب يوم القيامة، أي: كما نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة.

{وَتِلْكَ عَادٌ}، رده إلى القبيلة، {جَحَدُواْ بِآيَـٰتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ}، يعني: هوداً وَحْدَهُ، وذكره بلفظ الجمع لأن من كّذْب رسولاً كان كمن كذب الرسل، {وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد، والجبار: المتكبر، والعنيد: الذي لايقبل الحق، يقال: عَنَدَ الرجلُ يعند عنوداً إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه. وقال أبو عبيدة: العنيد والعاند والعنود والمعاند: المعارض لك بالخلاف.

{وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً}، أي: أُرْدِفُوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم، واللعنة: هي الإِبعاد والطَّرد عن الرحمة، {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}، أي: وفي يوم القيامة أيضاً لعنوا كما لعنوا في الدنيا والآخرة، {أَلاۤ إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ}، أي: بربهم، يقال: كفرته وكفرت به، كما يقال: شكرتُه وشكرتُ له ونصحتُه ونصحتُ له. {أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ}، قيل: بعداً من رحمة الله. وقيل: هلاكاً. ولِلبُعْد معنيان: أحدهما ضد القرب، يقال منه: بَعُدَ يبعُدُ بُعْداً، والآخر: بمعنى الهلاك، يقال: منه بَعِدَ يبعِدُ بُعْداً وبَعُداً.

الخميس، 22 أكتوبر 2026 11 جمادى الأولى 1448 هـ