انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة هود

تفسير الطبريالآيات 25–40

تفسير سورة هود آية آية، من تفسير الطبري.

استمع إلى تفسير سورة هود

الخلاصة من تفسير الطبري · 7 مقاطع · 1:30:22

  1. 1 الآيات 24–40في هذه الصفحة 13:07

التفسير الصوتي لسورة هود كاملًا (7 مقاطع)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ۝٢٥ أَن لَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ۝٢٦

يقول تعالـى ذكره: {وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحاً إلـى قَوْمِهِ إنّـي لَكُمْ} أيُّها القوم {نَذِيرٌ} من الله أنذركم بأسه علـى كفركم به، فآمنوا به وأطيعوا أمره. ويعنـي بقوله: {مُبِـينٌ}: يبـين لكم عما أرسل به إلـيكم من أمر الله ونهيه.

واختلفت القرّاء فـي قراءة قوله: {إنّـي} فقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة وبعض الـمدنـيـين بكسر «إن» علـى وجه الابتداء، إذ كان فـي الإرسال معنى القول. وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الـمدينة والكوفة والبصرة بفتـح «أَنَّ» علـى إعمال الإرسال فـيها، كأن معنى الكلام عندهم: لقد أرسلنا نوحاً إلـى قومه بأنـي لكم نذير مبـين.

والصواب من القول فـي ذلك عندي، أن يُقال: إنهما قراءتان متفقتا الـمعنى، قد قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرّاء، فبأيتهما قرأ القارىء كان مصيبـاً للصواب فـي ذلك.

وقوله: {أنْ لا تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ} فمن كسر الألف فـي قوله: {إنـي} جعل قوله: {أرْسَلْنا} عاملاً فـي «أَنْ» التـي فـي قوله: {أنْ لا تَعْبُدُوا إلاَّ اللَّهَ} ويصير الـمعنى حينئذ: ولقد أرسلنا نوحاً إلـى قومه، أن لا تعبدوا إلا الله، وقل لهم {إنّـي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِـينٌ}. ومن فتـحها، ردّ «أنْ» فـي قوله:{ أنْ لا تَعْبُدُوا } علـيها، فـيكون الـمعنى حينئذ: لقد أرسلنا نوحاً إلـى قومه بأنـي لكم نذير مبـين، بأن لا تعبدوا إلا الله. ويعنـي بقوله: بأن لا تعبدوا إلا الله أيها الناسُ، عبـادة الآلهة والأوثان وإشراكها فـي عبـادته، وأفردوا الله بـالتوحيد وأخـلصوا له العبـادة، فإنه لا شريك له فـي خـلقه. وقوله: {إنّـي أخافُ عَلَـيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ ألِـيـم} يقول: إنـي أيها القوْم إن لـم تَـخُصُّوا الله بـالعبـادة وتفردوه بـالتوحيد وتـخـلعوا ما دونه من الأنداد والأوثان، أخاف علـيكم من الله عذاب يوم مؤلـم عقابُه وعذابه لـمن عذّب فـيه. وجعل الألـيـم من صفة الـيوم وهو من صفة العذاب، إذ كان العذاب فـيه كما قـيـل:

{ { وَجَعَلَ اللَّـيْـلَ سَكَناً } } وإنـما السَّكن من صفة ما سكن فـيه دون اللـيـل.

فَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْىِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۭ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَٰذِبِينَ ۝٢٧

يقول تعالـى ذكره: فقال الكبراء من قوم نوح وأشرافهم، وهم الـملأ الذين كفروا بـالله وجحدوا نبوّة نبـيهم نوح علـيه السلام: {ما نَرَاكَ} يا نوح {إلاَّ بَشَرا مِثْلَنا} يعنون بذلك أنه آدميّ مثلُهم فـي الـخـلق والصورة والـجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولاً إلـى خـلقه. وقوله: {وَما نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنا بـادِيَ الرأيِ} يقول: وما نراك اتبعك إلا الذين هم سَفِلتنا من الناس دون الكبراء والأشراف فـيـما يُرَى ويظهر لنا. وقوله: {بـادِيَ الرأيِ} اختلفت القرّاء فـي قراءته، فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والعراق:{ بـادِيَ الرأيِ} بغير همز «البـادي» وبهمز «الرأي»، بـمعنى: ظاهر الرأي، من قولهم: بدا الشيء يبدو: إذا ظهر، كما قال الراجز

:

أضْحَى لـخالـي شَبَهِي بـادِيَ بَدِيْوصَارَ للفَحْلِ لِسانِـي وَيَدِي «

بـادي بدي» بغير همز. وقال آخر:

وَقَدْ عَلَتْنِـي ذُرْأةٌ بـادِي بَدِي

وقرأ ذلك بعض أهل البصرة: «بـادِىءَ الرأيِ» مهموز أيضا، بـمعنى: مبتدأ الرأي، من قولهم: بدأت بهذا الأمر: إذا ابتدأت به قبل غيره.

وأولـى القراءتـينِ بـالصواب فـي ذلك عندنا قراءة من قرأ: {بـادِيَ} بغير همز «البـادي»، وبهمز «الرأي»، لأن معنى ذلك الكلام: إلا الذين هم أراذلنا فـي ظاهر الرأي وفـيـما يظهر لنا.

وقوله: {وَما نَرَى لَكُمْ عَلَـيْنا مِنْ فَضْلٍ} يقول: وما نتبـين لكم علـينا من فضل نلتـموه بـمخالفتكم إيانا فـي عبـادة الأوثان إلـى عبـادة الله وإخلاص العبودة له، فنتبعكم طلب ذلك الفضل وابتغاء ما أصبتـموه بخلافكم إيانا {بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِـينَ} وهذا خطاب منهم لنوح علـيه السلام، وذلك أنهم إنـما كذّبوا نوحاً دون أتبـاعه، لأن أتبـاعه لـم يكونوا رسلاً. وأخرج الـخطاب وهو واحد مخرج خطاب الـجميع، كما قـيـل:

{ { يا أيُّها النَّبِـيُّ إذا طَلَّقْتُـمُ النِّساءَ } } وتأويـل الكلام: بل نظنك يا نوح فـي دعواك أن الله ابتعثك إلـينا رسولاً كاذبـاً.

وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله {بـادِيَ الرأي} قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجا، عن ابن جريج، عن عطاء الـخُراسانـيّ، عن ابن عبـاس، قوله: {وَما نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أرَاذِلُنا بـادِيَ الرأيِ} قال: فـيـما ظهر لنا.

قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَءَاتَىٰنِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ ۝٢٨

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل نوح لقومه إذ كذبوه وردّوا علـيه ما جاءهم به من عند الله من النصيحة: {يا قَوْمِ أرأيْتُـمْ إنْ كُنْتُ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبّـي} علـى علـم ومعرفة وبـيان من الله لـي ما يـلزمنـي له، ويجب علـيّ من إخلاص العبـادة له وترك إشراك الأوثان معه فـيها. {وآتانِـي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} يقول: ورزقنـي منه التوفـيق والنبوّة والـحكمة، فآمنت به وأطعته فـيـما أمرنـي ونهانـي. {فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ}.

واختلفت القراء فـي قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أهل الـمدينة وبعض أهل البصرة والكوفة: «فَعَمِيَتْ» بفتـح العين وتـخفـيف الـميـم، بـمعنى: فعميت الرحمة علـيكم فلـم تهتدوا لها فتقروا بها وتصدقوا رسولكم علـيها. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفـيـين: {فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ} بضمّ العين وتشديد الـميـم، اعتبـاراً منهم ذلك بقراءة عبد الله، وذلك أنهما فـيـما ذكر فـي قراءة عبد الله: «فعماها علـيكم».

وأولـى القراءتـين فـي ذلك عندي بـالصواب قراءة من قرأه: {فَعُمِّيَتْ عَلَـيْكُمْ} بضمّ العين وتشديد الـميـم للذي ذكروا من العلة لـمن قرأ به، ولقربه من قوله: {أرأيْتُـمْ إنْ كُنْتُ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبـيّ وآتانِـي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ} فأضاف الرحمة إلـى الله، فكذلك تعميته علـى الآخرين بـالإضافة إلـيه أولـى. وهذه الكلـمة مـما حوّلت العرب الفعل عن موضعه، وذلك أن الإنسان هو الذي يَعْمَى عن إبصار الـحقّ، إذ يَعْمى عن إبصاره، والـحقّ لا يوصف بـالعَمَى إلا علـى الاستعمال الذي قد جرى به الكلام، وهو فـي جوازه لاستعمال العرب إياه نظير قولهم: دخـل الـخاتـم فـي يدي، والـخفّ فـي رجلـي، ومعلوم أن الرجل هي التـي تدخـل فـي الـخفّ، والأصبع فـي الـخاتـم، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك لـما كان معلوماً الـمراد فـيه.

وقوله: {أنُلْزِمُكْمُوها وأنْتُـمْ لَهَا كارِهُونَ} يقول: أنأخذكم بـالدخول فـي الإسلام وقد عماه الله علـيكم، {لها كَارِهُونَ} يقول: وأنتـم لإلزامناكموها كارهون، يقول: لا نفعل ذلك، ولكن نكل أمركم إلـى الله حتـى يكون هو الذي يقضي فـي أمركم ما يرى ويشاء.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال نوح: {يا قَوْمِ إنْ كُنْتُ عَلَـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّـي} قال: قد عرفُتها وعرفتُ بها أمره وأنه لا إله إلا هو، {وآتَانِـي رَحْمَةً مِنْ عِنَدِهِ}: الإسلام والهدى والإيـمان والـحكم والنبوّة.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {أرأيْتُـمْ إنْ كُنْتُ علـى بَـيِّنَةٍ مِنْ رَبِّـي}... الآية، أما والله لو استطاع نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم لألزمها قومه، ولكن لـم يستطع ذلك ولـم يـملكه.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبـي، قال: ثنا سفـيان، عن داود، عن أبـي العالـية، قال: فـي قراءة أبـيّ: «أنلزُمكموها من شطر أنفسنا وأنتـم لها كارهون».

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن الزبـير، عن ابن عيـينة، قال: أخبرنا عمرو بن دينار قال: قرأ ابن عبـاس: «أنلزمكموها من شطر أنفسنا» قال عبد الله: مِنْ شَطْرِ أنفسنا: من تلقاء أنفسنا.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا ابن عيـينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبـاس مثله.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن داود بن أبـي هند، عن أبـي العالـية، عن أبـيّ بن كعب: أنلزمكموها من شطر قلوبنا وأنتـم لها كارهون.

وَيَٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّهُم مُّلَٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ۝٢٩

وهذا أيضاً خبر من الله عن قـيـل نوح لقومه أنه قال لهم: {يا قَوْمِ لا أسْألُكمْ} علـى نصيحتـي لكم ودعايتكم إلـى توحيد الله، وإخلاص العبـادة له مالاً: أجراً علـى ذلك، فتتهمونـي فـي نصيحتـي، وتظنون أن فعلـي ذلك طلب عرَض من أعراض الدنـيا. {إنْ أجْرِيَ إلاَّ علـى اللَّهِ} يقول: ما ثواب نصيحتـي لكم ودعايتكم إلـى ما أدعوكم إلـيه، إلا علـى الله، فإنه هو الذي يجازينـي ويثـيبنـي علـيه. {وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} وما أنا بـمقص من آمن بـالله وأقرّ بوحدانـيته وخـلع الأوثان وتبرأ منها بأن لـم يكونوا من عِلْـيتكم وأشرافكم. {إنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ} يقول: إن هؤلاء الذين تسألونـي طردهم صائرون إلـى الله، والله سائلهم عما كانوا فـي الدنـيا يعملون، لا عن شرفهم وحسبهم.

وكان قـيـل نوح ذلك لقومه، لأن قومه قالوا له، كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ} قال: قالوا له: يا نوح إن أحببت أن نتبعك فـاطردهم، وإلا فلن نرضى أن نكون نـحن وهم فـي الأمر سواء فقال: {ما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ} فـيسألهم عن أعمالهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، وحدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح جميعاً، عن مـجاهد، قوله: {إنْ أجْرِيَ إلاَّ علـى اللَّهِ} قال: جزائي.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وقوله: {وَلَكِنِّـي أرَاكُمْ قَوْماً تَـجْهَلُونَ} يقول: ولكنـي أيها القوم أراكم قوما تـجهلون الواجب علـيكم من حقّ الله واللازم لكم من فرائضه، ولذلك من جهلكم سألتـمونـي أن أطرد الذين آمنوا بـالله.

وَيَٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِى مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝٣٠

يقول: {وَيَا قَوْم مَنْ يَنْصُرِنـي} فـيـمنعنـي {مِنَ اللَّهِ} إن هو عاقبنـي علـى طردي الـمؤمنـين الـموحدين الله إن طردتهم. {أفَلا تَذَكَّرُونَ} يقول: أفلا تتفكرون فـيـما تقولون، فتعلـمون خطأه فتنتهوا عنه.

وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىٓ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْرًا ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ إِنِّىٓ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ۝٣١

وقوله: {وَلا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} عطف علـى قوله: {وَيا قَوْمِ لا أسألُكُمْ عَلَـيْهِ أجْراً} ومعنى الكلام: ويا قوم لا أسألكم علـيه أجراً، ولا أقول لكم عندي خزائن الله التـي لا يفنـيها شيء، فأدعوَكم إلـى اتبـاعي علـيها. {وَلا أعْلَـمُ} أيضاً {الغَيْبَ} يعنـي ما خفـي من سرائر العبـاد، فإن ذلك لا يعلـمه إلا الله، فأدّعي الربوبـية وأدعوكم إلـى عبـادتـي. {وَلا أقُولُ} أيضاً {إنّـي مَلَكٌ} من الـملائكة أرسلت إلـيكم، فأكون كاذبـاً فـي دعواي ذلك، بل أنا بشر مثلكم كما تقولون، أُمرت بدعائكم إلـى الله، وقد أبلغتكم ما أرسلت به إلـيكم. {وَلا أقُولُ للَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِـيَهُم اللَّهُ خَيْراً} يقول: ولا أقول للذين اتبعونـي وآمنوا بـالله ووحدوه الذين تستـحقرهم أعينكم، وقلتـم إنهم أراذلكم: لن يؤتـيكم الله خيراً، وذلك الإيـمان بـالله. {اللَّهُ أعْلَـمُ بِـمَا فِـي أنْفُسِهِمُ} يقول: الله أعلـم بضمائر صدورهم واعتقاد قلوبهم، وهو ولـيّ أمرهم فـي ذلك، وإنـما لـي منهم ما ظهر وبداً، وقد أظهروا الإيـمان بـالله واتبعونـي، فلا أطردهم ولا أستـحلّ ذلك. {إنّـي إذا لِـمِنَ الظَّالِـمِينَ} يقول: إنـي إن قلت لهؤلاء الذين أظهروا الإيـمان بـالله وتصديقـي: لن يؤتَـيهم الله خيراً، وقضيت علـى سرائرهم بخلاف ما أبدته ألسنتهم لـي علـى غير علـم منـي بـما فـي نفوسهم وطردتهم بفعلـي ذلك، لَـمِن الفـاعلـين ما لـيس لهم فعله الـمعتدين ما أمرهم الله به وذلك هو الظلـم.

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قوله: {وَلا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} التـي لا يفـينها شيء، فأكون إنـما أدعوكم لتتبعونـي علـيها لأعطيكم منها. {وَلا أقُولُ إنّـي مَلَكٌ} نزلت من السماء برسالة، ما أنا إلا بشر مثلكم. {وَلاَ أَعْلَـمُ الَغَيبَ} ولا أقول اتبعونـي علـى علـم الغيب.

قَالُوا۟ يَٰنُوحُ قَدْ جَٰدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَٰلَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ۝٣٢

يقول تعالـى ذكره: قال قوم نوح لنوح علـيه السلام: قد خاصمتنا فأكثرت خصومتنا، فأتنا بـما تعدنا من العذاب إن كنت من الصادقـين فـي عداتك ودعواك أنك لله رسول. يعنـي بذلك أنه لن يقدر علـى شيء من ذلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {جادَلْتَنا} قال: ماريتنا.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله بن أبـي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مـجاهد: {قالوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا} قال: ماريتنا، {فَأكْثَرْتَ جِدَالَنا فَأْتِنا بِـمَا تَعِدُنا} قال ابن جُرَيج: تكذيبـا بـالعذاب، وأنه بـاطل.

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ۝٣٣ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىٓ إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ۝٣٤

يقول تعالـى ذكره: قال نوح لقومه حين استعجلوه العذاب: يا قوم لـيس الذي تستعجلون من العذاب إلـيّ، إنـما ذلك إلـى الله لا إلـى غيره، هو الذي يأتـيكم به إن شاء. {وما أنْتُـمْ بِـمُعْجِزِينَ} يقول: ولستـم إذا أراد تعذيبكم بـمعجزيه: أي بفـائتـيه هربـاً منه لأنكم حيث كنتـم فـي مُلكه وسلطانه وقدرته حكمه علـيكم جار. {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي} يقول: ولا ينفعكم تـحذيري عقوبته ونزول سطوته بكم علـى كفركم به، {إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ} فـي تـحذيري إياكم ذلك لأن نصحي لا ينفعكم لأنكم لا تقبلونه. {إِنْ كَان اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُم}، يقول: إن كان الله يريد أن يهلككم بعذابه. {هُوَ رَبُّكُمْ وَإلَـيْهِ تُرْجَعونَ} يقول: وإلـيه تردّون بعد الهلاك. حُكي عن طيّىء أنها تقول: أصبح فلان غاوياً: أي مريضاً. وحُكي عن غيرهم سماعاً منهم: أغويت فلاناً، بـمعنى أهلكته، وغَوِي الفصيـل: إذا فقد اللبن فمات. وذكر أن قول الله:

{ { فَسَوْفَ يَـلْقَوْنَ غَيًّا } } أي هلاكاً.

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ۝٣٥

يقول تعالـى ذكره: أيقول يا مـحمد هؤلاء الـمشركون من قومك: افترى مـحمد هذا القرآن؟ وهذا الـخبر عن نوح. قل لهم: إن افتريته فتـخرّصته واختلقته {فَعَلَـيَّ إجْرَامي} يقول: فعلـيّ إثمي فـي افترائي ما افتريت علـى ربـي دونكم، لا تؤاخَذُون بذنبـي ولا إثمي ولا أؤاخذ بذنبكم. {وأنا بَرِيءٌ مِـمَّا تُـجْرِمُونَ} يقول: وأنا بريء مـما تذنبون وتأثمون بربكم من افترائكم علـيه، ويقال منه: أجرمت إجراماً وجَرَمْتُ أَجْرِم جَرْما، كما قال الشاعر:

طَرِيدُ عَشِيرَةٍ وَرَهِينُ ذَنْبٍبـما جَرَمَتْ يَدي وجَنى لسانِـي

وَأُوحِىَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ ۝٣٦

يقول تعالـى ذكره: وأَوْحَى الله {إلـى نوح} لـما حقّ علـى قومه القول، وأظلهم أمر الله، {أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنُ}: يا نوح بـالله فـيوحده ويتبعك علـى ما تدعوه إلـيه {مِنْ قَوْمِكَ إلاَّ مَنْ قَدْ آمَن} فصدَّق بذلك واتبعك. {فَلا تَبْتَئِسْ} يقول: فلا تستِكنْ ولا تـحزن بـما كانوا يفعلون، فإنـي مهلكهم ومنقذك منهم ومَنِ اتبعك. وأوحي الله ذلك إلـيه بعد ما دعا علـيهم نوح بـالهلاك، فقال:

{ رَبّ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً } وهو تفتعل من البؤس، يقال: ابتأس فلان بـالأمر يبتئس ابتئاساً، كما قال لبـيد بن ربـيعة:

فِـي مَأْتَـمٍ كَنِعاجِ صَارَةَ يَبْتَئِسْنَ بِـمَا لَقِـينا

وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {فَلا تَبْتَئِسْ} قال: لا تـحزن.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد مثله.

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس: {فَلا تَبْتَئِسْ بِـمَا كانُوا يَفْعَلُونَ} يقول: فلا تـحزن.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {فَلا تَبْتَئِسْ بِـمَا كانُوا يَفْعَلُونَ} قال: لا تَأْسَ ولا تـحزن.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأُوحِيَ إلـى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} وذلك حين دعا علـيهم

{ { قالَ رَبّ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً } }. قوله: {فَلا تَبْتَئِسْ} يقول: فلا تأس ولا تـحزن.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمكَ إلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ} فحينئذ دعا علـى قومه لـما بـين الله له أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن.

وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ۝٣٧

يقول تعالـى ذكره: وأُوحي إلـيه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وأنِ اصْنَعِ الفُلْكَ، وهو السفـينة كما:

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: الفلك: السفـينة.

وقوله { بأعْيُنِنَا} يقول: بعين الله ووحيه كما يأمرك. كما:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا} وذلك أنه لـم يَعلَـم كيف صنعة الفلك، فأوحي الله إلـيه أن يصنعها علـى مثل جُؤجؤ الطائر.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَوَحْيِنَا} قال: كما نأمرك.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد. وحدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا}: كما نأمرك.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الـخُراسانـي، عن ابن عبـاس: {وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا} قال: بعين الله، قال ابن جريج، قال مـجاهد: {وَوَحْيِنا} قال: كما نأمرك.

حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى، قال: ثنا مـحمد بن ثَور، عن معمر، عن قتادة، فـي قوله: {بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا} قال: بعين الله ووحيه.

وقوله: {وَلاَ تُـخَاطِبْنِـي فـي الَّذِينَ ظَلَـمُوا إنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} يقول تعالـى ذكره: ولا تسألنـي فـي العفو عن هؤلاء الذي ظلـموا أنفسهم من قومك، فأكسبوها تعدّياً منهم علـيها بكفرهم بـالله الهلاك بـالغرق، إنهم مغرقون بـالطوفـان. كما:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج: {وَلا تـخاطِبْنِـي} قال: يقول: ولا تراجعنـي. قال: تقدَّم أن لا يشفع لهم عنده.

وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ۝٣٨ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ۝٣٩ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٌ ۝٤٠

يقول تعالـى ذكره: ويصنع نوح السفـينة، وكلـما مر علـيه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتـحولت نـجاراً بعد النبوة وتعمل السفـينة فـي البر فـيقول لهم نوح: {إنْ تسْخروا مَّنا}: إن تهزءوا منا الـيوم، فإنا نهزأ منكم فـي الآخرة كما تهزءون منا فـي الدنـيا. {فسوْفَ تعْلـمونَ} إذا عاينتـم عذاب الله، من الذي كان إلـى نفسه مسيئاً منا. وكانت صنعة نوح السفـينة كما:

حدثنـي الـمثنى وصالـح بن مسمار، قالا: ثنا ابن أبـي مريـم، قال: أخبرنا موسى بن يعقوب، قال: ثنـي فـائد مولـى عبـيد الله بن علـي بن أبـي رافع: أن إبراهيـم بن عبد الرحمن بن أبـي ربـيعة، أخبره أن عائشة زوج النبـيّ صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أحَداً مِنْ قَوْمِ نُوحٍ لَرَحِمَ أُمِّ الصَّبِـيِّ ». قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كانَ نُوحٌ مَكَث فـي قَومِهِ ألْف سَنَةٍ إلاَّ خُمسِين عاماً يَدْعُوهُمْ إلـى اللَّهِ حتـى كانَ آخِرَ زَمانِه غَرَس شَجَرَةً، فعَظُمَتْ وذهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَها، ثُمَّ جَعَل يَعْمَلُ سَفِـينَةً، ويَـمُرُّونَ فـيَسألُونَهُ، فَـيَقُولُ: أعْمَلُها سَفِـينَةً، فَـيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ: تَعْمَلُ سَفِـينَةً فِـي البَرّ فَكَيْفَ تَـجْرِي؟ فَـيَقُولُ: سَوْفَ تَعْلَـمُونَ. فَلَـمَّا فَرَغَ مِنْها وَفـارَ التُّنُّورُ وكَثُرَ الـمَاءُ فـي السِّكَكِ خَشِيَتْ أُمَّ الصَبِـيّ عَلَـيْهِ، وكانَتْ تُـحِبُهُ حُبَّـاً شَّدِيداً، فخَرَجَتْ إلـى الـجَبَل حتـى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ فَلَـمَّا بَلَغَها الـمَاءُ خَرَجَتْ حتـى بَلَغَتْ ثُلُثَـيِ الـجَبَل فَلَـمَّا بَلَغَها الـمَاءُ خَرَجَتْ حتـى اسْتَوَتْ علـى الـجَبَلِ فَلَـمَّا بَلَغَ الـمَاءُ رَقَبَتَها رَفَعَتْهُ بـينَ يَدَيْها حتـى ذَهَبَ بِها الـمَاءُ، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أحَداً لَرَحِمَ أُمّ الصَّبِـيّ ».

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن طول السفـينة ثلاث مئة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها فـي السماء ثلاثون ذراعاً، وبـابها فـي عرضها.

حدثنـي الـحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبـارك، عن الـحسن، قال: كان طول سفـينة نوح ألف ذراع ومئتـي ذراع، وعرضها ستّ مئة ذراع.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن مفضل بن فضالة، عن علـي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ان عبـاس، قال: قال الـحواريون لعيسى ابن مريـم: لو بعثت لنا رجلاً شهد السفـينة فحدثنا عنها قال: فـانطلق بهم حتـى انتهى بهم إلـى كثـيب من تراب، فأخذ كفًّـا من ذلك التراب بكفه، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلـم، قال: هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب الكثـيب بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى: هكذا هلكت؟ قال: لا، ولكن متّ وأنا شاب، ولكنـي ظننت أنها الساعة، فمن ثم شِبْت. قال: حدِّثنا عن سفـينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع ومئتـي ذراع، وعرضها ستّ مئة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فـيها الدوابّ والوحش، وطبقة فـيها الإنس، وطبقة فـيها الطير. فلـما كثر أرواث الدوابّ، أوحى الله إلـى نوح أن اغمز ذنب الفـيـل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا علـى الروث. فلـما وقع الفأر بحبل السفـينة يقرضه، أوحى الله إلـى نوح أن اضرب بـين عينـي الأسد فخرج من منـخره سنور وسنورة، فأقبلا علـى الفأر، فقال له عيسى: كيف علـم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتـيه بـالـخبر، فوجد جيفة فوقع علـيها، فدعا علـيه بـالـخوف، فلذلك لا يألف البـيوت، قال: ثم بعث الـحمامة فجاءت بورق زيتون بـمنقارها وطين برجلـيها، فعلـم أن البلاد قد غرقت، قال: فطوّقها الـخضرة التـي فـي عنقها، ودعا لها أن تكون فـي أنس وأمان، فمن ثم تألف البـيوت. قال: فقلنا يا رسول الله ألا ننطلق به إلـى أهلـينا، فـيجلس معنا، ويحدثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد ترابـاً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن مـحمد بن إسحاق عمن لا يتّهم عن عبـيد بن عمير اللـيثـي: أنه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون به يعنـي قوم نوح فـيخنقونه حتـى يغشي علـيه، فإذا أفـاق قال: اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلـمون حتـى إذا تـمادوا فـي الـمعصية، وعظمت فـي الأرض منهم الـخطيئة، وتطاول علـيه وعلـيهم الشأن، واشتدّ علـيه منهم البلاء، وانتظر النـجل بعد النـجل، فلا يأتـي قرن إلا كان أخبث من القرن الذي قبله، حتـى إن كان الآخِرُ منهم لـيقول: قد كان هذا مع آبـائنا ومع أجدادنا هكذا مـجنوناً لا يقبلون منه شيئاً. حتـى شكا ذلك من أمرهم نوح إلـى الله تعالـى، كما قصّ الله علـينا فـي كتابه:

{ { رَبّ إنـي دَعَوْتُ قَوْمي لَـيْلاً ونهَاراً فَلـم يَزِدْهُمْ دُعائي إلاَّ فِرَاراً } } إلـى آخر القصة، حتـى قالَ { { رَبّ لا تَذَرْ علـى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيَّاراً إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبـادَكَ وَلا يَـلِدُوا إلاَّ فـاجِراً كَفَّـاراً } } إلـى آخر القصة. فلـما شكا ذلك منهم نوح إلـى الله واستنصره علـيهم، أوحي الله إلـيه { { أَنِ وَاصْنَعِ الفُلْكَ بأعْيُنِنا وَوَحْيِنا ولاَ تُـخاطبْنـي فـي الَّذِينَ ظَلـمُوا } } أي بعد الـيوم، { { إنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } }. فأقبل نوح علـى عمل الفلك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الـخشب، ويضرب الـحديد ويهيىء عدة الفلك من القار وغيره مـما لا يصلـحه إلا هو. وجعل قومه يـمرّون به وهو فـي ذلك من عمله، فـيسخرون منه ويستهزئون به، فـيقول: {إنْ تَسْخَرُوا منَّا فإنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَـمُونَ مَنْ يَأْتِـيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيحِلّ عَلَـيْهِ عَذَابٌ مُقِـيـمٌ}. قال: ويقولون له فـيـما بلغنـي: يا نوح قد صرت نـجارا بعد النبوّة قال: وأعقم الله أرحام النساء، فلا يولد لهم ولد. قال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه أزور، وأن يطلـيه بـالقار من داخـله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانـين ذراعاً، وأن يجعله ثلاثة أطبـاق: سفلاً ووسطاً وعلواً، وأن يجعل فـيه كُوًى. ففعل نوح كما أمره الله، حتـى إذا فرغ منه وقد عهد الله إلـيه إذا جاء أمرنا وفـار التنور فـاحمل فـيها من كلّ زوجين اثنـين وأهلك إلا من سبق علـيه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا قلـيـل، وقد جعل التنور آية فـيـما بـينه وبـينه (ف) قال {إذَا جاءَ أمْرُنا وَفـارَ التُّنُّورُ فـاسْلُكْ فَـيها مِنْ كُلَ زَوْجيْنِ اثْنـين} واركب. فلـما فـار التنور حمل نوح فـي الفلك من أمره الله، وكانوا قلـيلاً كما قال الله، وحمل فـيها من كلّ زوجين اثنـين مـما فـيه الروح والشجر ذكر وأنثى، فحمل فـيه بنـيه الثلاثة: سام وحام ويافت ونساءهم، وستة أناس مـمن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر: نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخـل ما أمره به من الدوابّ وتـخـلَّف عنه ابنه يام، وكان كافراً.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الـحسن بن دينار، عن علـيّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبـاس، قال: سمعته يقول: كان أوّل ما حمل نوح فـي الفلك من الدوابّ الدرّة، وآخر ما حمل الـحمار فلـما دخـل الـحمار وأدخـل صدره مَسَك إبلـيس بذنبه، فلـم تستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخـل فـينهض فلا يستطيع. حتـى قال نوح: ويحك ادخـل وإن كان الشيطان معك قال: كلـمة زلَّت عن لسانه. فلـما قالها نوح خـلـى الشيطان سبـيـله، فدخـل ودخـل الشيطان معه، فقال له نوح: ما أدخـلك علـيّ يا عدوّ الله؟ فقال: ألـم تقل: ادخـل وإن كان الشيطان معك؟ قال: اخرج عنـي يا عدوّ الله فقال: ما لك بدّ من أن تـحملنـي. فكان فـيـما يزعمون فـي ظهر الفلك. فلـما اطمأنّ نوح فـي الفلك، وأدخـل فـيه مَنْ آمن به، وكان ذلك فـي الشهر من السنة التـي دخـل فـيها نوح بعد ستّ مئة سنة من عمره لسبع عشرة لـيـلة مضت من الشهر فلـما دخـل وحمل معه من حمل، تـحرّك ينابـيع الغوط الأكبر، وفتـح أبواب السماء، كما قال الله لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم:

{ { فَفَتَـحْنا أبْوَابَ السَّماءِ بِـمَاء مُنْهَمرٍ وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُوناً فـالْتَقَـى الـمَاءُ علـى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ } } فدخـل نوح ومن معه الفلك وغطاه علـيه وعلـى من معه بطبقة، فكان بـين أن أرسل الله الـماء وبـين أن احتـمل الـماء الفلك أربعون يوماً وأربعون لـيـلة. ثم احتـمل الـماء كما تزعم أهل التوراة، وكثر الـماء واشتدّ وارتفع يقول الله لـمـحمد: { { وَحمَلْناهُ علـى ذَاتِ ألْوَاحٍ وَدُسُرٍ } } والدسر: الـمسامير، مسامير الـحديد. فجعلت الفلك تـجري به وبـمن معه فـي موج كالـجبـال ونادى نوح ابنه الذي هلك فـيـمن هلك، وكان فـي معزل حين رأى نوح من صدق موعد ربه ما رأى فقال: { { يا بُنَـيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الكافرِينَ } } وكان شقـياً قد أضمر كفراً، { { قالَ سآوِي إلـى جَبَل يَعْصِمُنـي منَ الـمَاءِ } } وكان عهد الـجبـال وهي حرز من الأمطار إذا كانت، فظن أن ذلك كما كان يعهد. قال نوح: { { لا عاصِمَ الـيَوْمَ منْ أمْرِ اللَّهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَـيْنَهُما الـمَوْجُ فَكانَ مِنَ الـمُغْرَقـينَ } } وكثر الـماء حتـى طغى وارتفع فوق الـجبـال كما تزعم أهل التوراة بخمسة عشر ذراعاً، فبـاد ما علـى وجه الأرض من الـخـلق من كل شيء فـيه الروح أو شجر، فلـم يبق شيء من الـخلائق إلا نوح ومن معه فـي الفلك، وإلا عوج بن عنق فـيـما يزعم أهل الكتاب. فكان بـين أن أرسل الله الطوفـان وبـين أن غاض الـماء ستة أشهر وعشر لـيال.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، عن الـحسن بن دينار، عن علـيّ بن زيد بن جدعان، قال ابن حميد، قال سلـمة وحدثنـي حسن بن علـيّ بن زيد عن يوسف بن مهران، قال: سمعته يقول: لـما آذى نوحاً فـي الفلك عذرةُ الناس، أمر أن يـمسح ذنب الفـيـل، فمسحه فخرج منه خنزيران، وكفـي ذلك عنه. وإن الفأر توالدت فـي الفلك، فلـما آذته، أمر أن يأمر الأسد يعطس، فعطس فخرج من مَنْـخِريه هرّان يأكلان عنه الفأر.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفـيان، عن علـيّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبـاس، قال: لـما كان نوح فـي السفـينة، قرض الفأر حبـال السفـينة، فشكا نوح، فأوحي الله إلـيه فمسح ذنب الأسد فخرج سنّوران. وكان فـي السفـينة عذرة، فشكا ذلك إلـى ربه، فأوحي الله إلـيه، فمسح ذنب الفـيـل، فخرج خنزيران.

حدثنا إبراهيـم بن يعقوب الـجوزجانـي، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: أخبرنا سفـيان بن سعيد، عن علـيّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبـاس، بنـحوه.

حُدثت عن الـمسيب بن أبـي رَوْق، عن الضحاك، قال: قال سلـيـمان القَرَاسِي: عمل نوح السفـينة فـي أربع مئة سنة، وأنبت الساج أربعين سنة حتـى كان طوله أربع مئة ذراع، والذراع إلـى الـمنكب.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {مَنْ يَأْتِـيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَـيْهِ عَذَابٌ مُقِـيـمٌ حتـى إذَا جاءَ أمْرُنا وَفـارَ التُّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِـيها مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ وأهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ}.

يقول تعالـى ذكره مخبراً عن قـيـل نوح لقومه: {فَسَوْفَ تَعْلَـمُونَ} أيها القوم إذا جاء أمر الله، من الهالك {مَنْ يَأْتِـيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} يقول: الذي يأتـيه عذاب الله منا ومنكم يهينه ويذله، {ويحلّ عَلَـيْهِ عَذَابٌ مُقِـيـمٌ} يقول: وينزل به فـي الآخرة مع ذلك عذاب دائم لا انقطاع له، مقـيـم علـيه أبداً.

وقوله: {حتـى إذَا جاءَ أمْرُنا} يقول: ويصنع نوح الفلك حتـى إذا جاء أمرنا الذي وعدناه أن يجيء قومه من الطوفـان الذي يغرقهم.

وقوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك، فقال بعضهم: معناه: انبجس الـماء من وجه الأرض، وفـار التنور، وهو وجه الأرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا العوّام بن حوشب، عن الضحاك، عن ابن عبـاس أنه قال فـي قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: التنور: وجه الأرض. قال: قـيـل له: إذا رأيت الـماء علـى وجه الأرض، فـاركب أنت ومن معك قال: والعرب تسمى وجه الأرض: تنور الأرض.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيـم، عن العوّام، عن الضحاك، بنـحوه.

حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا الشيبـانـي، عن عكرمة، فـي قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: وجه الأرض.

حدثنا زكريا بن يحيى بن أبـي زائدة وسفـيان بن وكيع، قالا: ثنا ابن إدريس، عن الشيبـانـي، عن عكرمة: {وَفـارَ التَّنُّورُ } قال: وجه الأرض.

وقال آخرون: هو تنوير الصبح من قولهم: نوّر الصبح تنويراً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا أبو هشام الرفـاعي، قال: ثنا مـحمد بن فُضَيـل، قال: ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبـاس مولـى أبـي جحيفة، عن أبـي جحيفة، عن علـيّ رضي الله عنه، قوله: {حتـى إذَا جاءَ أمْرُنا وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: هو تنوير الصبح.

حدثنا ابن وكيع وإسحاق بن إسرائيـل، قالا: ثنا مـحمد بن فضيـل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن زياد مولـى أبـي جُحيفة، عن أبـي جُحيفة، عن علـيّ فـي قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: تنوير الصبح.

حدثنا حماد بن يعقوب، قال: أخبرنا ابن فضيـل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن مولـى أبـي جُحيفة، أراه قد سماه عن أبـي جحيفة، عن علـيّ: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: تنوير الصبح.

حدثنـي إسحاق بن شاهين، قال: ثنا هشيـم، عن ابن إسحاق، عن رجل من قريش، عن علـيّ بن أبـي طالب رضي الله عنه: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: طلع الفجر.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنا هشيـم، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل قد سماه، عن علـيّ بن أبـي طالب، قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: إذا طلع الفجر.

وقال آخرون: معنى ذلك: وفـار علـى الأرض وأشَرفِ مكان فـيها بـالـماء. وقال: التنور أشرف الأرض. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {حتـى إذَا جاء أمْرُنا وَفـارَ التَّنُّورُ} كنا نُـحَدَّث أنه أعلـى الأرض وأشرفها، وكان عَلَـماً بـين نوح وبـين ربه.

حدثنا مـحمد بن بشار، قال: ثنا سلـيـمان، قال: ثنا أبو هلال، قال: سمعت قتادة، قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: أشرف الأرض وأرفعها فـار الـماء منه.

وقال آخرون: هو التنور الذي يختبز فـيه. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي مـحمد بن سعد، قال: ثنـي أبـي، قال: ثنـي عمي، قال: ثنـي أبـي، عن أبـيه، عن ابن عبـاس، قوله: {حتـى إذا جاءَ أمْرُنا وفـارَ التَّنُّورُ} قال: إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الـماء فإنه هلاك قومك.

حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: ثنا هشيـم، عن أبـي مـحمد، عن الـحسن، قال: كان تنوراً من حجارة كان لـحواء حتـى صار إلـى نوح، قال: فقـيـل له: إذا رأيت الـماء يفور من التنور فـاركب أنت وأصحابك.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو أسامة، عن شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: حين انبجس الـماء وأمر نوح أن يركب هو ومن معه فـي الفلك.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: وَفـارَ التَّنُّورُ قال: انبجس الـماء منه آية أن يركب بأهله ومن معه فـي السفـينة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد نـحوه، إلا أنه قال: آية أن يركب أهله ومن معه فـي السفـينة.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، بنـحوه، إلا أنه قال: آية بأن يركب بأهله ومن معهم فـي السفـينة.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا خـلف بن خـلـيفة، عن لـيث، عن مـجاهد، قال: نبع الـماء فـي التنور، فعلـمت به امرأته فأخبرته. قال: وكان ذلك فـي ناحية الكوفة.

قال: ثنا القاسم، قال: ثنا علـي بن ثابت، عن السري بن إسماعيـل، عن الشعبـي: أنه كان يحلف بـالله ما فـار التنور إلا من ناحية الكوفة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عبد الـحميد الـحِمَّانـي، عن النضر أبـي عمر الـخزاز، عن عكرمة، عن ابن عبـاس، فـي قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: فـار التنور بـالهند.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، يقول: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} كان آية لنوح إذا خرج منه الـماء فقد أتـي الناس الهلاك والغرق.

وكان ابن عبـاس يقول فـي معنى فـار: نبع.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالـح، قال: ثنـي معاوية، عن علـي، عن ابن عبـاس، قوله: {وَفـارَ التَّنُّورُ} قال: نبع.

قال أبو جعفر: وفوران الـماء سَوْرة دفعته، يقال منه: فـار الـماء يفور فوَرَاناً وفَوْراً، وذاك إذا سارت دفعته.

وأولـى هذه الأقوال عندنا بتأويـل قوله: {التَّنُّور} قول من قال: هو التنور الذي يخبز فـيه لأن ذلك هو الـمعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلـى الأغلب الأشهر من معانـيه عند العرب إلا أن تقوم حجة علـى شيء منه بخلاف ذلك فـيسلـم لها. وذلك أنه جل ثناؤه إنـما خاطبهم بـما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به.

{قُلْنَا} لنوح حين جاء عذابنا قومه الذي وعدنا نوحا أن نعذّبهم به، وفـار التنور الذي جعلنا فورانه بـالـماء آية مـجيء عذابنا بـيننا وبـينه لهلاك قومه: {احْمِلْ فِـيها} يعنـي فـي الفلك {مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} يقول: من كلّ ذكر وأنثى. كما:

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نـمير، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} قال: ذكر وأنثى من كلّ صنف.

حدثنـي مـحمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، مثله.

حدثنـي الـمثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد: {مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} فـالواحد زوج، والزوجين ذكر وأنثى من كلّ صنف.

قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبـي نـجيح، عن مـجاهد، قوله: {مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} قال: ذكر وأنثى من كل صنف.

قال: ثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، عن ابن جريج، عن مـجاهد، مثله.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {قُلْنا احْمِلْ فِـيها مِنْ كُلَ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} يقول: من كل صنف اثنـين.

حُدثت عن الـحسين بن الفرج، قال: سمعت أبـا معاذ، قال: ثنا عبـيد بن سلـيـمان، قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: {مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} يعنـي بـالزوجين اثنـين: ذكراً وأنثى.

وقال بعض أهل العلـم بكلام العرب من الكوفـيـين: الزوجان فـي كلام العرب: الاثنان، قال: ويقال علـيه زَوْجَا نعال: إذا كانت علـيه نعلان، ولا يقال علـيه زوج نعال، وكذلك عنده زوجا حمام، وعلـيه زوجاً قـيود. وقال: ألا تسمع إلـى قوله:

{ { وأنَّهُ خَـلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثَى } } فإنـما هما اثنان. وقال بعض البصريـين من أهل العربـية فـي قوله: {قلْنا احْمِلْ فِـيها مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اثْنَـيْنِ} قال: فجعل الزوجين: الضربـين، الذكور والإناث، قال: وزعم يونس أن قول الشاعر:

وأنْتَ امْرُءٌ تَعْدُو علـى كُلّ غِرَّةٍ فتُـخْطِيءُ فِـيها مَرَّةً وتُصِيبُ

يعنـي به الذئب. قال: فهذا أشذّ من ذلك. وقال آخر منهم: الزوج: اللون، قال: وكل ضرب يدعي لونا، واستشهد ببـيت الأعشى فـي ذلك

: وكُلُّ زَوْجٍ مِنَ الديبـاجِ يَـلْبَسُهُأبُو قُدَامَةَ مَـحْبُوّا بِذَاكَ مَعا

وبقول لبـيد:

وذِيَ بهْجَةٍ كَنَّ الـمَقانِبُ صَوْتهُوَزَيَّنَهُ أزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ

وذكر أن الـحسن قال فـي قوله: {مِنْ كُلّ شَيْءٍ خَـلَقْنا زَوْجَيْنِ} السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، واللـيـل زوج، والنهار زوج، حتـى يصير الأمر إلـى الله الفرد الذي لا يشبهه شيء.

وقوله: {وأهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ} يقول: واحمل أهلك أيضاً فـي الفلك، يعنـي بـالأهل: ولده ونساءه وأزواجه{ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ } يقول: إلا من قلت فـيهم إنـي مهلكه مع من أهلك من قومك.

ثم اختلفوا فـي الذي استثناه الله من أهله، فقال بعضهم: هو بعض نساء نوح. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: {وأهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ} قال: العذاب، هي امرأته كانت من الغابرين فـي العذاب.

وقال آخرون: بل هو ابنه الذي غرق. ذكر من قال ذلك:

حُدثت عن الـمسيب، عن أبـي روق، عن الضحاك، فـي قوله: {وأهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ} قال: ابنه غرق فـيـمن غرق.

وقوله: {وَمَنْ آمَنَ} يقول: واحمل معهم من صدّقك واتبعك من قومك. يقول الله: {وما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ} يقول: وما أقرّ بوحدانـية الله مع نوح من قومه إلا قلـيـل.

واختلفوا فـي عدد الذين كانوا آمنوا معه فحملهم معه فـي الفلك، فقال بعضهم فـي ذلك: كانوا ثمانـية أنفس. ذكر من قال ذلك:

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وأهْلَكَ إلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَـيْهِ القَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلـيـلٌ} قال: ذكر لنا أنه لـم يتـمّ فـي السفـينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنـيه، ونساؤهم، فجميعهم ثمانـية.

حدثنا ابن وكيع والـحسن بن عرفة، قالا: ثنا يحيى بن عبد الـملك بن أبـي غنـية، عن أبـيه، عن الـحكم: {وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ} قال: نوح، وثلاثة بنـيه، وأربع كنائنه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج: حُدثت أن نوحاً حمل معه بنـيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنـيه، وامرأة نوح، فهم ثمانـية بأزواجهم. وأسماء بنـيه: يافث، وسام، وحام، وأصاب حام زوجته فـي السفـينة، فدعا نوح أن يغير نطفته فجاء بـالسودان.

وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس. ذكر من قال ذلك:

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، عن الأعمش: {وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ} قال: كانوا سبعة: نوح، وثلاث كنائن له، وثلاثة بنـين.

وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلـمة، عن ابن إسحاق، قال: لـما فـار التنور، حمل نوح فـي الفلك من أمره الله به، وكانوا قلـيلاً كما قالالله، فحمل بنـيه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، ونساءهم، وستة أناسي مـمن كان آمن، فكانوا عشرة نفر بنوح وبنـيه وأزواجهم.

وقال آخرون: بل كانوا ثمانـين نفساً. ذكر من قال ذلك:

حدثنا القاسم، قال: ثنا الـحسين، قال: ثنـي حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عبـاس: حمل نوح معه فـي السفـينة ثمانـين إنساناً.

حدثنـي الـحرث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفـيان، كان بعضهم يقول: كانوا ثمانـين، يعنـي القلـيـل الذي قال الله: {وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ}.

حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي، قال: ثنا زيد بن الـحبـاب، قال: ثنـي حسين بن واقد الـخُراسانـي، قال: ثنـي أبو نَهِيك، قال: سمعت ابن عبـاس يقول: كان فـي سفـينة نوح ثمانون رجلاً، أحدهم جُرْهُم.

والصواب من القول فـي ذلك أن يقال كما قال الله: {وَما آمَنَ مَعَهُ إلاَّ قَلِـيـلٌ} يصفهم بأنهم كانوا قلـيلاً، ولـم يحدد عددهم بـمقدار ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، فلا ينبغي أن يتـجاوز فـي ذلك حد الله، إذ لـم يكن لـمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ