انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير الطبريالآيات 41–55

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة هود

الخلاصة من تفسير الطبري · 7 مقاطع · 1:30:22

  1. 1 الآيات 41–60في هذه الصفحة 14:17

التفسير الصوتي لسورة هود كاملًا (7 مقاطع)

وَقَالَ ٱرْكَبُوا۟ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝٤١

يقول تعالـى ذكره: وقال نوح: اركبوا فـي الفلك بسم الله مَـجراها ومُرْساها. وفـي الكلام مـحذوف قد استغنـي بدلالة ما ذكر من الـخبر علـيه عنه، وهو قوله:

{ { قُلْنا احْمِلْ فِـيها مِنْ كُلَ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ وأهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ مْنهُمْ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ } } فحملهم نوح فـيها وقال لهم: اركبوا فـيها. فـاستغنـي بدلالة قوله: {وَقالَ ارْكَبُوا فِـيها} عن حمله إياهم فـيها، فترك ذكره.

واختلفت القراء فـي قراءة قوله: {بسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها وَمُرْساها} فقرأته عامة قرّاء أهل الـمدينة والبصرة وبعض الكوفـيـين: «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْرَاها ومُرْساها» بضمّ الـميـم فـي الـحرفـين كلـيهما. وإذا قرىء كذلك كان من أجرى وأرسى، وكان فـيه وجهان من الإعراب: أحدهما الرفع بـمعنى: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، فـيكون الـمُـجْرى والـمُرْسَى مرفوعين حينئذ بـالبـاء التـي فـي قوله: {بِسْمِ اللَّهِ}. والآخر بـالنصب، بـمعنى: بسم الله عند إجرائها وإرسائها، أو وقت إجرائها وإرسائها، فـيكون قوله: «بسم الله» كلاماً مكتفـياً بنفسه، كقول القائل عند ابتدائه فـي عمل يعمله: بسم الله، ثم يكون الـمُـجْرى والـمُرسَى منصوبـين علـى ما نصبت العرب قولهم الـحمد لله سرارك وإهلالَك، يعنون الهلال أوّله وآخره، كأنهم قالوا: الـحمد لله أوّل الهلال وآخره، ومسموع منهم أيضاً: الـحمد لله ما إهلالُك إلـى سرارك. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: {بسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها وَمُرْساها} بفتـح الـميـم من «مَـجْراها»، وضمها من «مُرْساها»، فجعلوا «مـجراها» مصدرا من جري يجري مَـجْرًى، ومُرساها من أرسَى يُرْسِي إرساءً. وإذا قرىء ذلك كذلك كان فـي إعرابهما من الوجهين نـحو الذي فـيهما إذا قرئا: «مُـجراها ومُرساها» بضم الـميـم فـيهما علـى ما بـيَّنت.

ورُوي عن أبـي رجاء العُطاردي أنه كان يقرأ ذلك: «بِسمِ اللَّهِ مَـجْرِيها وَمُرْسِيها» بضمّ الـميـم فـيهما، ويصيرهما نعتاً لله. وإذا قرئا كذلك، كان فـيهما أيضا وجهان من الإعراب، غير أن أحدهما الـخفض وهو الأغلب علـيهما من وجهي الإعراب لأن معنى الكلام علـى هذه القراءة: بسم الله مُـجْرِي الفلك ومُرسِيها، فـالـمُـجْرَى نعت لاسم الله. وقد يحتـمل أن يكون نصبـا، وهو الوجه الثانـي، لأنه يحسن دخول الألف واللام فـي الـمُـجِري والـمُرْسِي، كقولك بسم الله الـمُـجْريها والـمُرْسِيها، وإذا حذفتا نصبتا علـى الـحال، إذ كان فـيهما معنى النكرة، وإن كانا مضافـين إلـى الـمعرفة. وقد ذُكر عن بعض الكوفـيـين أنه قرأ ذلك: «مَـجْراها ومَرْساها»، بفتـح الـميـم فـيهما جميعا، مِنْ جَرَى ورَسَا كأنه وجهه إلـى أنه فـي حال جريها وحال رسوها، وجعل كلتا الصفتـين للفُلْك كما قال عنترة:

فَصَبَرْتُ نَفْساً عِنْدَ ذلكَ حُرَّةًتَرْسُو إذَا نَفْسُ الـجَبـانِ تَطَلَّعُ

والقراءة التـي نـختارها فـي ذلك قراءة من قرأ: {بِسْمِ اللَّهِ مَـجْرَاها} بفتـح الـميـم {وَمُرْساها} بضم الـميـم، بـمعنى: بسم الله حين تَـجْري وحين تُرْسِي. وإنـما اخترت الفتـح فـي ميـم «مَـجْراها» لقرب ذلك من قوله: {وَهِيَ تَـجْرِي بِهِمْ فِـي مَوْجٍ كالـجِبـالِ} ولـم يقل: تُـجْرَى بهم. ومن قرأ: «بِسْمِ اللَّهِ مُـجْراها» كان الصواب علـى قراءته أن يقرأ: وهي تُـجْرَي بهم. وفـي إجماعهم علـى قراءة «تـجري» بفتـح التاء دلـيـل واضح علـى أن الوجه فـي «مَـجراها» فتـح الـميـم. وإنـما اخترنا الضم فـي «مُرساها» لإجماع الـحجة من القرّاء علـى ضمها. ومعنى قوله {مَـجْراها} مسيرها {وَمُرْساها} وَقْـفها، من وقـفها الله وأرساها. وكان مـجاهد يقرأ ذلك بضم الـميـم فـي الـحرفـين جميعاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: «بسْمِ اللَّهِ مُـجْرَاها وَمُرْساها» قال: حين يركبون ويُجْرُون ويُرْسُون.

حدثنامحمد بن عمرو قال،ثنا عاصم قال،ثنا عيس عن إبن أبي نجيح عن مجاهد بسم الله حين يركبون ويجرون ويرسون.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: «بسْمِ اللَّهِ مُـجْرَاها وَمُرْساها» قال: بسم الله حين يُجْرون وحين يُرْسون.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا أبو رَوْق، عن الضحاك، فـي قوله: «ارْكَبُوا فِـيها بِسْمِ اللَّهِ مُـجْرَاها وَمُرْساها» قال: إذا أراد أن ترسي قال: بسم الله فأرست، وإذا أراد أن تـجري قال بسم الله فجرت.

وقوله: {إنَّ رَبـي لَغَفُورٌ رَحِيـمٌ} يقول: إن ربـي لساتر ذنوب من تاب وأناب إلـيه رحيـم بهم أن يعذّبهم بعد التوبة.

وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُۥ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلْكَٰفِرِينَ ۝٤٢

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَهِيَ تَـجْرِي بِهِمْ} والفلك تـجري بنوح ومن معه فـيها {فِـي مَوْجٍ كالـجبـالِ وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} يام، {وكانَ فِـي مَعْزِلٍ} عنه لـم يركب معه الفلك:

{ { يا بُنَـيَّ ارْكَبْ مَعَنا } } الفلك {وَلا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ }.

قَالَ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ۝٤٣

يقول تعالـى ذكره: قال ابن نوح لـما دعاه نوح إلـى أن يركب معه السفـينة خوفـاً علـيه من الغرق: {سآوِي إلـى جَبَلٍ يَعْصِمُنـي منَ الـماءِ} يقول: سأصير إلـى جبل أتـحصن به من الـماء، فـيـمنعنـي منه أن يغرقنـي. ويعنـي بقوله: {يَعْصِمُنـي} يـمنعنـي، مثل عصام القربة الذي يشدّ به رأسها فـيـمنع الـماء أن يسيـل منها. وقوله: {لا عاصِمَ الـيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ} يقول: لا مانع الـيوم من أمر الله الذي قد نزل بـالـخـلق من الغرق والهلاك إلا من رَحِمنا فأنقَذَنا منه، فإنه الذي يـمنع من شاء من خـلقه ويعصم. ف «من» فـي موضع رفع، لأن معنى الكلام: لا عاصم يعصم الـيوم من أمر الله إلا الله.

وقد اختلف أهل العربـية فـي موضع «مَنْ» فـي هذا الـموضع، فقال بعض نـحويـي الكوفة: هو فـي موضع نصب، لأن الـمعصوم بخلاف العاصم، والـمرحوم معصوم قال: كأن نصبه بـمنزلة قوله: {ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْـمِ إلاَّ اتِّبـاعَ الظَّنّ} قال: ومن استـجاز «اتبـاعُ الظن» والرفعَ فـي قوله:

وَبَلْدَةٌ لَـيْسَ بِها أنِـيسُإلاَّ الـيَعافِـيرُ وَإلاَّ العِيسُ

لـم يجز له الرفع فـي «مَنْ»، لأن الذي قال: إلا الـيعافـيرُ، جعل أنـيس البر الـيعافـير وما أشبهها، وكذلك قوله: {إلاَّ اتِّبَـاعَ الظنّ}، يقول علـمهم ظَنّ. قال: وأنت لا يجوز لك فـي وجه أن تقول: الـمعصوم هو عاصم فـي حال، ولكن لو جعلت العاصم فـي تأويـل معصوم، لا معصوم الـيوم من أمر الله، لـجاز رفع «مَنْ». قال: ولا ينكر أن يخرج الـمفعول علـى فـاعل، ألا ترى قوله: {مِنْ ماءٍ دَافِقٍ} معناه والله أعلـم مدفوق؟ وقوله: {فِـي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} معناها: مرضية؟ قال الشاعر:

دعَ الـمَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهاوَاقْعُدْ فإنَّكَ أنْتَ الطَّاعِمُ الكاسِي

ومعناه: الـمكسوّ. وقال بعض نـحويـي البصرة: {لا عاصِمَ الـيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ} علـى: لَكِنْ مَنْ رحم، ويجوز أن يكون علـى: لا ذا عصمة: أي معصوم، ويكون «إلا من رحم» رفعاً بدلاً من العاصم. ولا وجه لهذه الأقوال التـي حكيناها عن هؤلاء، لأن كلام الله تعالـى إنـما يوجه إلـى الأفصح الأشهر من كلام مَن نزل بلسانه ما وجد إلـى ذلك سبـيـل، ولـم يضطرنا شيء إلـى أن نـجعل «عاصماً» فـي معنى «معصوم»، ولا أن نـجعل «إلاَّ» بـمعنى «لكن»، إذ كنا نـجد لذلك فـي معناه الذي هو معناه فـي الـمشهور من كلام العرب مَخْرجا صحيحا، وهو ما قلنا من أن معنى ذلك: قال نوح: لا عاصم الـيوم من أمر الله إلا من رحمنا فأنـجانا من عذابه، كما يقال: لا مُنْـجِيَ الـيوم من عذاب الله إلا الله، ولا مُطِعم الـيوم من طعام زيد إلا زيد. فهذا هو الكلام الـمعروف والـمعنى الـمفهوم.

وقوله: {وَحالَ بَـيْنَهُما الـمَوْجُ فَكانَ مِنَ الـمُغْرَقِـينَ} يقول: وحال بـين نوح موج الـماء، فغرق، فكان مـمن أهلكه الله بـالغرق من قوم نوح صلى الله عليه وسلم.

وَقِيلَ يَٰٓأَرْضُ ٱبْلَعِى مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٤٤

يقول الله تعالـى ذكره: وقال الله للأرض بعد ما تناهى أمره فـي هلاك قوم نوح بـما أهلكهم به من الغرق: {يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ}: أي تَشَرَّبـي، من قول القائل: بَلَعَ فلان كذا يَبْلَعُهُ، أو بَلِعَهُ يَبْلَعُه إذا ازدرده. {وَيا سَماءُ اقْلِعي} يقول: أقلعي عن الـمطر: أمسكي. {وَغِيضَ الـماءُ} ذهبت به الأرض ونشفته. {وَقُضِيَ الأمْرُ} يقول: قُضِي أمر الله، فمضي بهلاك قوم نوح. {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} يعنـي الفُلْك. استوت: أرست علـى الـجوديّ، وهو جبل فـيـما ذكر بناحية الـموصل أو الـجزيرة. {وَقِـيـلَ بُعْداً للقَوْمِ الظَّالِـمِينَ} يقول: قال الله: أبعد الله القوم الظالـمين الذين كفروا بـالله من قوم نوح.

حدثنا عبـاد بن يعقوب الأسدي، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن عثمان بن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبـيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

فِـي أولِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ رَكبَ نُوحٌ السَّفِـينَة فَصَامَ هُوَ وَجمِيعُ مَنْ مَعَهُ، وَجَرَتْ بِهِمُ السَّفِـينَةُ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فـانْتَهَى ذلكَ إلـى الـمُـحَرَّمِ، فَأرْسَتِ السَّفِـينَةُ علـى الـجُودِيّ يَوْمَ عاشُورَاءَ، فَصَامَ نُوحٌ وأمَرَ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُ مِن الوَحْشِ والدَّوَابّ فَصَامُوا شُكْراً لِلَّهِ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: كانت السفـينة أعلاها للطير، ووسطها للناس، وفـي أسفلها السبـاع، وكان طولها فـي السماء ثلاثـين ذراعا، دفعت من عين وردة يوم الـجمعة لعشر لـيال مضين من رجب، وأرست علـى الـجوديّ يوم عاشوراء، ومرّت بـالبـيت فطافت به سبعاً، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت الـيـمن، ثم رجعت.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر الرازي، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفـينة يوم العاشر من الـمـحرّم، فقال لـمن معه: من كان منكم الـيوم صائماً فلـيتـمّ صومه، ومن كان مفطراً فلـيصم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي معشر، عن مـحمد بن قـيس قال: كان فـي زمن نوح شبر من الأرض لا إنسان يدّعيه.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنها يعنـي الفلك استقلت بهم فـي عشر خـلون من رجب، وكانت فـي الـماء خمسين ومئة يوم، واستقرّت علـى الـجوديّ شهرا، وأهبط بهم فـي عشر من الـمـحرّم يوم عاشوراء.

وبنـحو ما قلنا فـي تأويـل قوله: {وَغِيضَ الـمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَغِيضَ الـمَاءُ} قال: نقص. {وَقُضِيَ الأمْرُ} قال: هلاك قوم نوح.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله. قال: قال ابن جريج {وَغِيضَ الـمَاءُ} نشفته الأرض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ يا سَماءُ أقْلِعِي } يقول: أمسكي. {وَغِيضَ الـمَاءُ} يقول: ذهب الـماء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَغِيضَ الـمَاءُ} الغيوض: ذهاب الـماء{ وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيِّ} قال: جبل بـالـجزيرة، تشامخت الـجبـال من الغرق، وتواضع هو لله فلـم يغرق، فأرسيت علـيه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} قال: الـجوديّ جبل بـالـجزيرة، تشامخت الـجبـال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله فلـم يغرق، وأُرسيت سفـينة نوح علـيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} يقول: علـى الـجبل، واسمه الـجُوديّ.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان: {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} قال: جبل بـالـجزيرة شمخت الـجبـال وتواضع حين أرادت أن ترفأ علـيه سفـينة نوح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} أبقاها الله لنا بوادي أرض الـجزيرة عبرة وآية.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: {وَاسْتَوَتْ علـى الـجُودِيّ} هو جبل بـالـموصل.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نوحاً بعث الغراب لـينظر إلـى الـماء، فوجد جيفة فوقع علـيها، فبعث الـحمامة فأتته بورق الزيتون، فأعطيت الطوق الذي فـي عنقها وخضاب رجلـيها.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما أراد الله أن يكفّ ذلك يعنـي الطوفـان أرسل ريحا علـى وجه الأرض، فسكن الـماء، واستدت ينابـيع الأرض الغمر الأكبر، وأبواب السماء يقول الله تعالـى: {وَقِـيـلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سمَاءُ أقْلِعِي}... إلـى: {بُعْداً للقَوْمِ الظَّالِـمِينَ} فجعل ينقص ويغيض ويدبر. وكان استواء الفلك علـى الـجودي فـيـما يزعم أهل التوراة فـي الشهر السابع لسبع عشرة لـيـلة مضت منه، فـي أول يوم من الشهر العاشر، رُئِي رؤوس الـجبـال. فلـما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتـح نوح كوة الفلك التـي صنع فـيها، ثم أرسل الغراب لـينظر له ما فعل الـماء فلـم يرجع إلـيه، فأرسل الـحمامة فرجعت إلـيه، ولـم يجد لرجلـيها موضعاً، فبسط يده للـحمامة فأخذها ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست وفـي فـيها ورق زيتونة، فعلـم نوح أن الـماء قد قل عن وجه الأرض. ثم مكث سبعة أيام، ثم أرسلها فلـم ترجع، فعلـم نوح أن الأرض قد برزت، فلـما كملت السنة فـيـما بـين أن أرسل الله الطوفـان إلـى أن أرسل نوح الـحمامة ودخـل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتـين برز وجه الأرض، فظهر الـيَبَس، وكشف نوح غطاء الفلك، ورأى وجه الأرض. وفـي الشهر الثانـي من سنة اثنتـين فـي سبع وعشرين لـيـلة منه قـيـل لنوح:

{ { اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعَلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَك وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَـمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألِـيـمٌ } }.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول: تزعم أناس أن من غرق من الولدان مع آبـائهم، ولـيس كذلك، إنـما الولدان بـمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم، والـمدركون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة من الله لهم فـي الدنـيا ثم مصيرهم إلـى النار.

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ ۝٤٥

يقول تعالـى ذكره: ونادى نوح ربه، فقال: ربّ إنك وعدتنـي أن تنـجينـي من الغرق والهلاك وأهلـي، وقد هلك ابنـي، وابنـي من أهلـي. {وَإنَّ وَعْدَكَ الـحَقُّ} الذي لا خـلف له. {وأنْتَ أحكَمُ الـحاكِمينَ} بـالـحق، فـاحكم لـي بأن تفـيَ بـما وعدتنـي من أن تنـجيَ لـي أهلـي وترجعَ إلـيّ ابنـي. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وأنْتَ أحْكَمُ الـحاكِمينَ} قال: أحكم الـحاكمين بـالـحقّ.

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ۝٤٦

يقول الله تعالـى ذكره: قال الله يا نوح إن الذي غرّقته فأهلكته الذي تذكر أنه من أهلك لـيس من أهلك.

واختلف أهل التأويـل فـي معنى قوله: {لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} فقال بعضهم: معناه: لـيس من ولدك هو من غيرك. وقالوا: كان ذلك من حِنْث. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن عوف، عن الـحسن، فـي قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} قال: لـم يكن ابنه.

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا يحيى بن يـمان، عن شريك، عن جابر، عن أبـي جعفر: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} قال: ابن امرأته.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن أصحاب ابن أبـي عَروبة فـيهم الـحسن، قال: لا والله ما هو بـابنه.

قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن أبـي جعفر: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} قال: هذه بلغة طيّ لـم يكن ابنه، كان ابن امرأته.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيـم، عن عوف، ومنصور، عن الـحسن فـي قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} قال: لـم يكن ابنه. وكان يقرؤها: «إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِـحٍ».

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كنت عند الـحسن فقال: نادي نوح ابنه: لعمر الله ما هو ابنه قال: قلت يا أبـا سعيد يقول: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} وتقول: لـيس بـابنه؟ قال: أفرأيت قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ}؟ قال: قلت إنه لـيس من أهلك الذين وعدتك أن أنـجيهَم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه. قال: إن أهل الكتاب يَكْذِبون.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سمعت الـحسن يقرأ هذه الآية: «إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ إنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِـحٍ» فقال عند ذلك: والله ما كان ابنه ثم قرأ هذه الآية: فخانَتاهُما قال سعيد: فذكرت ذلك لقتال، قال: ما كان ينبغي له أن يحلف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} قال: تبـين لنوح أنه لـيس بـابنه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} قال: بـين الله لنوح أنه لـيس بـابنه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

قال ابن جريج فـي قوله: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} قال: ناداه وهو يحسبه أنه ابنه وكان وُلِد علـى فراشه.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيـل، عن ثور، عن أبـي جعفر: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} قال: لو كان من أهله لنـجا.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا سفـيان، عن عمرو، وسمع عبـيد بن عمير يقول: نرى أن ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم

الوَلَدُ للْفِرَاشِ »، من أجل ابن نوح.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عُلَـية، عن ابن عون، عن الـحسن، قال: لا والله ما هو بـابنه.

وقال آخرون: معنى ذلك:{ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ } الذين وعدتك أن أُنـجيهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو كريب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن يـمان، عن سفـيان، عن أبـي عامر، عن الضحاك، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} قال: هو ابنه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن سفـيان، قال: ثنا أبو عامر، عن الضحاك، قال: قال ابن عبـاس: هو ابنه، ما بغت امرأة نبـيّ قطٌّ.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريّ، عن أبـي عامر الهمدانـيّ، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عبـاس، قال: ما بغت امرأة نبـيّ قطّ، قال: وقوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} الذين وعدتك أن أنـجيهَم معك.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، قال: هو ابنه، غيرَ أنه خالفه فـي العمل والنـية. قال عكرمة فـي بعض الـحروف: إنه عمل عملاً غير صالـح، والـخيانة تكون علـى غير بـاب.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان عكرمة يقول: كان ابنه، ولكن كان مخالفـاً له فـي النـية والعمل، فمن ثم قـيـل له: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ}.

حدثنا الـحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري وابن عيـينة، عن موسى بن أبـي عائشة عن سلـيـمان بن قَتَّة، قال: سمعت ابن عبـاس يُسأل وهو إلـى جنب الكعبة عن قول الله تعالـى:

{ { فخانَتاهُمَا } } قال: أَمَا إنه لـم يكن بـالزنا، ولكن كانت هذه تـخبر الناس أنه مـجنون، وكانت هذه تدلّ علـى الأضياف. ثم قرأ: {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ}.

قال ابن عيـينة: وأخبرنـي عمار الدُّهْنِـيّ أنه سأل سعيد بن جبـير، عن ذلك فقال: كان ابن نوح، إن الله لا يكذب. قال: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} قال: وقال بعض العلـماء: ما فجرت امرأة نبـيَ قط.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمار الدهنـي، عن سعيد بن جبـير، قال: قال الله وهو الصادق، وهو ابنه: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ}.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يـمان، عن سعيد، عن موسى بن أبـي عائشة، عن عبد الله بن شداد عن ابن عبـاس، قال: ما بغت امرأة نبـيّ قطُّ.

حدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: سألت أبـا بشر، عن قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} قال: لـيس من أهل دينك، ولـيس مـمن وعدتك أن أنـجيهَم. قال يعقوب: قال هشيـم: كان عامة ما كان يحدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبـير.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا مـحمد بن عبـيد، عن يعقوب بن قـيس، قال: أتـى سعيدَ بن جبـير رجل فقال: يا أبـا عبد الله، الذي ذكر الله فـي كتابه ابن نوح أبنه هو؟ قال: نعم، والله إن نبـيّ الله أمره أن يركب معه فـي السفـينة فعصى، فقال:

{ { سآوِي إلـى جَبَلٍ يَعْصِمُنِـي مِنَ الـمَاءِ قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَـيسَ مِنْ أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } } لـمعصية نبـيّ الله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنـي أبو صخر، عن أبـي معاوية البَجَلِـي، عن سعيد بن جبـير أنه جاء إلـيه رجل فسأله فقال: أرأيتك ابن نوح: أبنه؟ فسبح طويلاً ثم قال: لا إله إلا الله، يحدّث الله مـحمداً: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} وتقول لـيس منه ولكن خالفه فـي العمل، فلـيس منه من لـم يؤمن.

حدثنـي يعقوب وابن وكيع، قالا: ثنا ابن عُلَـية، عن أبـي هارون الغَنَوي، عن عكرمة، فـي قوله: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} قال: أشهد أنه ابنه، قال الله: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ}.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن إسرائيـل، عن جابر، عن مـجاهد وعكرمة قالا: هو ابنه.

حدثنـي فَضَالة بن الفضل الكوفـي، قال: قال بَزِيع: سأل رجل الضحاك عن ابن نوح فقال: ألا تعجبون إلـى هذا الأحمق يسألنـي عن ابن نوح؟ وهو ابن نوح، كما قال الله: قال نوح لابنه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبـيد، عن الضحاك أنه قرأ: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. وقوله: {لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} قال: يقول: لـيس هو من أهلك. قال: يقول: لـيس هو من أهل ولايتك، ولا مـمن وعدتك أن أنـجيَ من أهلك. {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} قال: يقول: كان عمله فـي شرك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هو والله ابنه لصلبه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن جويبر، عن الضحاك، فـي قوله: {لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} قال: لـيس من أهل دينك، ولا مـمن وعدتك أن أنـجيه، وكان ابنه لصلبه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} يقول: لـيس مـمن وعدناه النـجاة.

حُدثت عن الـحسينِ بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} يقول: لـيس من أهل ولايتك، ولا مـمن وعدتك أن أنـجيَ من أهلك. {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} يقول: كان عمله فـي شرك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا خالد بن حيان، عن جعفر بن بِرْقان، عن ميـمون، وثابت بن الـحجاج قالا: هو ابنه وُلد علـى فراشه.

وأولـى القولـين فـي ذلك بـالصواب قول من قال: تأويـل ذلك: إنه لـيس من أهلك الذين وعدتك أن أنـجَيهم، لأنه كان لدينك مخالفـاً وبـي كافراً. وكان ابنه لأن الله تعالـى ذكره قد أخبر نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم أنه ابنه، فقال: {وَنادَى نُوحٌ ابْنَهُ} وغير جائز أن يخبر أنه ابنه فـيكون بخلاف ما أخبر. ولـيس فـي قوله: {إنَّهُ لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} دلالة علـى أنه لـيس بـابنه، إذ كان قوله: {لَـيْسَ مِنْ أهْلِكَ} مـحتـملاً من الـمعنى ما ذكرنا، ومـحتـملاً أنه لـيس من أهل دينك، ثم يحذف «الدين» فـيقال: إنه لـيس من أهلك، كما قـيـل: {وَاسأَلِ القَرْيَةَ التـي كُنَّا فِـيها}.

وأما قوله: {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} فإن القرّاء اختلفت فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الأمصار: {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} بتنوين عمل ورفع غير.

واختلف الذي قرءوا ذلك كذلك فـي تأويـله، فقال بعضهم: معناه: إن مسألتك إياي هذه عملٌ غيرُ صالـح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيـم: إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ قال: إن مسألتك إياي هذه عمل غير صالـح.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} أي سوء {فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله:{ إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ } يقول: سؤالك عما لـيس لك به علـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن مـجاهد، قوله: {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} قال: سؤالك إياي عمل غير صالـح فَلا {تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ}.

وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرت أنه ابنك فسألتنـي أن أنـجيَه عمل غير صالـح، أي أنه لغير رِشْدة. وقالوا: الهاء فـي قوله: «إنَّهُ» عائدة علـى الابن. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ابن أبـي عَرُوبة، عن قتادة، عن الـحسن أنه قرأ: {عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} قال: ما هو والله بـابنه.

ورُوي عن جماعة من السلف أنهم قرأوا ذلك: «إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صَالِـحٍ» علـى وجه الـخبر عن الفعل الـماضي، وغير منصوبة. ومـمن رُوي عنه أنه قرأ ذلك كذلك ابن عبـاس.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن عيـينة عن موسى بن أبـي عائشة عن سلـيـمان بن قَتَّة، عن ابن عبـاس أنه قرأ: «عَمِلَ غَيْرَ صَالِـحٍ».

ووجهوا تأويـل ذلك إلـى ما.

حدثنا به ابن وكيع، قال: ثنا غُنْدر، عن ابن أبـي عَروبة عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبـاس: {إنَّهُ عَمَلٌ غيرُ صَالِـحٍ} قال: كان مخالفـاً له فـي النـية والعمل.

ولا نعلـم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض الـمتأخرين. واعتل فـي ذلك بخبر رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند، وذلك حديث رُوي عن شَهْر بن حَوْشَب، فمرة يقول عن أمّ سلـمة، ومرّ يقول عن أسماء بنت يزيد، ولا نعلـم لبنت يزيد ولا نعلـم لشَهْرٍ سماعاً يصحّ عن أمّ سلـمة.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا ما علـيه قرّاء الأمصار، وذلك رفع «عمل» بـالتنوين، ورفع «غير»، يعنـي: إن سؤالك إياي ما تسألنـيه فـي ابنك الـمخالف دينك الـموالـي أهل الشرك بـي من النـجاة من الهلاك، وقد مضت إجابتـي إياك فـي دعائك:

{ { لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً } } ما قد مضى من غير استثناء أحد منهم عملٌ غير صالـح، لأنه مسألة منك إلـيّ أن لا أفعل ما قد تقدم منـي القول بأنـي أفعله فـي إجابتـي مسألتك إياي فعله، فذلك هو العمل غير الصالـح. وقوله: {فَلا تَسأَلْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ عِلْـمٌ} نهي من الله تعالـى ذَكَّره نبـيه نوحاً أن يسأله عن أسبـاب أفعاله التـي قد طوى علـمها عنه وعن غيره من البشر. يقول له تعالـى ذكره: إنـي يا نوح قد أخبرتك عن سؤالك سبب إهلاكي ابنك الذي أهكلته، فلا تسألن بعدها عما قد طَوَيت علـمه عنك من أسبـاب أفعالـي، ولـيس لك به علـم إنـي أعظك أن تكون من الـجاهلـين فـي مسألتك إياي عن ذلك.

وكان ابن زيد يقول فـي قوله: {إنّـي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ من الـجاهِلِـينَ} ما:

حدثنـي به يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنّـي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الـجاهِلِـينَ} أن تبلغ الـجهالة بك أن لا أَفِـيَ لك بوعد وعدتك حتـى تسألنـي ما لـيس لك به علـم

{ { وَإلاَّ تَغْفِرْ لـي وَتَرْحَمِنـي أكُنْ مِنَ الـخاسِرِينَ } }.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {فَلا تَسألَنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِهِ علْـمٌ} فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار {فَلا تَسألْنِ ما لَـيْسَ لَكَ بِه علْـمٌ} بكسر النون وتـخفـيفها، ونَـحَوْا بكسرها إلـى الدلالة علـى الـياء التـي هي كناية اسم الله {فَلا تَسألْنِ}. وقرأ ذلك بعض الـمكيـين وبعض أهل الشام: «فَلا تَسألَنَّ» بتشديد النون وفتـحها، بـمعنى: فلا تسألنَّ يا نوح ما لـيس لك به علـم.

والصواب من القراءة فـي ذلك عندنا تـخفـيف النون وكسرها، لأن ذلك هو الفصيح من كلام العرب الـمستعمل بـينهم.

قَالَ رَبِّ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْـَٔلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِۦ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِىٓ أَكُن مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ۝٤٧

يقول تعالـى ذكره مخبراً نبـيه مـحمداً صلى الله عليه وسلم عن إنابة نوح علـيه السلام بـالتوبة إلـيه من زلته فـي مسألته التـي سألها ربه فـي ابنه {قَالَ رَبِّ إنِّـي أعُوذُ بِكَ} أي أستـجير بك أن أتكلف مسألتك، {ما لَـيسَ لِـي بهِ عِلْـم} مـما قد استأثرت بعلـمه وطويت علـمه عن خـلقك، فـاغفر لـي زلتـي فـي مسألتـي إياك ما سألتك فـي ابنـي، وإن أنت لـم تغفرها لـي وترحمنـي فتنقذنـي من غضبك {أكُنْ منَ الـخاسرينَ} يقول: من الذين غَبنَوا أنفسهم حظوظها وهلكوا.

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلَٰمٍ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ۝٤٨

يقول تعالـى ذكره: {يا نُوحُ اهْبطْ} من الفلك إلـى الأرض {بسَلامٍ منَّا} يقول: بأمن منا أنت ومن معك من إهلاكنا، {وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ} يقول: وبركات علـيك، {وَعلـى أُمَـمٍ مـمَّنْ مَعَكَ} يقول: وعلـى قرون تـجيء من ذرِّية من معك من ولدك، فهؤلاء الـمؤمنون من ذرّية نوح الذين سبقت لهم من الله السعادة وبـارك علـيهم قبل أن يخـلقهم فـي بطون أمهاتهم وأصلاب آبـائهم. ثم أخبر تعالـى ذكره نوحا عما هو فـاعل بأهل الشَّقاء من ذريته، فقال له: {وَأُمَـمٌ} يقول: وقرون وجماعة، {سَنُـمَتِّعُهُمْ} فـي الـحياة فـي الدنـيا يقول: نرزقهم فـيها ما يتـمتعون به إلـى أن يبلغوا آجالهم. {ثُمَّ يَـمُسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألِـيـمٌ} يقول: ثم نذيقهم إذا وردوا علـينا عذابـاً مؤلـماً موجعاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي عن موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القرظي: {قِـيـلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ}.... إلـى آخر الآية، قال: دخـل فـي ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلـى يوم القـيامة ودخـل فـي ذلك العذاب والـمتاع كل كافر وكافرة إلـى يوم القـيامة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو داود الـحَفَرِي، عن سفـيان، عن موسى بن عبـيدة، عن مـحمد بن كعب القرظي: {قِـيـلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ} قال: دخـل فـي السلام كل مؤمن ومؤمنة، وفـي الشرك كل كافر وكافرة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك قراءة عن ابن جريج: {وَعَلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ} يعنـي مـمن لـم يولد، قد قضي البركات لـمن سبق له فـي علـم الله وقضائه السعادة. {وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهمُ} من سبق له فـي علـم الله وقضائه الشقاوة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج بنـحوه، إلا أنه قال: {وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ} متاعَ الـحياة الدنـيا، مـمن قد سبق له فـي علـم الله وقضائه الشقاوة. قال: ولـم يهلك الولدان يوم غرق نوح بذنب آبـائهم كالطير والسبـاع، ولكن جاء أجلهم مع الغرق.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ} قال: هبطوا والله عنهم راض، هبطوا بسلام من الله، كانوا أهل رحمة من أهل ذلك الدهر. ثم أخرج منهم نسلاً بعد ذلك أمـما، منهم من رحم، ومنهم من عذّب. وقرأ: {وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ} وذلك إنـما افترقت الأمـم من تلك العصابة التـي خرجت من ذلك الـماء وسلـمت.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ}.... الآية، يقول: بركات علـيك وعلـى أمـمـم مـمن معك لـم يولدوا، أوجب الله لهم البركات لـما سبق لهم فـي علـم الله من السعادة. {وَأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ} يعنـي: متاع الـحياة الدنـيا. {ثُمَّ يَـمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألـيـمٌ} لـما سبق لهم فـي علـم الله من الشقاوة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن الـحسن: أنه كان إذا قرأ سورة هود، فأتـى علـى: {يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ} حتـى ختـم الآية، قال الـحسن: فأنـجى الله نوحا والذين آمنوا، وهلك الـمتـمتعون حتـى ذكر الأنبـياء، كل ذلك يقول: أنـجاه الله وهلك الـمتـمتعون.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {سَنُـمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَـمُسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألِـيـمٌ} قال: بعد الرحمة.

حدثنا العبـاس بن الولـيد، قال: أخبرنـي أبـي، قال: أخبرنا عبد الله بن شَوْذَب، قال: سمعت داود بن أبـي هند يحدّث عن الـحسن أنه أتـى علـى هذه الآية: {اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَـيْكَ وَعلـى أُمَـمٍ مِـمَّنْ مَعَكَ وأُمَـمٌ سَنُـمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَـمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ ألِـيـمٌ} قال: فكان ذلك حين بعث الله عادا، فأرسل إلـيهم هودا، فصدّقه مصدقون وكذّبه مكذبون حتـى جاء أمر الله فلـما جاء أمر الله نَـجَّى الله هوداً والذين آمنوا معه، وأهلك الله الـمتـمتعين، ثم بعث الله ثمود، فبعث إلـيهم صالـحاً، فصدّقه مصدّقون وكذّبه مكذبون، حتـى جاء أمر الله فلـما جاء أمر الله نَـجَّى الله صالـحاً والذين آمنوا معه وأهلك الله الـمتـمتعين، ثم استقرأ الأنبـياء نبـيًّا نبـيًّا علـى نـحوٍ من هذا.

تِلْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَٰقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ۝٤٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: هذه القصة التـي أنبأتك بها من قصة نوح وخبره وخبر قومه {منْ أنْبـاءِ الغَيْبِ} يقول: هي من أخبـار الغيب التـي لـم تشهدها فتعلـمها، {نُوحيها إلَـيْكَ} يقول: نوحيها إلـيك نـحن فنعرفكها، {ما كُنْتَ تَعْلَـمُها أنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} الوحي الذي نوحيه إلـيك، فـاصبر علـى القـيام بأمر الله وتبلـيغ رسالته وما تلقـىَ من مشركي قومك، كما صبر نوح. {إنَّ العاقِبَةَ للْـمُتَّقِـينَ} يقول: إن الـخير من عواقب الأمور لـمن اتقـى الله فأدّى فرائضه واجتنب معاصيه فهم الفـائزون بـما يؤملون من النعيـم فـي الآخرة والظفر فـي الدنـيا بـالطَّلِبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله أن نـجاه من الهلكة مع من آمن به وأعطاه فـي الآخرة ما أعطاه من الكرامة، وغرق الـمكذّبـين به فأهلكهم جميعهم.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {تِلْكَ مِنْ أنْبـاءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَـيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَـمُها أنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} القرآن، وما كان علـم مـحمد صلى الله عليه وسلم وقومه ما صنع نوح وقومه، لولا ما بـين الله فـي كتابه.

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ۝٥٠

يقول تعالـى ذكره: وأرسلنا إلـى قوم عاد أخاهم هودا، فقال لهم: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له دون ما تعبدون من دونه من الآلهة والأوثان. {ما لَكُمْ مِنْ إلهٍ غيرُهُ} يقول: لـيس لكم معبود يستـحقّ العبـادة علـيكم غيره، فأخـلصوا له العبـادة وأفردوه بـالألوهة. {إنْ أنْتُـمْ إلاَّ مُفْتَرُونَ} يقول: ما أنتـم فـي إشراككم معه الآلهة والأوثان إلا أهل فرية مكذّبون، تـختلقون البـاطل، لأنه لا إله سواه.

يَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝٥١

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هود لقومه: يا قوم لا أسألكم علـى ما أدعوكم إلـيه من إخلاص العبـادة لله وخـلع الأوثان والبراءة منها جزاء وثوابـاً. {إنْ أجْرِيَ إلاَّ علـى الَّذِي فَطَرَنِـي} يقول: إن ثوابـي وجزائي علـى نصيحتـي لكم، ودعائكم إلـى الله، إلا علـى الذي خـلقنـي. {أفَلا تَعْقِلُونَ} يقول: أفلا تعقلون أنـي لو كنت أبتغي بدعايتكم إلـى الله غير النصيحة لكم وطلب الـحظّ لكم فـي الدنـيا والآخرة لالتـمست منكم علـى ذلك بعض أعراض الدنـيا وطلبت منكم الأجر والثواب؟

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ أجْرِيَ إلاَّ علـى الَّذِي فَطَرَنِـي} أي خـلقنـي.

وَيَٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا۟ مُجْرِمِينَ ۝٥٢

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل هود لقومه: {وَيا قَوْم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} يقول: آمنوا به حتـى يغفر لكم ذنوبكم. والاستغفـار: هو الإيـمان بـالله فـي هذا الـموضع، لأن هوداً صلى الله عليه وسلم إنـما دعا قومه إلـى توحيد الله لـيغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه:

{ { اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ وَيُوَخِّرْكُمْ إلـى أجَلٍ مُسَمًّى } }. وقوله: {ثُمَّ تُوبُوا إلَـيْهِ} يقول: ثم توبوا إلـى الله من سالف ذنوبكم وعبـادتكم غيره بعد الإيـمان به. {يُرْسلِ السَّماءَ عَلَـيْكُمْ مِدْرَاراً} يقول: فإنكم إن آمنتـم بـالله وتبتـم من كفركم به، أرسل قَطْرَ السماء علـيكم يُدِرّ لكم الغيث فـي وقت حاجتكم إلـيه، وتـحيا بلادكم من الـجدب والقحط.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي علـيّ بن داود، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {مِدْرَاراً} يقول: يتبع بعضها بعضاً.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَـيْكُمْ مِدْرَاراً} قال: يدرّ ذلك علـيهم قطرا ومطرا.

وأما قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلـى قُوَّتِكُمْ} فإن مـجاهداً كان يقول فـي ذلك ما:

حدثنـي به مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلـى قُوَّتِكُمْ} قال: شدة إلـى شدّتِكمْ.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد وإسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين: قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد، فذكر مثله.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلـى قُوَّتِكُمْ} قال: جعل لهم قوّة، فلو أنهم أطاعوه، زادهم قوّة إلـى قوّتهم. وذكر لنا أنه إنـما قـيـل لهم: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلـى قُوَّتِكُمْ} قال: إنه قد كان انقطع النسل عنهم سنـين، فقال هود لهم: إن آمنتـم بـالله أحيا الله بلادكم ورزقكم الـمال والولد، لأن ذلك من القوّة.

وقوله: {وَلا تَتَوَلَّوْا مُـجْرِمِينَ} يقول: ولا تدبروا عما أدعوكم إلـيه من توحيد الله، والبراءة من الأوثان والأصنام مـجرمين، يعنـي كافرين بـالله.

قَالُوا۟ يَٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِىٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ۝٥٣

يقول تعالـى ذكره: قال قوم هود لهود: يا هود ما أتـيتنا ببـيان ولا برهان علـى ما تقول، فنسلـم لك، ونقرّ بأنك صادق فـيـما تدعونا إلـيه من توحيد الله والإقرار بنبوّتك. {وَما نَـحْنَ بِتارِكِي آلِهَتِنا} يقول: وما نـحن بتاركي آلهتنا يعنـي لقولك: أو من أجل قولك. {وَما نَـحْنُ لَكَ بِـمُؤْمِنِـينَ} يقول: قالوا: وما نـحن لك بـما تدّعي من النبوّة والرسالة من الله إلـينا بـمصدّقـين.

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ۝٥٤ مِن دُونِهِۦ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ۝٥٥

وهذا خبر من الله تعالـى ذكره، عن قول قوم هود أنهم قالوا له، إذ نصح لهم ودعاهم إلـى توحيد الله وتصديقه، وخـلع الأوثان والبراءة منها: لا نترك عبـادة آلهتنا، وما نقول إلا أن الذي حملك علـى ذمها والنهي عن عبـادتها أنه أصابك منها خبل من جنون فقال هود لهم: إنـي أشهد الله علـى نفسي وأشهدكم أيضاً أيها القوم أنـي بريء مـما تشركون فـي عبـادة الله من آلهتكم وأوثانكم من دونه، {فَكِيدُونِـي جمِيعاً} يقول: فـاحتالوا أنتـم جميعا وآلهتكم فـي ضرّي ومكروهي، {ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} يقول: ثم لا تؤخرون ذلك، فـانظروا هل تنالوننـي أنتـم وهم بـما زعمتـم أن آلهتكم نالتنـي به من السوء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: أصابتك الأوثان بجنون.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد {اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: أصابك الأوثان بجنون.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا ابن دكين، قال: ثنا سفـيان، عن عيسى، عن مـجاهد: {إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: سبَبْت آلِتها وعبتها فأجنَّتك.

قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} أصابك بعض آلهتنا بسوء يعنون الأوثان.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: أصابك الأوثان بجنون.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس قوله: {إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: تصيبك آلهتنا بـالـجنون.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: ما يحملك علـى ذمّ آلهتنا، إلا أنه أصابك منها سوء.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} قال: إنـما تصنع هذا بآلهتنا أنها أصابتك بسوء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال عبد الله بن كثـير: أصابتك آلهتنا بشرّ.

حُدثت عن الـحسين، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} يقولون: نـخشى أن يصيبك من آلهتنا سوء، ولا نـحب أن تعتريك، يقولون: يصيبك منها سوء.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {إنْ نَقُولُ إلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ} يقولون: اختلط عقلك فأصابك هذا مـما صنعت بك آلهتنا.

وقوله: {اعْتَرَاكَ } افتَعَل، من عرانـي الشيء يعرونـي: إذا أصابك، كما قال الشاعر:

مِنَ القَوْمِ يَعْرُوهُ اجْتِراءٌ ومَأْثَمُ

السبت، 24 أكتوبر 2026 13 جمادى الأولى 1448 هـ