انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير الطبريالآيات 99–113

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة هود

الخلاصة من تفسير الطبري · 7 مقاطع · 1:30:22

  1. 1 الآيات 84–107في هذه الصفحة 16:25
  2. 2 الآيات 108–123في هذه الصفحة 11:45

التفسير الصوتي لسورة هود كاملًا (7 مقاطع)

وَأُتْبِعُوا۟ فِى هَٰذِهِۦ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ۝٩٩

يقول الله تعالـى ذكره: وأتبعهم الله فـي هذه، يعنـي فـي هذه الدنـيا مع العذاب الذي عجله لهم فـيها من الغرق فـي البحر، لعنته. {وَيَوْمَ القِـيامَة} يقول: وفـي يوم القـيامة أيضاً يـلعنون لعنة أخرى. كما:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن مـحمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبـي بزة، عن مـجاهد: {وأُتْبِعُوا فِـي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ القِـيامَةِ} قال: لعنة أخرى.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وأُتْبِعُوا فِـي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ القِـيامَةِ} قال زيدوا بلعنته لعنة أخرى، فتلك لعنتان.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وأُتْبِعُوا فِـي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ القِـيامَةِ بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ} اللعنة فـي أثر اللعنة.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {وأُتْبِعُوا فِـي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ القِـيامَةِ} قال: زيدوا لعنة أخرى، فتلك لعنتان.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد: {فِـي هَذِهِ} قال: فـي الدنـيا {وَيَوْمَ القِـيامَةِ} أردفوا بلعنة أخرى زيدوها، فتلك لعنتان.

وقوله: {بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ} يقول: بئس العون الـمعان اللعنة الـمزيدة فـيها أخرى منها. وأصل الرفد: العون، يقال منه: رفد فلان فلانا عند الأمير يرفده رفدا بكسر الراء، وإذا فُتـحت، فهو السَّقـي فـي القدح العظيـم، والرَّفد: القدح الضخم، ومنه قول الأعشى:

رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذلكَ الـيَوْمَ وأسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أقْتالِ

ويقال: رفد فلان حائطه، وذلك إذا أسنده بخشبة لئلا يسقط. والرَّفد بفتـح الراء الـمصدر، يقال منه: رَفَدَهُ يَرْفِده رِفْداً. والرِّفد: اسم الشيء الذي يُعطاه الإنسان وهو الـمَرْفد.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ} قال: لعنة الدنـيا والآخرة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ} قال: لعنهم الله فـي الدنـيا، وزيد لهم فـيها اللعنة فـي الآخرة.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: {وَيَوْم القِـيامَةِ بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ} قال: لعنة فـي الدنـيا، وزيدوا فـيها لعنة فـي الآخرة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {وأُتْبِعُوا فِـي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ القِـيامَةِ بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ} يقول: ترادفت علـيهم اللعنتان من الله لعنة فـي الدنـيا، ولعنة فـي الآخرة.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أصابتهم لعنتان فـي الدنـيا، رفدت إحداهما الأخرى، وهو قوله: {وَيَوْمَ القِـيامَة بِئْسَ الرّفْدُ الـمَرْفُودُ}.

ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ۝١٠٠

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: هذا القصص الذي ذكرناه لك فـي هذه السورة، والنبأ الذي أنبأناكه فـيها من أخبـار القرى التـي أهلكنا أهلها بكفرهم بـالله، وتكذيبهم رسله، نقصه علـيك فنـخبرك به.{ مِنْها قائمٌ } يقول: منها بنـيانه بـائد بأهله هالك ومنها قائم بنـيانه عامر، ومنها حصيد بنـيانه خراب متداع، قد تعفـى أثره دارس، من قولهم: زرع حصيد: إذا كان قد استؤصل قطعه، وإنـما هو مـحصود، ولكنه صرف إلـى فعيـل كما قد بـيَّنا فـي نظائره.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {ذلكَ مِنْ أنْبـاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَـيْكَ مِنْها قائمٌ وحَصِيدٌ} يعنـي بـالقائم: قرى عامرة. والـحصيد: قرى خامدة.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قَائمٌ وحَصِيدٌ} قال: قائم علـى عروشها، وحصيد: مستأصلة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {مِنْها قائمٌ} يُرى مكانه، وَحَصِيدٌ لا يرى له أثر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {مِنْها قائمٌ} قال: خاو علـى عروشه، {وَحَصِيدٌ}: ملزق بـالأرض.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عبـيد الله، عن سفـيان، عن الأعمش: {مِنْها قائمٌ وَحَصِيدٌ} قال: خرّ بنـيانه.

حدثنا الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش: {مِنْها قائمٌ وَحَصِيدٌ} قال: الـحصيد: ما قد خرّ بنـيانه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {مِنْها قائمٌ وحَصِيدٌ} منها قائم يُرى أثره، وحصيد بـاد لا يُرى.

وَمَا ظَلَمْنَٰهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ۝١٠١

يقول تعالـى ذكره: وما عاقبنا أهل هذه القُرى التـي اقتصصنا نبأها علـيك يا مـحمد بغير استـحقاق منهم عقوبتنا، فتكون بذلك قد وضعنا عقوبتنا هم فـي غير موضعها، {ولَكِنْ ظَلَـمُوا أنْفُسَهُمْ} يقول: ولكنهم أوجبوا لأنفسهم بـمعصيتهم الله وكفرهم به، عقوبته وعذابه، فأحلوا بها ما لـم يكن لهم أن يحلوه بها، وأوجبوا لها ما لـم يكن لهم أن يوجبوه لها. {فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ التـي يَدْعُونَ منْ دُونِ اللَّهِ منْ شَيْءٍ} يقول: فما دفعت عنهم آلهتهم التـي يدعونها من دون الله ويدعونها أربـابـاً من عقاب الله وعذابه إذا أحله بهم ربهم من شيء ولا ردّت عنهم شيئاً منه. {لَـمَّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ} يا مـحمد، يقول: لـما جاء قضاء ربك بعذابهم، فحقّ علـيهم عقابه ونزل بهم سخطه. {وَما زَادُوهُمْ غيرَ تَتْبـيبٍ} يقول: وما زادتهم آلهتهم عند مـجيء أمر ربك هؤلاء الـمشركين بعقاب الله غير تـخسير وتدمير وإهلاك، يقال منه: تببته أتببه تتبـيبـاً، ومنه قولهم للرجل: تبًّـا لك، قال جرير:

عَرابة مِنْ بَقِـيَّةِ قَوْمِ لُوطٍألا تَبًّـا لِـمَا فَعَلوا تَبـابَـا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا سعيد بن سلام أبو الـحسن البصري، قال: ثنا سفـيان، عن نسير بن ذعلوق، عن ابن عمر فـي قوله: {وَما زَادُوهُمْ غيرَ تَتْبِـيبٍ} قال: غير تـخسير.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {غيرَ تَتْبِـيبٍ} قال: تـخسير.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {غيرَ تَتْبِـيبٍ} يقول: غير تـخسير.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {غيرَ تَتْبِـيبٍ} قال: غير تـخسير.

وهذا الـخبر من الله تعالـى ذكره، وإن كان خبراً عمن مضى من الأمـم قبلنا، فإنه وعيد من الله جلّ ثناؤه لنا أيتها الأمة أنا إن سلكنا سبـيـل الأمـم قبلنا فـي الـخلاف علـيه وعلـى رسوله، سلك بنا سبـيـلهم فـي العقوبة، وإعلام منه لنا أنه لا يظلـم أحدا من خـلقه، وأن العبـاد هم الذين يظلـمون أنفسهم. كما:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال: اعتذر يعنـي ربنا جلّ ثناؤه إلـى خـلقه، فقال: {وَما ظَلَـمْناهُم} مـما ذكرنا لك من عذاب من عذّبنا من الأمـم {وَلَكِنْ ظَلَـمُوا أنْفُسَهُم فَمَا أغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ} حتـى بلغ: {وَما زَادُوهُمْ غيرَ تَتْبِـيبٍ} قال: ما زادهم الذين كانوا يعبدونهم غير تتبـيب.

وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَٰلِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ۝١٠٢

يقول تعالـى ذكره: وكما أخذت أيها الناس أهل هذه القرى التـي اقتصصت علـيك نبأ أهلها بـما أخذتهم به من العذاب، علـى خلافهم أمري وتكذيبهم رسلـي وجحودهم آياتـي، فكذلك أخذي القرى وأهلها إذا أخذتهم بعقابـي وهم ظلـمة لأنفسهم بكفرهم بـالله وإشراكهم به غيره وتكذيبهم رسله. {إنَّ أخْذهُ ألِـيـمٌ} يقول: إن أخذ ربكم بـالعقاب من أخذه ألـيـم، يقول: موجع {شَدِيدٌ} الإيجاع، وهذا أمر من الله تـحذير لهذه الأمة أن يسلكوا فـي معصيته طريق من قبلهم من الأمـم الفـاجرة، فـيحلّ بهم ما حلّ بهم من الـمثلات. كما:

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، عن يزيد بن أبـي بردة، عن أبـيه، عن أبـي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إنّ الله يُـمْلـيوربـما قال:يُـمْهِلُ للظّالـم، حَتَّـى إذَا أخَذَهُ لَـمْ يُفْلِتْهُثم قرأ: {وكذلك أخْذُ ربِّك إذَا أخَذ القُرى وهِي ظالِـمَةٌ}.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إن الله حذّر هذه الأمة سطوته بقوله: {وكذلك أخْذُ رَبِّكَ إذَا أخَذَ القُرَى وَهِيَ ظالِـمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِـيـمٌ شَدِيدٌ}.

وكان عاصم الـجحدري يقرأ ذلك: «وكذلكَ أخْذُ رَبِّكَ إذْ أخَذَ القُرَى وَهِيَ ظالِـمَةٌ». وذلك قراءة لا أستـجيز بها لـخلافها مصاحف الـمسلـمين وما علـيه قرأة الأمصار.

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلْـَٔاخِرَةِ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ۝١٠٣

يقول تعالـى ذكره: إن فـي أخذنا مَن أخذنا من أهل القرى التـي اقتصصنا خبرها علـيكم أيها الناس الآية، يقول: لعبرة وعظة لـمن خاف عقاب الله وعذابه فـي الآخرة من عبـاده، وحجة علـيه لربه، وزاجراً يزجره عن أن يعصي الله ويخالفه فـيـما أمره ونهاه. وقـيـل: بل معنى ذلك: إن فـيه عبرة لـمن خاف عذاب الآخرة بأن الله سيفـي له بوعده. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {إنَّ فِـي ذلكَ لآيَةً لِـمَنْ خافَ عَذَابَ الآخِرَةِ} إنا سوف نفـي لهم بـما وعدناهم فـي الآخرة كما وفـينا للأنبـياء أنا ننصرهم. وقوله: {ذلكَ يَوْمٌ مَـجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} يقول تعالـى ذكره: هذا الـيوم، يعنـي يوم القـيامة، {يوْمٌ مـجموعٌ له الناس}، يقول: يحشر الله الناس من قبورهم، فـيجمعهم فـيه للـجزاء والثواب والعقاب. {وَذَلكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} يقول: وهو يوم تشهده الـخلائق لا يتـخـلف منهم أحد، فـينتقم حينئذ مـمن عصى الله وخالف أمره وكذب رسله.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن مـجاهد، فـي قوله: {ذلكَ يَوْمٌ مَـجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} قال: يوم القـيامة.

حدثنـي يعقوب، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي بشر، عن عكرمة، مثله.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، عن شعبة، عن علـيّ بن زيد، عن يوسف الـمكيّ، عن ابن عبـاس، قال: الشاهد: مـحمد، والـمشهود: يوم القـيامة. ثم قرأ: {ذلكَ يَوْمٌ مَـجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا الـحجاج بن الـمنهال، قال: ثنا حماد، عن علـيّ بن زيد، عن ابن عبـاس، قال: الشاهد: مـحمد، والـمشهود: يوم القـيامة. ثم تلا هذه الآية: {ذلكَ يَوْمٌ مَـجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ}.

حُدثت عن الـمسيب عن جويبر، عن الضحاك، قوله: {ذلكَ يَوْمٌ مَـجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} قال: ذلك يوم القـيامة، يجتـمع فـيه الـخـلق كلهم ويشهده أهل السماء وأهل الأرض.

وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ۝١٠٤

يقول تعالـى ذكره: وما نؤخر يوم القـيامة عنكم أن نـجيئكم به إلا لآنٍ يُقْضَى، فقضى له أجلاً فعدّه وأحصاه، فلا يأتـي إلا لأجله ذلك، لا يتقدم مـجيئه قبل ذلك ولا يتأخر.

يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ۝١٠٥ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُوا۟ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ۝١٠٦ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ۝١٠٧

يقول تعالـى ذكره: يوم يأتـي القـيامة أيها الناس، وتقوم الساعة لا تكلـم نفس إلا بإذن ربها.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: «يَوْمَ يَأْتِـي» فقرأ ذلك عامة قرّاء أهل الـمدينة بإثبـات الـياء فـيها: «يَوْمَ يَأْتـي لا تُكَلَّـمُ نَفْسٌ». وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل البصرة وبعض الكوفـيـين بإثبـات الـياء فـيها فـي الوصل وجذفها فـي الوقـف. وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة بحذف الـياء فـي الوصل والوقـف: «يَوْمَ يَأْتِ لا تُكَلَّـمُ نَفْسٌ إلاَّ بإذْنِهِ».

والصواب من القراءة فـي ذلك عندي: {يَوْمَ يَأْتِ} بحذف الـياء فـي الوصل والوقـف اتبـاعاً لـخط الـمصحف، وأنها لغة معروفة لهذيـل، تقول: ما أَدْرِ ما تقول، ومنه قول الشاعر:

كَفَّـاكَ كَفٌّ ما تُلِـيقُ دِرْهماًجُوداً وأُخرَى تُعْطِ بـالسَّيْفِ الدَّما

وقـيـل: {لا تَكَلَّـمُ} وإنـما هي «لا تتكلـم»، فحذف إحدى التاءين اجتزاء بدلالة البـاقـية منهما علـيها.

وقوله: {فَمِنْهُمْ شَقِـيٌّ وسَعِيدٌ} وقول: فمن هذه النفوس التـي لا تكلـم يوم القـيامة إلا بإذن ربها، شقـي وسعيد وعادٍ علـى النفس، وهي فـي اللفظ واحدة بذكر الـجميع فـي قوله: {فَمِنْهُمْ شَقِـيٌّ وَسَعِيدٌ} يقول: تعالـى ذكره: {فأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِـي النَّارِ لَهُمْ فِـيها زَفِـيرٌ} لهم، وهو أول نهاق الـحمار وشبهه، {وَشَهِيقٌ} وهو آخر نهيقه إذا ردده فـي الـجوف عند فراغه من نهاقه، كما قال رؤبة بن العجاج:

حَشْرَجَ فـي الـجَوْفِ سَحِيلاً أوْ شَهَقْحتـى يُقالُ ناهِقٌ وَما نَهَقْ

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله: {لَهُمْ فِـيها زَفـيرٌ وشَهيقٌ} يقول: صوت شديد وصوت ضعيف.

قال: ثنا إسحاق، ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن أبـي العالـية، فـي قوله: {لَهُمْ فِـيها زَفـيرٌ وشَهِيقٌ} قال: الزفـير فـي الـحلق، والشهيق فـي الصدر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية بنـحوه.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: صوت الكافر فـي النار صوت الـحمار، أوله زفـير وآخره شهيق.

حدثنا أبو هشام الرفـاعي ومـحمد بن معمر البحرانـي ومـحمد بن الـمثنى ومـحمد بن بشار، قالوا: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سلـيـمان بن سفـيان، قال: ثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن عمر، قال: لـما نزلت هذه الآية {فَمِنْهُمْ شَقِـيٌّ وَسَعِيدٌ} سألت النبـي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبـيّ الله، فعلام عملنا؟ علـى شيء قد فرغ منه أم علـى شيء لـم يفرغ منه؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

علـى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ يا عُمَرُ وَجَرَتْ بِهِ الأقْلامُ، وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِـمَّا خُـلِقَ لَهُ ». اللفظ لـحديث ابن معمر.

وقوله: {خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِـمَا يرِيدُ} يعنـي تعالـى يعنـي ذكره بقوله: {خالِدِينَ فِـيها} لابثـين فـيها، ويعنـي بقوله: {ما دَامَتِ السَّماوَاتُ والأرْضُ} أبداً وذلك أن العرب إذا أرادت أنُ تصف الشيء بـالدوام أبداً، قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض بـمعنى أنه دائم أبداً، وكذلك يقولون: هو بـاق ما اختلف اللـيـل والنهار، وما سمر لنا سمير، وما لألأت العفر بأذنابها يعنون بذلك كله أبداً. فخاطبهم جلّ ثناؤه بـما يتعارفون به بـينهم، فقال:{ خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ}. والـمعنى فـي ذلك: خالدين فـيها أبداً.

وكان ابن زيد يقول فـي ذلك بنـحو ما قلنا فـيه:

حدثنـي يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ} قال: ما دامت الأرض أرضاً، والسماء سماء. ثم قال: {إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ}.

واختلف أهل العلـم والتأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: هذا استثناء استثناه الله فـي أهل التوحيد أنه يخرجهم من النار إذا شاء بعد أن أدخـلهم النار. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِـي النَّارِ لَهُمْ فِـيها زَفِـيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّماوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} قال: الله أعلـم بثُنـياه. وذُكر لنا أن ناساً يصيبهم سَفَع من النار بذنوب أصابوها، ثم يدخـلهم الـجنة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} والله أعلـم بثنـيّته ذكر لنا أن ناساً يصيبهم سفع من النار بذنوب أصابتهم، ثم يدخـلهم الله الـجنة بفضل رحمته، يقال لهم الـجهنـميون.

حدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: ثنا شيبـان بن فروخ، قال: ثنا أبو هلال، قال: ثنا قتادة، وتلا هذه الآية: {فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِـي النَّارِ لَهُمْ فِـيها زَفِـيرٌ وشَهِيقٌ}... إلـى قوله: {لِـمَا يُريدُ} فقال عند ذلك: ثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النارقال قتادة: ولا نقول مثل ما يقول أهل حروراء.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن أبـي مالك، يعنـي ثعلبة، عن أبـي سنان، فـي قوله: {فَأمَّا الَّذِينَ شَقَوا فَفِـي النَّارِ لَهُمْ فِـيها زَفِـيرٌ وشَهِيقٌ خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} قال: استثناء فـي أهل التوحيد.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك بن مزاحم: {فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِـي النَّارِ}... إلـى قوله: {خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السمَواتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاء رَبُّكَ} قال: يخرج قوم من النار فـيدخـلون الـجنة، فهم الذين استُثنـي لهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن عامر بن جشِب، عن خالد بن معدان فـي قوله:

{ { لابِثِـينَ فـيها أحْقابـاً } }، وقوله: {خالِدينَ فِـيها إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} أنهما فـي أهل التوحيد.

وقال آخرون: الاستثناء فـي هذه الآية فـي أهل التوحيد، إلا أنهم قالوا: معنى قوله: {إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} إلا أن يشاء ربك أن يتـجاوز عنهم فلا يدخـلهم النار. ووجهوا الاستثناء إلـى أنه من قوله: {فأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِـي النارِ}... {إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} لا من الـخـلود. ذكر من قال ذلك:

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: ثنا ابن التـيـمي، عن أبـيه، عن أبـي نضرة، عن جابر أو أبـي سعيد يعنـي الـخدري أو عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـي قوله: إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِـمَا يُرِيدُ قال:

هَذِهِ الآية تَأْتـي علـى القُرْآنِ كُلِّهِ »، يقول: حيث كان فـي القرآن خالِدِينَ فـيها تأتـي علـيه. قال: وسمعت أبـا مُـجَلِّزٍ يقول: هو جزاؤه، فإن شاء الله تـجاوز عن عذابه.

وقال آخرون: عنـي بذلك أهل النار وكل من دخـلها. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـمسيب عمن ذكره، عن ابن عبـاس: {خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ} لا يـموتون، ولا هم منها يخرجون ما دامت السماوات والأرض. {إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} قال: استثناء الله. قال: يأمر النار أن تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود: لـيأتـينّ علـى جهنـم زمان تـخفق أبوابها لـيس فـيها أحد، وذلك بعد ما يـلبثون فـيها أحقابـاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن بـيان، عن الشعبـي، قال: جهنـم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خرابـاً.

وقال آخرون: أخبرنا الله بـمشيئته لأهل الـجنة، فعرفنا معنى ثنـياه بقوله:

{ { عَطاءً غَيْرَ مَـجْذُوذٍ } } أنها فـي الزيادة علـى مقدار مدة السماوات والأرض، قال: ولـم يخبرنا بـمشيئته فـي أهل النار، وجائز أن تكون مشيئته فـي الزيادة وجائز أن تكون فـي النقصان. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ آلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} فقرأ حتـى بلغ:

{ { عَطَاءً غيرَ مـجْذُوذٍ } } قال: وأخبرنا بـالذي يشاء لأهل الـجنة، فقال: عطاء غير مـجذوذ، ولـم يخبرنا بـالذي يشاء لأهل النار.

وأولـى هذه الأقوال فـي تأويـل هذه الآية بـالصواب، القول الذي ذكرنا عن قتادة والضحاك، من أن ذلك استثناء فـي أهل التوحيد من أهل الكبـائر أنه يدخـلهم النار، خالدين فـيها أبداً إلا ما شاء من تركهم فـيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فـيدخـلهم الـجنة، كما قد بـيَّنا فـي غير هذا الـموضع بـما أغنى عن إعادته فـي هذا الـموضع.

وإنـما قلنا ذلك أولـى الأقوال بـالصحة فـي ذلك لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الـخـلود فـي النار، وتظاهرت بذلك الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استثناء فـي أهل الشرك، وأن الأخبـار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخـل قوماً من أهل الإيـمان به بذنوب أصابوها النار ثم يخرجهم منها فـيدخـلهم الـجنة فغير جائز أن يكون ذلك استثناء أهل التوحيد قبل دخولها مع صحة الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بـما ذكرنا، وأنا إن جعلناه استثناء فـي ذلك كنا قد دخـلنا فـي قول من يقول: لا يدخـل الـجنة فـاسق ولا النار مؤمن، وذلك خلاف مذاهب أهل العلـم وما جاءت به الأخبـار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فسد هذان الوجهان فلا قول قال به القدوة من أهل العلـم إلا الثالث. ولأهل العربـية فـي ذلك مذهب غير ذلك سنذكره بعد، ونبـينه إن شاء الله تعالـى.

وقوله: {إنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِـمَا يُرِيدُ} يقول تعالـى ذكره: إن ربك يا مـحمد لا يـمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بـمن عصاه وخالف أمره من الانتقام منه، ولكنه يفعل ما يشاء، فـيـمضي فعله فـيهم وفـيـمن شاء من خـلقه فعله وقضاءه.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُوا۟ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ۝١٠٨

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الـمدينة والـحجاز والبصرة وبضع الكوفـيـين: «وأما الَّذِينَ سَعِدُوا» بفتـح السين، وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة: {وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} بضم السين، بـمعنى: رُزقوا السعادة.

والصواب من القول فـي ذلك أنهما قراءتان معروفتان فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب الصواب.

فإن قال قائل: وكيف قـيـل: {سِعُدُوا} فـيـما لـم يسمّ فـاعله، ولـم يقل: «أُسعدوا»، وأنت لا تقول فـي الـخبر فـيـما سُمى فـاعله سعده الله، بل إنـما تقول: أسعده الله؟ قـيـل: ذلك نظير قولهم: هو مـجنون مـحبوب فـيـما لـم يسم فـاعله، فإذا سموا فـاعله، قـيـل: أجنّه الله وأحبّه، والعرب تفعل ذلك كثـيراً. وقد بـيَّنا بعض ذلك فـيـما مضى من كتابنا هذا.

وتأويـل ذلك: وأما الذين سُعدوا برحمة الله، فهم فـي الـجنة خالدين فـيها ما دامت السموات والأرض، يقول: أبداً، إلا ما شاء ربك. فـاختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: إلا ما شاء ربك من قدْر ما مكثوا فـي النار قبل دخولهم الـجنة، قالوا: وذلك فـيـمن أخرج من النار من الـمؤمنـين فأدخـل الـجنة. ذكر من قال ذلك:

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن الضحاك، فـي قوله:

{ { وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا ففـي الـجَنَّةِ خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ، إلاَّ ما شاء رَبُّكَ } } قال: هو أيضاً فـي الذين يخرجون من النار فـيدخـلون الـجنة، يقول: خالدين فـي الـجنة ما دامت السماوات والأرض، {إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} يقول: إلا ما مكثوا فـي النار حتـى أدخـلوا الـجنة.

وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما شاء ربك من الزيادة علـى قدر مدّة دوام السماوات والأرض، قالوا: وذلك هو الـخـلود فـيها أبداً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن أبـي مالك، يعنـي ثعلبة، عن أبـي سنان: {وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِـي الـجَنَّةِ خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ} قال: ومشيئته خـلودهم فـيها، ثم أتبعها فقال: {عطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ}.

واختلف أهل العربـية فـي وجه الاستثناء فـي هذا الـموضع، فقال بعضهم فـي ذلك معنـيان: أحدهما أن تـجعله استثناء يستثنـيه ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزمك علـى ضربه، قال: فكذلك قال: {خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شَاءَ رَبُّكَ} ولا يشاؤه. قال: والقول الآخر: أن العرب إذا استثنت شيئاً كثـيراً مع مثله ومع ما هو أكثر منه كان معنى إلا ومعنى الواو «سوى» فمن ذلك قوله: {خَالدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ} سوى ما شاء الله من زيادة الـخـلود، فـيجعل «إلا» مكان «سوى» فـيصلـح، وكأنه قال: خالدين فـيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما زادهم من الـخـلود والأبد. ومثله فـي الكلام أن تقول: لـي علـيك ألف إلا الألفـين اللذين قبله. قال: وهذا أحبّ الوجهين إلـيّ لأن الله لا يخـلف وعده. وقد وصل الاستثناء بقوله: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} فدلّ علـى أن الاستثناء لهم بقوله فـي الـخـلود غير منقطع عنهم.

وقال آخر منهم بنـحو هذا القول، وقالوا: جائز فـيه وجه ثالث، وهو أن يكون استثنى من خـلودهم فـي الـجنة احتبـاسهم عنها ما بـين الـموت والبعث وهو البرزخ إلـى أن يصيروا إلـى الـجنة. ثم هو خـلود الأبد، يقول: فلـم يغيبوا عن الـجنة إلا بقدر إقامتهم فـي البرزخ.

وقال آخر منهم: جائز أن يكون دوام السموات والأرض بـمعنى الأبد علـى ما تعرف العرب وتستعمل وتستثنى الـمشيئة من داومها لأن أهل الـجنة وأهل النار قد كانوا فـي وقت من أوقات دوام السماوات والأرض فـي الدنـيا لا فـي الـجنة، فكأنه قال: خالدين فـي الـجنة وخالدين فـي النار دوام السماء، والأرض إلا ما شاء ربك من تعميرهم فـي الدنـيا قبل ذلك.

وأولـى الأقوال فـي ذلك عندي بـالصواب، القول الذي ذكرته عن الضحاك، وهو {وأمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِـي الـجَنَّةِ خالِدِينَ فِـيها ما دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأرْضُ إلاَّ ما شَاءَ رَبُّكَ} من قدر مكثهم فـي النار، من لدن دخـلوها إلـى أن أدخـلوا الـجنة، وتكون الآية معناها الـخصوص لأن الأشهر من كلام العرب فـي «إلا» توجيهها إلـى معنى الاستثناء وإخراج معنى ما بعدها مـما قبلها إلا أن يكون معها دلالة تدل علـى خلاف ذلك، ولا دلالة فـي الكلام، أعنـي فـي قوله: {إلاَّ ما شَاءَ رَبُّكَ} تدلّ علـى أن معناها غير معنى الاستثناء الـمفهوم فـي الكلام فـيوجه إلـيه.

وأما قوله: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} فإنه يعنـي عطاء من الله غير مقطوع عنهم، من قولهم: جذذت الشيء أجذّه جذّاً: إذا قطعته، كما قال النابغة:

تَـجُذُّ السَّلُوقـيَّ الـمُضاعَفَ نَسْجُهُويُوقِدُنَ بـالصُّفَّـاحِ نارَ الـحُبـاحِب

يعنـي بقوله: «تـجذ»: تقطع.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا الـمـحاربـي، عن جويبر، عن الضحاك: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} قال: غير مقطوع.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} يقول: غير منقطع.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} يقول: عطاء غير مقطوع.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: مـجذوذ، قال: مقطوع.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، فـي قوله: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} قال: غير مقطوع.

قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج. عن ابن جريج، مثله.

قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع بن أنس، عن أبـي العالـية، قوله: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} قال: أما هذه فقد أمضاها، يقول: عطاء غير منقطع.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {عَطاءً غيرَ مَـجْذُوذٍ} غير منزوع منهم.

فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَٰٓؤُلَآءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ۝١٠٩

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فلا تك فـي شك يا مـحمد مـما يعبد هؤلاء الـمشركون من قومك من الآلهة والأصنام أنه ضلال وبـاطل وأنه بـالله شرك، ما يعبد هؤلاء إلا كما يعبد آبـاؤهم من قبل، يقول: إلا كعبـادة آبـائهم من قبل عبـادتهم لها. يخبر تعالـى ذكره أنهم لـم يعبدوا ما عبدوا من الأوثان إلا اتبـاعاً منهم منهاج آبـائهم، واقتفـاء منهم آثارهم فـي عبـادتهموها، لا عن أمر الله إياهم بذلك، ولا بحجة تبـينوها توجب علـيهم عبـادتها. ثم أخبر جلّ ثناؤه نبـيه ما هو فـاعل بهم لعبـادتهم ذلك، فقال جلّ ثناؤه: {وَإنَّا لَـمُوفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غيرَ مَنْقُوصٍ} يعنـي: حظهم مـما وعدتُهم أن أوفـيَهموه من خير أو شر، غير منقوص، يقول: لا أنقصهم مـما وعدتهم، بل أتـمـم ذلك لهم علـى التـمام والكمال. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي سفـيان، عن جابر، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس: {وَإنَّا لَـمُوفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غيرَ مَنْقُوصٍ} قال: ما وُعدوا فـيه من خير أو شرّ.

حدثنا أبو كريب ومـحمد بن بشار، قالا: ثنا وكيع، عن سفـيان، عن جابر، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، مثله، إلا أن أبـا كريب قال فـي حديثه: من خير وشرّ.

حدثنـي الـمثنى، قال: أخبرنا سويد، قال: أخبرنا ابن الـمبـارك، عن شريك، عن جابر، عن مـجاهد عن ابن عبـاس: {وَإنَّا لَـمُوفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غيرَ مَنْقُوصٍ} قال: ما قدّر لهم من الـخير والشرّ.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن جابر، عن مـجاهد، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَإنَّا لَـمُوفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غيرَ مَنْقُوصٍ} قال: ما يصيبهم خير أو شرّ.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَإنَّا لَـمُوفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غيرَ مَنْقُوصٍ} قال: نصيبهم من العذاب.

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ۝١١٠

يقول تعالـى ذكر مسلـياً نبـيه فـي تكذيب مشركي قومه إياه فـيـما أتاهم به من عند الله بفعل بنـي إسرائيـل بـموسى فـيـما أتاهم به من عند الله، يقول له تعالـى ذكره: ولا يحزنك يا مـحمد تكذيب هؤلاء الـمشركين لك، وامض لـما أمرك به ربك من تبلـيغ رسالته، فـان الذي يفعل بك هؤلاء من رد ما جئتهم به علـيك من النصيحة من فعل ضربـائهم من الأمـم قبلهم وسنة من سننهم. ثم أخبره جلّ ثناؤه بـما فعل قوم موسى به، فقال: {وَلَقَدْ آتَـيْنا مُوسَى الكتابَ} يعنـي التوراة، كما آتـيناك الفرقان، فـاختلف فـي ذلك الكتاب قوم موسى فكذب به بعضهم وصدق به بعضهم، كما قد فعل قومك بـالفرقان من تصديق بعض به وتكذيب بعض. {وَلَوْلا كَلـمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} يقول تعالـى ذكره: ولولا كلـمة سبقت يا مـحمد من ربك بأنه لا يعجل علـى خـلقه بـالعذاب، ولكن يتأنى حتـى يبلغ الكتاب أجله {لَقُضِيَ بَـيْنَهُمْ} يقول: لقضي بـين الـمكذب منهم به والـمصدّق بإهلاك الله الـمكذّب به منهم وإنـجائه الـمصدّق به. {وإنَّهُمْ لفـي شَكَ مِنْهُ مُرِيبٍ} يقول: وإن الـمكذّبـين به منهم لفـي شكّ من حقـيقته أنه من عند الله مريب، يقول: يريبهم فلا يدرون أحقّ هو أم بـاطل، ولكنهم فـيه مـمترون.

وَإِنَّ كُلًّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَٰلَهُمْ إِنَّهُۥ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ۝١١١

اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك، فقرأته جماعة من قرّاء أهل الـمدينة والكوفة: {وَإنَّ} مشددة {كُلاًّ لـمَّا} مشدّدة.

واختلفت أهل العربـية فـي معنى ذلك، فقال بعض نـحويـي الكوفـيـين: معناه إذا قرىء كذلك وإن كلاًّ لـمـما لـيوفـيهم ربك أعمالهم، ولكن لـما اجتـمعت الـميـمات حذفت واحدة فبقـيت ثنتان، فأدغمت واحدة فـي الأخرى، كما قال الشاعر

: وإنّـي لَـمَّا أُصْدِرُ الأمْرَ وَجْهَهُإذَا هُوَ أعْيا بـالنَّبِـيـل مَصَادِرُه

ثم تـخفف، كما قرأ بعض القرّاء: «والبَغْي يَعِظُكُمْ» يخفف الـياء مع الـياء، وذكر أن الكسائي أنشده:

وأشْمَتَّ العُدَاةَ بِنَا فَأضْحُوالَدَيْ يَتَبـاشَرُونَ بِـمَا لَقِـيْنَا

وقال: يريد: لديّ يتبـاشرون بـما لقـينا، فحذف «ياء» لـحركتهن واجتـماعهن قال: ومثله

: كانَ مِنْ آخرَها إلقادِممَخْرِمَ نَـجْدٍ فـارعِ الـمَحارِمِ

وقال أراد إلـى القادم، فحذف اللام عند اللام.

وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرىء كذلك: {وإنَّ كُلاًّ} شديداً وحقًّا لـيوفـيهم ربك أعمالهم. قال: وإنـما يراد إذا قرىء ذلك كذلك: {وإنَّ كُلاًّ لَـمًّا} بـالتشديد والتنوين، ولكن قاىء ذلك كذلك حذف منه التنوين، فأخرجه علـى لفظ «فَعْلَـى» لـما كما فعل ذلك فـي قوله: {ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى} فقرأ «تترى» بعضهم بـالتنوين، كما قرأ من قرأ: «لَـمًّا» بـالتنوين، وقرأ آخرون بغير تنوين، كما قرأ {لَـمًّا} بغير تنوين من قرأه، وقالوا: أصله من اللـمّ من قول الله تعالـى: {وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلاً لَـمًّا} يعنـي: أكلاً شديداً.

وقال آخرون: معنى ذلك إذا قرىء كذلك: وإن كلاًّ إلا لـيوفـيهم، كما يقول القائل: لقد قمت عنا، وبـالله إلا قمت عنا. ووجدت عامة أهل العلـم بـالعربـية ينكرون هذا القول، ويأبون أن يكون جائزاً توجيه «لـما» إلـى معنى «إلا» فـي الـيـمين خاصة وقالوا: لو جاز أن يكون ذلك بـمعنى إلا جاز أن يقال: قام القوم لـما أخاك، بـمعنى: إلا أخاك، ودخولها فـي كل موضع صلـح دخول إلا فـيه. وأنا أرى أن ذلك فـاسد من وجه هو أبـين مـما قاله الذين حكينا قولهم من أهل العربـية إنّ فـي فساده، وهو أنّ «إنّ» إثبـات للشيء وتـحقـيق له، و «إلا» أيضاً تـحقـيق أيضاً، وإنـما تدخـل نقضاً لـجحد قد تقدمها. فإذا كان ذلك معناها فواجب أن تكون عند متأوّلها التأويـل الذي ذكرنا عنه، أن تكون بـمعنى الـجحد عنده، حتـى تكون إلا نقضاً لها. وذلك إن قاله قائل قول لا يخفـى جهل قائله، اللهمّ إلا أن يخفف قارىء «إنّ» فـيجعلها بـمعنى «إن» التـي تكون بـمعنى الـجحد. وإن فعل ذلك فسدت قراءته ذلك كذلك أيضاً من وجه آخر، وهو أنه يصير حينئد ناصبـاً لـ«كلّ» بقوله: لـيوفـيهم، ولـيس فـي العربـية أن ينصب ما بعد «إلا» من الفعل الاسم الذي قبلها، لا تقول العرب: ما زيداً إلا ضربت، فـيفسد ذلك إذا قرىء كذلك من هذا الوجه إلا أن يرفع رافع الكلّ، فـيخالف بقراءته ذلك كذلك قراءة القرّاء وخطّ مصاحف الـمسلـمين، ولا يخرج بذلك من العيب بخروجه من معروف كلام العرب. وقد قرأ ذلك بعض قراء الكوفـيـين «وإنْ كُلاًّ» بتـخفـيف «إن» ونصب «كلاًّ» لَـمًّا مشددة. وزعم بعض أهل العربـية أن قارىء ذلك كذلك أراد «إنّ» الثقـيـلة فخففها. وذُكر عن أبـي زيد البصري أنه سمع: كأنْ ثديـيه حُقَّان، فنصب ب «كأنْ»، والنون مخففة من «كأن» ومنه قول الشاعر:

وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّـحْرِكأنْ ثَدْيَـيْهِ حُقَّانٍ

وقرأ ذلك بعض الـمدنـين بتـخفـيف «إنّ» ونصب «كُلاًّ» وتـخفـيف «لَـمَا». وقد يحتـمل أن يكون قارىء ذلك كذلك قصد الـمعنى الذي حكيناه عن قارىء الكوفة من تـخفـيفه نون «إن» وهو يريد تشديدها، ويريد بـما التـي فـي «لَـمَا» التـي تدخـل فـي الكلام صلة، وأن يكون قصد إلـى تـحميـل الكلام معنى: وإن كلاًّ لـيوفـينهم ويجوز أن يكون معناه كان فـي قراءته ذلك كذلك: وإنْ كُلاًّ لـيوفـينهم أيْ لـيوفِّـينّ كُلاًّ، فـيكون نـيته فـي نصب «كلّ» كانت بقوله: «لـيَوفـينهم»، فإن كان ذلك أراد ففـيه من القبح ما ذكرت من خلافه كلام العرب، وذلك أنها لا تنصب بفعل بعد لام الـيـمين اسماً قبلها.

وقرأ ذلك بعض أهل الـحجاز والبصرة: «وإنَّ» مشددة «كُلاًّ لَـمَا» مخففة {لَـيُوفِّـيَنَّهُمْ}، ولهذه القراءة وجهان من الـمعنى: أحدهما: أن يكون قارئها إراد: وإنَّ كُلاًّ لـمَنْ لـيوفـيهم ربك أعمالهم، فـيوجه «ما» التـي فـي «لـما» إلـى معنى «مَنْ» كما قال جلّ ثناؤه: {فـانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ} وإن كان أكثر استعمال العرب لها فـي غير بنـي آدم، وينوي بـاللام التـي فـي «لـما» اللام التـي يتلقـى بها «وإن» جوابـاً لها، وبـاللام التـي فـي قوله: {لَـيُوفِّـيَنَّهُمْ} لام الـيـمين دخـلت فـيـما بـين ما وصلتها، كما قال جلّ ثناؤه: {وإنْ مِنْكُمْ لَـمَنْ لَـيُبَطِّئَنَّ} وكما يقال هذا ما لغيره أفضل منه. والوجه الآخر: أن يجعل «ما» التـي فـي «لـما» بـمعنى «ما» التـي تدخـل صلة فـي الكلام، واللام التـي فـيها اللام التـي يجاب بها، واللام التـي فـي: {لَـيُوَفِّـيَنَّهُمْ} هي أيضا اللام التـي يجاب بها «إنَّ» كرّرت وأعيدت، إذا كان ذلك موضعها، وكانت الأولـى مـما تدخـلها العرب فـي غير موضعها ثم تعيدها بعدُ فـي موضعها، كما قال الشاعر:

فَلَوْ أنَّ قَوْمي لَـمْ يَكُونُوا أعِزَّةًلِبَعْدٍ لَقَدْ لا قَـيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعا

وقرأ ذلك الزهري فـيـما ذكر عنه: {وَإنَّ كُلاًّ} بتشديد إنَّ ولَـمًّا بتنوينها، بـمعنى: شديداً وحقًّا وجميعاً.

وأصح هذه القراءات مخرجاً علـى كلام العرب الـمستفـيض فـيهم قراءة من قرأ: «وإنَّ» بتشديد نونها، «كُلاًّ لَـمَا» بتـخفـيف ما {لَـيُوَفِّـيَنَّهُمْ رَبُّكَ} بـمعنى: وإن كلّ هؤلاء الذين قصصنا علـيك يا مـحمد قصصهم فـي هذه السور، لـمن لـيوفـينهم ربك أعمالهم بـالصالـح منها بـالـجزيـل من الثواب، وبـالطالـح منها بـالتشديد من العقاب، فتكون «ما» بـمعنى «من» واللام التـي فـيها جوابـاً لأن واللام فـي قوله: {لَـيُوفِّـيَنَّهُمْ} لام قسم.

وقوله: {إنَّهُ بِـما يَعْمَلُونَ خَبِـيرٌ} يقول تعالـى ذكره: إن ربك بـما يعمل هؤلاء الـمشركون بـالله من قومك يا مـحمد، خبـير، لا يخفـى علـيه شيء من عملهم بل يخبرُ ذلك كله ويعلـمه ويحيط به حتـى يجازيهم علـى جميع ذلك جزاءهم.

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا۟ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ۝١١٢

يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: فـاستقم أنت يا مـحمد علـى أمر ربك والدين الذي ابتعثك به والدعاء إلـيه، كما أمرك ربك. {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} يقول: ومن رجع معك إلـى طاعة الله والعمل بـما أمره به ربه من بعد كفره. {وَلا تَطْغَوْا} يقول: ولا تعدوا أمره إلـى ما نهاكم عنه. {إنَّهُ بِـمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يقول: إن ربكم أيها الناس بـما تعملون من الأعمال كلها طاعتها ومعصيتها بصير ذو علـم بها، لا يخفـى علـيه منها شيء، وهو لـجميعها مبصر، يقول تعالـى ذكره: فـاتقوا الله أيها الناس أن يطلع علـيكم ربكم وأنتـم عاملون بخلاف أمره، فإنه ذو علـم بـما تعلـمون، وهو لكم بـالـمرصاد.

وكان ابن عيـينة يقول فـي معنى قوله: {فـاسْتَقِمْ كمَا أُمِرْتَ} ما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن سفـيان فـي قوله: {فـاسْتَقِمْ كمَا أُمِرْتَ} قال: استقم علـى القرآن.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تَطْغَوْا} قال: الطغيان: خلاف الله وركوب معصيته ذلك الطغيان.

وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ۝١١٣

يقول تعالـى ذكره: ولا تـميـلوا أيها الناس إلـى قول هؤلاء الذين كفروا بـالله، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم، فتـمسّكم النار بفعلكم ذلك، وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم وولـيّ يـلـيكم. {ثُمَّ لا تنْصُرونَ} يقول: فإنكم إن فعلتـم ذلك لـم ينصركم الله، بل يخـلـيكم من نصرته ويسلط علـيكم عدوّكم. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنا معاوية، عن علـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا فَتَـمَسَّكُمُ النَّارُ} يعنـي: الركون إلـى الشرك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن يـمان، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا} يقول: لا ترضوا أعمالهم.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبـي جعفر، عن أبـيه، عن الربـيع، عن أبـي العالـية: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا} يقلو: لا ترضوا أعمالهم، يقول: الركون: الرضا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن أبـي جعفر، عن الربـيع، عن أبـي العالـية، فـي قوله: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا} قال: لا ترضوا أعمالهم فتـمسكم النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا} قال: قال ابن عبـاس: ولا تـميـلوا إلـى الذين ظلـموا.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا فَتَـمَسَّكُمُ النَّارُ} يقول: لا تلـحقوا بـالشرك، وهو الذي خرجتـم منه.

حدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فـي قوله: {وَلا تَرْكَنُوا إلـى الَّذِينَ ظَلَـمُوا فَتَـمَسَّكُمُ النَّارُ} قال: الركون: الإدهان. وقرأ:

{ { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَـيُدْهِنُونَ } } قال: تركن إلـيهم، ولا تنكر علـيهم الذي قالوا: وقد قالوا العظيـم من كفرهم بـالله وكتابه ورسله. قال: وإنـما هذا لأهل الكفر وأهل الشرك ولـيس لأهل الإسلام، أما أهل الذنوب من أهل الإسلام فـالله أعلـم بذنوبهم وأعمالهم، ما ينبغي لأحد أن يصالـح علـى شيء من معاصي الله ولا يركن إلـيه فـيها.
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ