انتقل إلى المحتوى
السبيل

تفسير سورة آل عمران

تفسير القرطبيالآيات 9–18

تفسير سورة آل عمران آية آية، من تفسير القرطبي.

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ۝٩

أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة. قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي عَلِمه الراسخون وأقرّوا به، وخالف الذين ٱتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه. والريْبُ الشّك، وقد تقدّمت مَحاملُه في البقرة. والميعاد مِفْعَال من الوعد.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ ۝١٠

معناه بَيِّنٌ، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئاً. وقرأ السُّلَميّ «لَنْ يُغْنِيَ» بالياء لتقدّم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل. وقرأ الحسن «يُغْنِي» بالياء وسكون الياء الآخرة للتخفيف؛ كقول الشاعر:

كفَى بالْيَأْسِ من أسماء كَافِيوليس لِسُقْمِها إذ طال شافى

وكان حقّه أن يقول كافياً، فأرسل الياء. وأنشد الفرّاء في مثله:

كأنّ أيدِيهِنّ بالقاعِ القرِق أيدِي جَوَارٍ يَتَعاطَيْن الوَرِق

القَرِقُ والقَرِقَة لغتان في القاع. و {من} في قوله {مِن اللَّهِ} بمعنى عند؛ قاله أبو عبيدة. {وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ} والوَقُود ٱسم للحطب، وقد تقدّم في «البقرة». وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مُصَرِّف «وُقُود» بضم الواو على حذف مضاف تقديره حطب وقود النار. ويجوز في العربية إذا ضم الواو أن تقول أُقُود مثل أُقِّتَتْ. والوُقود بضم الواو المصدر؛ وُقِدَت النار تقِد إذا ٱشتعلت. وخرّج ٱبن المبارك من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرءون القرآن فإذا قرءوه قالوا مَنْ أقْرَأُ منا؟ من أعْلَمُ منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أُولئكم من خير»؟ قالوا لا. قال: «أُولئك منكم وأُولئك من هذه الأُمّة وأُولئك هم وقود النار»

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ۝١١

الدأب العادة والشأن. ودأب الرجل في عمله يدأب دأباً ودؤوباً إذا جدّ وٱجتهد، وأدأبته أنا. وأدأب بعيره إذا جهدَه في السير. والدائبان الليل والنهار. قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر «كدَأَبِ» بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غُلَيِّمٌ: على أيّ شيء يجوز «كدَأَب»؟ فقلت له: أظنه من دَئِبَ يدْأَب دَأَباً. فقبِل ذلك مِني وتعجب من جودة تقديري على صِغري؛ ولا أدري أيقال أم لا. قال النحاس: «وهذا القول خطأ، لا يقال أَلبتّة دَئِب، وإنما يقال: دَأَب يدْأَب دُءُوباً ودَأْباً؛ هكذا حكى النحويون، منهم الفرّاء حكاه في (كتاب المصادر)؛ كما قال ٱمرؤ القيس:

كدأْبِك مِن أم الحُوَيْرِث قَبْلَهاوجارَتِهاأُمِّ الرَّبَابِ بمَأْسَلِ

فأمّا الدَّأَب فإنه يجوز؛ كما يقال: شَعْرٌ وشَعَرٌ ونَهْرٌ ونَهَرٌ؛ لأن فيه حرفاً من حروف الحلق». وٱختلفوا في الكاف؛ فقيل: هي في موضع رفع تقديره دَأْبُهم كدَأْب آل فرعون، أي صنيع الكفّار معك كصنيع آل فرعون مع موسى. وزعم الفرّاء أن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون. قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصِّلة. وقيل: هي متعلقة بـ {أَخَذَهُمُ الله}، أي أخذ آل فرعون. وقيل: هي متعلقة بقوله {لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم} أي لم تُغْنِ عنهم غَنَاء كما لم تُغن الأموال والأولاد عن آل فرعون. وهذا جواب لمن تخلّف عن الجهاد وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا. ويصح أن يعمل فيه فعلٌ مقدّر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق. ويؤيد هذا المعنى {وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوۤءُ ٱلْعَذَابِ} {ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} [غافر: 45، 46]. والقول الأوّل أرجح، وٱختاره غير واحد من العلماء. قال ٱبن عرفة: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} أي كعادة آل فرعون. يقول: ٱعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبيّ صلى الله عليه وسلم كما ٱعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء؛ وقال معناه الأزهريّ. فأمّا قوله في سورة (الأنفال) { كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } [الأنفال: 52] فالمعنى جُوزِي هؤلاء بالقتل والأسر كما جُوزِي آل فرعون بالغرق والهلاك.

قوله تعالى: {بِآيَاتِنَا} يحتمل أن يريد الآيات المتلوّة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدّلالة على الوحدانية.{فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ۝١٢

يعني اليهود. قال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً ببدر وقِدم المدينة جمع اليهود فقال:

يا معشر اليهود ٱحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدرٍ قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، فقالوا: يا محمد، لا يغرّنك أنك قتلت أقواماً أغْمَاراً لا عِلم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة! والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل الله تعالى {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ} بالتاء يعني اليهود: أي تهزمون {وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ} في الآخرة. فهذه رواية عِكرِمة وسعِيد بن جبير عن ٱبن عباس. وفي رواية أبي صالح عنه أن اليهود لما فرِحوا بما أصاب المسلمين يوم أُحُد نزلت. فالمعنى على هذا «سَيُغْلَبُونَ» بالياء، يعني قريشاً، «ويُحْشَرُونَ» بالياء فيهما، وهي قراءة نافع.

قوله تعالى: {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} يعني جهنم؛ هذا ظاهر الآية. وقال مجاهد: المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأنّ المعنى: بئس فعلهم الذي أدّاهم إلى جهنم.

قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِۦ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَٰرِ ۝١٣

قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} أي علامة. وقال {كان} ولم يقل «كانت» لأن {آية} تأنيثها غير حقيقي. وقيل: ردّها إلى البيان، أي قد كان لكم بيان؛ فذهب إلى المعنى وترك اللفظ؛ كقول ٱمرىء القيس:

بَرَهْرَهَةٌ رُؤْدَةٌ رَخْصَةٌ كخُرْعُوبَة الْبَانَةِ المُنْفَطِرْ

ولم يقل المنفطرة؛ لأنه ذهب إلى القضيب. وقال الفرّاء: ذكّره لأنه فرّق بينهما بالصفة، فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذُكِّر الفعل. وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» في قوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ }} [البقرة: 180].

قوله تعالى {فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا} يعني المسلمين والمشركين يوم بدر {فِئَةٌ} قرأ الجمهور «فئة» بالرفع، بمعنى إحداهما فئة. وقرأ الحسن ومجاهد «فِئةٍ» بالخفض «وأُخْرَى كَافِرةٍ» على البدل. وقرأ ٱبن أبي عبلة بالنصب فيهما. قال أحمد بن يحيى: ويجوز النصب على الحال، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة. قال الزجاج: النصب بمعنى أعني. وسمِّيت الجماعة من الناس فئة لأنها يُفَاء إليها، أي يرجع إليها في وقت الشدّة. وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فَأَوْتُ رأسَه بالسيف ـ ويقال: فأيته ـ إذا فلقته. ولا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بَدْر. وٱختلف من المخاطب بها؛ فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة؛ وبكل ٱحتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدِموا على مثليْهم وأمثالهم كما قد وقع.

قوله تعالى: {يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} قال أبو عليّ: الرؤية في هذه الآية رؤية عين؛ ولذلك تعدّت إلى مفعول واحد. قال مكيّ والمهدويّ: يدل عليه {رَأْيَ الْعَيْنِ}. وقرأ نافع «تَرَوْنَهُم» بالتاء والباقون بالياء. {مِّثْلَيْهِمْ} نصب على الحال من الهاء والميم في «ترونهم». والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار. وأنكر أبو عمرو أن يقرأ «ترونهم» بالتاء؛ قال: ولو كان كذلك لكان مِثليكم. قال النحاس: وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مِثلى أصحابكم. قال مكيّ: «تَرَوْنَهُم» بالتاء جرى على الخطاب في {لَكُم} فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين. وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط؛ ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة؛ كقوله تعالى:

{ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم }} [يونس: 22]، وقوله تعالى: { وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ }} [الروم: 39] فخاطب ثم قال: { فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ } [الروم: 39] فرجع إلى الغيبة. فالهاء والميم في {مِثْلَيْهِم} يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثليْ ما هم عليه من العدد؛ وهو بعيد في المعنى؛ لأن الله تعالى لم يُكْثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قلَّلَهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مِثليْكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلَّلَ الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مِثَليْ عِدّتهم لتقوى أنفُسهم ويقع التجاسُر، وقد كانوا أُعلِموا أنّ المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلّل المسلمين في أعين المشركين ليجْتَرئوا عليهم فينْفُذ حكم الله فيهم. ويحتمل أن يكون الضمير في {مِثليْهِم} للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مِثليْ ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثليْ عددكم؛ فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين. والتأويل الأوّل أولى؛ يدل عليه قوله تعالى: { إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً } [الأنفال: 43] وقوله: { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } [الأنفال: 44]. وروى عن ٱبن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة. فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفاً. وحكى الطبريّ عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضِعفيْهم. وضعَّف الطبري هذا القول. قال ٱبن عطية: وكذلك هو مردود من جهات. بل قلّل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدّم. وعلى هذا التأويل كان يكون «ترون» للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدّم. وزعم الفرّاء أنّ المعنى تروْنَهم مثلَيْهم ثلاثةَ أمثالهم. وهو بعيدٌ غير معروف في اللغة. وقال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس؛ لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساوياً له، ونعقِل مثليْه ما يساويه مرتين. قال ٱبن كَيْسان: وقد بين الفرّاء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبدٌ: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغةُ. والذي أوقع الفرّاء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر؛ فتوهّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدّتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه. وإنما أراهم الله على غير عِدّتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك. والأخرى أنه آية للنبيّ صلى الله عليه وسلم. وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى. وأمّا قراءة الياء فقال ٱبن كيسان: الهاء والميم في {يرونهم} عائدة على {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} والهاء والميم في {مثليْهم} عائدة على {فِئَةٌ تُقَاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ} وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: {يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ}. فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود. وقال مكيّ: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة؛ أي ترى الفئةُ المقاتلة في سبيل الله الفئةَ الكافرة مثْلَي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقلّلهم الله فى أعينهم على ما تقدّم. والخطاب في {لكم} لليهود. وقرأ ٱبن عباس وطلحة «تُرَوْنَهم» بِضم التاء، والسلميّ بالتاء مضمومة على ما لم يسم فاعله.

{وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} تقدّم معناه والحمد لله.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ ۝١٤

فيه إحدى عشرة مسألة:

الأولى: قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} زين من التزيين. وٱختلف الناس مَن المزيِّن؛ فقالت فرقةٌ: الله زيَّن ذلك؛ وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره البخاريّ. وفي التنزيل:

{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا } [الكهف: 7]؛ ولما قال عمر: الآن يا ربِّ حين زيّنتها لنا! نزلت { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ } [آل عمران: 15] وقالت فرقة: المزيِّن هو الشيطان؛ وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: مَنْ زيّنَها؟ ما أحدٌ أشدّ لها ذَمّا من خالقها. فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء. وتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها. والآية على كلا الوجهين ٱبتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهِم. وقرأ الجمهور «زُيِّنَ» على بناء الفعل للمفعول، ورفع {حُبُّ}. وقرأ الضحاك ومجاهد «زَيَّنَ» على بناء الفعل للفاعل، ونصب «حُبَّ». وحركت الهاء من {الشَّهَوَاتِ} فرقاً بين الاسم والنعت. والشّهوات جمع شَهْوة وهي معروفة. ورجل شهوان للشيء، وشيء شهيّ: أي مُشْتَهًى. وٱتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة. وفي صحيح مسلم:حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهواترواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها. وأن النار لا ينْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها. وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: طريق الجنة حزْنٌ برَبْوة وطريق النار سهل بسَهْوَة؛ وهو معنى قوله: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات. أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الرّوَابِي، وطريق النار سهل لا غِلظ فيه ولا وعورة، وهو معنى قوله «سهل بسهوة» وهو بالسين المهملة.

الثانية ـ قوله تعالى: {مِنَ ٱلنِّسَاءِ} بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن؛ لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء أخرجه البخاريّ ومسلم. ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء. ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأمّا اللتان في النساء فإحداهما: أن تؤدِّي إلى قطع الرِحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات. والثانية: يُبْتلي بجمع المال من الحلال والحرام. وأمّا البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ٱبْتُلِي بجمع المال لأجلهم. وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُسْكِنوا نساءكم الغُرَفَ ولا تُعَلِّموهنّ الكِتاب. حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن في إسكانهن الغرف تطلّعاً إلى الرجال، وليس في ذلك تحْصِينٌ لهن ولا سِتْر؛ لأنهن قد يُشْرفْن على الرجال فتحدُث الفتنة والبلاء، ولأنهن قد خُلِقْن من الرجل؛ فهِمّتها في الرجل والرجلُ خُلِق فيه الشهوة وجُعِلَتْ سَكَناً له؛ فغير مأمونٍ كل واحد منهما على صاحبه. وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد. وفي كتاب (الشِّهاب) عن النبي صلى الله عليه وسلم: أعْرُوا النساء يَلْزَمْن الحِجَال. فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدِّين ليسلَم له الدِّين؛ قال صلى الله عليه وسلم: عَلَيْكَ بذاتِ الدين تَرِبَتْ يداك أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وفي سنن ٱبن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تَزَوَّجوا النساء لحسنِهن فعسى حسنُهن أن يُرْدِيهن ولا تزوجوهنّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تُطْغِيهن ولكن تَزوجوهن على الدِّين ولأُمَةٌ سَوْداء خَرْمَاء ذات دِين أفضلُ».

الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلْبَنِينَ} عطف على ما قبله. وواحد من البنين ٱبن. قال الله تعالى مخبراً عن نوح: {إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي}. وتقول في التصغير «بُنَيّ» كما قال لقمان. وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأشعث بن قيس: «هل لك من ٱبنة حمزة من ولد»؟ قال؟ نعم، لي منها غلام ولَوَدِدْتُّ أنّ لي به جَفنَةً مِنْ طعام أطعمها مَن بقي من بَنِي جَبَلة. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

لئن قلت ذلك إنهم لثمرة القلوب وقرّة الأعين وإنهم مع ذلك لمَجْبَنَةٌ مبْخَلَةٌ محزَنَةٌ».

الرابعة: قوله تعالى: {وَٱلْقَنَاطِيرِ} القناطير جمع قنطار، كما قال تعالى:

{ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً } [النساء: 20] وهو العُقْدَة الكبيرة من المال، وقيل: هو ٱسم للمِعْيار الذي يُوزَن به؛ كما هو الرطل والربع. ويقال لِما بَلَغ ذلك الوزنَ: هذا قنطار، أي يعدل القنطار. والعرب تقول: قَنْطَر الرجلُ إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار. وقال الزجاج: القِنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه؛ تقول العرب: قنطرتَ الشيء إذا أحكمته؛ ومنه سميت القنطرة لإحكامها. قال طرفة:

كَقَنْطَرَةِ الرُّوميِّ أقسم ربُّهالتُكْتَنَفَنْ حتّى تُشَادُ بقَرْمَدِ

والقنطرة المعقودة؛ فكأنّ القنطار عَقْدُ مالٍ. وٱختلف العلماء في تحرير حَدِّهِ كم هو على أقوال عديدة؛ فروى أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: القنطار ألف أُوقِيَّة ومائتا أوقِية؛ وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء. قال ٱبن عطية: «وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف بٱختلاف البلاد في قدر الأوقية». وقيل: ٱثنا عشر ألف أوقية؛ أسنده البستِيّ في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:القنطار ٱثنا عشر ألف أوْقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض. وقال بهذا القول أبو هريرة أيضاً. وفي مسند أبي محمد الدارميّ عن أبي سعِيد الخدريّ قال: «من قرأ في ليلة عشر آيات كُتِب من الذاكرين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر» قيل: وما القنطار؟ قال: «ملء مَسْك ثَوْرٍ ذهباً». موقوف؛ وقال به أبو نَضْرَة العَبْديّ. وذكر ٱبن سِيدَه أنه هكذا بالسريانية. وقال النقاش عن ٱبن الكلبيّ أنه هكذا بلغة الروم. وقال ٱبن عباس والضحاك والحسن: ألف ومائتا مِثقالٍ من الفضة؛ ورفعه الحسن. وعن ٱبن عباس: ٱثنا عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ألف دينار دِية الرجل المسلم؛ وروي عن الحسن والضحاك. وقال سعِيد بن المسَيِّب: ثمانون ألفاً. قتادة: مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة. وقال أبو حمزة الثُّمَاليّ: القنطار بإقرِيفية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة. السديّ: أربعة آلاف مثقال. مجاهد: سبعون ألف مثقال؛ وروي عن ٱبن عمر. وحكى مكيّ قولاً أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة؛ وقاله ٱبن سِيَدة في المحكم، وقال: القنطار بلغة بَرْبَرْ ألف مثقال. وقال الربيع ابن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض؛ وهذا هو المعروف عند العرب، ومنه قوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} أي مالاً كثيراً. ومنه الحديث: «إنّ صفوان بن أُمية قَنْطَر في الجاهلية وقَنْطَر أبوه» أي صار له قنطار من المال. وعن الحكم: القنطار هو ما بين السماء والأرض. وٱختلفوا في معنى «المُقَنْطَرَةِ» فقال الطبرِيّ وغيره: معناه المُضَعَّفَة، وكأنّ القناطير ثلاثةٌ والمقنطرة تسعٌ. وروي عن الفرّاء أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير. السديّ: المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم. مكيّ: المقنطرة المُكَملة؛ وحكاه الهروي؛ كما يقال: بِدَرٌ مُبَدَّرَة، وآلافٌ مؤَلّفة. وقال بعضهم. ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض. ٱبن كيسان والفرّاء: لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير. وقيل: المقَنْطَرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيداً. وفي صحيح البستيِّ عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطِرِين».

الخامسة: قوله تعالى: {مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} الذهب مؤنثة؛ يقال: هي الذهب الحسنةُ، جمعها ذهاب وذُهُوب. ويجوز أن يكون جمع ذَهْبَة، ويجمع على الأذْهَاب. وذهب فلان مذهباً حسناً. والذهب: مكيالٌ لأهل اليمن. ورجل ذَهِبٌ إذا رأى معدِن الذّهَبِ فدَهِش. والفضّة معروفة، وجمعها فِضَضٌ. فالذهب مأخوذة من الذَّهَاب، والفضة مأخوذة من ٱنفَضّ الشيء تفرّق؛ ومنه فَضَضْتُ القوم فٱنفضوا، أي فرّقتهم فتفرّقوا. وهذا الاشتقاق يُشعر بزوالهما وعدم ثُبوتهما كما هو مشاهد في الوجود. ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:

النّار آخرُ دِينارٍ نطقتَ بهوالهمُّ آخِرُ هذا الدِّرْهمِ الجاري والمرءُ بينهما إن كان ذا وَرَعٍمُعذّبَ القلبِ بَيْن الهَمِّ والنار

السادسة: قوله تعالى: {وَٱلْخَيْلِ} الخيل مؤنثة. قال ٱبن كيسان: حُدِّثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، مثل طائر وطير، وضائن وضَيْن؛ وسمِّي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه. وقال غيره: هو ٱسم جمع لا واحد له من لفظه، واحده فرس، كالقوم والرهْط والنساء والإبل ونحوها. وفي الخبر من حديث عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح. وَهْبُ بن مُنَبِّه: خلقها من رِيح الجَنُوب. قال وهب: فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها. وسيأتي لذكر الخَيْل ووصفها في سورة «الأنفال» ما فيه كفايةٌ إن شاء الله تعالى. وفي الخبر: «إن الله عرض على آدم جميع الدواب، فقيل له: ٱختر منها واحداً فاختار الفرس؛ فقيل له: ٱخترت عِزّك؛ فصار ٱسمه الخير من هذا الوجه». وسميّت خيلاً لأنها مَوْسُومَة بالعِزِّ فمن ركبه ٱعتز بِنحْلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى. وسمّي فرساً لأنه يفترس مسافات الجوّ ٱفتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطاً وتناولاً، وسمي عربياً لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي، فصار له نِحلة من الله تعالى فسمي عربياً. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الشيطان داراً فيها فرس عتِيق. وإنما سمي عتيقاً لأنه قد تخلص من الهجانة. وقد قال صلى الله عليه وسلم: خير الخيلِ الأدهم الأقرح الأرثم (ثم الأقرح المحجل) طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشيةِ. أخرجه الترمِذِيّ عن أبي قتادة. وفي مسند الدارميّ عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أُريد أن أشتري فرساً (فأيها أشترِي)؟ قال: «إِشترِ أدهم أرثم محجلاً طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم». وروى النسائِي عن أنس قال: لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل. وروى الأئمة عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل ثلاثة لرجلٍ أجر ولرجلٍ سِتر ولرجل وِزر الحديث بطوله، شهرته أغنت عن ذكره. وسيأتي ذكر أحكام الخيل في «الأنفال» و «النحل» بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى

السابعة: قوله تعالى: {ٱلْمُسَوَّمَةِ} يعني الراعية في المروج والمسارح؛ قاله سعيد ٱبن جبير. يقال: سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوماً فهي سائمة. وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة. وسوّمتها تسويماً فهي مُسوَّمة. وفي سنن ٱبن ماجه عن عليّ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السَّوْم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات الدرّ. السوم هنا في معنى الرعي. وقال الله عز وجل:

{ فِيهِ تُسِيمُونَ }} [النحل: 10]. قال الأخطل:

مثل ٱبنِ بزعة أو كآخر مثلِهأولى لك ٱبن مِسيمةِ الأجْمالِ

أراد ٱبن راعية الإبل. والسوام: كل بهيمة ترعى، وقيل: المعدّة للجهاد؛ قاله ٱبن زيد. مجاهد: المُسَوَّمَة المطَهَّمَة الحسان. وقال عِكرمة: سوّمها الحسن؛ وٱختاره النحاس، من قولهم: رجل وسِيم. وروى عن ٱبن عباس أنه قال: المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها، من السيما وهي العلامة. وهذا مذهب الكسائيّ وأبي عبيدة.

قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية مُعَدَّة حساناً مُعْلَمَة لِتُعرفَ من غيرها. قال أبو زيد: أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى. وحكى ٱبن فارس اللغويّ في مجمله: المسَوَّمَة المرْسَلَة وعليها ركبانها. وقال المؤرِّج: المسوّمة المكْوِية. المبرّد: المعروفة في البلدان. ٱبن كيسان: البُلْقُ. وكلها متقارب من السيما. قال النابغة:

وضُمْرٍ كالقِدَاح مُسَوَّمَاتٍعليها مَعْشَرٌ أشْبَاهُ جِنِّ

الثامنة: قوله تعالى: {وَٱلأَنْعَامِ} قال ٱبن كيسان: إذا قلت نَعَمٌ لم تكن إلا للإبل، فإذا قلت أنعامٌ وقعت للإبل وكل ما يرعى. قال الفرّاء: هو مُذَكَّر ولا يؤنّث؛ يقولون: هذا نَعَمٌ واردٌ، ويجمع أنعاماً. قال الهَروِيّ: والنَّعَم يذكّر ويؤنّث، والأنعام المَواشي من الإبل والبقر والغنم؛ وإذا قيل: النّعَم فهو الإبل خاصّة. وقال حسان:

وكانت لا يزال بها أنِيسخِلاَلَ مُروجِها نَعَمٌ وشَاءُ

وفي سنن ٱبن ماجه عن عروة البارِقيّ يرفعه قال: الإبلُ عِزٌّ لأهلها والغنم بركةٌ والخيرُ معقودٌ في نواصي الخيل إلى يوم القيامة. وفيه عن ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشاة من دوابّ الجنة. وفيه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدَّجَاج. وقال: عند ٱتخاذَ الأغنياءِ الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى وفيه عن أُمِّ هانِىء أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها: ٱتّخذِي غَنَماً فإنّ فيها بركة. أخرجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة عن وكيع عن هِشام بن عُرْوة عن أبيه عن أُمّ هانِىء، إسناد صحيح.

التاسعة: قوله تعالى: {وَٱلْحَرْثِ} الحرث هنا ٱسم لكل ما يُحْرَث، وهو مصدر سمِّي به؛ تقول: حَرَث الرجل حَرْثاً إذا أثار الأرض لمعنى الفِلاَحَة؛ فيقع ٱسم الحراثةَ على زرع الحبوب وعلى الجَنّات وعلى غير ذلك من نوع الفِلاحة. وفي الحديث:

ٱحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا. يقال حرثت وٱحترثت. وفي حديث عبد الله. «ٱحْرُثوا هذا القرآن» أي فَتِّشُوه. قال ٱبن الأعرابيّ: الحرث التّفْتِيشُ؛ وفي الحديث:أصدقُ الأسماء الحارِثُلأن الحارث هو الكاسب، وآحتراث المال كسبه، والمِحْراث مُسْعر النار والحَرَاثُ مَجْرى الوَتَر في القوس، والجمع أحْرِثه، وأحرث الرجل ناقتَه أهْزَلها. وفي حديث معاوية: ما فعلتْ نَواضحُكم؟ قالوا: حرَثْناها يومَ بَدْر. قال أبو عبيد: يعنون هزلناها؛ يقال: حرثت الدابة وأحرثتها، لغتان. وفي صحيح البخاريّ. عن أبي أُمامة الباهِلِيّ قال وقد رأى سِكّة وشيئاً من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يدخلُ هذا بيت قومٍ إلا دخله الذُّلّ. قيل: إنّ الذلّ هنا ما يلزَم أهل الشغلَ بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم الحَضّ على مَعالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات؛ وذلك لِما خشِي النبيّ صلى الله عليه وسلم على أُمّته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله؛ لأنهم إن ٱشتغلوا بالحرث غلبتهم الأُمم الراكبة للخير المتعيشة من مكاسبها؛ فحضهم على التعيُّش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المِهْنَة. ألا ترى أنّ عمر قال: تمعْدَدوا وٱخْشَوشِنوا وٱقطعوا الرّكُبَ وثِبوا على الخيل وَثْباً لا تغلبنّكم عليها رعاة الإبل. فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: ما مِن مسلم غَرَسَ غَرْساً أو زَرَع زرعاً فيأكل منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له به صدقة».

قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس؛ أمّا الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأمّا الخيل المسوّمة فيتموّل بها الملوك، وأمّا الأنعام فيتموّل بها أهل البوادِي، وأمّا الحرث فيتموّل بها أهل الرساتيق. فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتموّل، فأمّا النساء والبنون ففتنة للجميع.

العاشرة: قوله تعالى: {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ما يُتَمتّع به فيها ثم يذهب ولا يبقى. وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. روى ٱبن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة. وفي الحديث: إزهد في الدنيا يحِبك الله أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروريّ. قال صلى الله عليه وسلم: ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيتٌ يسكنه وثوبٌ يُوارِي عورتَه وجِلْف الخبز والماءأخرجه الترمذِي من حديث المقدام بن معد يكرب. وسئل سهل بن عبد الله: بِم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أُمِر به.

الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} ابتداءٌ وخبر. والمآب المرجع؛ آب يؤوب إياباً إذا رجع؛ قال ٱمرؤ القيس.

وقد طوفت في الآفاق حتىرضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإيَابِ

وقال آخر:

وكلّ ذي غَيْبَةٍ يؤُوبُوغائِبُ الْمَوْتِ لا يؤوبُ

وأصل مآب مأوب، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال. ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة.

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ ۝١٥

منتهى الاستفهام عند قوله {مِّن ذٰلِكُمْ}، {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا} خبر مقدم، و {جَنَّاتٌ} رَفْع بالابتداء. وقيل: منتهاه {عِندَ رَبِّهِمْ}، و {جَنَّاتٌ} على هذا رفع بٱبتداء مضمر تقديره ذلك جنات. ويجوز على هذا التأويل «جَنَّاتٍ» بالخفض بدلاً من «خَيْرٍ» ولا يجوز ذلك على الأوّل. قال ابن عطية: وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله عليه السلام:

تُنْكح المرأة لأربع لِمالِها وحسبها وجمالها ودِينها فاظفر بذات الدِّين تَرِبَتْ يَداكخرّجه مسلم وغيره. فقوله «فاظْفَرْ بذات الدين» مِثال لهذه الآية. وما قبلُ مثالٌ للأولى. فذكر تعالى هذه تسليةً عن الدنيا وتقويةً لنفوس تاركيها. وقد تقدّم في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية. والرضوان مصدر من الرضا، وهو أنه إذا دخل أهل الجنةِ الجنة يقول الله تعالى لهم «تريدون شيئاً أزيدكم»؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: «رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبداً» خرّجه مسلم. وفي قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ} وعدٌ ووَعِيدٌ.

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ۝١٦ ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلْقَٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ ۝١٧

{ٱلَّذِينَ} بدل من قوله «لِلّذِينَ ٱتَّقَوْا» وإن شئت كان رفعاً أي هم الذين، أو نصباً على المدح. {رَبَّنَآ} أي يا ربنا. {إِنَّنَآ آمَنَّا} أي صدّقنا. {فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} دعاء بالمغفرة. {وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} تقدّم في البقرة. {ٱلصَّابِرِينَ} يعني عن المعاصي والشهوات، وقيل: على الطاعات. {وَٱلصَّادِقِينَ} أي في الأفعال والأقوال {وَٱلْقَانِتِينَ} الطائعين. {وَٱلْمُنْفِقِينَ} يعني في سبيل الله. وقد تقدّم في البقرة هذه المعاني على الكمال. ففسر تعالى في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات.

وٱختلف في معنى قوله تعالى: {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ} فقال أنس بن مالك: هم السائلون المغفرة. قتادة: المصَلّون.

قلت: ولا تناقض، فإنهم يصلون ويستغفرون. وخص السّحَر بالذكر لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى مخبراً عن يعقوب عليه السلام لبنيه:

{ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ } [يوسف: 98]: «إنه أخّر ذلك إلى السحر» خرّجه الترمذيّ وسيأتي. وسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم جبريل «أيّ الليل أسمع»؟ فقال: «لا أدري غير أنّ العرش يهتزّ عند السحر». يقال سحر وسحر، بفتح الحاء وسكونها، وقال الزجاج: السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني، وقال ٱبن زيد: السحر هو سدس الليل الآخر.

قلت: أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

ينزِل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل فيقول أنا المِلك أنا المِلك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفِر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجرفي روايةحتى ينفجر الصبح لفظ مسلم. وقد ٱختلف في تأويله؛ وأُولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النَّسائيّ مفسَّراً عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله عز وجل يمهِل حتى يمضي شطرُ الليل الأوّل ثم يأمر منادياً فيقول هل من داعٍ يُستجاب له هل من مستغفِر يغفر له هل من سائل يُعطى. صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل ٱحتمال، وأنّ الأوّل من باب حذف المضاف، أي ينزل ملَكُ ربنا فيقول. وقد روي «يُنزَل» بضم الياء، وهو يبيّن ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. وقد أتينا على ذكره في «الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى».

مسألة: الاستغفار مندوبٌ إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال:

{ وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }} [الذاريات: 18]. وقال أنس بن مالك: أُمِرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة. وقال سفيان الثورِيّ: بلغني أنه إذا كان أوّل الليل نادى منادٍ لِيقِم القانتون فيقومون كذلك يُصلّون إلى السحر، فإذا كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرون فيستغفر أُولئك، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى منادٍ: ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرِشهم كالموتى نُشِروا من قبورهم. وروى عن أنس سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يقول إني لأهمّ بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عُمّار بيوتي وإلى المتحابّين فيّ وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم. قال مكحول: إذا كان في أُمّة خمسة عشر رجلاً يستغفرون الله كل يوم خمساً وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأُمة بعذاب العامّة. ذكره أبو نعيم في كتاب الحِلية له. وقال نافع: كان ٱبن عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول لا. فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم قعد يستغفر. وروى إبراهيم بن حاطِب عن أبيه قال: سمعت رجلاً في السحر في ناحية المسجد يقول: يا ربّ، أمرتني فأطعتك، وهذا سحرٌ فٱغفر لي. فنظرت فإذا (هو) ٱبن مسعود.

قلت: فهذا كله يدل على أنه ٱستغفار باللسان مع حضور القلب، لا ما قال ٱبن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة. والله أعلم. وقال لقمان لابنه: «يا بنيّ لا يكنِ الدِّيك أكيسَ منك، ينادِي بالأسحار وأنت نائم». والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شدّاد بن أوس، وليس له في الجامع غيره، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربّي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدِك ما ٱستطعت أعوذ بك من شر ما صنعتُ أَبُوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فٱغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ـ قال ـ ومَنْ قالها من النهار مُوقِناً بها فمات من يومه قبل أن يمسِي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو مُوقن بها فمات من ليلة قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة». وروى أبو محمد عبد الغنيّ بن سعيد من حديث ٱبن لَهِيعَةَ عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جُبَيْر عن أبي الصَّهْباء البكريّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال:

ألا أُعَلِّمك كلماتٍ تقولهنّ لو كانت ذنوبك كَمَدبِّ النمل ـ أو كَمَدبّ الذّرّ ـ لغفرها الله لك على أنه مغفور لك: اللهم لا إلۤه إلا أنت سبحانك عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فٱغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت».

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ۝١٨

فيه أربع مسائل:

الأولى: قال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فلما نزلت هذه الآية خَرَرْنَ سُجّداً. وقال الكلبيّ:

لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حِبران من أحبار أهل الشام؛ فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان!. فلما دخلا على النبيّ صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال «نعم». قالا: وأنت أحمد ؟ قال: «نعم». قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنّا بك وصدّقناك. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَلاَني». فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله. فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ} فأسلم الرجلان وصدّقا برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قيل: إن المراد بأُولي العلم الأنبياء عليهم السلام. وقال ٱبن كيسان: المهاجرون والأنصار. مقاتِل: مؤمِنوا أهل الكتاب. السدي والكلبيّ: المؤمنون كلهم؛ وهو الأظهر لأنه عام.

الثانية: في هذه الآَية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه وٱسم ملائكته كما قرن ٱسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه صلى الله عليه وسلم

{ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } [طه: 114] فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر يستزيده من العلم. وقال صلى الله عليه وسلم.إنّ العلماء ورثة الأنبياء. وقال: العلماء أُمَنَاء الله على خلقه. وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلُّ لهم في الدّين خطير. وخرّج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث برَكَة بن نَشِيط ـ وهو عَنْكَل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط ـ وكان حافظا، حدثنا عمر ٱبن المؤمل حدثنا محمد بن أبي الخصيب حدّثنا محمد بن إسحاق حدّثنا شريك عن أبي إسحاق عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأَنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة. وفي هذا الباب (حديث) عن أبي الدرداء خرّجه أبو داود.

الثالثة: روى غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريباً من الأعمش فكنت أختلف إليه. فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآَية {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ}، قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهِد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لى (عند الله) وديعة، وأن الدين عند الله الإسلام ـ قالها مرارا ـ فغدوت إليه وودّعته ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به. قال: والله لا حدثتك به سنة. قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة. قال: حدّثني أبو وائل. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُجَاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهِد إلي وأنا أحَقّ من وَفي أدخِلوا عبدي الجنة». قال أبو الفرج الجوزي: غالب القطّان هو غالب بن خُطّاف القطّان، يروي عن الأعمش حديث «شهد الله» وهو حديث مُعْضَل. قال ٱبن عدىَّ الضعف على حديثه بيِّن. وقال أحمد بن حنبل: غالب بن خُطّاف القَطّان ثِقةٌ ثقة. وقال ٱبن معين: ثِقة. وقال أبو حاتم: صدوق صالح.

قلت: يكفيك من عدالته وثقته أن خرّج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك، وروي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

منْ قرأ {شَهِد اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إلَهَ إِلاّ هُوَ والْمَلاَئِكَةُ وأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالقِسطِ لاَ إلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة. ويقال من أقرّ بهذه الشهادة عن عقْد من قلبه فقد قام بالعدل. وروى عن سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً لكل حَيِّ من أحْيَاء العرب صنمٌ أو صنمان. فلما نزلت هذه الآَية أصبحت الأصنام قد خرت ساجدة لله.

الرابعة: قوله تعالى: {شَهِدَ ٱللَّهُ} أي بَيّن وأعلم؛ كما يقال: شهِد فلان عند القاضي إذا بيّن وأعلم لمن الحقّ، أو على مِنْ هو. قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويَبيَّنه؛ وفقد دّلنا الله تعالى على وحدانيته بما خَلَق وبَيّن. وقال أبو عُبَيْدة: «شهِد الله» بمعنى قضى الله، أي أعلم. وقال ٱبن عطية: وهذا مردود من جهات. وقرأ الكسائي بفتح «أنّ» في قوله «أنّه لا إله إلاّ هُو» وقوِله «أنّ الدِّينَ». قال المبرد: التقدير: أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال: أمرتُك الخيْرَ. أي بالخير. قال الكسائيّ: أنصِبْهما جميعاً، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأنّ الدين عند الله. قال ٱبن كيسان: «أنّ» الثانية بدل من الأولى؛ لأن الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. وقرأ ٱبن عباس فيما حكى الكسائيّ «شَهِدَ اللَّهُ إنَّهُ» بالكسر « أنّ الدِّين» بالفتح. والتقدير: شهد الله أن الدين الإسلام، ثم ٱبتدأ فقال: إنه لا إله إلا هو. وقرأ أبو المهلّب وكان قارئا ـ شُهَدَاءَ اللَّهِ بالنصب على الحال، وعنه «شُهَدَاء الله». وروى شعبة عن عاصم عن زِرِّ عن أُبَيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ «أن الدين عند الله الحنِيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية» قال أبو بكر الأنباريّ: ولا يخفى على ذي تمييزٍ أن هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن. و {قَآئِمَاً} نصب على الحال المؤكّدة من ٱسمه تعالى في قوله {شَهِدَ ٱللَّهُ} أو من قوله {إِلاَّ هُوَ}. وقال الفرّاء: هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نُصب كقوله:

{ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً } [النحل: 52] وفي قراءة عبد الله «القَائِمُ بِالقِسْطِ» على النعت، والقِسط العدل. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} كرّر لأن الأولى حَلّتْ محلّ الدعوى، والشهادة الثانية حلّت محل الحكُم. وقال جعفر الصادق: الأولى وصفٌ وتوحيدٌ، والثانية رَسْمٌ وتعليمٌ؛ يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم.
الأحد، 25 أكتوبر 2026 14 جمادى الأولى 1448 هـ