انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير القرطبيالآيات 1–27

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير القرطبي.

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ۝١ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ۝٢ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ۝٣ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٤

قوله تعالى: {الۤر}. تقدّم القول فيه. {كِتَابٌ} بمعنى هذا كتاب. {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} في موضع رفع نعت لكتاب. وأحسن ما قيل في معنى {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} قول قَتَادة؛ أي جعلت محكمة كلّها لا خَلَل فيها ولا باطل. والإحكام منع القول من الفساد، أي نُظمت نظماً مُحْكَماً لا يلحقها تناقض ولا خَلَل. وقال ٱبن عباس: أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل. وعلى هذا فالمعنى؛ أُحكم بعض آياته بأن جعل ناسخاً غير منسوخ. وقد تقدّم القول فيه. وقد يقع ٱسم الجنس على النوع؛ فيقال: أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه. وقال الحسن وأبو العالية: {أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} بالأمر والنهي. {ثُمَّ فُصِّلَتْ} بالوعد والوعيد والثواب والعقاب. وقال قتادة: أحكمها الله من الباطل، ثم فصّلها بالحلال والحرام. مجاهد: أحكمت جملة، ثم بُيِّنت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إِليه من الدليل على التوحيد والنبوّة والبعث وغيرها. وقيل: جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل. وقيل: «{فُصِّلت} أنزلت نَجْماً نَجْماً لتُتَدبَّر. وقرأ عكرمة «فَصَلَتْ» مخفّفاً أي حَكَمت بالحق. {مِن لَّدُنْ} أي من عند. {حَكِيمٍ} أي محكم للأمور. {خَبِيرٍ} بكل كائن وغير كائن.

قوله تعالى: {أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} قال الكسائيّ والفرّاء. أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصّلت بألا تعبدوا إِلا الله. قال الزجاج: لئلا؛ أي أحكمت ثم فصّلت لئلا تعبدوا إلا الله. قيل: أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله. {إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ} أي من الله. {نَذِيرٌ} أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه. {وَبَشِيرٌ} بالرضوان والجنة لمن أطاعه. وقيل: هو من قول الله أوّلاً وآخراً؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال:

{ وَيُحَذِّرْكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }[آل عمران: 28].

قوله تعالى: {وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} عطف على الأوّل. {ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ} أي ٱرجعوا إليه بالطاعة والعبادة. قال الفرّاء: «ثم» هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار. وقيل: ٱستغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم. قال بعض الصلحاء: الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وقد تقدّم هذا المعنى في «آل عمران» مستوفى. وفي «البقرة» عند قوله: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً}. وقيل: إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أوّل في المطلوب وآخر في السبب. ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر. {يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً} هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم. وقيل: يمتّعكم يُعمِّركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أَمتع اللَّهُ بك ومَتَّع. وقال سهل بن عبد الله: المتاع الحسن ترك الْخَلق والإقبال على الحق. وقيل: هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود. {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} قيل: هو الموت. وقيل: القيامة. وقيل: دخول الجنة. والمتاع الحسن على هذا وقاية كلّ مكروه وأمرٍ مَخُوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكُرَبها؛ والأوّل أظهر؛ لقوله في هذه السورة:

{ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ }[هود: 52]. وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى. والله أعلم. قال مقاتل: فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرَقة والقَذَر والجيف والكلاب. {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله. وقيل: ويؤت كلّ من فضلت حسناته على سيئاته {فَضْلَهُ} أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله: {فَضْلَهُ} ترجع إلى الله تعالى. وقال مجاهد: هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوّع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافراً. {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال. وقيل: اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره: و {تَوَلَّوْا} يجوز أن يكون ماضياً ويكون المعنى: وإن تولّوا فقل لهم إني أخاف عليكم. ويجوز أن يكون مستقبلاً حذفت منه إحدى التاءين والمعنى: قل لهم إن تتولّوا فإني أخاف عليكم.

قوله تعالى: {إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ} أي بعد الموت. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من ثواب وعقاب.

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٥

قوله تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} أخبر عن معاداة المشركين للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ويظنون أنه تخفى على الله أحوالهم. {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} أي يطوونها على عداوة المسلمين ففيه هذا الحذف، قال ٱبن عباس: يخفون ما في صدورهم من الشَّحناء والعداوة، ويظهرون خلافه. نزلت في الأخنس بن شِريق، وكان رجلاً حُلو الكلام حُلو المنطق، يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، وينطوي له بقلبه على ما يسوء. وقال مجاهد: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} شكّاً وٱمتراء. وقال الحسن: يثنونها على ما فيها من الكفر. وقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مرّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثَنَى صدره وظهره، وطأطأ رأسه وغطّى وجهه، لكيلا يراه النبيّ صلى الله عليه وسلم فيدعوه إلى الإيمان؛ حكى معناه عن عبد الله بن شدّاد فالهاء في {مِنْهُ} تعود على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: قال المنافقون إذا غلقنا أبوابنا، وٱستغشينا ثيابنا، وثَنَينا صدورنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فنزلت الآية. وقيل: إن قوماً من المسلمين كانوا يَتَنَسَّكون بستر أبدانهم ولا يكشفونها تحت السماء، فبيّن الله تعالى أن التَّنَسك ما ٱشتملت عليه قلوبهم من معتقد، وأظهروه من قول وعمل. وروى ٱبن جرير عن محمد بن عبّاد بن جعفر قال: سمعت ٱبن عباس رضي الله عنهما يقول: «أَلاَ إنَهُمْ تَثْنَوني صُدُورُهُمْ لْيَسْتَخْفُوا مِنْهُ» قال: كانوا لا يجامعون النساء، ولا يأتون الغائط وهم يُفضون إلى السماء، فنزلت هذه الآية. وروى غير محمد بن عباد عن ٱبن عباس: «أَلاَ إنَّهُمْ تَثْنَوِي صُدُورُهُمْ» بغير نون بعد الواو، في وزن تنطوي؛ ومعنى «تَثنوِي» والقراءتين الأخريين متقارب؛ لأنها لا تَثْنوِي حتى يَثْنوها. وقيل: كان بعضهم ينحني على بعض يسارّه في الطّعن على المسلمين، وبلغ من جهلهم أن توهموا أن ذلك يخفى على الله تعالى. «لِيَسْتَخْفُوا» أي ليتواروا عنه؛ أي عن محمد أو عن الله.

{أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} أي يُغطُّون رؤوسهم بثيابهم. قال قَتَادة: أخفى ما يكون العبد إذا حَنَى ظهره، وٱستغشى ثوبه، وأضمر في نفسه هَمّه.

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٦

قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} «ما» نفي و «مِنْ» زائدة و {دَابَّةٍ} في موضع رفع؛ التقدير: وما دابة. {إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} «على» بمعنى «مِن»، أي من الله رزقها؛ يدلّ عليه قول مجاهد: كل ما جاءها من رزق فمن الله. وقيل: {على الله} أي فضلاً لا وجوباً. وقيل: وعداً منه حقاً. وقد تقدّم بيان هذا المعنى في «النساء» وأنه سبحانه لا يجب عليه شيء. {رِزْقُهَا} رفع بالابتداء، وعند الكوفيين بالصفة؛ وظاهر الآية العموم ومعناها الخصوص؛ لأن كثيراً من الدواب هلك قبل أن يُرزق. وقيل: هي عامة في كل دابة: وكل دابة لم ترزق رزقاً تعيش به فقد رُزقت رُوحها؛ ووجه النظم بما قبلُ: أنه سبحانه أخبر برزق الجميع، وأنه لا يَغفُل عن تربيته، فكيف تَخفى عليه أحوالكم يا معشر الكفار وهو يرزقكم؟ٰ والدّابة كل حيوان يَدِبُّ. والرزق حقيقته ما يتغذّى به الحيّ، ويكون فيه بقاء رُوحه ونماء جسده. ولا يجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك؛ لأن البهائم تُرزق وليس يصح وصفها بأنها مالكة لعَلَفها؛ وهكذا الأطفال تُرزق اللّبن ولا يقال: إن اللّبن الذي في الثّدي ملك للطفل. وقال تعالى:

{ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ }[الذاريات: 22] وليس لنا في السماء ملك؛ ولأن الرزق لو كان ملكاً لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، وذلك محال؛ لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. وقد تقدّم في «البقرة» هذا المعنى والحمد لله. وقيل لبعضهم: من أين تأكل؟ فقال: الذي خلق الرّحى يأتيها بالطّحين، والذي شدق الأشداق هو خالق الأرزاق. وقيل لأبي أسيد: من أين تأكل؟ فقال: سبحان الله والله أكبر إن الله يرزق الكلب أفلا يرزق أبا أسيد. وقيل لحاتم الأصم: من أين تأكل؟ فقال: من عند الله؛ فقيل له: الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال: كأن ما له إلا السماء يا هذا الأرضُ له والسماءُ له؛ فإن لم يؤتني رزقي من السماء ساقه لي من الأرض؛ وأنشد:

وكيف أخافُ الفقرَ والَّلهُ رازقيورازق هذا الخلق في العُسْرِ واليُسْرِ تَكَفَّلَ بالأرزاقِ للخلقِ كُلِّهمْوللضَّبِّ في البيداءِ والحُوتِ في البحرِ

وذكر التِّرمذيّ الحكيم في «نوادر الأصول» بإسناده عن زيد بن أسلم: "أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم، لما هاجروا وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وقد أَرْمَلوا من الزاد، فأرسلوا رجلاً منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فلما ٱنتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} فقال الرجل: ما الأشعريّون بأهون الدواب على الله؛ فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأصحابه: أبشروا أتاكم الغوث، ولا يظنون إلا أنه قد كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده؛ فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزاً ولحماً فأكلوا منها ما شاؤوا، ثم قال بعضهم لبعض: لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته؛ فقالوا للرجلين: ٱذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قد قضينا منه حاجتنا، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا طعاماً أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به؛ قال: «ما أرسلت إليكم طعاماً» فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع، وما قال لهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك شيء رزقكموه الله".

قوله تعالى: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} أي من الأرض حيث تأوي إليه. {وَمُسْتَوْدَعَهَا} أي الموضع الذي تموت فيه فتدفن؛ قاله مِقْسَم عن ٱبن عباس رضي الله عنهما. وقال الربيع بن أنس: {مُستَقَرَّهَا} أيام حياتها. {وَمُسْتَوْدَعَهَا} حيث تموت وحيث تبعث. وقال سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس: {مُسْتَقرَّهَا} في الرّحِم، {وَمُسْتَودَعَهَا} في الصلب. وقيل: {يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} في الجنة أو في النار. {وَمُسْتَوْدَعَهَا} في القبر؛ يدلّ عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة وأهل النار:

{ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً }[الفرقان: 76] { سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً }[الفرقان: 66]. {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي في اللوح المحفوظ.

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧

قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تقدّم في «الأعراف» بيانه والحمد لله. {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} بيّن أن خلق العرش والماء قبل خلق الأرض والسماء. قال كعب: خلق الله ياقوتة خضراء فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد من مخافة الله تعالى؛ فلذلك يرتعد الماء إلى الآن وإن كان ساكناً، ثم خلق الريح فجعل الماء على مَتْنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال سعيد بن جُبير عن ٱبن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} فقال: على أي شيء كان الماء؟ قال: على مَتْن الرَّيح. وروى البخاريّ

"عن عِمْران بن حُصَين. قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: «ٱقبلوا البشرى يا بني تميم» قالوا: بَشَّرْتَنَا فأعطِنا (مرتين) فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «ٱقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» قالوا: قَبِلنا، جئنا لنتفقه في الدِّين، ولنسألك عن هذا الأمر ما كان؟ قال: «كان اللَّهُ ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم خلق السمواتِ والأرضَ وكتب في الذِّكْر كلّ شيء» ثم أتاني رجل فقال: يا عِمران أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها فإذا هي يقطَعُ دونها السَّرابُ؛ وايمُ اللّهِ لودِدْت أنها قد ذهبتْ ولم أقم".

قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي خلق ذلك لِيبتلي عباده بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته وعلى البعث. وقال قَتَادة: معنى

{ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً }[هود: 11](أيكم) أتمّ عقلاً. وقال الحسن وسفيان الثّوريّ: أيكم أزهد في الدنيا. وذكر أن عيسى عليه السلام مرّ برجل نائم فقال: يا نائم قم فتعبَّدْ، فقال: يا رُوح الله قد تَعبَّدتُ، فقال «وبم تَعَبَّدتَ»؟ قال: قد تركت الدنيا لأهلها؛ قال: نَمْ فقد فقتَ العابدين. الضّحاك: أيكم أكثر شكراً. مقاتل: أيكم أتقى لله. ٱبن عباس: أيكم أعمل بطاعة الله عز وجل. ورُوي عن ٱبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة اللهفجمع الأقاويل كلها، وسيأتي في «الكهف» هذا أيضاً إن شاء الله تعالى. وقد تقدّم معنى الابتلاء. {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ} أي دللت يا محمد على البعث. {مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} وذكرت ذلك للمشركين لقالوا: هذا سحر. وكسِرت «إنّ» لأنها بعد القول مبتدأة. وحكى سيبويه الفتح. {لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} فتحت اللام لأنه فعل متقدم لا ضمير فيه، وبعده {لَيَقُولُنَّ} لأن فيه ضميراً. و {سِحْرٌ} أي غرور باطل، لبطلان السحر عندهم. وقرأ حمزة والكسائي «إِنْ هَذَا إِلاَّ سَاحرٌ مُبِينٌ» كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٨

قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} اللام في {لَئِنْ} للقسم، والجواب {لَيَقُولُنَّ}. ومعنى {إلَى أُمَّةٍ} إلى أَجل معدود وحين معلوم؛ فالأمّة هنا المدّة؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وقَتَادة وجمهور المفسّرين. وأصل الأمّة الجماعة؛ فعبّر عن الحين والسنين بالأمّة لأن الأمّة تكون فيها. وقيل: هو على حذف المضاف؛ والمعنى إلى مجيء أمّة ليس فيها من يؤمن فيستحقون الهلاك. أو إلى ٱنقراض أمّة فيها من يؤمن فلا يبقى بعد ٱنقراضها من يؤمن. والأمّة ٱسم مشترك يقال على ثمانية أوجه: فالأمّة تكون الجماعة؛ كقوله تعالى:

{ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ }[القصص: 23]. والأمّة أيضاً أتباع الأنبياء عليهم السلام. والأمّة الرجل الجامع للخير الذي يُقتدى به؛ كقوله تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً }[النحل: 120]. والأمّة الدِّين والمِلّة؛ كقوله تعالى: { إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ }[الزخرف: 23]. والأمة الحين والزمان؛ كقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} وكذلك قوله تعالى: { وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ }[يوسف: 45] والأمّة القامة، وهو طول الإنسان وارتفاعه؛ يقال من ذلك: فلان حسن الأُمَّة أي القامة. والأمّة الرجل المنفرد بدينه وحده لا يُشْرِكُه فيه أحد؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:يُبَعث زيدُ بن عمرو بن نُفَيْل أمّة وحده». والأمة الأم؛ يقال: هذه أمّة زيد، يعني أمّ زيد. {لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} يعني العذاب؛ وقالوا هذا إما تكذيباً للعذاب لتأخره عنهم، أو استعجالاً وٱستهزاء؛ أي ما الذي يحبسه عنا. {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} قيل: هو قتل المشركين ببدر؛ وقتل جبريل المستهزئين على ما يأتي. {وَحَاقَ بِهِم} أي نزل وأحاط. {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} أي جزاء ما كانوا به يستهزئون، والمضاف محذوف.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ ۝٩ وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ۝١٠ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝١١

قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} الإنسان ٱسم شائع للجنس في جميع الكفار. ويقال: إن الإنسان هنا الوليد بن المغيرة وفيه نزلت. وقيل: في عبد الله بن أبي أميّة المخزوميّ. «رَحْمَةً» أي نعمة. {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} أي سلبناه إياها. {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} أي يائس من الرحمة. {كَفُورٌ} للنعم جاحد لها؛ قاله ٱبن الأعرابي. النحاس: {لَيَؤُوسٌ} من يَئِس، يَيْأَس، وحكى سيبويه يَئس يَيْأَس على فَعِل يفعِل، ونظيره حَسِب يَحْسِب ونَعِم يَنْعِم، ويَأَس ييئس؛ وبعضهم يقول: يَئس يَيئِسُ؛ ولا يعرف في الكلام (العربي) إلا هذه الأربعة الأحرف من السالم جاءت على فَعِل يفعِل؛ وفي واحد منها ٱختلاف. وهو يَئِسٌ و «يَؤُوسٌ» على التكثير كفخور للمبالغة.

قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ} أي صحة ورخاء وسعة في الرزق. {بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} أي بعد ضُرٍّ وفقر وشدّة. {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ} أي الخطايا التي تسوء صاحبها من الضُّرّ والفقر. {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} أي يفرح ويفخر بما ناله من السَّعَة وينسى شكر الله عليه؛ يقال: رجل فاخر إذا ٱفتخر ـ وفخور للمبالغة ـ قال يعقوب القارىء: وقرأ بعض أهل المدينة «لَفَرُحٌ» بضم الراء كما يقال: رجل فَطُنٌ وحَذُرٌ ونَدُسٌ. ويجوز في كلتا اللغتين الإِسكان لثقل الضمة والكسرة.

قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ} يعني المؤمنين، مدحهم بالصبر على الشدائد. وهو في موضع نصب. قال الأخفش: هو ٱستثناء ليس من الأوّل؛ أي لكن الذين صبروا وعملوا الصالحات في حالتي النعمة والمحنة. وقال الفرّاء: هو ٱستثناء من {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} أي من الإنسان، فإن الإنسان بمعنى الناس، والناس يشمل الكافر والمؤمن؛ فهو ٱستثناء متصل وهو حسن. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} ابتداء وخبر. {وَأَجْرٌ} معطوف. {كَبِيرٌ} صفة.

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝١٢ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٣

قوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ} أي فلعلك لعظيم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب تتوهم أنهم يزيلونك عن بعض ما أنت عليه. وقيل: إنهم لما قالوا {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} هَمَّ أن يدع سبّ آلهتهم فنزلت هذ الآية؛ فالكلام معناه الاستفهام؛ أي هل أنت تارك ما فيه سبّ آلهتهم كما سألوك؟ وتأكد عليه الأمر في الإبلاغ؛ كقوله:

{ يَـۤأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ }[المائدة: 67] وقيل: معنى الكلام النفي مع ٱستبعاد؛ أي لا يكون منك ذلك، بل تبلغهم كل ما أنزل إليك؛ وذلك أن مشركي مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا لاتبعناك، فهَمّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يدع سبّ آلهتهم؛ فنزلت.

قوله تعالى: {وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} عطف على {تَارِكٌ} و {صَدْرُكَ} مرفوع به، والهاء في «به» تعود على «ما» أو على بعض، أو على التبليغ، أو التكذيب. وقال: {ضَائِقٌ} ولم يقل ضيّق ليشاكل «تَارِكٌ» الذي قبله؛ ولأن الضّائق عارض، والضيّق ألزم منه. {أَن يَقُولُواْ} في موضع نصب؛ أي كراهية أن يقولوا، أو لئلا يقولوا كقوله:

{ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ }[النساء: 176] أي لئلا تضلّوا. أو لأن يقولوا. {لَوْلاَ} أي هلاّ {أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ} يصدقه؛ قاله عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ؛ فقال الله تعالى: يا محمد {إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ} إنما عليك أن تنذرهم، لا بأن تأتيهم بما يقترحونه من الآيات. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي حافظ وشهيد.

قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} «أم» بمعنى بل، وقد تقدّم في «يونس» أي قد أزحت عِلّتهم وإشكالهم في نبوّتك بهذا القرآن، وحَجَجْتَهم به؛ فإن قالوا: افتريته ـ أي ٱختلقته ـ فليأتوا بمثله مفترىً بزعمهم. {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي من الكهنة والأعوان.

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ۝١٤

قوله تعالى: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ} أي في المعارضة ولم تتهيأ لهم فقد قامت عليهم الحجة؛ إذ هم اللُّسْن البلغاء، وأصحاب الألسن الفصحاء. {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} واعلموا صدق محمد صلى الله عليه وسلم، واعلموا {أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} استفهام معناه الأمر. وقد تقدّم القول في معنى هذه الآية، وأن القرآن معجز في مقدمة الكتاب. والحمد لله. وقال: {قُلْ فَأْتُوا} وبعده. {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} ولم يقل لك؛ فقيل: هو على تحويل المخاطبة من الإفراد إلى الجمع تعظيماً وتفخيماً؛ وقد يخاطب الرئيس بما يخاطب به الجماعة. وقيل: الضمير في {لَكُمْ} وفي {فَٱعْلَمُوا} للجميع؛ أي فليعلم الجميع {أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ}؛ قاله مجاهد: وقيل: الضمير في {لكم} وفي {فاعلموا} للمشركين؛ والمعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونه إلى المعاونة، ولا تهيأت لكم المعارضة «فَٱعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ». وقيل: الضمير في {لكم} للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وفي {فاعلموا} للمشركين.

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝١٥

فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {مَن كَانَ} كان زائدة، ولهذا جزم بالجواب فقال: {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} قاله الفراء. وقال الزجاج: {مَنْ كَانَ} في موضع جزم بالشرط، وجوابه {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ} أي من يَكُنْ يريد؛ والأول في اللفظ ماض والثاني مستقبل، كما قال زهير:

وَمَنْ هَاب أسباب المنيةِ يَلْقَهاولو رامَ أسبابَ السَّماءِ بسُلَّمِ

وٱختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقيل: نزلت في الكفار؛ قاله الضحاك، واختاره النحاس؛ بدليل الآية التي بعدها {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فيِ الآخَرِةِ إِلاَّ النَّارُ} أي من أتى منهم بصلة رَحِم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا، بصحة الجسم، وكثرة الرزق، لكن لا حسنة له في الآخرة. وقد تقدم هذا المعنى في «براءة» مستوفى. وقيل: المراد بالآية المؤمنون؛ أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عُجل له الثواب ولم يُنقص شيئاً في الدنيا، وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا، وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنياتفالعبد إنما يُعطى على وجه قصده، وبحكم ضميره؛ وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل مِلّة. وقيل: هو لأهل الرياء؛ وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء: صُمتم وصلّيتم وتصدّقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك ثم قال: إنّ هؤلاء أولُ من تُسْعَر بهم النار». رواه أبو هريرة، ثم بكى بكاء شديداً وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا} وقرأ الآيتين، خرّجه مسلم (في صحيحه) بمعناه والترمذيّ أيضاً. وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى، كان معه أصل إيمان أو لم يكن؛ قاله مجاهد وميمون ابن مِهْران، وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مِهْران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفّي ثوابها؛ فإن كان مسلماً مخلصاً وُفّي في الدنيا والآخرة، وإن كان كافراً وُفِّي في الدنيا. وقيل: من كان يريد (الدنيا) بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وُفِّيَها، أي وُفِّي أجر الغَزاة ولم يُنقص منها؛ وهذا خصوص والصحيح العموم.

الثانية: قال بعض العلماء: معنى هذه الآية قوله عليه السلام:

إنما الأعمال بالنيات. وتدلك هذه الآية على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، وتدلّ على أن من توضأ للتبرّد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة، وهكذا كل ما كان في معناه.

الثالثة: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة؛ وكذلك الآية التي في «الشورى»

{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا }[الشورى: 42] الآية. وكذلك { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا }[آل عمران:145] قيدها وفسرها التي في «سبحان» { مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ }[الإسراء: 18] إلى قوله: {مَحْظُورًا} فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد والله سبحانه يحكم ما يريد، وروى الضّحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} أنها منسوخة بقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ}. والصحيح ما ذكرناه؛ وأنه من باب الإِطلاق والتقييد؛ ومثله قوله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }[البقرة: 186] فهذا ظاهره خبر عن إجابة كلّ داعٍ دائماً على كل حال، وليس كذلك؛ لقوله تعالى: { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ }[الأنعام: 41]. والنسخ في الأخبار لا يجوز؛ لاستحالة تبدّل الواجبات العقلية، ولاستحالة الكذب على الله تعالى؛ فأما الأخبار عن الأحكام الشرعية فيجوز نسخها على خلاف فيه، على ما هو مذكور في الأصول؛ ويأتي في «النحل» بيانه إن شاء الله تعالى

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ۝١٦

قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} إشارة إلى التّخليد، والمؤمن لا يُخلَّد؛ لقوله تعالى:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِك }َ} [النساء: 116] الآية. فهو محمول على ما لو كانت موافاة هذا المرائي على الكفر. وقيل: المعنى ليس لهم إلا النار في أيام معلومة ثم يخرج؛ إما بالشفاعة، وإما بالقَبْضة. والآية تقتضي الوعيد بسلْب الإيمان؛ وفي الحديث (الماضي) يريد الكفر وخاصة الرياء، إذ هو شرك على ما تقدّم بيانه في «النساء» ويأتي في آخر «الكهف». {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ابتداء وخبر؛ قال أبو حاتم: وحذف الهاء؛ قال النحاس: هذا لا يحتاج إلى حذف؛ لأنه بمعنى المصدر؛ أي وباطل عمله. وفي حرف أبيّ وعبد الله «وَبَاطِلاً مَا كَانُوا يَعْمَلُون» وتكون «ما» زائدة؛ أي وكانوا يعملون باطلاً.

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ۝١٧

قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} ٱبتداء والخبر محذوف؛ أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومعه من الفضل ما يتَبيّن به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ٰ عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن. وكذلك قال ٱبن زيد: إن الذي على بيّنة هو من ٱتبع النبيّ محمداً صلى الله عليه وسلم. {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} من الله، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل المراد بقوله: {أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} النبيّ صلى الله عليه وسلم، والكلام راجع إلى قوله: {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}؛ أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل ـ على ما يأتي ـ وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أن الله لا يُسْلِمه. والهاء في {ربّه} تعود عليه، وقوله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ}. وروى عِكرمة عن ٱبن عباس أنه جبريل؛ وهو قول مجاهد والنَّخَعِيّ. والهاء في {منه} لله عز وجل؛ أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله عز وجل. وقال مجاهد: الشاهد ملَك من الله عزّ وجلّ يحفظه ويُسدّده. وقال الحسن البصري وقَتَادة: الشاهد لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال محمد بن علي بن الحنفية: قلت لأبي أنت الشاهد؟ فقال: وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هو علي بن أبي طالب؛ روي عن ٱبن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب؛ وروي عن عليّ أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان؛ فقال له رجل: أي شيء نزل فيك؟ فقال عليّ: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}. وقيل: الشاهد صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه ومخائله؛ لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم علم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فالهاء على هذا ترجع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، على قول ٱبن زيد وغيره. وقيل الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد؛ قاله الحسين بن الفضل، فالهاء في {منه} للقرآن. وقال الفرّاء قال بعضهم: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ} الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق؛ والهاء في {منه} لله عزّ وجلّ. وقيل: البيّنة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه العقلُ الذي رُكِّب في دماغه وأشرق صدره بنوره. {وَمِن قَبْلِهِ} أي من قبل الإنجيل. {كِتَابُ مُوسَىٰ} رفع بالابتداء، قال أبو إسحق الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف في كتاب موسى

{ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ }[الأعراف: 157]. وحكى أبو حاتم عن بعضهم أنه قرأ {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} بالنصب؛ وحكاها المهدويّ عن الكَلْبيّ؛ يكون معطوفاً على الهاء في {يَتْلُوهُ} والمعنى: ويتلو كتابَ موسى جبريلُ عليه السلام؛ وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ المعنى من قبله تلا جبريلُ كتابَ موسى على موسى. ويجوز على ما ذكره ابن عباس أيضاً من هذا القول أن يُرفع {كتاب} على أن يكون المعنى: ومن قبله كتاب موسى كذلك؛ أي تلاه جبريل على موسى كما تلا القرآن على محمد. {إَمَاماً} نصب على الحال. {وَرَحْمَةً} معطوف. {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} إشارة إلى بني إسرائيل، أي يؤمنون بما في التوراة من البشارة بك؛ وإنما كفر بك هؤلاء المتأخرون فهم الذين موعدهم النار؛ حكاه القشيريّ. والهاء في {به} يجوز أن تكون للقرآن، ويجوز أن تكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالقرآن أو بالنبيّ عليه السلام. {مِنَ ٱلأَحْزَابِ} يعني من الملل كلها؛ عن قَتَادة؛ وكذا قال سعيد بن جُبَير: {الأحزاب} أهل الأديان كلها؛ لأنهم يتحازبون. وقيل: قريش وحلفاؤهم. {فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ} أي هو من أهل النار؛ وأنشد حسان:

أَوردتموها حياضَ الموتِ ضاحيةفالنارُ موعدُها والموتُ لاقيها

وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لاَ يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصرانيٌّ (ثم يموت) ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلاّ كان من أصحاب النار». {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ} أي في شك. {مِّنْهُ} أي من القرآن. {إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي القرآن من الله؛ قاله مقاتل. وقال الكَلْبيّ: المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار. {إِنَّه الْحَقُّ} أي القول الحق الكائن؛ والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد جميع المكلَّفين.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أُو۟لَٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ۝١٨ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ كَٰفِرُونَ ۝١٩

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم ٱفتروا على الله كذباً، فأضافوا كلامه إلى غيره، وزعموا أن له شريكاً وولداً، وقالوا للأصنام هؤلاء شفعاؤنا عند الله. {أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} أي يحاسبهم على أعمالهم. {وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ} يعني الملائكة الحفظة؛ عن مجاهد وغيره؛ وقال سفيان: سألت الأعمش عن «الأَشْهَادُ» فقال: الملائكة. الضَّحاك: هم الأنبياء والمرسلون؛ دليله قوله:

{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً }[النساء: 41]. وقيل: الملائكة والأنبياء والعلماء الذين بلّغوا الرسالات. وقال قتادة: عنى الخلائق أجمع. وفي صحيح مسلم من حديث صفوان بن مُحرِز عن ٱبن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قال: وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق هؤلاء الذين كَذَبوا على الله». {أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} أي بعده وسخطه وإبعاده من رحمته على الذين وضعوا العبادة في غير موضعها.

قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}

يجوز أن تكون «الَّذِينَ» في موضع خفض نعتاً للظالمين، ويجوز أن تكون في موضع رفع؛ أي هم الذين. وقيل: هو ابتداء خطاب من الله تعالى؛ أي هم الذين يصدون أنفسهم وغيرهم عن الإيمان والطاعة. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} أي يعدلون بالناس عنها إلى المعاصي والشرك. {وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أعاد لفظ «هم» تأكيداً.

أُو۟لَٰٓئِكَ لَمْ يَكُونُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ مَا كَانُوا۟ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُوا۟ يُبْصِرُونَ ۝٢٠

قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ} أي فائتين من عذاب الله. وقال ابن عباس: لم يُعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم. {وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} يعني أنصاراً، و {مِنْ} زائدة. وقيل: {ما} بمعنى الذي تقديره: أولئك لم يكونوا معجزين لا هم ولا الذين كانوا لهم من أولياء من دون الله؛ وهو قول ٱبن عباس رضي الله عنهما. {يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي على قدر كفرهم ومعاصيهم. {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ} {ما} في موضع نصب على أن يكون المعنى: بما كانوا يستطيعون السمع. {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} ولم يستعملوا ذلك في استماع الحق وإبصاره. والعرب تقول: جزيته ما فعل وبما فعل؛ فيحذفون الباء مرة ويثبتونها أخرى؛ وأنشد سيبويه:

أَمَرْتُكَ الخيرَ فافعل ما أمِرتَ بهِ فقد تَركُتك ذا مالٍ وذا نَشَبِ

ويجوز أن تكون {ما} ظرفا، والمعنى: يضاعف لهم أبداً، أي وقت ٱستطاعتهم السمع والبصر، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبداً. ويجوز أن تكون {ما} نافية لا موضع لها؛ إذ الكلام قد تمّ قبلها، والوقف على العذاب كافٍ؛ والمعنى: ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعاً ينتفعون به، ولا أن يبصروا إبصار مهتد. قال الفرّاء: ما كانوا يستطيعون السمع؛ لأن الله أضلّهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم النبيّ صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا عنه. قال النحاس: وهذا معروف في كلام العرب؛ يقال: فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلاً عليه.

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ ۝٢١ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمُ ٱلْأَخْسَرُونَ ۝٢٢

قوله تعالى:{أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ} ٱبتداء وخبر. {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} أي ضاع عنهم ٱفتراؤهم وتَلِف.

قوله تعالى: {لاَ جَرَمَ} للعلماء فيها أقوال؛ فقال الخليل وسيبويه: {لاَ جَرَمَ} بمعنى حق، فـ {ـلا} و {جَرَمَ} عندهما كلمة واحدة، و {أنّ} عندهما في موضع رفع؛ وهذا قول الفرّاء ومحمد ابن يزيد؛ حكاه النحاس. قال المهدويّ: وعن الخليل أيضاً أن معناها لا بدّ ولا محالة، وهو قول الفرّاء أيضاً؛ ذكره الثعلبيّ. وقال الزجاج: {لا} هاهنا نفي وهو ردّ لقولهم: إن الأصنام تنفعهم؛ كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كَسَب؛ أي كسب ذلك الفعلُ لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و {أنّ} منصوبة بجرم، كما تقول كَسَب جفاؤُك زيداً غضبة عليك؛ وقال الشاعر:

نَصبنا رأسه في جِذْع نَخْلٍبما جَرَمَتْ يداه وما ٱعتدينا

أي بما كسبت. وقال الكسائيّ: معنى {لاَ جَرَمَ} لا صَدّ ولا مَنْع عن أنهم. وقيل: المعنى لا قَطعَ قاطعٌ، فحذف الفاعل حين كثر استعماله؛ والجَرْم القَطْع؛ وقد جَرَمَ النَّخْلَ وٱجترَمَه أي صَرَمه فهو جارِمٌ، وقومٌ جُرَّم وجُرَّامٌ وهذا زمن الجَرَام والجِرَام، وجَرَمتُ صوف الشاة أي جززتُه، وقد جَرَمتُ منه أي أخذتُ منه؛ مثل جَلَمْت الشيء جَلْماً أي قطعتُ، وجَلَمت الجزورَ أَجلِمها جَلْماً إذا أخذتَ ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشيء بجَلْمته ـ ساكنة اللام ـ إذا أخذته أجمع، وهذه جَلَمة الجزور ـ بالتحريك ـ أي لحمها أجمع؛ قاله الجوهريّ. قال النحاس: وزعم الكسائيّ أن فيها أربع لغات: لا جَرَمَ، ولا عن ذا جَرَمَ، ولا أَنْ ذا جَرَمَ، قال: وناس من فَزَارة يقولون: لا جَرَ أنّهم بغير ميم. وحكى الفرّاء فيه لغتين أخريين قال: بنو عامر يقولون لا ذا جَرَمَ، قال: وناس من العرب يقولون: لا جُرم بضم الجيم.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخْبَتُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ۝٢٣

قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} {الذين} ٱسم {إنّ} و {آمَنُوا} صلة، أي صدّقوا. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ} عطف على الصلة. قال ٱبن عباس: أخبتوا أنابوا. مجاهد: أطاعوا. قَتَادة: خشعوا وخضعوا. مقاتل: أخلصوا. الحسن: الإخبات الخشوع للمخافة الثابتة في القلب؛ وأصل الإخبات الاستواء، من الخَبْت وهو الأرض المستوية الواسعة: فالإخبات الخشوع والاطمئنان، أو الإنابة إلى الله عزّ وجلّ المستمرّة ذلك على ٱستِواء. {إِلَى رَبِّهِمْ} قال الفرّاء: إلى ربهم ولربهم واحد، وقد يكون المعنى: وجهوا إخباتهم إلى ربهم. {أُوْلَـٰئِكَ} خبر {إِنَّ}.

مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٢٤

قوله تعالى: {مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ} ابتداء، والخبر {كَٱلأَعْمَىٰ} وما بعده. قال الأخفش: أي كمثل الأعمى. النحاس: التقدير مثل فريق الكافر (كالأعمى) والأصم، ومثل فريق المؤمن كالسميع والبصير؛ ولهذا قال: {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} فردّ إلى الفريقين وهما ٱثنان؛ روي معناه عن قَتَادة وغيره. قال الضّحّاك: الأعمى والأصمّ مثلٌ للكافر، والسميع والبصير مثل للمؤمن. وقيل: المعنى هل يستوي الأعمى والبصير، وهل يستوي الأصمّ والسميع. {مَثَلاً} منصوب على التمييز. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} في الوصفين وتنظرون.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٢٥ أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ۝٢٦

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} ذكر سبحانه قصص الأنبياء عليهم السلام للنبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً له على ملازمة الصبر على أذى الكفار إلى أن يكفيه الله أمرهم. {إِنَّي} أي فقال: إني؛ لأن في الإرسال معنى القول. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو والكسائيّ «أَنِّي» بفتح الهمزة؛ أي أرسلناه بأني لكم نذير مبين. ولم يقل «إنه» لأنه رجع من الغيبة إلى خطاب نوح لقومه؛ كما قال:

{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ }[الأعراف: 7] ثم قال: { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ }[الأعراف: 145].

قوله تعالى: {أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ} أي ٱتركوا الأصنام فلا تعبدوها، وأطيعوا الله وحده. ومن قرأ «إنّي» بالكسر جعله معترضاً في الكلام، والمعنى أرسلناه بألا تعبدوا إلا الله. {إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}.

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ ۝٢٧

فيه أربع مسائل:

الأولى: قوله تعالى: {فَقَالَ ٱلْمَلأُ} قال أبو إسحق الزجاج: الملأ الرؤساء؛ أي هم مليئون بما يقولون. وقد تقدّم هذا في «البقرة» وغيرها. {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً} أي آدميًّا. {مِّثْلَنَا} نصب على الحال. و {مثلنا} مضاف إلى معرفة وهو نكرة يقدر فيه التنوين؛ كما قال الشاعر:

يا رُبَّ مِثْـلِكِ فـي النِّسـاءِ غَرِيـرَةٍ

الثانية: قوله تعالى: {وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} أَرَاذل جمع أَرْذُل وأَرْذُل جمع رَذْل؛ مثل كَلْب وأكْلُب وأَكَالب. وقيل: والأراذل جمع الأَرْذل، كأَسَاود جمع الأَسْوَد من الحيّات. والرَّذْل النّذْل؛ أرادوا ٱتبعك أخِسّاؤنا وسَقَطُنا وسفلتنا. قال الزجاج: نسبوهم إلى الحِياكة؛ ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة. قال النحاس: الأراذل هم الفقراء، والذين لا حسب لهم، والخسيسو الصناعات. وفي الحديث:إنهم كانوا حاكَة وحَجَّامين». وكان هذا جهلاً منهم؛ لأنهم عابوا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم بما لا عيب فيه؛ لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، إنما عليهم أن يأتوا بالبراهين والآيات، وليس عليهم تغيير الصور والهيئات، وهم يرسَلون إلى الناس جميعاً، فإذا أسلم منهم الدنيء لم يلحقهم من ذلك نقصان؛ لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من أسلم منهم.

قلت: الأراذل هنا هم الفقراء والضعفاء؛ كما قال هِرَقْل لأبي سفيان: أشراف الناس ٱتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم؛ فقال: هم أتباع الرسل. قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأَنَفة من الانقياد للغير؛ والفقير خلِيٌّ عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا.

الثالثة: اختلف العلماء في تعيين السّفلة على أقوال؛ فذكر ٱبن المبارك عن سفيان أن السّفلة هم الذين يَتَقلَّسون، ويأتون أبواب القضاة والسلاطين يطلبون الشهادات. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السّفِلة الذين يأكلون الدنيا بدينهم؛ قيل له: فمن سفلة السّفلة؟ قال: الذي يُصلح دنيا غيره بفساد دينه. وسئل علي رضي الله عنه عن السّفلة فقال: الذين إذا اجتمعوا غَلَبوا؛ وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقيل لمالك بن أنس رضي الله عنه: مَن السّفلة؟ قال: الذي يسبّ الصحابة. وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنهما: الأرذلون الحاكَة والحجّامون. يحيـى بن أَكْثَم: الدّبّاغ والكنّاس إذا كان من غير العرب.

الرابعة: إذا قالت المرأة لزوجها: يا سَفِلة، فقال: إن كنتُ منهم فأنتِ طالق؛ فحكى النقاش أن رجلاً جاء إلى التّرمذي فقال: إن ٱمرأتي قالت لي يا سَفِلة، فقلت: إن كنتُ سَفِلة فأنت طالق؛ قال التّرمذيّ: ما صناعتك؟ قال: سماك؛ قال: سَفِلة واللَّهِ، سَفلة والله (سفلة).

قلت: وعلى ما ذكره ابن المبارك عن سفيان لا تطلق، وكذلك على قول مالك، وابن الأعرابي لا يلزمه شيء.

قوله تعالى: {بَادِيَ ٱلرَّأْيِ}. أي ظاهر الرأي، وباطنهم على خلاف ذلك. يقال: بدا يبدو إذا ظهر؛ كما قال:

فاليـوم حيـن بَـدَوْن للنُّظـار

ويقال للبرّية بادية لظهورها. وبدا لي أن أفعل كذا، أي ظهر لي رأي غير الأول. وقال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي. ويجوز أن يكون {بَادِيَ الرَّأْيِ} من بدأ يبدأ وحذف الهمزة. وحَقَّق أبو عمرو الهمزة فقرأ: «بَادِىء الرأي» أي أوّل الرأي؛ أي ٱتبعوك حين ٱبتدؤوا ينظرون، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتبعوك؛ ولا يختلف المعنى هاهنا بالهمز وتَرك الهمز. وانتصب على حذف «في» كما قال عز وجل: { وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ }}. [الأعراف: 155] {وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} أي في ٱتباعه؛ وهذا جحد منهم لنبوّته صلى الله عليه وسلم. {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} الخطاب لنوح ومن آمن معه.
الاثنين، 26 أكتوبر 2026 15 جمادى الأولى 1448 هـ