انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة مريم

تفسير البغويالآيات 66–98

تفسير سورة مريم آية آية، من تفسير البغوي.

وَيَقُولُ ٱلْإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ۝٦٦ أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا ۝٦٧ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ۝٦٨

قوله عزّ وجلّ: {وَيَقُولُ ٱلإِنسَـٰنُ}، يعني: أُبيّ بن خلف الجمحي، كان منكراً للبعث، قال: {أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} قاله استهزاءً وتكذيباً للبعث.

قال الله عزّ وجلّ: {أَوَلاَ يَذْكُرُ}، أي: يتذكر ويتفكر، وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب {يَذْكُر} خفيف، {ٱلإِنسَـٰنُ}، يعني أبيّ بن خلف {أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}، أي: لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإِعادة، ثم أقسم بنفسه، فقال:

{فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} لنجمعنَّهم في المعاد، يعني: المشركين المنكرين للبعث، {وَٱلشَّيَـٰطِينَ}، مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة، {ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ}، قيل في جهنم، {جِثِيّاً}، قال ابن عباس رضي الله عنه: جماعات، جمع جثوة.

وقال الحسن والضحاك: جمع "جاثٍ"، أي: جاثين على الرُّكَبِ.

قال السدي: قائمين على الرُّكَبِ لضيق المكان.

ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا ۝٦٩ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا ۝٧٠ وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ۝٧١

{ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ}، لنخرجنّ، {مِن كُلِّ شِيعَةٍ}، أي: من كل أمة وأهل دين من الكفار. {أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً}، عتواً، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني جرأة. وقال مجاهد: فجوراً، يريد: الأعتى فالأعتى.

وقال الكلبي: قائدهم ورأسهم في الشر يريد أنه يقدم في إدخال من هو أكبر جرماً وأشد كفراً.

وفي بعض الآثار: أنهم يحشرون جميعاً حول جهنم مسلسلين مغلولين، ثم يقدم الأكفر فالأكفر.

ورفع {أَيُّهُمْ} على معنى: الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن عتياً.

وقيل: على الاستئناف، ثم لننزعن [يعمل في موضع "من كل شيعة"].

{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً}، أي: أحق بدخول النار، يقال: صلي يصلى صِلِيَّاً، مثل: لقي يلقىٰ لِقِيَّاً، وصلى يَصْلِي صُلِيَّاً مثل مضى يمضي مضياً، إذا دخل النار وقاسى حرَّها.

قوله عز وجل: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}، وما منكم إلا واردها، وقيل: القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها، والورود هو موافاة المكان.

واختلفوا في معنى الورود هاهنا، وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله: {وَارِدُهَا}: قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول الأكثرين؛ معنى الورود هاهنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين، فيخرجهم منها.

والدليل على أن الورود هو الدخول: قول الله عزّ وجلّ حكاية عن فرعون:

{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ } [هود: 98].

وروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرقَ مَاْرَىٰ ابن عباس رضي الله عنهما في الورود، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلا عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى:

{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ }[الأنبياء: 98] أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سَنَرِدُها، وأنا أرجو أن يخرجني الله وما أرى الله عزّ وجلّ يخرجك منها بتكذيبك.

وقال قوم: ليس المراد من الورود الدخول، وقالوا: النار لا يدخلها مؤمن أبداً، لقوله تعالى:

{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا }[الأنبياء: 101-102]، وقالوا: كل من دخلها لا يخرج منها. والمراد من قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُها}، الحضور والرؤية، لا الدخول، كما قال تعالى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ }[القصص: 23] أراد به الحضور.

وقال عكرمة: الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها.

وروى عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} يعني: القيامة، والكناية راجعة إليها.

والأول أصح، وعليه أهل السنة، أنهم جميعاً يدخلون النار ثم يخرج الله عزّ وجل منها أهل الإِيمان، بدليل قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}

ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ۝٧٢

{ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}، أي اتقوا الشرك، وهم المؤمنون. والنجاة إنّما تكون مما دخلت فيه.

وقرأ الكسائي، ويعقوب: {نُنْجِي} بالتخفيف. والآخرون: بالتشديد.

والدليل على هذا: ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا عبد الرحيم بن منيب، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لا يموت لمسلمٍ ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلَّة القسم.«

وأراد بالقسم قوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا هشام، أخبرنا قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن بُرَّة من خير. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير وقال أبان عن قتادة: "منْ إيمان" مكان "خير".

أخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي، أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني، أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري، أخبرنا محمد بن عبد الوهاب، أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان، أخبرنا سلام بن مسكين، أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أن رجلاً في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان، فيقول الله عزّ وجلّ لجبريل: اذهب فائتني بعبدي هذا، قال: فذهب جبريل فوجد أهل النار منكبِّين يبكون، قال: فرجع فأخبر ربه عزّ وجلّ، قال: اذهب فإنه في موضع كذا وكذا، قال: فجاء به، قال: يا عبدي كيف وجدتَ مكانك ومقيلك؟ قال: يا رب شرّ مكان وشرّ مقيل، قال: ردوا عبدي، قال: ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذ أخرجتني منها، قال الله تعالى لملائكته: دعوا عبدي.«

وأما قوله عزّ وجلّ:

{ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا }[الأنبياء: 102] قيل: إن الله عزّ وجلّ أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها، فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة، لأنه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها. ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إيّاها، لأن الله عزّ وجلّ يجعلها عليهم برداً وسلاماً.

وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة ألم يَعِدْنَا ربُّنا أن نرد النار؟ فيقال: بلى، ولكنكم مررتم بها، وهي خامدة.

وفي الحديث:

تقول النار للمؤمن: «جُزْ يامؤمن فقد أطفأ نورُك لهبي».

وروي عن مجاهد في قوله عزّ وجلّ: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} قال: مَنْ حُمَّ من المسلمين فقد وردها.

وفي الخبر

الحمى كير من جهنم، وهي حظُّ المؤمن من النار».

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن المثنى، أخبرنا يحيـى، عن هشام، أخبرني أبي عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء».

{كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}، أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً. {مَّقْضِيّاً}: قضاه الله عليكم.

{ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}، أي اتقوا الشرك، وقرأ الكسائي {نُنْجِى} بالتخفيف، والباقون بالتشديد، {وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}، جميعاً. وقيل: جاثين على الركب، وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين، وترك فيها الظالمين. وهم المشركون.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما

أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارُّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب"، قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله عزّ وجلّ فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم، ويُضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ اللهم سلِّمْ سلِّمْ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يجردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيُخرجون من النار قد ٱمْتَحَشُوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَمِيْل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مقبل بوجهه قِبَلَ النار، فيقول: يا ربِّ اصرف وجهي عن النار، قد قَشَبَني ريحها وأحرقني ذُكاؤها، فيقول: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا، وعزتِك. فيعطي الله ما يشاء من عهدٍ وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أُقبل به على الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا ربِّ قدمني عند باب الجنة، فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيتَ العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت، فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيتَ إن أُعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتِك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها ورأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يارب أدخِلْني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك ياابن آدم ما أغدرك، أليس قد أعطيتَ العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أُعطيتَ؟ فيقول: يارب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ، فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيتُه، قال الله تعالى: تمنَّ كذا وكذا، أقبل يُذكّره ربه، حتى إذا انتهت به الأماني، قال الله تعالى: لك ومثله معه. قال أبو سعيد لأبي هريرة: إن رسول الله قال: "قال الله تعالى لك ذلك وعشرة أمثاله" قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: لك ذلك ومثله معه: قال أبو سعيد إني سمعته يقول «ذلك لك وعشرة أمثاله».

ورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة بمعناه، قال:

فيأتيهم الله عزّ وجلّ في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه.«

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يُعَذَّبُ أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حُمَمَاً، ثم تدركهم الرحمة، قال: فيُخرجون فيُطرحون على أبواب الجنة، قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنب القثاء في حمالة السيل، ثم يدخلون الجنة.«

أخبرنا أبو محمد بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم على بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا هناد بن السَّري، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم عن عَبِيْدَة السلْماني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار رجل يخرج منها زحفاً فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب ليدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يارب قد أخذ الناس المنازل، فيقال: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم فيقال له: تمنَّ، فيتمنى، فيقال له: فإن لك الذي تمنيته وعشرة أضعاف الدنيا، قال فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.«

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أم مبشر، عن حفصة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إني لأرجو أن لا يدخل النارَ إن شاء الله أحدٌ شهد بدراً والحديبية»، قال: قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً}؟ قال: أفلم تسمعيه يقول: {ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ۝٧٣ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَٰثًا وَرِءْيًا ۝٧٤

قوله عزّ وجلّ: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بِيِّنَـٰتٍ}، واضحات، {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، يعني: النضر بن الحارث وذويه من قريش، {لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ}، يعني فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويدهنون رؤوسهم ويلبسون حرير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً}، منزلاً ومسكناً، [وهو موضع الإِقامة.

وقرأ ابن كثير: {مقاماً} بضم الميم أي إقامة].

{وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}، أي مجلساً، ومثله النادي، فأجابهم الله تعالى فقال:

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً}، أي متاعاً وأموالاً. وقال مقاتل: لباساً وثياباً، {وَرِءْياً}، قرأ أكثر القراء بالهمز، أي: منظراً، من "الرؤية"، وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، ونافع غير ورش "ورِيَّا" مشدداً بغير همز، وله تفسيران: أحدهما هو الأول، بطرح الهمز، والثاني: من الرِّي، الذي هو ضد العطش، ومعناه: الارتواء من النعمة، فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذيول الفقر.

قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا ۝٧٥ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى وَٱلْبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا ۝٧٦ أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ۝٧٧ أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝٧٨

{قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً}، هذا أمر بمعنى الخبر، معناه: يدعه في طغيانه ويمهله في كفره، {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ}، وهو الأسر والقتل في الدنيا، {وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ}، يعني القيامة، فيدخلون النار، {فَسَيَعْلَمُونَ}، عند ذلك {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً}، منزلاً، {وَأَضْعَفُ جُنداً}، أقل ناصراً أهم أم المؤمنون؟ لأنهم في النار، والمؤمنون في الجنة. وهذا ردٌّ عليهم في قوله: {أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً}.

قوله عزّ وجلّ: {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى}، أي إيماناً وإيقاناً على يقينهم، {وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ}، الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها، {خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} عاقبة ومرجعاً.

قوله عزّ وجلّ: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمرو بن حفص، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش عن مسلم، عن مسروق، حدثنا خباب قال: كنت قَيْناً، فعملت للعاص بن وائل، فاجتمع مالي عنده فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: أما والله حتى تموتَ ثم تُبْعَثَ فَلا، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم، قال: فإنه سيكون لي ثَمَّ مال وولد فأقضيك، فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـآيَـٰتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً}.

قوله عزّ وجلّ: {أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ}، قال ابن عباس: أنظرَ في اللوح المحفوظ. وقال مجاهد: أَعَلِمَ علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟

{أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}، يعني قال لا إله إلا الله. وقال قتادة: يعني عملاً صالحاً قدَّمه. وقال الكلبي: أَعُهِدَ إليه أن يدخل الجنة؟.

كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا ۝٧٩ وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا ۝٨٠ وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّا ۝٨١ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ۝٨٢ أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ۝٨٣

{كَلاَّ}، ردٌّ عليه، يعني: لم يفعل ذلك، {سَنَكْتُبُ}، سنحفظ عليه، {مَا يَقُولُ}، [فنجازيه به في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول]. {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدّاً}، أي: نزيده عذاباً فوق العذاب. وقيل: نطيل مدة عذابه.

{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}، أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إيّاه وإبطال ملكه وقوله ما يقول، لأنه زعم أن له مالاً وولداً "في الآخرة"، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإِرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول.

وقيل: معنى قوله: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به.

{وَيَأْتِينَا فَرْداً}، يوم القيامة بلا مال ولا ولد.

قوله عزّ وجلّ: {وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً} يعني: مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها، {لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً}، أي منعة، حتىٰ يكونوا لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب.

{كَلاَّ}، أي ليس الأمر كما زعموا، {سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـادَتِهِمْ}، أي تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها عبادةَ المشركين ويتبرؤون منهم، كما أخبر الله تعالى

{ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعبُدُونَ }[القصص: 63].

{وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}، أي أعداءً لهم، وكانوا أولياءهم في الدنيا.

وقيل: أعواناً عليهم يكذبونهم ويلعنونهم.

قوله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أي سلَّطْناهم عليهم، وذلك حين قال لإِبليس:

{ وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } الآية [الإسراء: 64]، {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}، تزعجهم إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية، "والأزّ" "والهزّ": التحريك، أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي.

فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ۝٨٤ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْدًا ۝٨٥ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ۝٨٦ لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝٨٧

{فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ}، أي لا تعجل بطلب عقوبتهم، {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً}، قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام.

وقيل: الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم.

قوله عزّ وجلّ: {يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} أي: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن، إلى جنته وفداً، أي: جماعات، جمع "وافد"، مثل: راكب وركب، وصاحب وصحب.

وقال ابن عباس: ركباناً. وقال أبو هريرة: على الإِبل.

وقال علي بن أبي طالب: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوقٍ، رحالها الذهب، ونجائبٍ سرجها يواقيت، إن همُّوا بها سارت، وإن همُّوا بها طارت.

{وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ}، الكافرين، {إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً}، أي مشاة. وقيل: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش. "والوِرْدُ" جماعة يردون الماء، ولا يرد أحدٌ الماءَ إلا بعد عطش.

{لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}، يعني: لا إله إلا الله.

وقيل: معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، يعني: المؤمنين، كقوله:

{ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ }[الأنبياء: 28].

وقيل: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله، أي لا يشفع إلا المؤمن.

وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۝٨٨ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا ۝٨٩ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا ۝٩٠

{وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً}، يعني اليهود والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات الله.

وقرأ حمزة والكسائي: {وُلْداً} بضم الواو وسكون اللام، هاهنا وفي الزخرف وسورة نوح، ووافق ابنُ كثير، وأبو عمرو، ويعقوب في سورة نوح، والباقون بفتح الواو اللام، وهما لغتان مثل: العَرَب، والعُرْب، والعَجَم، والعُجْم.

{لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً}، قال ابن عباس منكراً. وقال قتادة ومجاهد: عظيماً. وقال مقاتل: لقد قلتم قولاً عظيماً. "والإِدّ" في كلام العرب: أعظم الدواهي.

{تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ}، قرأ نافع {يكاد} بالياء هاهنا وفي حمۤعۤسقۤ لتقدم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السموات، {يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}، هاهنا وفي "حمعسق" بالنون من الانفطار، أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى:

{ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ } [الانفطار: 1] و { ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ } [المزمل: 18]، وقرأ الباقون بالتاء من التفطر ومعناهما واحد، يقال: انفطر الشيء وتفطر أي تشقق.

{وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ}، أي: تنكسر كسراً.

وقيل: {تَنشَقُّ ٱلأَرْضُ} أي: تنخسف بهم، "والانفطار" في السماء: أن تسقط عليهم، {وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً}: أي تنطبق عليهم.

أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ۝٩١ وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ۝٩٢ إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ۝٩٣ لَّقَدْ أَحْصَىٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ۝٩٤ وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فَرْدًا ۝٩٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَٰنُ وُدًّا ۝٩٦

{أَن دَعَوْا}، أي من أجل أن جعلوا {لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً}، قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولداً.

ثم نفى الله عن نفسه الولد فقال:

{وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}، أي ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به.

{إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ}، أي إلا آتيه يوم القيامة، {عَبْداً} ذليلاً خاضعاً يعني: أن الخلق كلهم عبيده.

{لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً}، أي: عدَّ أنفاسهم وأيامهم وآثارهم، فلا يخفىٰ عليه شيء.

{وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً}، وحيداً ليس معه من الدنيا شيء.

قوله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً} أي: محبة. قال مجاهد: يحبهم الله ويحبِّبُهم إلى عباده المؤمنين.

أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببتُ فلاناً فأحبَّهُ، فيحبه جبرائيل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عزّ وجلّ قد أحب فلاناً فأَحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء ثم يُوْضَعُ له القَبُول في الأرض، وإذا أبغض الله العبد.«

قال مالك: لا أحسبه إلاَّ قال في البغض مثل ذلك.

قال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عزّ وجلّ إلاَّ أقبل الله بقلوب أهل الإِيمان إليه حتى يرزقه مودتهم.

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا ۝٩٧ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا ۝٩٨

قوله عزّ وجلّ: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ}، أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد، {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ}، يعني المؤمنين، {وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} شداداً في الخصومة، جمع "الأَلَدَ".

وقال الحسن: صماً عن الحق.

قال مجاهد: "الأَلَدُّ": الظالم الذي لا يستقيم.

قال أبو عبيدة: "الألدُّ" الذي لا يقبل الحق، ويدَّعي الباطل.

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ}، هل ترى، وقيل: هل تجد، {مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً}، أي صوتاً، "والرِّكز": الصوت الحفي. قال الحسن: بادوا جميعاً، فلم يبق منهم عين ولا أثر.

الأربعاء، 4 نوفمبر 2026 24 جمادى الأولى 1448 هـ