انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير الطبريالآيات 1–13

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة هود

الخلاصة من تفسير الطبري · 7 مقاطع · 1:30:22

  1. 1 الآيات 1–5في هذه الصفحة 3:45
  2. 2 الآيات 6–23في هذه الصفحة 14:38
  3. 3 الآيات 24–40 13:07
  4. 4 الآيات 41–60 14:17
  5. 5 الآيات 61–83 16:25
  6. 6 الآيات 84–107 16:25
  7. 7 الآيات 108–123 11:45

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الٓر كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ۝١

قال أبو جعفر: قد ذكرنا اختلاف أهل التأويل في تأويل قوله {الر} والصواب من القول في ذلك عندنا بشواهده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: {كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ} يعني: هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن. ورفع قوله: «كتابٌ» بنية: هذا كتاب. فأما على قول من زعم أن قوله: {الر} مراد به سائر حروف المعجم التي نزل بها القرآن، وجعلت هذه الحروف دلالة على جميعها، وأن معنى الكلام: هذه الحروف كتاب أحكمت آياته، فإن الكتاب على قوله ينبغي أن يكون مرفوعاً بقوله: {الر}.

وأما قوله: {أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ} فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثواب والعقاب. ذكر من قال ذلك:

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرني أبو محمد الثقفي، عن الحسن، في قوله: {كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ} قال: أحكمت بالأمر والنهِي، وفصّلت بالثواب والعقاب.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا عبد الكريم بن محمد الجرجاني، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن: {الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ} قال: أحكمت في الأمر والنهي وفصلت بالوعيد.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبير، عن ابن عيينة، عن رجل، عن الحسن: {الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ} قال: بالأمر والنهِي {ثُمَّ فُصّلَتْ} قال: بالثواب والعقاب.

ورُوي عن الحسن قول خلافَ هذا. وذلك ما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن أبي بكر، عن الحسن، قال: وحدثنا عباد بن العوّام، عن رجل، عن الحسن: {أُحْكِمَتْ} بالثواب والعقاب {ثُمَّ فُصّلَتْ} بالأمر والنهِي.

وقال آخرون: معنى ذلك: أحكمت آياته من الباطل، ثم فصلت، فبين منها الحلال والحرام. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه، فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصّلَتْ} قال: أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها: بينها.

وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدَّخل والخلل والباطل، ثم فصلها بالأمر والنهي. وذلك أن إحكام الشيء إصلاحه وإتقانه، وإحكام آيات القرآن إحكامها من خلل يكون فيها أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قبله. وأما تفصيل آياته فإنه تمييز بعضها من بعض بالبيان عما فيها من حلال وحرام وأمر ونهي. وكان بعض المفسرين يفسر قوله: {فُصّلَتْ} بمعنى: فسرت، وذلك نحو الذي قلنا فيه من القول. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: {ثُمَّ فُصّلَتْ} قال: فسرت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {فُصّلَتْ } قال: فسرت.

قال: ثنا محمد بن بكر، عن ابن جريج، قال: بلغني، عن مجاهد: {ثُمَّ فُصّلَتْ} قال: فسرت.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وقال قتادة: معناه: بيِّنت، وقد ذكرنا الرواية بذلك قبل، وهو شبيه المعنى بقول مجاهد.

وأما قوله: {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} فإن معناه: حكيم بتدبير الأشياء وتقديرها، خبير بما يؤول إليه عواقبها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله: {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} يقول: من عند حكيم خبير.

أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنَّنِى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ۝٢

يقول تعالى ذكره: ثم فصّلت بأن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له وتخلعوا الآلهة والأنداد. ثم قال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس: إنني لكم من عند الله نذير ينذركم عقابه على معاصيه وعبادة الأصنام، وبشير يبشركم بالجزيل من الثواب على طاعته وإخلاص العبادة والألوهة له.

وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ۝٣

يقول تعالى ذكره: ثم فصلت آياته بأن لا تعبدوا إلا الله وبأن استغفروا ربكم. ويعني بقوله: {وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} وأن اعملوا أيها الناس من الأعمال ما يرضي ربكم عنكم، فيستر عليكم عظيم ذنوبكم التي ركبتموها بعبادتكم الأوثان والأصنام وإشراككم الآلهة والأنداد في عبادته.

وقوله: {ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ} يقول: ثم ارجعوا إلى ربكم بإخلاص العبادة له دون ما سواه من سائر ما تعبدون من دونه بعد خلعكم الأنداد وبراءتكم من عبادتها. ولذلك قيل: {وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ} ولم يقل: وتوبوا إليه لأن التوبة معناها الرجوع إلى العمل بطاعة الله، والاستغفار: استغفار من الشرك الذي كانوا عليه مقيمين، والعمل لله لا يكون عملاً له إلا بعد ترك الشرك به، فأما الشرك فإن عمله لا يكون إلا للشيطان، فلذلك أمرهم تعالى ذكره بالتوبة إليه بعد الاستغفار من الشرك، لأن أهل الشرك كانوا يرون أنهم يطيعون الله بكثير من أفعالهم وهم على شركهم مقيمون.

وقوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إلى أجَلٍ مُسَمًّى} يقول تعالى ذكره للمشركين الذين خاطبهم بهذه الآيات: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، فإنكم إذا فعلتم ذلك بسط عليكم من الدنيا ورزقكم من زينتها، وأنسأ لكم في آجالكم إلى الوقت الذي قضى فيه عليكم الموت.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إلى أجَلٍ مُسَمًّى} فأنتم في ذلك المتاع فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه، فإن الله منعم يحبّ الشاكرين وأهل الشكر في مزيد من الله، وذلك قضاؤه الذي قضى. وقوله: {إلى أجَلٍ مُسَمًّى} يعني الموت.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {إلى أجَلٍ مُسَمًّى} قال: الموت.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {إلى أجَلٍ مُسَمًّى} وهو الموت.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:{ إلى أجَلٍ مُسَمًّى } قال: الموت.

وأما قوله: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} فإنه يعني: يثيب كلّ من تفضل بفضل ماله أو قوّته أو معروفه على غيره محتسباً مريداً به وجه الله، أجْزَلَ ثوابه وفضله في الآخرة. كما:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَيؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} قال: ما احتسب به من ماله، أو عمل بيده أو رجله، أو كلمه، أو ما تطوّع به من أمره كله.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. قال: وحدثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: أو عمل بيديه أو رجليه وكلامه، وما تطوّل به من أمره كله.

حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد بنحوه، إلا أنه قال: وما نطق به من أمره كله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} أي في الآخرة.

وقد رُوي عن ابن مسعود أنه كان يقول في تأويل ذلك ما:

حُدثت به عن المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود، في قوله: {وَيؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات. فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات. ثم يقول: هلك من غلب آحاده أعشاره.

وقوله: {وإنْ تَوَلَّوْا فإني أخافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} يقول تعالى ذكره: وإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من إخلاص العبادة لله وترك عبادة الآلهة وامتنعوا من الاستغفار لله والتوبة إليه فأدبروا مولين عن ذلك، فإني أيها القوم أخاف عليكم عذاب يوم كبير شأنه عظيم هوله، وذلك

{ { يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } }. وقال جلّ ثناؤه: {وإنْ تَوَلَّوْا فإنّ أخافُ عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْمٍ كَبِيرٍ} ولكنه مما قد تقدمه قوله، والعرب إذا قدمت قبل الكلام قولاً خاطبت ثم عادت إلى الخبر عن الغائب ثم رجعت بعد إلى الخطاب، وقد بينا ذلك في غير موضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ۝٤

يقول تعالى ذكره: إلى الله أيها القوم ما بكم ومصيركم، فاحذروا عقابه إن توليتم عما أدعوكم إليه من التوبة إليه من عبادتكم الآلهة والأصنام، فإنه مخلدكم نار جهنم إن هلكتم على شرككم قبل التوبة إليه. {وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: وهو على إحيائكم بعد مماتكم، وعقابكم على إشراككم به الأوثان وغير ذلك مما أراد بكم وبغيركم قادر.

أَلَآ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا۟ مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝٥

اختلف القرّاء في قراءة قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} فقرأته عامة الأمصار: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} على تقدير يفعلون من «ثنيت»، والصدور منصوبة.

واختلفت قارئو ذلك كذلك في تأويله، فقال بعضهم: ذلك كان من فعل بعض المنافقين كان إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم غطى وجهه وثنى ظهره. ذكر من قال ذلك:

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن حصين، عن عبد الله بن شدّاد في قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} قال: كان أحدهم إذا مرّ برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بثوبه على وجهه وثنى ظهره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كان المنافقون إذا مرّوا به ثنى أحدهم صدره ويطأطىء رأسه، فقال الله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}... الآية.

حدثني المثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن حصين، قال: سمعت عبد الله بن شداد يقول، في قوله: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} قال: كان أحدهم إذا مرّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم ثنى صدره، وتغشى بثوبه كي لا يراه النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل كانوا يفعلون ذلك جهلاً منهم بالله وظنًّا أن الله يخفى عليه ما تضمره صدورهم إذا فعلوا ذلك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} قال: شكاً وامتراء في الحقّ، ليستخفوا من الله إن استطاعوا.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} شكًّا وامتراء في الحقّ. {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} قال: من الله إن استطاعوا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} قال: تضيق شكًّا.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} قال: تضيق شكًّا وامتراء في الحقّ، قال: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} قال: من الله إن استطاعوا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} قال: من جهالتهم به، قال الله: {ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} في ظلمة الليل في أجوف بيوتهم، {يَعْلَمُ} تلك الساعة {ما يُسِرّونَ وَما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بذاتِ الصُّدُور }.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن أبي رزين: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} قال: كان أحدهم يحني ظهره ويستغشي بثوبه.

وقال آخرون: إنما كانوا يفعلون ذلك لئلا يسمعوا كلام الله تعالى. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}... الآية، قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله، قال تعالى: {ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ} وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى صدره واستغشى بثوبه وأضمر همه في نفسه، فإن الله لا يخفى ذلك عليه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} قال: أخفى ما يكون الإنسان إذا أسرّ في نفسه شيئا وتغطى بثوبه، فذلك أخفى ما يكون، والله يطلع على ما في نفوسهم، والله يعلم ما يسرّون وما يعلنون.

وقال آخرون: إنما هذا إخبار من الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين الذين كانوا يضمرون له العداوة والبغضاء ويبدون له المحبة والمودّة، وأنهم معه وعلى دينه. يقول جلّ ثناؤه: ألا إنهم يطوون صدورهم على الكفر ليستخفوا من الله، ثم أخبر جلّ ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرائرهم وعلانيتهم.

وقال آخرون: كانوا يفعلون ذلك إذا ناجى بعضهم بعضاً. ذكر من قال ذلك:

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} قال: هذا حين يناجي بعضهم بعضاً. وقرأ: {ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}... الآية.

ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: «ألا إنَّهُمْ يثْنَونِي صُدُورُهُمْ» على مثال: تَحْلَولِي التمرة: تَفْعَوعِل.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، قال: سمعت ابن عباس يقرأ «ألا إنَّهُمْ تَثْنَونِي صُدُورُهُمْ» قال: كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: سمعت ابن عباس يقرؤها: «ألا إنَّهُمْ تَثْنَونِي صُدُورُهُمْ» قال: سألته عنها، فقال: كان ناس يستحيون أن يتخلّوا فيُفْضُوا إلى السماء، وأن يصيبوا فيفضوا إلى السماء.

ورُوي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر، وهو ما:

حدثنا به محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: أخبرت عن عكرمة، أن ابن عباس، قرأ «ألا إنَّهُمْ تَثْنَونِي صُدُورُهُمْ» وقال ابن عباس: تثنوني صدورهم: الشك في الله وعمل السيئات. {يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ} يستكبر، أو يستكنّ من الله والله يراه، {يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ}.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ: «ألا إنَّهُمْ تَثْنَونِي صُدُورُهُمْ» قال عكرمة: تثنوني صدورهم، قال: الشك في الله وعمل السيئات، فيستغشي ثيابه ويستكنّ من الله، والله يعلم ما يسرّون وما يعلنون.

والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قرّاء الأمصار، وهو: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} على مثال «يفعلون»، والصدور نصب بمعنى: يحنون صدورهم ويكنّونها. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يقول: يكنّون.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يقول: يكتمون ما في قلوبهم. {ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ} ما عملوا بالليل والنهار.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {ألا إنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} يقول: تثنوني صدورُهم.

وهذا التأويل الذي تأوّله الضحاك على مذهب قراءة ابن عباس، إلا أن الذي حدثنا هكذا ذكر القراءة في الرواية. فإذا كانت القراءة التي ذكرنا أولى القراءتين في ذلك بالصواب لإجماع الحجة من القرّاء عليها. فأولى التأويلات بتأويل ذلك، تأويل من قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك جهلاً منهم بالله أنه يخفى عليه ما تضمره نفوسهم أو تناجوه بينهم.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن قوله: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} بمعنى: ليستخفوا من الله، وأن الهاء في قوله: {مِنْهُ} عائدة على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل،. فيجعل من ذكره صلى الله عليه وسلم وهي في سياق الخبر عن الله. فإذا كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. وإذا صحّ أن ذلك كذلك، كان معلوما أنهم لم يحدِّثوا أنفسهم أنهم يستخفون من الله إلا بجهلهم به، فلما أخبرهم جلّ ثناؤه أنه لا يخفى عليه سرّ أمورهم وعلانيتها على أيّ حال كانوا تغشوا بالثياب أو ظهروا بالبراز، فقال: {ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يعني: يتغشون ثيابهم يتغطونها ويلبسون، يقال منه: استغشى ثوبه وتغشاه، قال الله: واسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وقالت الخنساء

:

أرْعَى النُّجُومَ وَما كُلِّفْتُ رِعْيَتَهاوتارَةً أتَغشَّى فَضْلَ أطْمارِى

{يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ} يقول جلّ ثناؤه: يعلم ما يسرّ هؤلاء الجهلة بربهم، الظانون أن الله يخفى عليه ما أضمرته صدورهم إذا حنوها على ما فيها وثنوه، وما تناجوه بينهم فأخفوه {وما يُعْلِنُونَ} سواء عنده سرائر عباده وعلانيتهم {إنّه عَلِيمٌ بذَاتِ الصُّدُورَ} يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم بكلّ ما أخفته صدور خلقه من إيمان وكفر وحقّ وباطل وخير وشرّ، وما تستجنّه مما لم يجنه بعد. كما:

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس: {ألاَ حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يقول: يغطون رؤسهم.

قال أبو جعفر،فاحذروا أن يطلع عليكم ربكم وأنتم مضمرون في صدوركم الشك في شىء من توحيده أو أمره أو نهيه،أو فيما ألزمكم الإيمان به والتصديق،فتهلكوا باعتقادكم ذلك.

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ ۝٦

يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِـي الأرْضِ إلاَّ علـى اللَّهِ رِزْقُها} وما تدبّ دابة فـي الأرض. والدابة: الفـاعلة من دبّ فهو يدبّ، وهو دابّ، وهي دابة. {إلا علـى اللَّهِ رِزْقُها} يقول: إلا ومن الله رزقها الذي يصل إلـيها هو به متكفل، وذلك قُوُتها وغذاؤها وما به عيشها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال بعض أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: مـجاهد، فـي قوله: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِـي الأرْضِ إلاَّ علـى اللَّهِ رِزْقُها} قال: ما جاءها من رزق فمن الله، وربـما لـم يرزقها حتـى تـموت جوعاً، ولكن ما كان من رزق فمن الله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِـي الأرْضِ إلاَّ علـى اللَّهِ رِزْقُها} قال: كلّ دابة.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِـي الأرْضِ إلاَّ علـى اللَّهِ رِزْقُها} يعنـي: كلّ دابة والناس منهم.

وكان بعض أهل العلـم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن كل ماش فهو دابة، وأن معنى الكلام: وما دابة فـي الأرض، وأنّ «من» زائدة.

وقوله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها} حيث تستقرّ فـيه، وذلك مأواها الذي تأوي إلـيه لـيلاً أو نهارا. {وَمُسْتَوْدَعَها}: الـموضع الذي يُودِعها، إما بـموتها فـيه أو دفنها.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن التـيـمي، عن لـيث، عن الـحكم، عن مِقْسم، عن ابن عبـاس، قال: {مُسْتَقَرَّها}، حيث تأوي، {وَمُسْتَوْدَعَها} حيث تـموت.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها} يقول، حيث تأوى، {وَمُسْتَوْدَعَها} يقول، إذا ماتت.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـيّ، عن لـيث، عن الـحكم، عن مِقْسم، عن ابن عبـاس: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعُها} قال، الـمستقرّ: حيث تأوي، والـمستودع، حيث تـموت.

وقال آخرون: {مُسَتَقَرَّها} فـي الرحم، {وَمُسْتَوْدَعَها}: فـي الصلب. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها}: فـي الرحم، {وَمُسْتَوْدَعَها}: فـي الصلب، مثل التـي فـي الأنعام.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه عن ابن عبـاس، قوله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها} فـالـمستقرّ: ما كان فـي الرحم، والـمستودع: ما كان فـي الصلب.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها} يقول: فـي الرحم، {وَمُسْتَوْدَعَها} فـي الصلب.

وقال آخرون: الـمستقرّ: فـي الرحم، والـمستودع: حيث تـموت. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي ويعلـى بن فضيـل، عن إسماعيـل، عن إبراهيـم، عن عبد الله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها} قال: {مستقرّها}: الأرحام، {ومستودعها}: الأرض التـي تـموت فـيها.

قال: ثنا عبـيد الله، عن إسرائيـل، عن السدي، عن مرّة، عن عبد الله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها} الـمستقرُّ: الرحم، والـمستودع. الـمكان الذي تـموت فـيه.

وقال آخرون مُسْتَقَرَّها: أيام حياتها وَمُسْتَوْدَعَها: حيث تـموت فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرحمن بن سعد، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربـيع بن أنس، قوله: {وَيَعْلَـمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها} قال: مستقرّها: أيام حياتها، ومستودعها: حيث تـموت ومن حيث تبعث.

وإنـما اخترنا القول الذي اخترناه فـيه، لأن الله جلّ ثناؤه أخبر أن ما رزقت الدوابّ من رزق فمنه، فأولـى أن يتبع ذلك أن يعلـم مثواها ومستقرّها دون الـخبر عن علـمه بـما تضمنته الأصلاب والأرحام.

ويعنـي بقوله: {كُلّ فِـي كِتابٍ مُبِـينٍ} عدد كل دابة، ومبلغ أرزاقها وقدر قرارها فـي مستقرّها، ومدة لبثها فـي مستودعها، كلّ ذلك فـي كتاب عند الله مثبت مكتوب مبـين، يبـين لـمن قرأه أن ذلك مثبت مكتوب قبل أن يخـلقها ويوجدها. وهذا إخبـار من الله جلّ ثناؤه الذين كانوا يثنون صدورهم لـيستـخفوا منه أنه قد علـم الأشياء كلها، وأثبتها فـي كتاب عنده قبل أن يخـلقها ويوجدها يقول لهم تعالـى ذكره: فمن كان قد علـم ذلك منهم قبل أن يوجدهم، فكيف يخفـي علـيه ما تنطوي علـيه نفوسهم إذا ثَنَوْا به صدورهم واستغشوا علـيه ثـيابهم؟

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُۥ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِنۢ بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ ۝٧

يقول تعالـى ذكره: الله الذي إلـيه مرجعكم أيها الناس جميعا {هُوَ الَّذِي خَـلَقَ السَّمٰوَاتِ والأَرْضَ فـي سِتَّةِ أيَّامٍ} يقول: أفـيعجز من خـلق ذلك من غير شيء أن يعيدكم أحياء بعد أن يـميتكم؟ وقـيـل: إن الله تعالـى ذكره خـلق السموات والأرض وما فـيهنّ فـي الأيام الستة، فـاجتزى فـي هذا الـموضع بذكر خـلق السموات والأرض من ذكر خـلق ما فـيهنّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنـي إسماعيـل بن أميَّة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، مولـى أمّ سلـمة، عن أبـي هريرة، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بـيدي، فقال

خَـلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَـلَقَ الـجِبَـالَ فِـيها يَوْمَ الأحَدِ، وَخَـلَقَ الشَّجَرَ فِـيها يَوْمَ الاثْنَـيْنِ، وَخَـلَقَ الـمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وَخَـلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، وَبَثَّ فِـيها مِنْ كُلّ دَابَّةٍ يَوْمَ الـخَمِيسِ، وَخَـلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِنْ يَوْمِ الـجُمُعَةِ فِـي آخِرِ الـخَـلْقِ فِـي آخِرِ ساعاتِ الـجُمُعَةِ فِـيـما بـينَ العَصْرِ إلـى اللَّـيْـلِ ».

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {فِـي سِتَّةِ أيَّامٍ} قال: بدأ خـلق الأرض فـي يومين، وقدر فـيها أقواتها فـي يومين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبـي صالـحّ، عن كعب، قال: بدأ الله خـلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنـين والثلاثاء والأربعاء والـخميس، وفرغ منها يوم الـجمعة، فخـلق آدم فـي آخر ساعة من يوم الـجمعة قال: فجعل مكان كلّ يوم ألف سنة.

وحُدثت عن الـمسيب بن شريك، عن أبـي رَوْق، عن الضحاك: {وَهُوَ الَّذِي خَـلَقَ السَّموَاتِ والأرْضَ فِـي سِتَّةِ أيَّامٍ} قال: من أيام الآخرة، كلّ يوم مقداره ألف سنة ابتدأ فـي الـخـلق يوم الأحد، وختـم الـخـلق يوم الـجمعة فسميت الـجمعة، وسَبَتَ يومَ السبت فلـم يخـلق شيئا.

وقوله: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} يقول: وكان عرشه علـى الـماء قبل أن يخـلق السموات والأرض وما فـيهن. كما:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قول الله: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} قبل أن يخـلق شيئاً.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، نـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} ينبئكم ربكم تبـارك وتعالـى كيف كان بدء خـلقه قبل أن يخـلق السموات والأرض.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} قال: هذا بدء خـلقه قبل أن يخـلق السماء والأرض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج، قال: ثنا حماد، عن يعلـى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبـي رزين العقـيـلـي، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخـلق السموات والأرض؟ قال:

فِـي عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ وما تَـحْتَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَـلَقَ عَرْشَهُ علـى الـمَاءِ

حدثنا ابن وكيع ومـحمد بن هارون القطان الرازقـي قالا: ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلـمة، عن يعلـى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبـي رزين. قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخـلق خـلقه؟ قال:

كانَ فِـي عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَما تَـحْتَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَـلَقَ عَرْشَهُ علـى الـمَاءِ

حدثنا خلاد بن أسلـم، قال: أخبرنا النضر بن شميـل، قال: أخبرنا الـمسعودي، قال: أخبرنا جامع بن شدّاد، عن صفوان بن مـحرز، عن ابن حصين وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتـى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخـلوا علـيه، فجعل يبشرهم ويقولون: أعطنا حتـى ساء ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرجوا من عنده، وجاء قوم آخرون فدخـلوا علـيه، فقالوا: جئنا نسلـم علـى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتفقّه فـي الدين، ونسأله عن بدء هذا الأمر، قال:

فـاقْبَلُوا البُشْرَى إذْ لَـمْ يَقْبَلْها أُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُواقالوا: قبلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كانَ اللَّهُ وَلا شَيْءَ غيرُهُ، وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ، وكَتَبَ فِـي الذّكْرِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَـلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ». ثُمَّ أتانـي آت، فقال: تلْكَ ناقَتُكَ قَدْ ذَهَبَتْ، فَخَرَجْتُ يَنْقَطِطِعُ دُوَنها السَّرابُ وَلَوَدِدْتُ أنّـي تَرَكْتُها.

حدثنا مـحمد بن منصور، قال: ثنا إسحاق بن سلـيـمان، قال: ثنا عمرو بن أبـي قـيس، عن ابن أبـي لـيـلـى، عن الـمنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبـير، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} قال: كان عرش الله علـى الـماءُ ثم اتـخذ لنفسه جنة، ثم اتـخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة واحدة، قال: ومِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ قال: وهي التـي لا تَعْلَـمُ نَفْسٌ أو قال: وهما التـي لا تعلـم نفس ما أُخْفِـيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بـما كَانُوا يَعْمَلُونَ. قال: وهي التـي لا تعلـم الـخلائق ما فـيها أو ما فـيهما يأتـيهم كلّ يوم منها أو منهما تـحفة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن الأعمش، عن الـمنهال، عن سعيد بن جبـير، قال سئل ابن عبـاس عن قول الله: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} قال: علـى أيّ شيء كان الـماء؟ قال: علـى متن الريح.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الأعمش، عن سعيد بن جبـير قال: سئل ابن عبـاس عن قوله تعالـى: {وكانَ عَرْشُهُ علـى الـمَاءِ} علـى أيّ شيء كان الـماء؟ قال: علـى متن الريح.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن سعيد، عن ابن عبـاس، مثله.

قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا ميسر الـحلبـي، عن أرطاة بن الـمنذر، قال: سمعت ضمرة يقول: إن الله كان عرشه علـى الـماء، وخـلق السموات والأرض بـالـحقّ، وخـلق القلـم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خـلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومـجده ألف عام قبل أن يخـلق شيئا من الـخـلق.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا إسماعيـل بن عبد الكريـم، قال: ثنـي عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن العرش كان قبل أن يخـلق الله السموات والأرض، ثم قبض قبضة من صفـاء الـماء، ثم فتـح القبضة فـارتفع دخان، ثم قضاهنّ سبع سموات فـي يومين، ثم أخذ طينة من الـماء فوضعها مكان البـيت، ثم دحا الأرض منها، ثم خـلق الأقوات فـي يومين والسموات فـي يومين وخـلق الأرض فـي يومين، ثم فرغ من آخر الـخـلق يوم السابع.

وقوله: {لَـيَبْلُوَكُمْ ايُّكمْ أحْسَنُ عَمَلا} يقول تعالـى ذكره: وهو الذي خـلق السموات والأرض أيها الناس، وخـلقكم فـي ستة أيام، {لـيبلوكُمْ} يقول: لـيختبركم، {أيُّكم أحسنُ عملاً} يقول: أيكم أحسن له طاعة. كما:

حدثنا عن داود بن الـمـحبر، قال: ثنا عبد الواحد بن زيد، عن كلـيب بن وائل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم: أنه تلا هذه الآية: {لـيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً} قال:

أيُّكُمْ أحْسَنُ عَقْلاً، وأوْرَعُ عَنْ مَـحَارِمِ اللَّهِ وأسْرَعُ فِـي طاعَةِ اللَّهِ

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {لـيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً} يعنـي الثقلـين.

وقوله: {وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الـمَوْتِ لَـيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِـينٌ}. يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولئن قلت لهؤلاء الـمشركين من قومك إنكم مبعوثون أحياء من بعد مـماتكم فتلوت علـيهم بذلك تنزيـلـي ووحيـي، لـيقولن إن هذا إلا سحر مبـين أي ما هذا الذي تتلوه علـينا مـما تقول إلا سحر لسامعه، مبـين حقـيقته أنه سحر. وهذا علـى تأويـل من قرأ ذلك: {إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِـينٌ} وأما من قرأ: «إنْ هَذَا إلاَّ ساحِرٌ مُبِـينٌ» فإنه يوجه الـخبر بذلك عنهم إلـى أنهم وصفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه فـيـما أتاهم به من ذلك ساحر مبـين. وقد بـيَّنا الصواب من القراءة فـي ذلك فـي نظائره فـيـما مضى قبل بـما أغنى عن إعادته ههنا.

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُۥٓ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ۝٨

يقول تعالـى ذكره: ولئن أخرنا عن هؤلاء الـمشركين من قومك يا مـحمد العذاب فلـم نعجله لهم، وأنسأنا فـي آجالهم إلـى أمة معدودة ووقت مـحدود وسنـين معلومة. وأصل الأمة ما قد بـيَّنا فـيـما مضى من كتابنا هذا أنها الـجماعة من الناس تـجتـمع علـى مذهب ودين، ثم تستعمل فـي معان كثـيرة ترجع إلـى معنى الأصل الذي ذكرت. وإنـما قـيـل للسنـين الـمعدودة والـحين فـي هذا الـموضع ونـحوه أمة، لأن فـيها تكون الأمة. وإنـما معنى الكلام: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلـى مـجيء أمة وانقراض أخرى قبلها.

وبنـحو الذي قلنا من أن معنى الأمة فـي هذا الـموضع الأجل والـحين قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو نعيـم، قال: ثنا سفـيان الثوري، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن ابن عبـاس. وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن ابن عبـاس: {وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إلـى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} قال: إلـى أجل مـحدود.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن سفـيان، عن عاصم، عن أبـي رزين، عن ابن عبـاس، بـمثله.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {إلـى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} قال: أجل معدود.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك، قال: إلـى أجل معدود.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {إلـى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} قال: إلـى حين.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إلـى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} يقول: أمسكنا عنهم العذاب إلـى أمة معدودة. قال ابن جريج: قال مـجاهد: إلـى حين.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذَابَ إلـى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} يقول: إلـى أجل معلوم.

وقوله: {لَـيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ} يقول: لـيقولنَّ هؤلاء الـمشركون ما يحبسه؟ أيّ شيء يـمنعه من تعجيـل العذاب الذي يتوعدنا به؟ تكذيبـاً منهم به، وظنًّا منهم أن ذلك إنـما أخر عنهم لكذب الـمتوعد. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قوله: {لَـيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ} قال: للتكذيب به، أو أنه لـيس بشيء.

وقوله: {ألا يَوْمَ يَأْتِـيهِمْ لَـيْسَ مَصْرُوفـاً عَنْهُمْ} يقول تعالـى ذكره تـحقـيقاً لوعيده وتصحيحاً لـخبره: ألا يوم يأتـيهم العذاب الذي يكذّبون به لـيس مصروفـاً عنهم، يقول: لـيس يصرفه عنهم صارف، ولا يدفعه عنهم دافع، ولكنه يحلّ بهم فـيهلكهم. {وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} يقول: ونزل بهم وأصابهم الذي كانوا به يسخرون من عذاب الله. وكان استهزاؤهم به الذي ذكره الله قـيـلهم قبل نزوله ما يحبسه نقلاً بأنبـيائه.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك كان بعض أهل التأويـل. يقول ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} قال: ما جاءت به أنبـياؤهم من الـحقّ.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٌ كَفُورٌ ۝٩

يقول تعالـى ذكره: ولئن أذقنا الإنسان منا رخاء وسعة فـي الرزق والعيش، فبسطنا علـيه من الدنـيا، وهي الرحمة التـي ذكرها تعالـى ذكره فـي هذا الـموضع، {ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ} يقول: ثم سلبناه ذلك، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به {إنَّهُ لَـيَئُوسٌ كَفُورٌ} يقول: يظلّ قناطاً من رحمة الله آيساً من الـخير. وقوله: «يئوس»: فعول، من قول القائل: يئس فلان من كذا فهو يئوس، إذا كان ذلك صفة له. وقوله: «كفور»، يقول: هو كفور لـمن أنعم علـيه، قلـيـل الشكر لربه الـمتفضل علـيه بـما كان وهب له من نعمته.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إنَّهُ لَـيَئُوسٌ كَفُورٌ} قال: يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافـية فكفور لـمِا بك منها، وإذا نزعت منك يبتغ لك فراغك فـيئوس من رَوْحِ الله، قنوط من رحمته، كذلك الـمرء الـمنافق والكافر.

وَلَئِنْ أَذَقْنَٰهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّىٓ إِنَّهُۥ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ۝١٠ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ۝١١

يقول تعالـى ذكره: ولئن نـحن بسطنا للإنسان فـي دنـياه، ورزقناه رخاء فـي عيشه، ووسعنا علـيه فـي رزقه وذلك هي النعم التـي قال الله جلّ ثناؤه: {وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ}. وقوله:{ بَعْدَ ضَرَّاءَ} يقول: بعد ضيق من العيش كان فـيه وعسرة كان يعالـجها. {لَـيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّـي} يقول تعالـى ذكره: لـيقولنّ عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عنـي، وزالت الشدائد والـمكاره. {إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} يقول تعالـى ذكره: إن الإنسان لفرح بـالنعم التـي يُعطاها مسرور بها فخور، يقول: ذو فخر بـما نال من السعة فـي الدنـيا وما بسط له فـيها من العيش، وينسي صروفها ونكد العوارض فـيها، ويدع طلب النعيـم الذي يبقـي والسرور الذي يدوم فلا يزول.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، قوله: {ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّـي} غرّة بـالله وجراءة علـيه. {إنَّهُ لَفَرِحٌ} والله لا يحبّ الفرحين، {فَخُورٌ} بعد ما أعطي الله، وهو لا يشكر الله.

ثم استثنـي جلّ ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتـين الصفتـين الذين صبروا وعملوا الصالـحات. وإنـما جاز استثناؤهم منه لأن الإنسان بـمعنى الـجنس ومعنى الـجمع، وهو كقوله:

{ { وَالعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفِـي خُسْرٍ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِـحاتِ } } فقال تعالـى ذكره: إلا الذين صبروا وعملوا الصالـحات، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنـيا وعسرة فـيها لـم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه، فإن نالوا فـيها رخاء وسعة شكروه وأدّوا حقوقه بـما أتاهم منها. يقول الله: {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها فـي معادهم. {وأجْرٌ كَبِـيرٌ} يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم ثواب علـى أعمالهم الصالـحة التـي عملوها فـي دار الدنـيا جزيـل، وجزاء عظيـم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: إلا الذين صبروا عند البلاء وعملوا الصالـحات عند النعمة، لهم مغفرة لذنوبهم، وأجر كبـير. قال: الـجنة.

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ۝١٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فلعلك يا مـحمد تارك بعض ما يوحي إلـيك ربك أن تبلغه من أمرك بتبلـيغه ذلك، وضائق بـما يوحي إلـيك صدرك فلا تبلغه إياهم مخافة {أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَـيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} له مصدّق بأنه لله رسول. يقول تعالـى ذكره: فبلغهم ما أوحيته إلـيك، فإنك {إنَّـمَا أنْتَ نَذِيرٌ} تنذرهم عقابـي وتـحذّرهم بأسي علـى كفرهم بـي، وإنـما الآيات التـي يسألونكها عندي وفـي سلطانـي أنزلها إذا شئت، ولـيس علـيك إلا البلاغ والإنذار. {وَاللَّهُ علـى كُلّ شَيْءٍ وَكِيـلٌ} يقول: والله القـيـم بكلّ شيء وبـيده تدبـيره، فـانفذ لـما أمرتك به، ولا يـمنعك مسألتهم إياك الآيات من تبلـيغهم وحيـي والنفوذ لأمري.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال بعض أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، قال: قال الله لنبـيه: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعضَ ما يُوحَى إِلِـيْكَ} أن تفعل فـيه ما أمرت وتدعو إلـيه كما أرسلت، قالوا: {لَوْلا أُنْزِلَ عَلَـيْهِ كَنْزٌ} لا نرى معه مالاً، أين الـمال؟ {أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} ينذر معه،{ إنَّـمَا أنْتَ نَذِيرٌ } فبلغ ما أمرت.

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ۝١٣

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: كفـاك حجةً علـى حقـيقة ما أتـيتهم به ودلالةً علـى صحّة نبوّتك هذا القرآن من سائر الآيات غيره، إذْ كانت الآيات إنـما تكون لـمن أعطيها دلالة علـى صدقه، لعجِز جميع الـخـلق عن أن يأتوا بـمثلها، وهذا القرآن جميع الـخـلق عَجَزَةٌ عن أن يأتوا بـمثله. فإن هم قالوا: افتريتَه: أي اختلقتَه وتكذّبتَه. ودلّ علـى أن معنى الكلام ما ذكرنا قوله: {أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}.... إلـى آخر الآية. ويعنـي تعالـى ذكره بقوله: {أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي أيقولون افتراه وقد دللنا علـى سبب إدخال العرب «أم» فـي مثل هذا الـموضع فقل لهم: يأتوا بعشر سور مثل هذا القرآن مفتريات، يعنـي مفتعلات مختلفـات، إن كان ما أتـيتكم به من هذا القرآن مفترى ولـيس بآية معجزة كسائر ما سألته من الآيات، كالكنز الذي قلتـم: هلاَّ أنزل علـيه أو الـملَك الذي قلتـم: هلاَّ جاء معه نذيراً له مصدّقاً فإنكم قومي وأنتـم من أهل لسانـي، وأنا رجل منكم، ومـحال أن أقدر أخـلق وحدي مئة سورة وأربع عشرة سورة، ولا تقدروا بأجمعكم أن تفتروا وتـختلقوا عشر سور مثلها، ولا سيـما إذا استعنتـم فـي ذلك بـمن شئتـم من الـخـلق. يقول جلّ ثناؤه: قل لهم: وادعوا من استطعتـم أن تدعوهم من دون الله، يعنـي سوى الله، لافتراء ذلك واختلاقه من الآلهة، فإن أنتـم لـم تقدروا علـى أن تفتروا عشر سور مثله، فقد تبـين لكم أنكم كَذَبة فـي قولكم افتراه، وصحت عندكم حقـيقة ما أتـيتكم به أنه من عند الله، ولـم يكن لكم أن تتـخيروا الآيات علـى ربكم، وقد جاءكم من الـحجة علـى حقـيقة ما تكذّبون به أنه من عند الله مثل الذي تسألون من الـحجة وترغبون أنكم تصدقون بـمـجيئها.

وقوله: {إنْ كُنْتُـمْ صَادِقِـينَ} لقوله: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} وإنـما هو: قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات إن كنتـم صادقـين أن هذا القرآن افتراه مـحمد، وادعوا من استطعتـم من دون الله علـى ذلك من الآلهة والأنداد.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} قد قالوه {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا شُهدَاءَكُمْ} قال: يشهدون أنها مثله هكذا قال القاسم فـي حديثه.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 9 جمادى الأولى 1448 هـ